49845
خطبه الجمعة - الخطبة 0051 : لماذا حببت إلينا الحياة الدنيا ؟ .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1975-10-31
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الشهوات .

 أيها الإخوة ؛ تحدثت في خطبة سابقة عن أن العقبة الكبرى في طريق الإيمان الجهل ودواؤها العلم ، والعقبة الثانية هي حب الدنيا المرضي ، ودواؤها تذكر الموت هاذم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات .
 وقد يتساءل الإنسان في سرِّه :
 لماذا أودعَ الله في قلوبنا هذه الشهوات ، ثم لمَ أمرنا سبحانه وتعالى بالإعراض عنها ؟
 ليته لم يفطرنا على التعلق بهذه الشهوات ، إذاً لما وقعنا في معصية ولما اقترفنا إثماً .
 أيها الإخوة ؛ لولا الشهوة التي أودعها الله فيها ، لما ارتقت نفوسنا ولما عرفنا ربنا ولما سعدنا في الجنة بقربه ، إن هذه الشهوة تحمله على الإقبال على الله والتقرب منه ، إذا هو اجتنبها ، وهي خارج الشرع ، قال تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[الآية:14-16 سورة آل عمران]

 لقد أودع الله فينا حب النساء ، فإذا استجاب الإنسان لهذه الشهوة وفق ما أمر الله فتزوج و أسس أسرة مؤمنة تخيم عليها المودة والسعادة ، واستطاع أن يأخذ بيد زوجته إلى مراتب الإيمان ، وأن يوجهها الوجهة الصحيحة ، عن طريق الإنفاق ، والإحسان ، وإذا فعل ذلك سعد بها وسعدت به ، فشكر الله عليها وشكرت الله عليه ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( الدنيا كلها متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ))

 وإذا رُزق أولاداً رباهم على طاعة الله والخوف منه ، عن طريق القدوة الحسنة ، والإنفاق والإحسان ، فسعد بهم ، وسعدوا به ، فشكر الله على أن رزقه ذرية طيبة ، وشكر الله على أن رزقهم أباً رحيماً ، هذبهم وعلمهم وأكرمهم .
وحينما تعرض للمرء شهوة ، من طريق غير مشروع ، فيبتعد عنها ويقول :
 إني أخاف الله رب العالمين يحس في قرارة نفسه أنه عمل عملاً عظيماً يرضي ربه ، فيحظى بقربه ، كيف لا وقد آثر رضاء الله على قضاء شهوة أودعها الله فيه ... ما الذي رفع سيدنا يوسف إلى أعلى عليين ، لقد عرضت له شهوة من طريق لا يرضاه الله ، فاستعصم وقال إني أخاف الله رب العالمين .
 أيها الإخوة ؛ أحدنا حينما يترك شيئاً مغرياً ، لأنه لا يرضى الله ورسوله ، ولأنه لا يوافق الشرع الحنيف يحس في أعماق نفسه أن الله رب العالمين ، ومن بيده كل شيء راض عنه ، هذه المشاعر أيها الإخوة لا يعرفها إلا من ذاقها ، وهي مشاعر مسعدة ، أين منها متع الأرض كلها ، قال أحد العارفين : ( والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف ) .
 وقيل : ( إن الله يعطي الصحة والذكاء والجمال والمال للكثيرين من خلقه ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين )
وقد جاء في الحديث القدسي :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاعَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم]

 ويروى أن أحدهم ناجى ربه فقال : يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني ، قال عبدي كم عاقبتك ولم تدر ... ألم أحرمك لذة مناجاتي .
 أيها الإخوة ؛ كل هذه المشاعر بالسمو ، وكل هذه الأحاسيس بالسعادة ، وكل هذا القرب من الله ، وكل هذا العطاء الذي يمن الله به على عبده المؤمن هو بسبب انتصاره على تلك الشهوة ، التي أودعها الله فيه ، والتي أجتنبها من طريق غير مشروع ، ولكن الحقيقة أيها الإخوة إن الله سبحانه وتعالى أكرم وأعظم من أن يعذب قلباً بشهوة حرم منها ، جاء في الحديث الشريف :

(( ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها في سبيله ))

 بل إن الله لأكرم من ذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه وأخرته ))

 أيها الإخوة ؛ هذه الشهوة التي زينها الله لنا في الحياة الدنيا هي نموذج مصغر جداً لما في الآخرة ، من نعيم مقيم ، قال تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[سورة آل عمران الآيات :14-16]

 وقال أيضاً :

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَُ﴾

[ سورة البقرة الآية:25]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ الخيط إذا غمس في مياه البحر ))

 أيها الإخوة ؛ هذه الشهوة التي أودعها الله فينا مجال كبير لامتحان الإنسان ولإظهاره على حقيقته ، قال تعالى :

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾

[سورة الملك الآية:1-2]

 أيها الإخوة ؛ إن ربنا جل وعلا يمتحن عبده كل ساعة ، وكل دقيقة ، وذلك حينما يضعه في ظروف مغرية ، فإما أن يستجيب لشهوته ، وإما أن يستجيب لرضاء ربه ، فقد يخير الإنسان بين امرأتين ، الأولى حسناء فاسقة والثانية مقبولة دينة ، واختياره يكشف حقيقته ، وقد يخير موظف بين مبلغ كبير وبين أن يكون مستقيماً ، ونوع اختياره يكشف حقيقته ، وقد تعرض لتاجر صفقة تجارية مشبوهة ، فإما أن يأخذها وإما أن يختار رضاء الله ورسوله ، قال تعالى :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[سورة العنكبوت الآيات:2-4]

 أيها الإخوة ؛ الشهوة التي أودعها الله فينا خير كلها ، فهي وسيلة الشكر وطريق للقرب ونموذج للجنة ، ومقياس لامتحان الإنسان ، قال تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[سورة آل عمران الآيات :14-16]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS