18984
خطبة الجمعة - الخطبة 0452 : خ1 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم (3) : عبادته ، خ2 - الخلية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-09-10
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنَّك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

جانب العبادة في حياة النبي عليه الصلاة و السلام :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا في شهر ربيع الأول - شهر مَولد النبي عليه الصلاة والسلام - وقد بيَّنت لكم في خطبتين سابقتين أن جوهر الاحتفال بعيد المولد الشريف أساسه معرفة النبي ؛ معرفة شمائله ، وأخلاقه ، وكمالاته ، والشِقُّ الثاني أن نقتفي بها ، وأن نتأثر بها، وأن نسعى في أن نتبعها ، لأن هذا يؤكد محبتنا لله عزَّ وجل ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

 ولنتناول في هذه الخُطبة جانباً من جوانب شخصية النبي عليه الصلاة والسلام ، جانب العبادة . فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿قُلْ﴾

 يا محمد قل لهم :

﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأنعام : 162]

 فالعبادة كما أرادها الله ؛ أن تكون مطيعاً لله ، وأن تكون محباً له ، وأن تكون مُخْلِصاً له ، حتى إنهم قالوا : غاية الحُب ، مع غاية الطاعة ، مع غاية الإخلاص .

﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأنعام : 162]

 ولكنَّ جانب التوازن في شخصية النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الاستغراق في عبادة الله ، وهذا الانغماس في القُرب منه لم يشغله عن الحقوق المتعلِّقة به ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

((إن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثور ]

 نقطةٌ دقيقةٌ في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام هي تحقيق التوازن . ممكن أن ينغمس الإنسان في نشاطٍ ما إلى قمة رأسه ، ولكن على حساب واجباته الأُخرى ، يمكن أن ينصرف الإنسان إلى هذا الاتجاه إلى أقصى مداه ، ولكن على حساب اتجاهاتٍ أُخرى ، يمكن أن يُبالغ الإنسان في جانبٍ على حساب جانب ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فعلى الرغم من أنه قد انغمس في عبادة ربه - وسوف تَرَوْنَ بعد قليل تفاصيل دقيقة من حياته اليومية- كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام انغمس في عبادة ربه انغماساً ما فعله أحدٌ من البشر ، ومع ذلك كان زوجاً ناجحاً ، وأباً كريماً ، وصديقاً ودوداً ، وقائداً وفياً ، وسياسياً حكيماً ، ومتحدثاً لَبِقَاً ، وقائداً ناجحاً .

التوازن في حياة النبي صلى الله عليه و سلم :

 أتحدث الآن عن التوازن : كان عليه الصلاة والسلام تنام عينه ، ولا ينام قلبه ، حتى إذا نام لم يوقظه أحد ، كان هو الذي يستيقظ ويوقظ غيره ، وقد قام الليل حتى تفطَّرت قدماه ، وقد سُئل عليه الصلاة والسلام : " يا رسول الله لمَ تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر ؟! " فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ... أَفلا أُحِبُّ أن أَكُونَ عبداً شكوراً؟ ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 يصلي الليل ، معظم الليل حتى تتورَّم قدماه ، فإذا سُئل : " يا رسول الله لمَ تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر ؟! " فيقول عليه الصلاة والسلام :

(( ... أَفلا أُحِبُّ أن أَكُونَ عبداً شكوراً؟ ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 تصوروا هذا المَشْهَد وإلى جانبه مشهدٌ آخر ، إذا صلَّى بالناس خفَّف صلاته حتى تكون أخفَّ صلاةٍ . كان خفيف الظِل عليه الصلاة والسلام ؛ يرحم الضعيف ، يقول :

((سيروا بسير أضعفكم))

 إذا صلَّى وحده تورَّمت قدماه ، صلَّى معظم الليل . فإذا صلى بالناس كان أخفَّ الناس صلاةً في تمام . أردت من هذا التوازن عن عبد الله بن حذيفة بن اليمان قال :

((صليت مع النبي ذات ليلة فافتتح بالبقرة ، فقلت يركع بعد المئة . ثم مضى، فقلت : يصلي بها ركعةً ، فمضى ، فقلت : يركع بها ، ثم افتتح النساء فقرأها ، ثم افتتح آل عمران فقرأها ، يقرأ مُرْسِلاً فإذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح الله ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل الله، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم ركع ، فجعل يقول : سبحان ربي العظيم ، فكان ركوعه نحواً من قيامه ، ثم قال : سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد . ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع ، ثم سجد فقال : سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريباً من قيامه ))

[مسلم عن عبد الله بن حذيفة ابن اليمان ]

 هذه صلاته وحده ، وحينما كان يصلي الفجر- وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ في الفجر السور الطويلة- سمع بكاء طفلٍ صغير ، فقرأ سورةً قصيرة ، وأنهى صلاته على عَجَل رحمةً بهذا الصغير .
 أعطيكم صورتين متقابلتين : حينما يصلي بالناس ، صلاته الخفيفة دليل رحمته بالناس ، وحينما يصلي وحده ، صلاته الطويلة دليل حبه لله عزَّ وجل ، هكذا كانت عبادته صلى الله عليه وسلم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمرٌ بادر إلى الصلاة ، لأنه لا معافي إلا الله ، ولا كاشف الضُر إلا الله ، ولا معطي إلا الله ، ولا مانع إلا الله ، ولا شافي من المرض إلا الله ، ولا مُغني إلا الله ، ولا رافع إلا الله ، ولا خافض إلا الله، فكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمرٌ بادر إلى الصلاة . أما إذا جاءه من يطلب منه شيئاً فيقَصَّر من صلاته ، فأن يستغرق في الصلاة وعلى الباب رجل ينتظره وفي المجلس إنسان سيسأله !! يطيل الصلاة وحده ، وينهيها على عجلٍ لخدمة الخلق ، فكان مع الحق بحق ، ومع خدمة الخلق بحق .

معرفة النبي قدر ربه حقّ المعرفة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام من علائم عبادته أنه يعرف قَدْر ربِّه ، وكيف يتبدَّى لنا أنه يعرف قدر ربه ؟ .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال مرَّةً :

(( شَيَّبَتْني هودٌ ))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 من هود ؟ سورة هود . ولماذا ؟ لأن فيها قوله تعالى :

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

[ سورة هود : 112]

 وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، أخذاً من هذه الآية :

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

[ سورة هود : 112]

 الأعمال الصالحة بقدر استطاعتك ، أما الاستقامة فأنت ملزمٌ بها ، بكل دقائقها ، وإلا فالحجاب بينك وبين الله ، فكان يعرف قدر ربه ، فيقول :

(( شَيَّبَتْني هودٌ ))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 ومن دلائل معرفته بربه أنه قال مرةً :

((يا فاطِمَة َ بنْتَ مُحَمَّدٍ ! سَلِيْني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي ، لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا))

[ سنن النسائي عن أبي هريرة ]

 أي إذا كان في موقفٍ الحديث عن عدالة الله جل جلاله ، لا يمكن أن يتجاوز قَدْرَهُ ، كان يعرف قدر ربه حقَّ المعرفة ، فإذا كان الموطن موطن عدالة لا يمكن أن يتجاوز قدره ، قال :

((يا فاطِمَة َ بنْتَ مُحَمَّدٍ ! سَلِيْني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي ، لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا))

[ سنن النسائي عن أبي هريرة ]

 يقول :

(( شَيَّبَتْني هودٌ ))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 لماذا ؟ لقوله تعالى :

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

[ سورة هود : 112]

 أيها الأخوة الكرام ؛ دُعي مرَّةً إلى أن يُمَثِّلَ بهؤلاء الذين مثَّلوا بعمه سيدنا حمزة ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((لا أمثل به ، فيمثل اللّه بي ، ولو كنت نبياً))

[ نصب الراية عن عمر]

 يعرف عدالة ربه ، يعرف قدر ربه حق المعرفة ، أما حينما يكون الموطن موطن الثقة بالله عزَّ وجل فهو شديد الثقة بالله إلى أبعد الحدود ، فحينما كان في الغار ، وقد وصل المطارِدون إلى باب الغار ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا ، فقال :

((يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثور عن أبي بكر ]

((لا تحزن إن الله معنا ؟!! ))

 فلمَّا وقعت عين بعض المطاردين على سيدنا الصديق ، قال رضي الله عنه : يا رسول الله لقد رأونا ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

 دقِّقوا : في موطن العدالة يعرف قدر ربه . .

((لا أمثل به ، فيمثل اللّه بي ، ولو كنت نبياً))

[ نصب الراية عن عمر]

((يا فاطِمَة َ بنْتَ مُحَمَّدٍ ! سَلِيْني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي ، لا أُغني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا))

[ سنن النسائي عن أبي هريرة ]

 يقول :

(( شَيَّبَتْني هودٌ ))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 لقوله تعالى :

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

[ سورة هود : 112]

 أما في موطن الثقة بالله ؛ لا يزال يثق بالله أشدَّ الثقة حتى إذا كان في قبضة عدوِّه ، كان يقول عليه الصلاة والسلام في وقت الشدَّة : إن الله ناصر نبيِّه .

اتصاله صلى الله عليه وسلم بالله اتصالاً دائماً :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ كان دائم الصِلَة بالله . كُلُّكم يعلم أن سيدنا الصديق مرَّ بصحابيٍ اسمه حنظلة ، رآه يبكي فقال : ما لكَ يا حنظلة تبكي ؟ قال : نافق حنظلة .
 قال : ولِمَ يا أخي ؟ـ قال : لأننا نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين ، فإذا عافسنا الأهل ننسى . فيقول رضي الله عنه : أنا كذلك يا أخي ، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم . فلمَّا عرضا على النبي قصة حنظلة ، قال :

(( نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم))

[ مسلم عن حنظلة ]

 إذاً في مجالس العلم تتنزَّل الرحمة ، إذا كنت مع الصالحين تشعر بارتياحٍ شديد ، هذه النفحات التي يتفضَّل الله بها على عباده إذا أتوا بيوته :

(( إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحُق على المزُور أن يكرم الزائر))

[ أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري]

 من علائم اتصاله بالله اتصالاً دائماً أنه كان صلى الله عليه وسلم يشكر ربه في مواطن النصر ، حينما دخل مكَّة دخل ساجداً على عُنُقِ بعيره ، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره ، شكراً لله وتواضعاً لله عزَّ وجل ، وقد قيل : ما من فاتحٍ على وجه الأرض فتح بلدةً إلا أخذته الغطرسة والعُنْجُهُيَّة ، وأخذته العظمة ، إلا النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة دخلها ساجداً على عنق بعيره حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره .

أدعية النبي وأذكاره تمثِّل شدة اتصاله بربه ودوام اتصاله به :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وكان عليه الصلاة والسلام إذا عاد من السفر توجَّه إلى المسجد ليصلي ركعتين قبل أن يذهب إلى بيته ، وكان إذا أزمع السفر يدعو بهذا الدعاء :

((اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل والمال))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 ماذا يعني الدعاء المستمر أيها الأخوة ؟ يعني دوام الاتصال بالله ، يعني دوام التذكُّر ، أيْ هو مع الله دائماً ، أنت تُصلي في اليوم خمس مرات ، ولكن بالأدعية والأذكار التي سَنَّها النبي عليه الصلاة والسلام أنت مع الله دائماً ، إذا خرجت من بيتك هناك دعاء ، إذا عُدَّت إلى البيت هناك دعاء ، إذا انطلقت مسافراً هناك دعاء ، إذا عدت من السفر كان يقول :

((آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون))

[ من مختصر تفسير ابن كثير ]

 إذا تناولت الطعام هناك دعاء ، كانت أدعية النبي صلى الله عليه وسلَّم وأذكاره تمثِّل شدة اتصاله بربه ، ودوام اتصاله بربه ، وهو الذي يقول :

((الدعاء مخُّ العبادة))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا عاد من السفر يقول :

((آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون))

[ من مختصر تفسير ابن كثير ]

(( اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل والمال ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ))

[النسائي عن أبي هريرة ]

 وكان إذا بنى المسجد ساهم مع أصحابه الكرام في بناء المسجد ، كان يقول : " إن الله لا يحب أن يرى عبده متميزاً على أصحابه ".
 كان يكره أن يُرى متميزاً على أصحابه ، فكان يُسْهِم صلى الله عليه وسلَّم في بناء المسجد ، وهو يذكر الله عزَّ وجل فيقول :

(( اللّهُمّ لاَ عَيْشَ إِلاّ عَيْشَ الآخرة فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد ]

 وحينما حفر أصحابه الخندق ، ساهم في حفر الخندق معهم ، وكان يقول :

اللهمَّ لولا أنت ما اهتدينا  ولا تصدقنا ولا صلينــا
فأنزلن سكينةً عليــنـــــــــــا  وثبِّت الأقدام إن لاقينا
* * *

عبادته عليه الصلاة و السلام لم تنسه واجباته تجاه أهله و أولاده و الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا تنسوا أن الحديث اليوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يتناول زاويةً واحدة وهي : عبادته ، عبادته في أعلى درجة ، ولكنَّ عبادته الراقية ما أنسته واجباته تجاه أهله وأولاده وأصحابه والناس أجمعين . كان إذا رأى المطر يقول :

((اللَّهُمَّ صَيِّباً نافِعا))

[الأذكار النووية عن عائشة]

 كان إذا خاف ضرراً من رياحٍ ماحقةٍ أو مطرٍ شديد كان يقول :

(( اللهم حوالينا ولا علينا ولكن على الجبال ومنابت الشجر))

[ النسائي عن أنس بن مالك]

 وكان عليه الصلاة والسلام إذا سمع الرَعْدَ يقول :

((اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك))

[الجامع لأحكام القرآن عن ابن عمر]

 وكان إذا رأى الهلال قال :

((اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا باليُمْنِ وَالإِيمانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّه ))

[الأذكار النووية عن طلحة بن عبيد الله ]

((هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد))

[ رواه أبو داود عن قتادة ]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يحب يقول :

((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات))

[ الدر المنثور في تفسير المأثور عن عائشة ]

 ما غفل عن نعمةٍ أنعم الله بها عليه إلا ونسبها إلى الله عزَّ وجل .

نسب النّعم إلى الله عز وجل :

 كثيراً ما نغفل نحن ، نكون غارقين في النعم ، ونظن أن هذه النعم من جهدنا ، ومن ذكائنا ، ومن خبرتنا ، ومن سعينا ، ومن عملنا ، ومن شهاداتنا ، ومن تفوّقنا ، عليه الصلاة والسلام النعم التي كانت تحيط به لا ينسى لحظةً أنها من فضل الله عزَّ وجل ، فكان إذا رأى ما يحب يقول :

((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات))

[ الدر المنثور في تفسير المأثور عن عائشة ]

 وكان إذا نظر إلى وجهه في المرآة يقول :

((الحَمْد لِلَّهِ ، اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي وحرِّم وجهي على النار))

[ من الأذكار النووية عن ابن عباس]

 هذا الوجه الذي كرَّمه الله عزَّ وجل أيعقل أن يُلقى في النار ؟! الإنسان حينما يفعل الكبائر وينحرف يستحقُّ دخول النار ، كان يقول عليه الصلاة والسلام :

((الحَمْد لِلَّهِ ، اللَّهُمَّ كما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي وحرِّم وجهي على النار))

[ من الأذكار النووية عن ابن عباس]

 كان إذا قال له أحدٌ : إني أحبُّك ، كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((أحبَّك الذي أحببتني له))

[ رياض الصالحين عن أنس ]

 وكان إذا أصبح يقول :

((أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّه))

[الأذكار النووية عن عبد الله بن مسعود ]

 فالإنسان أحياناً يستيقظ وينطلق إلى أداء أعماله اليوميَّة ، هذه غفلة ، أما المؤمن إذا استيقظ فيعلم علم اليقين أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً ، لأن النوم نوعٌ من الموت ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا استلقى على فراشه يقول :

((باسمك ربي وضعت جنبي ، وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))

[ من مختصر تفسير ابن كثير عن أبي هريرة]

 إذاً فإن أمسكتها فارحمها لعلَّها تكون القاضية ، وإن أرسلتها فاحفظها . فإذا استيقظ يقول :

((أصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ لِلَّه))

[ من الأذكار النووية عن عبد الله بن مسعود ]

 لذلك ما من يومٍ ينشقُّ فجره إلا وينادي : يا بن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلا يوم القيامة .

تذكر نعم الله نوع من شكره :

 مرَّةً ثانية أيها الأخوة : الأدعية التي سنَّها النبي عليه الصلاة والسلام في الأحوال كلِّها ؛ الإنسان ينام ، يستيقظ ، يتناول الطعام ، يخرج من بيته ، يعود إلى بيته ، ينطلق مسافراً، يعود من السفر ، يصيبه مرضٌ ، يشفى بعد المرض ، يرى ما يسره ، يرى ما لا يسره ، اقرؤوا كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى ، ففيه أذكار النبي صلى الله عليه وسلَّم كلُّها ، وأذكار النبي تعني أنه كان مع الله دائماً ، ما غفل عن ربه لحظةً ، لذلك :

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

[ سورة إبراهيم : 7 ]

 لذلك أحد أنواع الشكر أن تعزو النعمة إلى الله ، " ابن آدم إنك إن ذكرتني شكرتني ، وإذا نسيتني كفرتني " ، لذلك التذكُّر نوعٌ من الشُكر ، وقد قال الله عزَّ وجل :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء : 147]

 أي أنتم مخلوقون من أجل المعرفة ، ومن أجل الشكر ، لأنه سخر الكون لكم تسخير تعريفٍ وتكريم ، ردُّ فعل التعريف أن تؤمن به ، وردُّ فعل التكريم أن تشكره ، فإذا آمنت به وشكرته ، فقد حققت المراد من خلقك ، لذلك عندئذٍ تتوقَّف المُعالجة . .

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء : 147]

افتقاره صلى الله عليه وسلم إلى الله :

 نحن أمام نِعَمٍ لا يعلمها إلا الله ، لو شغلنا أنفسنا بشكرها لكنا في سعادةٍ ما بعدها سعادة ، لكنَّ اللئيم يذكر ما ينقصه وينسى ما هو في حوزته ؛ بينما الكريم يُشغَل بما في يديه عن الذي ينقصه . كان إذا وقع شيءٌ لا يحبه ، إنه بشر ، و تجري عليه كل خصائص البشر ؛ يغضب كما يغضب البشر ، ينسى كما ينسى البشر ، يجوع كما يجوع البشر ، يشعر بالحر كما يشعر البشر ، لولا أنه بشرٌ تجري عليه كل خصائص البشر لما كان قدوةً لنا ، ولما كان سيد البشر ، كان يعلِّمنا صلى الله عليه وسلَّم أنه إذا جاءت الأمور على غير ما يريد كان يقول :

((قدَّر الله وما شاء فعل))

[مختصر تفسير ابن كثير عن ابن عمر ]

 موحِّد ، وإذا استصعب شيئاً ، ألا نواجه أموراً صعبةً في حياتنا ؟ ألا نواجه عُقَداً لا تُحَل ؟ ألا نواجه أشخاصاً معقَّدين وأقوياء في وقتٍ واحد ؟ كان إذا استصعب شيئاً قال :

((اللَّهُمَّ لا سـَهْلَ إِلاَّ ما جَعَلْتَهُ سـَهْلاً ، وأنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إذَا شِئْتَ سَهْلا))

[الأذكار النووية عن أنس ]

 هذه هي العبودية لله عزَّ وجل ، هذا هو الافتقار له ؛ أن تشعر بضعفك أمام قوة الله ، بجهلك أمام عِلم الله ، بتقصيرك أمام فضل الله عزَّ وجل .

تواضعه عليه الصلاة و السلام و خدمته للخلق :

 حتى إذا كان قد لبِسَ ثوباً يقول:

((اللَّهُمَّ إني أسألُكَ منْ خَيْرِهِ وَخَيْر ما هُوَ لَهُ))

[ من الأذكار النووية عن سعد بن مالك بن سنان]

 الإنسان قد يلبس الثوب فيزهو على أقرانه ، يأخذه الكِبر ، إذا كان ذواقاً ، إذا كان أنيقاً قد يأخذه الكبر في ثيابه ، كان يقول عليه الصلاة والسلام :

((اللَّهُمَّ إني أسألُكَ منْ خَيْرِهِ وَخَيْر ما هُوَ لَهُ ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهِ وَشَرّ ما هُوَ لَه))

[ من الأذكار النووية عن سعد بن مالك بن سنان]

 كان إذا خرج من بيته يقول :

((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن سعد بن المسيب]

 وكان إذا قُدِّم له الطعام يقول :

((اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيما رَزَقْتَنا ، وَقِنا عَذَابَ النَّارِ ، باسم اللَّه))

[ من الأذكار النووية عن عمرو بن العاص ]

 حتى أنه كان إذا خرج من الخلاء يقول :

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته- الطعام - و أبقى فيّ قوته ، و أذهب عني أذاه ))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

 المريض يُعْطَى السيروم . .

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ، و أبقى فيّ قوته ، و أذهب عني أذاه ))

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

 حتى أنَّ وسادته في البيت كانت وسادةً من أَدَمٍ محشوَّةً ليفاً ، وتروي السيدة عائشة أنها كانت تفترش للنبي عباءةً له ، فجاء ليلةً قالت : وقد ربَّعتها له - على أربعة مجالات - فنام عليها فلما أصبح قال : " يا عائشة ما لفراشي الليلة ليس كما كان "قالت : يا رسول الله قد ربَّعتها لك ، لذلك نهاها عن أن تعيدها ثانيةً خشية أن يستغرق في النوم ، قد ربَّعتها لك . هو يرى أن الدنيا مؤقَّتة ، فيقول :

((يا أيها الناس ، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 كل هذه العبادة ، وكل هذا الاستغراق ، وكل هذه الصلاة في الليل ، وكل هذا الدُعاء كان يقول :

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته ، خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ))

[ الطبراني عن ابن عمر ]

 جعل خدمة الخلق عبادة . .

((أن أعين أخي المؤمن على حاجته أحب إلي من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

تشريعه صلى الله عليه وسلم يشمل كل البشر :

 ومرَّةً كان يقول :

((أما إني أخشاكم لله ؛ أنام وأقوم ، أتزوج النساء ، آكل اللحم ، أصلي وأرقد، هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن أنس]

 كان صلى الله عليه وسلم مُشَرِّعاً ، وكان تشريعه يتَّسع للخلق جميعاً .
 لذلك يمكن أن نَخْلُصَ من هذا أن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ليست كعبادة الرُهبان العاكفين في المَغاور ، بل كانت عبادة الرجل القوي المُتَجَهِّز للقاء العدو ، عبادةٌ وهو في أعلى درجات القوة ، عبادةٌ وهو في أعلى درجات النشاط ، عبادةٌ وهو في أعلى الدرجات الاجتماعية - أي أنه يعيش مع المجتمع ، يتفقَّد أحوالهم ، يعرف ما له وما عليه – .

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 لكنَّ الحديث الدقيق الدقيق الذي أتمنى على الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقني بوضع ملامحه بين أيديكم هو أن النبي صلى الله عليه وسلَّم فيما ورد في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أن النبي قضى بين رجلين مختصمين ، على كل هذا الرجل الذي قضى عليه لمَّا أدبر قال : حسبي الله ونعم الوكيل ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام :

((إن اللّه تعالى يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإِذا غلبك أمرٌ فقل : حسبي اللّه ونعم الوكيل))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أي هذه كلمة حقٍ أُريد بها باطل ، أوضح مثل : طالب لم يدرس فلما رسب قال : حسبي الله ونعم الوكيل ، هذا كلام ليس في مكانه ، هذه الآية ليست لهذه الحالة ، لكن لو أن هذا الطالب درس أكثر ما يستطيع ، وقبل الامتحان جاءه مرضٌ حال بينه وبين أداء الامتحان ، الآن يقول : حسبي الله ونعم الوكيل . فإن الله يلوم على العجز ، الكسول الذي لا يأخذ بالأسباب ، لا يتفوق ، لا يضع لكل مشكلةٍ حلاً لها ، لا يسأل ، لا يدبِر أموره ، لا يتعقَّل ، هذا العاجز الذي يترك أموره سائبةٌ هكذا ، هذا إذا أصابه مكروهٌ لا ينبغي أن يقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، هذا جزاء التقصير ، هذا جزاء ترك السُنَن ، هذا جزاء الاستخفاف بقوانين الله عزَّ وجل، غلطٌ كبير أن تعزو تقصيرك إلى الله ، غلطٌ كبير أن تعزوَ ترك الأخذ بالأسباب وتحمُّل النتائج إلى الله عزَّ وجل ، ماذا قال هذا الرجل ؟ قال : حسبي الله ونعم الوكيل ، قال قرآناً ، لكن هذه الآية ليست لهذا الحال ، هو مقصِّر ، قال :

((إن اللّه تعالى يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ...))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أي التعقُّل ، تدبير الأمور ، السعي ، الأخذ بالأسباب ، كل شيء له حل ، ابحث عن الحل ، تحرَّك ، اطلب ، طالب ، اكتب ، اسأل ، اشتكِ ، تعقَّل ، تأمَّل ، تدبَّر ، أما أن تكون هكذا ، أن تعرِّض نفسك لكل الأخطار من دون أن تتحرَّك ، هذا هو العجز ، قال عليه الصلاة والسلام للذي قضى عليه ، وقد قال لمَّا أدبر : حسبي الله ونعم الوكيل . قال له النبي عليه الصلاة والسلام :

((إن اللّه تعالى يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ...))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أي تدبُّر ، أما حينما تُغلب بالقضاء والقدر فهناك مشيئةٌ علويةٌ شاءت ذلك ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، هذه المشيئة العلويَّة خيِّرةٌ قطعاً ، عندئذٍ تستسلم ، لا تستسلم إلا بعد أن تأخذ بكل الأسباب ، وبعد أن تستنفذ كل الفُرَص عندئذٍ تقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام .

من تفوق في عمله احترم الناس دينه و قدروا اتجاهه :

 وفي صحيح مسلم - وهذا حديثٌ خطير - يقول عليه الصلاة والسلام :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 والقوة مطلقة ؛ فالعلم قوة ، والمال قوة ، والعمل الذي فيه نفعٌ للناس ، إذا قمت بهذا العمل فأنت قوي ، فالقوة بمطلقها . .

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 إنك إن تفوَّقت في عملك احترم الناس دينك ، وقدَّروا اتجاهك ، أما المُقَصِّر المتخلِّف فهذا يجر الناس إلى أن يحتقروا اتجاهه ، ويزدروا دينه لأنه مقصِّر ، هذا الحديث دقيقٌ جداً :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير...))

[مسلم عن أبي هريرة]

 جبراً لخاطر الضعفاء . .

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

لو الاستثنائيّة :

 ذكرت فجر اليوم أن هناك استثناءً من " لو " ، لو هذه نهى النبي عن أن نستخدمها في قاموسنا ، لو فعلت كذا لكان كذا ، لو فعلت كذا لكان كذا ، قل : قدَّر الله وما شاء فعل ، لكنَّ العلماء استثنوا لو الإيجابيَّة ، قال تعالى :

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن: 16-17 ]

 الإنسان إذا كسب مالاً حراماً ثم دمَّر الله له ماله ، إذا قال : لو أنني تعفَّفت عن الحرام لكان خيراً لي . هذه لو مسموحٌ بها ، ويجب أن نقولها دائماً ، لأن الله سبحانه وتعالى ما يفعل بعذابنا إن شكرنا وآمنَّا . إذا جاء الإنسان عقاباً إلهياً على ذنبٍ يعرفه ، ومعصيةٍ ارتكبها ينبغي أن يقول : لو لم أفعلها لنجَّاني الله من هذا . حتى لا يعيدها مرة ثانية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه نماذج تفصيلية من عبادة النبي صلى الله عليه وسلَّم. مركز الثِقَلِ في الخطبة :

((إن اللّه تعالى يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإِذا غلبك أمرٌ فقل - بقضاء الله وقدره من دون حيلةٍ منك - حسبي اللّه ونعم الوكيل))

[ أبو داود عن عوف بن مالك ]

 هذه الآية تُلقى في هذا الموطن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الخلية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مما يلْفِت النظر في القرآن الكريم أن الآيات التي تتحدث عن العِلم ومشتقَّات العلم تزيد عن سبعمئةٍ واثنتين وثمانين آية ، وأن الآيات التي تتحدَّث عن المَعْرِفَة هي تسعٌ وعشرون آية ، فإذا جمعنا آيات العلم مع آيات المعرفة يكون المجموع ثمانمئةٍ وإحدى عشرَة آية . الشيء الذي يلفت النظر أن آيات الإيمان في القرآن الكريم هي ثمانمئة آية وإحدى عشرَة . ماذا نفهم من هذا التطابق العجيب بين آيات العلم والمعرفة ، وبين آيات الإيمان ؟ قد نستنبط من ذلك أن الإيمان طريقه العلم والمعرفة ، وأن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ، ولكن العقول تصل إليه من خلال آثاره التي بثَّها في الكون .
 من هذه الآيات التي بين جنبينا أن أجسامنا وأجسام الكائنات الحية مؤلَّفةٌ من أصغر وحدة وظيفيَّة ؛ ألا وهي الخليَّة ، ليست الخلية وحدة بناء بل هي وحدة وظيفيَّة ، البناء أقل من خليَّة ، وحدة البناء أقل من وحدة الوظيفة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في جسم الإنسان مئة ترليون خلية ، أيْ مئة ألف ألف مليون، ألم يقل الله عزَّ وجل :

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾

[ سورة الحاقة : 38-39]

 من الخلايا الكبيرة جداً الكُرَيَّة الحمراء ، لا نستطيع أن نراها إلا تحت مجهرٍ تكبيره يقدر بمئة وأربعين مرَّة ، أيْ إذا كُبِّرَت الكرية الحمراء مئةً وأربعين مرة يمكن أن نراها صغيرةً صغيرة بأعيننا الطبيعيَّة ، أما وزن هذه الخلية فلا يزيد عن واحد من مليار من الغرام ، أي مليار خلية وزنها غرام واحد ، فهذه الخلية هي أصغر وحدةٍ وظيفيةٍ في الإنسان ، من يصدِّق أن الجسم يستهلك في كل ثانيةٍ مئةً وخمسةً وعشرين مليون خلية !! وأن الجسم يولِّد في كل ثانيةٍ مئة وخمسة وعشرين مليون خلية ، وأنتم لا تدرون ، وأنتم لا تشعرون ، في الثانية الواحدة ، الإنسان يتجدَّد كل سبعة أيام تجديداً كاملاً ، إلا خلايا الدماغ ، وخلايا القلب ، فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة هذه لا تتبدَّل ، لو تبدَّلت لفقدنا اختصاصنا ، لو تبدَّلت لفقدنا شهاداتنا ، لو تبدلَّت لفقدنا خبراتنا ، لو تبدلت لفقدنا ذاكرتنا ، كما لو مسحت الذاكرة من جهاز الحاسوب ، لا يبقى شيء .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كريات الدم الحمراء في كل ثانيةٍ يولد منها اثنان ونصف مليون ، ويموت في الثانية الواحدة العدد نفسه ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾

[ سورة الحاقة : 38-39]

 لا نرى الخلية ، ولا نرى نواتَها ، ولا نرى الغشاء ، ولا نرى المورِّثات التي فيها معلومات - وسأوضح هذا في خطبٍ قادمةٍ إن شاء الله - تزيد عن خمسة آلاف مليون معلومة في المورثات فقط ، وقد عرف العلماء منها مئات ، خمسة آلاف مليون معلومة تحويها الموَرِّثات التي في النويَّة ، والنويَّة هي الجسم الصغير الذي في وسط النواة ، كما أقول في أول الخطبة : ليست الخلية وحدة بناء بل هي وحدة وظيفيَّة ، هذا كله فيما لا نبصر ، نحن نبصر إنسانًا سويًّا، نبصر جلدًا ، نبصر عَيْنًا ، أما الوحدة الوظيفية للكائن الحي فهذه الحديث عنها يطول ، والدخول في أسرارها شيءٌ لا يصدق ، ولكنه واقع ، ولكنه شيءٌ أصبح بديهياً عند طُلاب الجامعات ، يدرسون الخلية في كل كليات العلوم ، سنة بأكملها يدرسون عن الخلية ، وعن تركيبها ، وعن وظيفتها ، وخصائصها ، وعن خصائص غلافها ، وعن خصائص نويتها ، وعن خصائص الحموض الأمينيَّة فيها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرَّةً ثانية وثالثة ورابعة : إن أقصر طريقٍ إلى الله ، وإن أوسع بابٍ إليه هو الكون . .

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[ سورة فاطر : 28 ]

 أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS