16457
خطبة الجمعة - الخطبة 0364 : خ1 - حديث شريف (أحاديث تتعلق بما من) ، خ2 - تتمة للأحاديث.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-10-11
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحما فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطفْ بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيء قدير، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمنا ، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ترتيب كتب الأحاديث وفوائده:

أيها الإخوة المؤمنون، كتب الأحاديث الشريف كثيرة ومتنوعة، لكن بعض الكتب رتبت فيها الأحاديث ترتيباً موضوعياً، باب العلم، وباب الإيمان، وباب التوكل... إلخ.
وبعض كتب الأحاديث رتبت فيها الأحاديث بحسب أوائل كلماتها، ومن أبرز كتب الحديث التي رتبت فيها الأحاديث الشريفة بحسب أوائل كلماتها كتاب الجامع الصغير، اخترت لكم في هذه الخطبة من كتاب الجامع الصغير مجموعة من الأحاديث الشريفة، كلها تبدأ بكلمة " ما من ".

صيغة مامن والفائدة منها:

وقبل أن نشرع في ذكر بعض هذه الأحاديث أقف وقفة قصيرة عند هذه الصياغة إذا قلنا:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾

( سورة هود الآية: 6 )

فـ ( ما ) تفيد النفي، لكن ( من ) تفيد استغراق أفراد النوع، فلا يمكن أن تكون دابة في الأرض صغيرة أو كبيرة، جليلة أو حقيرة إلا وعلى الله رزقها، قال علماء النحو: " إنّ ( مِن ) تفيد استغراق أفراد النوع.

أحاديث تبدأ ب: ( ما من ):

الحديث الأول:

يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما من أحد يموت إلا ندم ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ].

يعني أنّ أي إنسان على وجه الأرض، من آدم عليه السلام وحتى نهاية الدوران وما من أحد يموت إلا ندم.

(( إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

من فوائد هذا الحديث: أهمية الوقت:

هذا الحديث يفيد المؤمنين، كلما ازدادوا خيراً ازداد الله لهم عطاءاً، كلما ازدادوا ذكراً ازداد الله لهم إسعاداً، فأنت في وقت بالمعنى الدقيق خطير، كل دقيقة فيه تحدد مرتبتك في الجنة.
كيف أن ساعات الامتحان على قصرها خطيرة جداً، فكلما الطالب كتب كتابة أدق وأصح نال علامة أكبر، فدخل كلية أرقى، فقد يكون مصير الطالب بحسب الأنظمة السائدة مصير الطالب بمجموع علاماته، ومجموع علاماته منوط بهذه الساعات الثلاث التي يكتب بها، وهذه الساعات الثلاث أساسها العام الدراسي.

(( ما من أحد يموت إلا ندم، إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع ))

أي أقلع عن إساءته، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ))

[ أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس أحمد، عن عمرو بن ميمون ]

والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

قال علماء التفسير: الأمر ينصب لا على الذكر، بل على كثرة الذكر

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

الحديث الثاني:

حديث آخر، سأكثر من الأحاديث في هذه الخطبة مع شرح بسيط:

(( ما من أحد يؤمَّر على عشرة فصاعدا ))

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

معلم مدرسة مؤمر على خمسين طالباً، رئيس دائرة مؤمر على 13 موظفاً.

(( ما من أحد يؤمر على عشرة فصاعدا إلا جاء يوم القيامة في الأصفاد والأغلال ))

من فوائد هذا الحديث: أهمية المسؤولية وخطورتُها:

كيف عاملهم ؟ عاملهم بالإنصاف، عاملهم بالرحمة، أحسن إليهم أم أساء استمع إلى شكواهم أم لم يستمع.

(( ما من أحد يؤمر على عشرة فصاعدا إلا جاء يوم القيامة في الأصفاد والأغلال ))

الحديث الثالث:

(( ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة ))

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عفيف بن الحرث ]

من فوائد هذا الحديث: وخطورةُ البدعة، وأنها تهدم سُنَّةً:

هذا كلام دقيق جداً، فإذا ابتدعنا بدعة على حساب سنة تركناها، إذا ابتدعنا بدعة على حساب أمر نبوي أهملناه، فلذلك كل ما ليس من الدين فهو رد، أخطر شيء في موضوع الدين أن يضاف عليه، أو أن يحذف منه، والنبي عليه الصلاة والسلام يؤكد هنا أنه إذا أضيف عليه حذف منه، ولكي يبقي الدين كما بدأ نقياً صافياً، واضح المعالم، يجب ألا نضيف عليه، وألا نحذف منه، وألا نؤوله وفق الأهواء، إن لم نضف عليه، وإن لم حذف منه، وإن التزمنا في تأويله كما أراد الله عز وجل في القرآن، وكما أراد النبي عليه الصلاة والسلام في السنة، استمر الدين كما بدأ، آفة الدين البدع، آفة الدين الإضافات، آفة الدين الخزعبلات، الأوهام، آفة الدين ما ليس منه.

(( ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة ))

الحديث الرابع:

هناك حديث آخر، وكل هذه الأحاديث تبدأ بقول النبي عليه الصلاة والسلام:

( ما من )، و هذه ( من ) لاستغراق أفراد هذه الحالة، لا ينجو واحد منهم.

(( ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ))

[ أخرجه أحمد، وأبو داود والضياء عن جابر و أبي طلحة بن سهل ]

من فوائد هذا الحديث: وجوب الدفاع عن عرضِ المسلم، وفضيلةُ ذلك:

قد تكون في موقف قوي، قد تكون في موقع قوي، وعندك مسلم يجرحه بعض الآخرين، يجرحه بعضهم، وبإمكانك أن تدافع عنه، وبإمكانك أن تظهر براءته، وبإمكانك أن تكون عوناً له، وبإمكانك أن تنصره، إن لم تفعل خذلك الله في موقف تتمنى فيه من ينصرك، وإن فعلت صرف الله في موطن أن تنصره فيه.

(( ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه ))

والعرض هنا موضع الذم والمدح من الإنسان، المعنى الدقيق العرض: موطن المدح والذم من الإنسان، قد يُذم الإنسان بأنه بخيل، وقد يمدح بأنه سخي، فالسخاء والبخل عرض الإنسان، قد يمدح الإنسان بأنه وفيّ، وقد يذم بأنه خائن، فالخيانة والوفاء عرض الإنسان، العرض موطن المدح والذم من الإنسان.

(( ما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته ))
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل كما شئت، كما تدين تدان ))

[ أخرجه عبد الرزاق في الجامع عن أبى قلابة ]

(( البر لا يبلى ))

محفوظ

(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت اعمل كما شئت ـ كل شيء بثمنه، كل شيء بحسابه، كل شيء بعقابه، كل شيء بجزائه ـ اعمل كما شئت كما تدين تدان ))

الحديث الخامس:

ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة ))

[ أخرجه مسلم عن عثمان ]

قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

من فوائد هذا الحديث: أهميةُ المحافظة على الصلاة بخشوعها وأركانها:

قال علماء التفسير: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها، بل من فرائضها.

(( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة ))

الحديث السادس:

ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد إلا ملأ الله تعالى جوفه إيمانا ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن ابن عباس ]

1 ـ من فوائد هذا الحديث: فضلُ كظمِ الغيظ وجزاءه العظيم:

الإنسان في البيت، في العمل، في الطريق، مع جيرانه، مع زملائه، مع أصدقائه، مع أهل بيته، مع أولاده، مع من فوقه، مع دونه، مع من حوله، مع من هم في سنه، مع من في مستواه، قد ينشأ استفزازات، قد تقع أخطاء، قد تقع مزعجات، والإنسان من جبلته أنه يغض، قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد إلا ملأ الله تعالى جوفه إيمانا ))

فأنت قبل أن تنفجر، قبل أن تصب جام غضبك، انتبه، إذا كظمت غضبك تجرعت هذه الجرعة، وقد وصف الله المتقين بقوله تعالى:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة أل عمران )

2 ـ مراتب ضبط الإنسان لنفسِه:

يبدو أن هناك ثلاث مراتب، المرتبة الأولى: أن تضبط جوارحك ولسانك، وقد تكون تغلي من الداخل، تغلي لكنك تضبط، هذه مرتبة، والمرتبة الأرقى أن يكون ظاهرك الهادئ كباطنك

﴿وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾

والموقف الأرقى أن تقابل المسيء بالإحسان، قال تعالى:

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

( سورة فصلت )

(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

الحديث السابع:

قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما من حالة ))

ـ دققوا ـ تأكل (( ما من حالة )) تشرب، تستلقي، تداعب أولادك، تسمر مع أصدقائك، تسافر، تعود، وراء مكتبك تعمل، هناك حالات كثيرة تعتري الإنسان كل يوم من جد، إلى لهو، إلى عمل، إلى راحة، إلى ضحك، إلى بكاء، إلى تدقيق، إلى محاسبة ، إلى تسامح، أحوال كثيرة، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما من حالة يكون عليها العبد أحب إلى الله تعالى من أن يراه ساجدا يعفر وجهه في التراب ))

[ أخرجه أحمد والبيهقي عن حذيفة ]

من فوائد هذا الحديث: فضلُ السجود وتمريغِ الوجه في الأرض خضوعا لله:

يسجد، ويناجي، ويبتهل، ويسأل، ويستعيذ، ويتوسل، ما من حالة في كل حياته أحب إلى الله تعالى من أن يراك ساجداً تناجيه، ساجداً تسأله، ساجداً ترجوه أن يعفو عنك، ساجداً تنتهل إليه، ساجداً تتضرع إليه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

( سورة العلق )

(( أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ ))

[ رواه مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

الآن تخرج من بيتك إلى مكتبك، إلى دكانك، أو إلى معملك، أو إلى السياحة ، أو إلى النزهة، أو إلى شراء حاجاتك، وهناك عشرات، بل مئات الأغراض التي تحث الإنسان على أن يخرج من البيت، لكن خروجاً واحداً من البيت هو أحب إلى الله عز وجل من كل هذه النشاطات.

الحديث الثامن:

يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما من خارج خرج من بيته ))

[ أخرجه أحمد، وابن ماجة وابن حبان، والحاكم، عن صفوان بن عسال ]

توضأت وصليت، ولبست ثيابك، وهيأت نفسك وذهبت إلى بيت من بيوت الله.

(( ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع حتى يرجع ))

من فوائد هذا الحديث: فضلُ طلبِ العلم:

قد أقول لكم: إنّ حضور خطبة الجمعة هذا فرض عيني، لكن الذي ترقى به أن تضيف إلى خطبة الجمعة حضور مجالس علم، لأن حضور خطبة الجمعة فرض عيني.

(( من ترك الجمعة ثلاث مرات نكتت نكتة سوداء في قلبه ))

لكنك إذا أتيت لتستمع إلى تفسير كتاب الله، أو إلى تفسير سنة الله، أو إلى معرفة الله بطريقة، أو بأخرى فأنت ممن ينطبق عليهم هذا الحديث.

(( ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع حتى يرجع ))

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام يثني على رواد المساجد وعلى من يحضر مجالس العلم:

(( هم في مساجدهم، والله في حوائجهم ))

الحديث التاسع:

ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم ))

[ أخرجه أحمد، والبخاري، وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة ]

من فوائد هذا الحديث: عاقبةُ الظلم وقطيعةِ الرَّحم وخيمةٌ على صاحبها:

والبغي هو الظلم، اثنان لا تقربهما: الإشراك بالله والإضرار بالناس، أن تعتدي على أموالهم، أن تعتدي على أعراضهم، أعراضهم أي على نسائهم، وأعراضهم، على سمعتهم، إذا جرّحت إنساناً ظلماً، سفهت أقواله ظلماً، ضعضعت مكانته ظلماً لتعلو على أكتافه، فهذا ذنب يعجل الله عقوبته في الدنيا.

(( ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم ))

الحديث العاشر:

(( ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي ]

من فوائد هذا الحديث: الزنا قتل للنسل، وانتهاكٌ للعِرض:

لذلك وردت في سورة الإسراء آية الزنا، النهي عن الزنا بين آيتي النهي عن القتل، وقد استنبط بعض العلماء من أن الزنا بمثابة القتل، يؤكد هذا قوله الله عز وجل:

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾

( سورة البقرة الآية: 191 )

إذا فسدت الفتاة فسد جيل كبير من خلالها.

الحديث الحادي عشر:

الآن:

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ ))

[ رواه أبي داود وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]

ما أكثر المجالس، سهرة، ندوة، وليمة، نزهة، والإنسان يقضي وقتاً طويلاً مع أصدقائه، مع إخوانه، مع جيرانه، مع أقربائه، مع من هو حوله، مع من فوقه فهذه المجالس التي يعقدها الناس بشتى الأغراض، بشتى الأهداف، بمختلف الدوافع، هذه المجالس تعد نشاطاً إنسانياً ملموساً واضحاً مهماً.

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))

من فوائد هذا الحديث: أهمية مجالسِ الذِّكر، وحسرة الغافلين:

حديث عن الدنيا، عن أموالها، عن نسائها، عن بيوتها، عن تجارتها، عن فلان، عن علان، عن زيد، عن عبيد، عن كذا وكذا، ما دام الحديث متعلقاً بالدنيا، ولم يذكروا اسم الله تعالى أبداً، الأحداث فسرت تفسيراً أرضياً، بعيداً عن التوحيد، القصص عُرضت فيه عرضاً فيه إشراك بعيداً عن التوحيد، هذا الذي يتحدث، وهذا الذي يستفهم وهذا الذي يدهش، وهذا الذي يسأل أن يُعيد، ما دام الحديث عن الدنيا، وحضرة الله عز وجل لا تذكر أبداً في مثل هذه المجالس

(( إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ ))

وكان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة.

الحديث الثاني عشر:

وقد يسافر الإنسان، ويركب دابة أو ناقة أو مركبة، أو سيارة، أو طائرة، أو قطاراً... إلخ.

(( ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان ))

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن عقبة بن عامر ]

من فوائد هذا الحديث: لا بد للمسافر من ذكر لله حتى يصاحبَه الملَكُ:

هناك من يسافر ويستمع إلى الغناء، وهناك من يسافر ويستمع إلى القرآن هناك من يغني وهو يسافر، وهناك من يتلو القرآن وهو يسافر.

(( ما من راكب يخلو في مسيره بالله وذكره إلا ردفه ملك، ولا يخلو بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان ))

الحديث الثالث عشر:

(( ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة ))

[ أخرجه أبو نعيم، والبيهقي، عن عائشة ]

من فوائد هذا الحديث: أهمية الوقتِ:

لذلك ورد في بعض الآيات:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

( سورة المؤمنون ).

الصلوات الخمس، وفي آية أخرى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

( سورة المعارج )

معنى دائمون، يعني ما بين الصلوات يذكر، ويدعو، ويتوسل، ويسأل الله عز وجل، ويدعو إلى الله، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، دائماً على صلة بالله، صلة على شكل صلوات، وصلة على شكل دعاء، وعلى شكل استغفار، وعلى شكل أمر بالمعروف، أو نهي عن منكر، وما شاكل ذلك.
أيها الإخوة الأكارم

الحديث الرابع عشر:

(( مَا مِنْ شَيءٍ أثْقَلُ في المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُق ))

[ رواه الترمذي عن أبي الدرداء ]

من فوائد هذا الحديث: الإسلام كلُّه خُلُقٌ، فمن زاد عليك في الخُلقِ زاد عليك في الدين:

الإسلام كله من أجل حسن الخلق، وحسن الخلق من أجل أن تستحق به الجنة، والجنة هي الهدف الكبير من خلق الإنسان في الدنيا، خَلَقك الله عز وجل ليسعدك في جنة عرضها السماوات والأرض، ثمن الجنة حسن الخلق، وطريق حسن الخلق العبادة، والتفكر، ومعرفة الله عز وجل، ليكون حسن الخلق الذي تبتغي به وجه الله، لا الذي تبتغي به الشهرة، ولا الذي تبتغي به الربح الجزيل، حسن الخلق كعبادة، لا كموقف تجاري، حسن الخلق الذي تبتغي به حسن الخلق ثمن الجنة.

(( مَا مِنْ شَيءٍ أثْقَلُ في المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُق ))

الحديث الخامس عشر:

الآن هناك ألوف الملايين من البشر صغاراً وكباراً، وشيباً وشباناً، وشيوخاً وأحداثاً، هناك مهن متنوعة، هناك أجناس متنوعة، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب ))

[ أخرجه أبو المظفر السمعاني، عن سلمان ].

من فوائد هذا الحديث:

1 ـ منزلةُ الشابِّ التائب عند الله تعالى:

في مقتبل العمر، يغلي بالشهوات، وهو مع ذلك منضبط، وهو مع ذلك يضبط بصره، ولسانه، وسمعه، وخواطره، وغدواته، ونشطاته، ينضبط بأمر الله ونهيه.

(( ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب ))

أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد.

(( تعجب ربك من الشاب ليست له صبوة ))

[ أخرجه أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر ]

(( وما من شيء أبغض إلى الله من شيخ مقيم على معاصيه ))

[ أخرجه أبو المظفر السمعاني، عن سلمان ]

2 ـ منزلةُ الشيخ الكبير المقيم على معصية الله تعالى:

في الستين لا يصلي، في الستين يلعب النرد حتى الساعة الثانية ليلاً، في الستين ينظر إلى النساء، في الستين يعود إلى سن المراهقة.

(( ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب وما من شيء أبغض إلى الله من شيخ مقيم على معاصيه ))

الحديث السادس عشر:

الآن الصدقات لا تعد ولا تحصى، هناك صدقات لبناء المساجد، لإنشاء جمعيات خيرية، هناك من يطعم المساكين، من يعطف على أرملة، من يرعى طفلاً، أنواع الصالحة لا تعد ولا تحصى، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق ))

[ أخرجه البيهقي، عن أبي هريرة ]

من فوائد هذا الحديث: قولُ الحق من أفضلِ الصدقات:

إنك إن قلت كلمة حق لعلك تحيي بها نفساً، من أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً، إذا هديت إنسانًا هداية حقيقية جعلته يلتزم بأمر الله، إذا تفضل الله عليك بأن أجرى على يدك هداية إنسان فهذا الإنسان هو وأهله وأولاده في صحيفتك.

(( يا علي، لأن يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ، وخير لك من حمر النعم، وخير لك من الدنيا وما فيها ))
إذاً: (( ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق ))

أيها الإخوة الأكارم، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الأكارم، بقي حديثان من هذه السلسلة، يقول عليه الصلاة والسلام :

الحديث السابع عشر:

(( ما من عبد ابتلي ببلية في الدنيا إلا بذنب ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي موسى ]

(( فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ))

[ رواه مسلم عن أبي ذر ].

(( ما من عبد ابتلي ببلية في الدنيا إلا بذنب، والله أكرم وأعظم عفوا من أن يسأله عن ذلك الذنب يوم القيامة ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي موسى ]

من فوائد هذا الحديث: الصبر على البلاء يُذهِب الذنوب:

إذا مات الإنسان، وكانت مصائبه تغطي ذنوبه فهو رابح ربحاً كبيراً.

(( ما من عبد ابتلي ببلية في الدنيا إلا بذنب، والله أكرم وأعظم عفوا من أن يسأله عن ذلك الذنب يوم القيامة ))

طبعاً هذا مما يخص المؤمنين، لكن الكفار إذا اقترفوا الفواحش والآثام ماتوا على الإصرار عليها، فقد يعاقبون عليها في الدنيا، وتدخر لهم عقوبة أخرى في الآخرة، هذا الحديث متعلق بالمؤمنين.
والحديث الأخير:

(( ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

الدعاء:

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافينا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مآلنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل ِكلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اجعل تدمير أعدائهم في تدبيرهم، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، أرنا قدرتك في تدميرهم يا أكرم الأكرمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS