35499
خطبة الجمعة - الخطبة 0436 : حقيقة الإنسان9 ( خلق الإنسان هلوعا ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-04-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الخطبة الاولى

 الحمد لله ، ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا ، و ما توفيقي ، و لا اعتصامي ، و لا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته ، و إرغاما لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ ، وسلِّم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذرِّيته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، و لا تعذِّبنا فإنك علينا قادر ، و الطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا، وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم ، لا زلنا في الموضوع المتسلسل ألا وهو حقيقة الإنسان من خلال القرآن، و الحقيقة التي نضيفها إلى الحقائق السابقة هي قوله تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾

[سورة المعارج]

 هكذا خُلِق ، هذه طبيعته ، هذا ضعف خَلقي ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ هذه الآية تبيِّن حقيقة أساسية و خطيرة من طباع الإنسان ، إنه ضعف خلقي لصالحه .
 فيا أيها الإخوة الأكارم ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾

[سورة المعارج]

 هلوع صيغة اشتقاقها على وزن فعول ، و هي من صيغ مبالغة اسم الفاعل ، ما معنى هلوع ؟ القرآن الكريم فسَّر كلمة هلوع ، الهلوع هو الذي إذا مسَّه الشرُّ جزع ، و إذا مسَّه الخير منع ، فهو هلوع ، وجزوع ، ومنوع ، كلمات ثلاث صيغت بصيغة مبالغة اسم الفاعل ، يعني كثير الهلع، و كثير الجزع ، وشديد المنع .
 أيها الإخوة الأكارم ، لو أردنا أن نتعمَّق في جذور هذا الهلع لماذا كان الإنسان هلوعا ؟ بمعنى إذا مسَّه الشرُّ كان جزوعا ؟ و لماذا إذا مسه الخير منوعا ؟ جذور هذه الطبيعة أو تلك السمة الأساسية في بناء شخصية الإنسان تعود هذه الجذور إلى أن الإنسان في اصل خلقه فُطِر على حبِّ ذاته ، حبُّ ذاته يتفرَّع منه حبُّ سلامته ، و يتفرَّع منه حبُّ كمال سلامته ، وحبُّ بقائه، أي استمرار سلامته ، ثلاثة ميول شديدة أساسها حبُّ ذاته ، و لمصلحة عليا ، و لهدف كبير، و لصالح سعادته الأبدية فُطر الإنسانُ على حبِّ ذاته ، ويتفرَّع عن هذا الحبِّ حبُّ سلامة ذاته ، و حب كمال وجوده ، وحبُّ بقاء وجوده ، و يتفرع عن هذا الفرع أن الشيء الذي يحقِّق لك سلامتك تحبُّه أيضا ، و أن الشيء الذي يحقِّق بلك كمال وجودك ولذَّتك و سعادتك تحبُّه أيضا ، فلأن الإنسان أيها الإخوة مفطورٌ على حبِّ وجوده ، وتفرَّع عن هذا الحب حبٌّ سلامة وجوده ، و حبُّ كمال وجوده ، وحبُّ استمرار وجوده ، لذلك كنتيجة طبيعية ، وكاستنباط مشروع أن الإنسان إذا شعر أن هناك خطرا يتهدَّد سلامته يُصاب بالخوف الشديد والجزع الشديد ، وتنهار أعصابُه ، وترتعد فرائسُه ، وقد يشعر بآلام لا تُحتمَل ، هذه طبيعة الإنسان ، لأنه يحبُّ ذاته ، يحبُّ سلامة ذاته ، يحب لذائذ يستمتع بها ، أي كمال وجوده ، و يحب كلَّ شيء يحقِّق له سلامته ، فإذا ما لاح في الأفق خطرٌ يتهدَّد سلامته ، أو يتهدَّد وسائل سلامته ، وهي المال ، عندئذ هو كثير الجزع ، جزوع ، انهيار عصبي ، اختلال في توازنه ، أحيانا يضيع عقلُه ، أحيانا يصيبه خوفٌ شديد ، يصبح فؤادُه فارغا .
 يا أيها الإخوة الأكارم ، الإنسان - توضيحا لهذه الحقائق - كيف أن الإنسان يحب شيئا ، ويتفرع عن هذا الحب حبُّ شيء آخر ، أنت تحب الطعام ، و يحب مع الطعام المالَ ، لأن المال ثمن الطعام ، فحبُّ المال ليس لذاته ، لكن لغيره ، حبُّ المال فرعٌ عن حب الطعام ، والشراب ، والمأوى ، وما إلى ذلك ، لذلك أيها الإخوة الأكارم وضعٌ طبيعيٌّ جدا ، بنيةٌ أساسية في الإنسان أنه إذا لاح له خطرٌ يتهدَّد سلامته ، صحته ، سلامة من يلوذ به ، سلامة المال الذي يحصِّله ، لتحقيق سلامته ، تنهار أعصابُه ، وترتعد فرائسه ، ويُصاب بخوف شديد ، وقلق عظيم.
 شيء آخر ، هذا إذا مسَه الشرُّ كان جزوعا ، ولماذا إذا مسَّه الخيرُ كان منوعا ؟ تعليل آخر ، إذا حاز مالا وفيرا ، ولأن هذا المال مادة الشهوات ، ووسيلة فعَّالة لتحقيق أهدافه ، لذلك يحرص عليه أشدَّ الحرص ، و يضِنُّ بإنفاقه ، ويسعى إلى أن يحوزه في أعلى مستوياته ، و إذا مسه الخير كان منوعا ، إن الإنسان خلق - هكذا خُلق - هذا ضعف في خلقه ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾

[سورة المعارج]

 لكن أروع ما في الآية ذلك الاستثناء ، قال تعالى :

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[سورة المعارج]

 كي يتَّضح لكم أيها الإخوة أن الإيمان يبدِّد طبيعة النفس ، أن الاتِّصال بالله عزوجل يبدِّد المخاوف ، أن الاتصال بالله عزوجل يجعل الإنسان خيِّرا ، معطاءً ، يجود بالغالي و الرخيص والنفس والنفيس ، أرأيتم أروع من هذا البيان ؟ إنسان قتور ، شديد الجزع ، كثير الهلع ، شديد المنع ، أما إذا اتَّصل بالله عزوجل انعكست الآية ، أصبح خيَّرا ، أصبح مطمئنا أصبح حكيما ، أصبح مضحِّيا ، أصبح معطاءً .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ هؤلاء المصلُّون استثناهم الله عزوجل من هذا الضعف الخلقي ، لذلك حُقَّ لك أن ترى فرقا شاسعا و فرقا في الطبيعة بين المؤمن و غير المؤمن ، المؤمن متجلِّد عند المصائب ، لا يجزع يرى يد الله ، يرى حكمته ، يرى عدالته ، يرى رحمته ، يرى أنه المتصرِّف، لا يرى معه إلها آخر ، واثقٌ من أن الذي أصابه محضُ خير ، ومحض فضل ، و محض عطاء .
 الإيمان أيها الإخوة يبدِّد طبيعة النفس ، يغيِّر اتِّجاهها مئة وثمانين درجة ، لكن قبل الإيمان ، وقبل الاتِّصال بالله ، وقبل التعرُّف إليه ، وقبل الاستمداد منه ، وقبل الإقبال عليه ، وقبل سلوك منهج الإيمان ، وقبل الصلح مع الله ، وضعُ الإنسان هو هو ، أيُّ إنسان على وجه الأرض في أيِّ مكان ، وفي أيِّ زمان يتَّسم بهاتين الخصلتين ، كثير الجزع عند المصائب ، شديد الحرص عند المكاسب ، لكن المصلِّي مستثنى من هذه الصفة ، و تلك الخصلة .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان إذا أصابه مكروهٌ يتألَّم ، وإذا كان بخيلا حريصا شحيحا يتألَّم الآخرون منه ، فهو بين أن يتألَّم بذاته ، أو أن يحمل الناسَ على أن يتألَّموا منه ، بين أن يمقت ذاته ، وبين أن يمقته الآخرون ، هذا وضعُ الإنسان ، اذهب إلى مكان في الدنيا ، هذه حقيقة الإنسان ، لكنه إذا اتَّصل بالله عزوجل فالأمر مختلفٌ اختلافا بيِّنا ، ربُّنا جلًّ جلاله يبيِّن أن الإيمان بما فيه من عقائد و ما فيه من مفهومات ، وما فيه من تصوُّرات ، ما فيه من تطلُّعات ، ما فيه من آمال ، والإيمان وما يتبعه من تربية النفس على البذل و العطاء ، وترقُّب العوض من الله عزوجل ، والتعلُّق بالدار الآخرة ، لأن الإيمان وما فيه من سلوك قويم ، هذا من شأنه أن يلغي هذا الضعف الخَلقي ، لذلك ترى بين المؤمن وغير المؤمن فرقا لا بالدرجة ، و لكن بالنوع ، قال تعالى :

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ نستعرض الآن البنود إذا توافرت في الإنسان فهو في منجاة من الجزع ، و من المنع ، و لا أخفيكم أن الجزع وراء معظم الأمراض ، أن الجزع وراء معظم الأمراض ، لأن العضوية حينما تتأثَّر النفسُ وتصاب بالهلع ، والجزع ، والخور ، والضعف ، فإن هذا الضعف النفسي ينعكس أمراضا لا تُعدُّ ولا تُحصى ، إذًا الإيمان صحَّة ، من هؤلاء الذين ينجون من هذا الجزع القاتل ، وذاك الحرص المقيت ، قال : إنهم المصلون ، و بالتأكيد لا تعني الآية هذا الذي توضَّأ ، ووقف ، و صلى ، وركع ، وسجد ، وسلَّم وهو في عالَمه الخاص ، هذه صلاة ما أرادها الله عزوجل ، المصلون هنا الذين توافرت لهم حسنُ العلاقة بالله عزوجل ، و دوام المراقبة له ، و المداومة على الصلوات المستوفية للشروط الفكرية ، والقلبية ، والنفسية ، والروحية ، والجسدية ، هؤلاء المصلون الذين عناهم الله عزوجل باتِّصالهم بمصدر القوة ، باتصالهم بمصدر الحكمة ، باتصالهم بمصدر الرحمة ، تجلَّى الله على قلوبهم فثبَّتهم من ذاك الانهيار النفسي ، وهذا الضعف الخلقي ، وذاك التشتُّت ، وهذه الآلام التي لا حصر لها ، لذلك لو اطَّلعت على قلب المؤمن ووجدت فيه طمأنينة لو وُزِّعت على أهل بلد لكفتهم ، لو اطَّلعت على قلب المؤمن لوجدت فيه سعادة لو وزِّعت على بلد لكفتهم ، هو سرُّ اتصالك بالله عزوجل .
 ولكن يا أيها الإخوة ، هذا العنصر عنصر الصلاة الذي صرَّح الله به يخفي وراءه عنصرا ما صرَّح الله به ، متى اتَّصلوا بالله ؟ بعد أن آمنوا به ، إذًا إيمانُهم بالله ، إيمانهم بوجوده ، و إيمانهم بوحدانيته ، و إيمانهم بكماله ، وإيمانه بأنه إلهٌ في الأرض ، كما هو إلهٌ في السماء ، و إيمانهم أن الأمر كله بيده ، بيده ملكوت كل شيء ، إيمانهم بحكمته المطلقة التي تتعلَّق بالخير المطلق ، إيمانهم بأسمائه الحسنى ، إيمانهم بصفاته الفضلى ، إيمانهم بأنه خلقهم ليرحمهم ، إيمانهم بأنه خلقهم لجنة عرضُها السماوات و الأرض ، إيمانهم بأن هذه الدنيا متاع الغرور ، دار ممرٍّ و ليست مقرًّا ، دار تكليف و ليست دار تشريف ، دار عمل و ليست دار جزاء ، هذا الإيمان هو الذي استلزم اتِّصالهم بالله ، و ذاك الاتصال بالله هو الذي استلزم تلك الطمأنينة و هذا الثبات وهذه السكينة و هذه الرحمة التي تتنزل على قلوبهم ، عندئذ لا يُصابون بالجزع ، و في التاريخ الإسلامي من القصص و البطولات ما لا يُعدُّ و لا يُحصى ، خُبيب بن عدي قبيل أن يُصلَب ألقى الكفارُ عليه القبض ، وأرادوا أن يقتلوه قتلة يشفون بها غليلهم ، فأرادوا أن يصلبوه ، سأله أبو سفيان : يا خبيب أتحبُّ أن يكون محَّمد مكانك ، وأنت معافًى في أهلك ، ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى انطلق سيدُنا خبيب ليقول : (و اللهِ ما أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا و نعيمها ، ويُصاب رسولُ الله بشوكة) ، إلى أين هو ذاهب ؟ ليُقتَل ، لتُنهي حياتُه ، لكن إيمانه بالله و اتِّصاله به جعله في طمأنينة ما بعدها من طمأنينة ، سعد بن الربيع تفقَّده النبي عليه الصلاة و السلام فلم يجده عقب معركة أُحد ، كلَّف أصحابه بتفقُّده ، فعن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((من رجل ينظر لي ما فعل سعد ابن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا ، فنظر فوجده جريحا في القتلى ، وبه رمق ، قال : فقال له : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات ، فقال : أنا في الأموات ، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامي ، وقل له : إن سعد بن الربيع يقول لك : جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأبلغ قومك عني السلام ، وقل لهم : إن سعد بن الربيع يقول لكم : إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ، وفيكم عين تطرف ، قال : ثم لم أبرح حتى مات ، وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره))

[رواه ابن إسحاق في سيرته]

 متى قال هذه الكلمات ؟ هو في النزع الأخير ، انظر إلى أهل الدنيا إذا أصابهم ، و إذا اقترب الموتُ منهم ، تنهار أعصابهم ، يلطمون وجوههم ، يبكون على أنفسهم ، يصرخون بوجههم ، ما هذه رباطة الجأش ، ما هذا الثبات ؟ إنها ثمرة الاتصال بالله عزوجل ، إنك اتَّصلت بالحقيقة العظمى في الكون ، اتَّصلت بالله عزوجل ، إذا كان اللهُ معك فمن عليك ، و إذا كان عليك فمن معك ، هذا البند الأول ؛

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 أي دائما مع الله ، دائما معه بالمراقبة ، و دائما معه بالدعاء ، ودائما معه بحسن الصلة به ، ودائما معه بالاستغفار ، و دائما معه بالتسبيح و دائما معه بالتهليل ، و دائما معه بالتكبير ، معيةٌ مستمرة ، قال تعالى :

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 هل يكفي أن نصلي ؟ هل يكفي أن نقف بين يدي الله عزوجل ؟ مع أن الصلاة في عرف الماديين لا تكلِّف شيئا ، وضوء و صلاة ، حركات ، لكن إيمان المؤمن يأبى إلا أن يُؤكَّد بالإنفاق، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

[سورة المعارج]

 الصدقة سُمِّيت صدقة لأنها تؤكِّد صدق الإنسان مع الله عزوجل ، فيها بذل، فيها شيء محبَّب تبذله للناس ، ما الذي يؤكِّده حبَّك ؟ هذا شيء لا يعلمه إلا الله ، بإمكان كل إنسان أن يدَّعي الحبَّ، و لما كثُر مدَّعو الحب طولبوا بالدليل ، ما الدليل ؟ هو الإنفاق ، قال تعالى :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[سورة آل عمران]

 من هم ؟ قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

[سورة آل عمران]

 و الإنفاق دليل الإيمان ، دليل إيجابي للإيمان ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾

[سورة المعارج]

 لا يرى دفع الزكاة منَّة وفضلا ، يراه حقا يجب أن يُؤدَّى ، هذا حقُّ الفقير ، و الأغنياء أوصيائي ، والفقراء عيالي ، ومن منع مالي عيالي أذقته عذابي ، ولا أبالي.
 يا أيها الإخوة الأكارم ، كيف أنه في البند الأول صرَّح الله بتأدية الصلاة ، ومن لوازم تأدية الصلاة الإيمان بالله عزوجل ، كذلك في البند الثاني ، صرَّح الله عزوجل بإنفاق المال ، و من لوازم إنفاق المال ألاًّ تأكل مالا بالباطل ، فكلُّ عمل إيجابي يجب أن يُبنى على نظافة ، يجب أن يبنى على استقامة ، يجب أن يبنى على صخرة صلبة ، فالصلاة لا تصحُّ إلا بالإيمان بالله ، و كذلك إنفاق المال لا يصحُّ إلا من حلال ، من كسب طيِّب ، من تعب مشروع ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :

((من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له))

[رواه الطبراني]

 وفيه آمنتَ بالله فاتَّصلت به ، و أكَّدت اتصالك بإنفاق المال ، بعج أن كففتَ نفسك عن المال الحرام ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[سورة البقرة]

 شهوة أساسية من شهوات الإنسان ، وهي شهوة الفرج ، قال تعالى في البند الثالث :

﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾

[سورة المعارج]

 لا يكفي أن تؤمن بالله عزوجل ، يجب أن تقرن مع الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر ، لأن الله موجود و سيحاسب ، إن لم تؤمن بأنه موجود ، ويعلم ، وسيحاسب لا تستقيم على أمره ، إذا أردتَ العوامل الأساسية الموضوعية للاستقامة ، أن تؤمن بوجود الله ، إلها في السماء ، وإلها في الأرض ، وواحدا وكاملا ، وأن تؤمن بأنه يعلم ، وأن تؤمن بأنه سيحاسب ، لذلك في البند الثالث، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾

[سورة المعارج]

 نقل إلى اليوم الآخر كلَّ نشاطاته ، كل أعماله في الدنيا موجَّهة إلى اليوم الآخر ، كل بذله وعطائه موجَّه إلى اليوم الآخر ، كل حركاته و سكناته موجَّهة إلى اليوم الآخر ، يريد أن يسعد إلى الأبد بعمل طيِّب يجريه الله على يديه ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾

[سورة المعارج]

 قرآن كريم بين أيدينا ، آيات كثيرة تتحدَّث عن النار ، وعن شدة عذابها ، وعن حرق الجلد ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾

[سورة النساء]

 هذا الذي لا يستقيم على أمر الله لا يعبأ بهذه الآيات ، لا يراها إلا كلاما لا يعني شيئا ، لذلك فهو مقيم على المعاصي ، لكن المؤمن يفهم كلام الله فهما في أعلى درجات الجدِّية ، و في أعلى درجات التصديق ، لذلك قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾

[سورة المعارج]

 من مقتضيات الإيمان باليوم الآخر ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾

[سورة المعارج]

 و ليس في الإسلام حرمان ، كل شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قنوات نظيفة ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

[سورة المعارج]

 لا يشعر بشيء من الخزي ، ولا يشعر بمعصية ، ولا بانحراف ، ولا بهمود إذا فعل ما سمح الله له ، قال تعالى :

﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

[سورة المعارج]

 لكن قال تعالى :

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾

[سورة المعارج]

 وما أروع أدب القرآن ، كلُّ الانحرافات التي يسمع بها الناس ، والتي يقرؤون عنها ، والتي تضجُّ بها الأرض الآن ، والتي هي مرض العصر ، هذه الانحرافات طواها الله عزوجل بكلمة واحدة ، يفهمها الذكيُّ اللبيب ، قال تعالى :

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾

[سورة المعارج]

 هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان إذا أردت أن تحرِّكها نحو شيء لا يرضي الله ، أو نحو قناة قذرة ، فيها عدوان ، وفيها إفساد ، وفيها تضييع للمجتمع ، هذه هي المعصية ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[سورة المعارج]

 العدوان على الأموال و العدوان على الأعراض ، العدوان على الأموال أن تأكل أموال الناس بالباطل ، و هناك آلاف مؤلَّفة من الأساليب ، الغشُّ أكل أموال الناس بالباطل ، الكذب أكل أموال الناس بالباطل ، التدليس أكل أموال الناس بالباطل ، الاحتيال ، كلُّ وسائل الكسب غير المشروع أكل لأموال الناس بالباطل ، فهو عدوان على أموالهم ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[سورة البقرة]

 و أيَّة متعة يحصِّلها الإنسان ولو بنظرة من امرأة لا تحلُّ له ، هذا عدوان على أعراض الناس ، لذلك جاء غضُّ البصر ، قال تعالى :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[سورة النور]

 و قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

[سورة المعارج]

 أرأيتم أيها الإخوة إلى الأدب القرآني ، بعض عوام الناس يتحدَّثون بما لا يليق ، يتحدَّثون حديثا يجرح حياء الإنسان تحت غطاء : " لا حياء في الدين" ، و الدين كله حياء ، أرأيتم إلى هذا الأدب، قال تعالى :

﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[سورة المعارج]

 أنت الآن عضوٌ في مجتمع ، ما الذي يُفترض عليك أن تفعله ؟ قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾

[سورة المعارج]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ :

((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))

[رواه أحمد]

 هذه الآية أبرزت العلاقات الاجتماعية ، أنت مواطن في مجتمع ، عليك أن تكون صادقا ، عليك أن تكون أمينا ، عليك أن تؤدِّي ما عليك أداءً صحيحا ، عليك أن لا تكذب ، أن لا تحتال ، عليك أن يكون عهدُك عهدا ووعدك وعدا ، عليك أن تفي بالعهد و تنجز الوعد ، هكذا الإيمان ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ :

((لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ ....قَالَتْ فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ))

[رواه أحمد]

 إذًا قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾

[سورة المعارج]

 تذكَّروا هذا الحديث ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ :

((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))

[رواه أحمد]

 إذا نقضتَ العهد أو خنت الأمانة فقد أعلنت أنك لست مؤمنا ، لا يجتمع إيمان و خيانة ، و لا إيمان و نقضُ عهد ، و لا إيمان و عدم أمانة أو خيانة .
 بقي شيءٌ واحد هل تغار على صالح المسلمين ، لو رأيت حادث سير ، وهدت أن زيدا بريء ، وأن عبيدا متَّهم ، و أنت لا علاقة لك بذلك ، هل تذهب طواعية لتشهد بالحق لتحقِّق العدالة ، لتعين القاضي على الحكم بالعدل ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 من عوامل ضعف الإنسان أنه يطلب السلامة ، ولا يهتم أكان الحقُّ موجودا أم الباطل ، لكن المؤمن يغار ، لا يرضى أن يسود ، و يضمحلَّ الحق ، يسعى لإحقاق الحق ، وإزهاق الباطل، و لو بتأدية شهادة ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾

[سورة المعارج]

 العجيب أن الله بدأ بالصلاة و ختم بها ، لماذا ؟ لأنها السور ، لأنها البداية و النهاية ، لأنها المقدِّمات و النتائج ، لأن الدين الذي ليس فيه صلاة لا خير فيه ، لا خير في دين لا صلاة فيه ، الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، الآية الأولى :

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 الآية الأخيرة :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 الهدف صار واضحا ، تريدون أن تكونوا من هؤلاء ؟ الطريق سالك ، ورحمة الله مبذولة لكل الخلق في كل زمان ، و في كل مكان ، و ما أروع هذه الآية حينما تبيِّن أنك أيها الإنسان أمام طريقين ، أن تكون ضعيفا خائر القوى ، كثير الجزع ، تنهار أعصابُك ، تضعف معنوياتك ، تصاب بأمراض عضوية بسبب أمراض نفسية ، و إما أن تقوى بالله عزوجل ، و إما أن ترضى ، وإما أن تثبت ، وإما أن تصمد ، وإما أن تتوازن ، فأنت بين خيارين ، الخيار الأول إن لم تصلِّ يصيبك الضعف البشري ، وهو ضعف في أصل الخلق ، و ما خلقه الله في الإنسان إلا أن يكون دافعا إلى الإيمان ، و لو أن الإنسان لا يخاف إذا أصابه الشرُّ ، ولا يمسك إذا أصابه الخير لِمَ يؤمن ، لا يؤمن ، لكن كأن الله سبحانه و تعالى جعل هذا الضعف الخلقي دافعا كي تؤمن بالله ، كي تطمئن بجواره ، جعل هذا الضعف الخلقي دافعا إلى الاتصال بالله كي تسعد بقربه ، فهذا الضعف الخلقي لصالح الإنسان ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾

[سورة المعارج]

 اللهم اجعلنا من هؤلاء ، يا أكرم الأكرمين ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، و الحمد لله رب العالمين .

***

 الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين ، و أشهد أن لا إله الله و ليُّ الصالحين ، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صِّل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ إخوة كُثُر طلبوا مني - وهو محقُّون - عندنا في المسجد مصلَّى النساء ، هذا المصلى توافرت له شروطٌ عجيبة ، بعيد كلٌّ البعد عن مدخل الرجال ، له مدخل خاص ، و فيه كل وسائل الراحة ، فيه مرافق من الدرجة الأولى ، و الصوت يصل إلى هناك ، فهناك إخوة يأتون إلى دمشق من خارج دمشق ، بصحبة زوجاتهم كي يزوروا أقاربهم يوم الجمعة، فيحبّون أن تكون معهم زوجاتهم في أثناء صلاة الجمعة ، لذلك أنا قبل أسبوعين طلبت من إخواننا الكرام أن يفتحوا مصلَّى النساء لأيَّة أخت كريمة تريد أن تحضر خطبة الجمعة ، و أن تصلي صلاة الجمعة مع العلم أن الجمعة ليست واجبة على النساء ، إنها واجبة على الذكور ، و لا يعني أن هذا الحكم أن النساء ممنوعات من سماع الخطبة و صلاة الجمعة ، فرق دقيق بين أن يكنَّ ممنوعات ، وبين أن هذا الفريضة ليست واجبة عليهن ، فكل أخٍ يحب أن يأتي مع زوجته لتستمع إلى خطبة الجمعة وتصلي ، فمصلى النساء مفتوح كل أسبوع قبيل صلاة الجمعة بربع ساعة تقريبا ، كما هي الحال في المسجد ، فهذا لأخذ العلم ، و الأخت التي تصلي الجمعة ، وتسمع الخطبة ، وتصلي الجمعة ، ليس واجبا عليها ذلك ، ولكنه مندوب ، ما دام هناك مكان مريح جدا ، بعيد عن مدخل الرجال ، و يسمعن الخطبة بشكل جيِّد ، و هناك مرافق كاملة ، كل شيء موجود بمصلى النساء ، إذًا لا مانع ، فكل أخ أحب أن يأتي إلى هنا مع زوجته ليستمع إلى الخطبة هو و إياها فلا مانع ، المصلى مفتوح ، طبعا إخوان من علماء الشام الكبار زاروا هذا المسجد ، ورأوا المصلى أُعجبوا به ، و قال : حبَّذا أن يُفتح أيام الجمعة ، الشيء الآخر نحن حدَّثناكم عن أن الحج هذا العام رغبة ملحَّة بتنظيمه ، و على أساس أن يُعمر المسجد ببناءه ، و تأمين وسائل الراحة فيه ،و يُعمر بالصلاة فيه ، و يعمر بإلقاء العلم ، و كل هؤلاء شركاء في عمارة المساجد .

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ، ولا يُقضى عليك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك اللهم، ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملا صالحا يقرِّبنا إليك ، اللهم أعطنا ، ولا تحرمنا ، وأكرمنا ، ولا تهنا ، و آثرنا ، ولا تؤثر علينا ، و أرضنا وارض عنا يا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زادا لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عن من سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسك ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمنا سخيًّا رخيا وسائر بلاد المسلمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، و من الذل إلى لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم اسقنا الغيث ، ولا تجعلنا من القانطين ، و لا تهلكنا بالسنين ، و لا تعاملنا بفعل المسيئين ، يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ، و رحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS