118007
خطبه الجمعة - الخطبة 0015 : أخلاق الزوجة المؤمنة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1974-12-06
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

صفات وأخلاق المرأة المسلمة :

أيها الإخوة المؤمنون :
قال الله تعالى في حديث قدسي :

(( إذا أردتُ أن أجمع للمرء المسلم خير الدنيا والآخرة جعلت له قلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وجسداً على البلاء صابراً ، وزوجةً مؤمنة تسره إن نظر إلأيها ، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله ))

أخوتي المؤمنين ؛ الزوجة المؤمنة ليست ككل الزوجات , وأخلاقها ليست كأخلاقهن ، إنها كالجوهرة المكنونة ، ودود ولود تطيع زوجها ، وترعى بيتها ، ترضى باليسير ، ولا تكلف العسير ، شكورة صبورة .
الزوجة المؤمنة كالجوهرة المكنونة
قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن خير نسائكم الولود الودود السَّتِّيرة العزيزة في ا÷لها ، الذليلة مع بعلها ،المتبرجة مع زوجها ، الحصان عن غيره ، التي تسمع قوله وتطيع أمره ، وإذا خلا بها بذلت له ما أراد منها ، ولم تبذَّل له تبذل الرجل ))

إن هؤلاء الزوجات المؤمنات ، وهذه أخلاقهن لهن عند الله أجرٌ كبير وثواب جزيل ، ومكانة علية ، قال عليه الصلاة والسلام :
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أما ترضى إحداكن أنها إذا كانت حاملاً من زوجها وهو عنها راض أن لها مثل أجر الصائم القائم في سبيل الله ، وإذا أصابها الطلق لم يعلم أهل السماء والأرض ما أخفي لها من قرة أعين ، فإذا وضعت لم يخرج من لبنها جرعة ولم يمصَّ من ثديها مصّة إلا كانت لها بكل جرعة وبكل مصة حسنة ، وإن أسهرها ليلة كان لها مثل أجر سبعين رقبة تعتقهم في سبيل الله ... سلامة أتدرين من أعني بهذا الممتنعات الصالحات المطيعات لأزواجهن ، اللواتي لا يكفرن العشير ))

[ رواه الطبراني في الأوسط عن الحسن بن سفيان ]

وقال صلوات الله عليه أيضاً :

(( إن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

أيها الإخوة المؤمنون ؛ روت كتب الأدب والسيرة أن الشعبي لقي شريحاً القاضي فقال له : كيف حالك في بيتك يا شريح ؟
قال : منذ عشرين سنةً وأنا زوج لم أجد ما ينغص حياتي أو يُعكر صفائي .
قال له الشعبي : وكيف ذاك ؟
قال شريح : خطبت امرأة من أسرة صالحة ، وفي أول ليلة دخلت فيها عليها وجدت كمالاً وصلاحاً ، فصليت ركعتين من صلاتي شكراً لله تعالى على ما أولاني من نعمة الزوجة الصالحة الأمينة ، ولما سلمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي ، وتسلم بسلامي ، وتشكر شكري ولما خلا البيت من الأصحاب والأحباب ، أخذت بيدها ، فقالت على رسلك (أي تمهل) يا أبا أمية ، كما أنت ثم قامت وخطبت تقول :
الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على نبيِّه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه واستغفره من كل ذنب ، أما بعد ، فإنني امرأة غريبة لا أدري ما تحب وما تكره ، فبيِّن لي ما تحب حتى آتيه ، وما تكره حتى أجتنبه ، لقد كان لك يا أبا أمية من نساء قومك من هي كف لزواجك وكان لي من رجال قومي من هو كف لزواجي ، ولكن الله تعالى قضى أمراً كان مفعولاً ، فكنتُ لك زوجة ، على كتاب الله ، وسنة رسوله فقد ملكت بشرع الله فاتق الله فيَّ ، وامتثل في زواجنا أمر الله تعالى : "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " .. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولك ، ثم قعدت .
قال شريح : فألجأتني إلى الخطبة في ذلك الموقف ، فقمت وقلت : الحمد لله أحمده ، وأستعينه ، وأصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم وأستغفره من كل ذنب ، أما بعد ؛ فقد قلت كلاماً إن تثبتي عليه وتصدقي فيه يكن لك ذخراً وأجراً وفضلاً ، وإن تدعيه ، كان حجةً عليك
أحب كذا وكذا ، وأكره كذا وكذا ، وما وجدت من حسنة فانشريها ، أو من سيئة فاستريها ، فقالت لي : كيف فحبتك لزيارة أهلي وأهلك ؟
فقلت : نزورهم غباً ( أي وقتاً بعد وقت ) مع انقطاع بين الحين والحين ، فإني لا أحب أن يملونا ، وفي الحديث الشريف ؛ زر غباً تزدد حباً " .
ورحم الله القائل :
غب وزر غباً تزدد حباً فمن أكثر الترداد أضناه الملل
فقالت : سمعاً وطاعة , مَن مِنَ الجيران تحب حتى أسمح لنسائهم بالدخول إلى بيتك ، ومن تكره حتى أمنع نساءهم من الدخول ؟
فقلت لها : بنو فلان قوم صالحون ، وبنو فلان غير ذلك .
ومضى عام كامل عدت في يوم من الأيام من مجلس القضاء فرأيت في دارنا أم زوجتي فرحبت بها ، وسلمت عليها .
فقالت لي : كيف رأيت زوجتك يا أبا أميِّة ؟
فقلت : هي خير زوجة ولله الحمد .
وكانت قد علمت منها أنها في أهنأ عيش ، وأنعمه ، من فعال ومقال .
فقالت لي : يا أبا أمية ، إن المرأة لا تكون أسوأ حالاً منها حين تدلل فوق الحدود ، وما أوتي الرجال قط شراً من المرأة المدللة ، فأدب ما شئت أن تؤدب ، وهذِّب ما شئت أن تهذب ، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة ، ومضى علينا عشرون عاماً ، لم أجد ما يؤلمني منها إلا مرة واحدة كنت أنا الظالم فيها " .
أيها الإخوة المؤمنون ؛ هكذا تكون المرأة المسلمة .
قال عليه الصلاة والسلام :
عن تميم الداري رضي الله عنه :

(( المرأة المسلمة تبر قسم زوجها ، وتطيع أمره ، ولا تخرج إلا بإذنه ولا تدخل عليه من يكره ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

فيا أخي المؤمن ؛ شاباً كنتَ أو زوجاً أو أباً , إن كنت شاباً فابحث عن المؤمنة ، ولا يغرك جمال الفاسقة ، ففيها شؤم لك في حياتك ، وفي آخرتك قال تعالى :

﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

وإذا أساءت إليك من يعجبك جمالها فوقتئذ لا ترى جمالها ، بل ترى لؤمها ، وخبثها ، وبغضها ، واستعلاءها ، واعلم أن الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ، وخير شيء للمؤمن بعد التقوى ، زوجة صالحة .
قال عليه الصلاة والسلام :
خير شيء للمؤمن بعد التقوى ، زوجة صالحة.
عن أبو هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( تُنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها . فاظْفَر بذات الدين تَرِبَتْ يداك ))

[ رواه مسلم ]

وأخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( من تزوج المراة لغزها لم يزده الله إلا ذلاً ، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً ، ومن تزوجها لحسبها ، لم يزده الله إلا دناءة ، ومن تزوج أمراة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ، وأن يحفظ فرجه ، وأن يصل رحمه ، بارك الله له فيها وبارك لها فيه ))

ويا أخي المؤمن ؛ إن كنت زوجاً ، وأردت إصلاح زوجتك فابدأ بنفسك ، فاحملها على الاستقامة ، والطهر ، والعفاف ، ثم عامل زوجتك بالإحسان ، وتجاوز عن سيئاتها ، وعن الإساءة إليها ، وبعد ذلك ليكن لك معها جلسات من حين لآخر تعلمها ، أنت حقيقة الإيمان ، وجوهر الإسلام ، وبعضاً من سور القرآن ، وشيئا عن نبينا وصحابته الكرام ، وأمرها بالصلاة ، واصطبر عليها ، وانظر بعد ذلك كيف تسعدك بعد أن أسعدتها ، وكيف تحفظك بعد أن حفظت نفسك ، ولا تنس يا أخي المؤمن ، أن الحلم سيد الأخلاق ، فلا تهدم في يوم ما بنيته في شهر ، ووقر زوجتك ، وإياك أن تستخف بها ، فتستخف بك .
وقد ورد في الحديث الشريف :

(( هيبة الرجل لزوجته تزيد من عفتها ))

إن كنت أباً فربِّ بناتك على الأخلاق
ويا أخي المؤمن ؛ إن كنت أباً فربِّ بناتك على هذه الأخلاق ، ليكن لك ستراً من النار ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( من جاءه بنتان فأحسن تربيتهما حتى يزوجهما أو يموت عنها كانتا ستراً له من النار ))

أيها الإخوة ؛ هذه أخلاق الزوجة المؤمنة ، وأرجو الله أن يتيح لي في خطبة قادمة أن أتحدث عن صفات الزوج المؤمن الذي يستحق هذه الزوجة المؤمنة .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS