29570
خطبه الجمعة - الخطبة 0050 : العقبة الأولى في طريق الإيمان .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1975-10-24
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حب الدنيا سبب لكل خطأ يرتكبه الإنسان

 أيها الإخوة ؛ حدثتكم في خطبة سابقة عن أن الله جل وعلا جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً ، والمنهاج هو الطريق المفضية إلى رقي النفس حتى تصبح في مستوى الشريعة ، وحدثتكم في خطبة تالية عن أن الإنسان أي إنسان لا يطبق أوامر الدين ما لم يراها هو دون إكراه نطقية معقولة ، واقعية تعود عليه بالسعادة العادلة ، والآجلة ، وتصرف عنه المهالك والأخطار .
 وفي هذه الخطبة سنتحدث عن العقبة الأولى التي تحول بين الإنسان وبين السير في طريق الإيمان ، هذه العقبة هي " حب الدنيا ،
 عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال عليه الصلاة والسلام:

((حب الدنيا رأس كل خطيئة))

[أخرجه زيادات رزين]

 قد يقول أحدكم : كلنا نحب الدنيا !!
 فمن منا لا يحب أن يكون له دخل يغطي حاجاته ، ويجنبه العوز والضيق والقلق .
 ومن منا لا يحب أن يكون له منزلٌ مريح يقيه الحرَّ والقر ، ويسكن فيه بعد التعب والنصب.
 ومن منا لا يحب أن تكون له زوجة تسرُّه إن نظر إليها ، وتحفظه إذا غاب عنها .
 ومن منا لا يحب أن يكون له أولاد يسرحون ويمرحون ، يؤنسون وحشته ويعينونه على متاعب الحياة في خريف العمر .
 أيها الإخوة ؛ لا ضير عليكم إذا أحببتم الدنيا هكذا ، ولكن حبَّ الدنيا الذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا ، فحينما يجعل الإنسان هواه إلهه ، والانغماس في الشهوة دينه ، واقتناص اللذة قبلته ، ولا يبالي يقضى شهوته من حلال أو حرام ، وحينما ينشط الإنسان إلى جمع المال ، ولا يبالي أكان كسبه حلالاً ، أو حراماً ، ولا يبالي أكان إنفاقه في طاعة الله أم في معصيته ، وحينما ينشط الإنسان في جمع حطام الدنيا ، ويكسل عن أداء الصلوات الخمس ، ويعتذر عن حضور مجلس علم ، ويتقاعس عن عمل صالح كُلف به ، ويضيق بنصيحة يسديها لأخيه ، حينما يصل به حب الدنيا إلى هذا يصبح حب الدنيا رأس كل خطيئة .
 أيها الإخوة ؛ لو تجاوزنا ما يلقاه الإنسان المحب للدنيا المنكب على مالها المنغمس في شهواتها ، لو تجاوزنا ما يلقاه في الآخرة من ندامة وخسران ونظرنا إلى حاله في الدنيا أشقي هو أم سعيد ؟ .. فماذا نجد ؟!
 قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ))

[ ورد بالأثر ]

 وقال أيضاً :

(( خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها هماً ))

[ ورد بالأثر ]

 وقال أيضاً :

(( من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ))

[ ورد بالأثر ]

 أيها الإخوة ؛ حياة المعرضين عن الله شقاء في شقاء ، وسلسلة طويلة من الهموم والشجون ، والمتاعب والآلام ، حلقات متتابعة من الأمراض النفسية كالحقد والحسد واللؤم والكراهية ، فصولٌ مأساوية من المصائب والنكبات ، كيف لا وقد قال ربنا جل وعلا في قرآنه العظيم :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾

[الآيات:124-127 سورة طه]

 ولا يقولن أحدكم .. هذا فلان الفلاني كلما ازداد معصية وانحرافاً ازداد غنىً وقوةً ، هؤلاء يمهلهم الله ، ولا يهملهم ، قال تعال :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية:44]

 أما إذا أردت يا أخي أن تحيا حياة خالصة من كل نغص ، وضنك صافية من كل هم وحزن ، فقل آمنت بالله ثم استقم ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾

[الآية:30-32 سورة فصلت]

السبيل للتخلص من حب الدنيا

 ويقول أحدكم :
 إذا كان حب الدنيا رأس كل خطيئة فكيف السبيل إلى التخلص منه ؟
 أيها الإخوة ؛ الإجابة عن هذا السؤال هو صلب الخطبة ، لأنه جزء من المنهج التفصيلي الذي يرقى بالنفس إلى مستوى الشريعة .
 أيها الإخوة ؛ حب الدنيا المرضي له دواء فعَّال ، ألا هو التفكر في الموت .
 بعض الناس يتبجح بأنه إنسان واقعي وعملي ، ونقول لهؤلاء إن التفكر في الموت هو من صميم الواقعية والعملية ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إذا ضاقت عليكم الصدور فعليكم بزيارة القبور ))

[ ورد بالأثر ]

 لماذا ؟
 لأن هؤلاء الموتى المتوارون تحت التراب كانت لهم تجارات واسعة ، وأموال طائلة ، ومناصب رفيعة ، وحملوا شهادات عالية ، وكانت لهم هموم كبيرة ، وألمت بهم مصائب عديدة ، ومع ذلك ذهب كل الأموال وذهبت اللذائذ ، وذهبت الهموم ، ولم يبق إلا العمل الصالح قال تعالى :

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[سورة العصر]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( لابد لك يا قيس من قرين تُدفن معه وهو حي ، ويدفن معك وأنت ميت ، فإن كان كريماً أكرمك ، وإن كان ليئماً أسلمك ، ألا وهو عملك ))

[ ورد بالأثر ]

 وقد كان عليه الصلاة والسلام يضطجع قبيل أداء صلاة الصبح كان يضطجع على شقه الأيمن ، ومتمدداً رأسه نحو الغرب ، ووجهه نحو القبلة بحيث يشبه وضع الميت في قبره ، وهذه سنة سنها لأمته ، ليذكروا الموت كل يوم ، فلعلهم بهذا التذكر يقللون من تعلقهم بهذه الدنيا الفانية ، ويقبلون على مرضاة ربهم ، وما أعد لهم من نعيم مقيم .
 أيها الإخوة ؛ طبقوا هذه السنة ، ولا حظوا كيف أن همومكم تتلاشى ، وحرصكم يزول ، وآمالكم العريضة تقصر ، وعندئذ تتذوقون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))

[أخرجه الترمذي]

 وكان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور ))

 وكان يقول :

(( أكثروا من ذكر هاذم اللذات مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات ))

[أخرجه الترمذي]

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

 أيها الإخوة ؛ اعملوا للدنيا بقدر مقامكم فيها ، واعملوا للآخرة بقدر بقائكم فيها وأطيعوا الله بقدر حاجتكم إليه ، واتقوا النار بقدر صبركم عليها ...
 وكان بعض الصالحين ، ينزل في قبر ، ويتمدد فيه ، ويتلو قوله تعالى :

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون الآيات:99-100]

 ثم ينهض ويقول لنفسه : قد أرجعناك ، فهيا اعملي صالحاً .
 رسم مرة عليه الصلاة والسلام على الرمل مستطيلاً وقال هذا عمر الإنسان ورسم خطاً داخل المستطيل ومدده حتى تجاوز حدود المستطيل وقال هذا هو أمل الإنسان ، قال تعالى :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ *بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة الزمر الآيات:53-61]

 أيها الإخوة ؛ إذا أردتم الدنيا من طريقها المشروع ومن أجل الاكتفاء بحلال الله عن حرامه ، وبطاعته عن معصيته ، وبفضله عمن سواه ، إذا أردتم الدنيا مطية للآخرة ، إذا أردتم أن تكون ديناكم عوناً على آخرتكم ، فلا ضير عليكم أما إذا أردتم الدنيا لذاتها ، ومن أجل الاستمتاع بزينتها والانغماس في شهواتها ، واقتناص لذائذها ، وكان حبكم لها على حساب دينكم وآخرتكم وإنسانيتكم ، فهذا هو حب الدنيا المرضي الذي يعالج بكثرة ذكر الموت .
اللهم ما زويت عنا ما نحب ، فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ، وما رزقتنا مما نحب ، فاجعله عوناً لنا فيما تحب .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS

     
جديد الموقع