8158
تتمة أحاديث رمضان 1431 - أمثال القرأن الكريم - الدرس (29-34) : الحديث الشريف ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أو آخره ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2011-01-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أسباب التفوق التي كانت متاحة للصحابة الكرام متاحة لكل إنسان:

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الأمثال والمثل اليوم، قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))

[الترمذي عن أنس]

 هذا الحديث أيها الأخوة الذي جاء على شكل مثل يبث العزيمة في قلوب المؤمنين ولو كانوا متأخرين، هناك وهم أن الصحابة الكرام والحقيقة هم نخبة البشر:

(( إن الله تبارك وتعالى اختارني واختار لي أصحاباً ))

[الحاكم عن عويم بن ساعدة ]

 لكن عند بعض المسلمين في العصور المتأخرة هناك إحساس باليأس، لا يوجد إمكان أن يتفوق الإنسان، أقسم لكم بالله أسباب التفوق التي كانت متاحةً للصحابة الكرام، متاحة لكل واحد من المسلمين اليوم، إله الصحابة إلهنا، الظروف واحدة، ما الذي يمنعك أن تكون مؤمناً صادقاً؟ ما الذي يمنعك أن تصلي قيام الليل؟ ما الذي يمنعك أن تغض بصرك عن محاسن النساء؟ ما الذي يمنعك أن تضبط لسانك؟ ما الذي يمنعك أن تنفق مالك؟ ما أتيح للصحابة من أعمال صالحة متاح لنا، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام الذي سمعوه بين أيدينا، والقرآن بين أيدينا، وكل العصور فيها القوي، و فيها الضعيف، فيها المؤمن، و فيها المنافق، وفيها الكافر، ما الذي يمنعك أن تكون مؤمناً؟ ما الذي يمنعك أن تطلب العلم؟ ما الذي يمنعك أن تحفظ القرآن الكريم؟ ما الذي يمنعك أن تغض البصر عن محارم الله؟ ما الذي يمنعك أن تنفق مالك في سبيل الله؟ الظروف التي كانت متاحة للصحابة متاحة، بل ورد في بعض الآثار أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((اشتقت لأحبابي، قالوا: لسنا أحبابك؟ قال : لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون))

[ورد في الأثر]

 في الحديث الصحيح:

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[مسلم عَنْ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أن تعبد الله في زمن الفسق، في زمن النفاق، في زمن الكذب، في زمن يؤتمن الخائن ويخون الأمين، في زمن يكذب الصادق ويصدق الكاذب، في زمن النساء الكاسيات العاريات:

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[مسلم عَنْ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

((اشتقت لأحبابي، قالوا: لسنا أحبابك؟ قال : لا، أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم؟ قال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون))

[ورد في الأثر]

الحياة جنة مع الإيمان :

 أنتم أيها الأخوة أمامكم فرص كبيرة جداً، الحياة جميلة بالإيمان، الحياة جنة مع الإيمان، الحياة مسعدة مع أخوة أكارم، تحبهم ويحبونك، تنصرهم وينصرونك، تنصحهم وينصحونك:

(( مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))

[الترمذي عن أنس]

 العبرة أن الإنسان بحاجة إلى إيمان، إلى ثقة بالواحد الديان، إلى ثقة بأن الله معه، وأن الله عز وجل يمكن أن يرفعه إلى أعلى عليين، لا تنظر إلى مرتبتك الاجتماعية، هذه لا تقدم ولا تؤخر، والدليل:

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 كنا مرة بالحج، رئيس البعثة عالم جليل، تكلم كلاماً أبكانا جميعاً، قال: لعل واحداً منكم لا يؤبه له هو أقربنا إلى الله عز وجل.
 أنت في زمن صعب الأجر كبير، الثواب كبير، والعطاء كبير، والذي نصر أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ينصرنا، والذي أكرمهم يكرمنا، ولعل الآن الأجر أكبر، بحسب الفتن، بحسب الصوارف، نحن نشأنا في سن مبكرة لا يوجد فتن، الآن هناك انترنيت، وفضائيات، و طرق فيها الكاسيات العاريات، وفيها مفاسد لا يعلمها إلا الله، هذه كلها صوارف وعقبات، أحياناً الدين غير مقبول في مجتمع معين، الدين يحارب، أحياناً أنت بحاجة إلى الصبر:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 142 ]

الحياة مؤقتة و الكون يشهد لله عز وجل بوحدانيته وكماله ووجوده :

 الحياة مؤقتة أيها الأخوة، هذه الحياة تنتهي بجنة يدوم نعيمها، وقد تنتهي بنار لا ينفذ عذابها، وسائل السلامة بين أيديكم، والكون يشهد لله عز وجل بوحدانيته، وكماله، ووجوده، الأمور كلها متاحة، ومرة ثانية:

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 مرة قرأت في السيرة أنه دخل إنسان فقير على النبي عليه الصلاة والسلام فهش له وبش، رحب به ترحيباً غير معقول، قال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أنا؟ قال: أنت، أنت يا أخي خاملٌ في الأرض علم في السماء.
 كل واحد منكم بإمكانه أن يكون علماً في السماء، لا يهم شهادتك، ولا مرتبتك الاجتماعية، ولا مساحة بيتك، ولا دخلك، يهم استقامتك وعملك:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

اعتماد القرآن الكريم على مقياسين فقط  للترجيح بين البشر :

 أيها الأخوة الكرام، أهل الدنيا يتفاوتون، ويرجح بعضهم بعضاً بمقاييس من صنع أهل الدنيا، أي القوي محترم، محترم عند أهل الدنيا، والغني محترم عند أهل الدنيا، والوسيم محترم، والذكي محترم، لكن القرآن الله عز وجل اعتمد مقياسين لا ثالث لهما، أول مقياس العلم فقال تعالى:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر:9 ]

 آية تؤكد ذلك:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

[ سورة المجادلة: 11]

 هذه مقياس، المقياس الثاني:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف: 19]

 هناك تقسيمات لا تعد ولا تحصى، أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، أصحاب الوسامة وأصحاب الدمامة، مقاييس لا تعد ولا تحصى، الله عز وجل في القرآن الكريم، خالقنا، ربنا، إلهنا، اعتمد مقياسين، مقياس العلم ومقياس العمل:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف: 19]

 فلذلك هذان المقياسان بين أيديكم؛ اطلب العلم يرفع الله لك قدرك، حتى إن بعض العلماء المفسرين حينما فسروا قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح: 1-4]

 قال: كل مؤمن له من هذه الآية نصيب بحسب إيمانه وإخلاصه، الله عز وجل يمكن أن يرفع لك ذكرك، فأنت بالإيمان ترقى عند الله، وبالعمل الصالح ترقى.

الإنسان يسلم بالاستقامة و يسعد بالعمل الصالح :

 بالمناسبة أنت تسلم بالاستقامة، وتسعد بالعمل الصالح، يستمر وجودك بتربية أولادك، وكل واحد من دون استثناء حريص على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، سلامة وجوده بالاستقامة، وكمال وجوده بالعمل الصالح، واستمرار وجوده بتربية أولاده، وكنت أقول دائماً: لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة في الأرض، وارتقيت إلى أعلى درجة علمية في الأرض، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، أنت بتربية أولادك يستمر وجودك، أحياناً ألتقي بأناس كثيرين يمكن خلال يومين أو ثلاثة يترحم على والده مئات المرات، أبي علمنا، أبي ربانا، أبى نبهنا، أبي أعطانا، أنت يمكن بالأبوة أن يستمر وجودك بعد موتك بآلاف السنين، يمكن بالعمل الصالح أن ترقى عند الله، فأنت حريص على سلامة وجودك، وعلى كمال وجودك، وعلى استمرار وجودك، بعد هذا دائماً الذي أركز عليه دائماً ابحث عن نجاح شمولي، النجاح الأحادي الآن لا يسمى نجاحاً، جمع مالاً، لكن علاقته مع أولاده سيئة جداً، علاقته مع أولاده طيبة جداً لكنه بعمله مهمل، فافتقر، احرص على سلامة وجودك، احرص على أن تكون العلاقة مع الله رائعة، ومع أهلك وأولادك كذلك، واحرص أن تكون هذه العلاقة في عملك جيدة، ومع صحتك جيدة، أربع محطات، علاقتك بالله، وبالأهل والأولاد، وبعملك، وبالصحة، إن نجحت في هذه المحطات نجاحاً باهراً كان هذا هو النجاح الحقيقي، النجاح الشمولي، أما إذا نجحت في واحدة فهذه الواحدة لا تغني ولا تسمن من جوع، وأي خلل في أحد هذه المحطات الأربعة ينسحب على المحطات الثلاثة.

الإنسان إن لم يشحن نفسه بومضات إيمانية لن يستطيع متابعة مسيرته :

 لذلك أيها الأخوة، شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤود لا يجتازها إلا المخفون، من هنا ورد في الحديث القدسي:

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 أيها الأخوة الكرام، صدقوا ولا أبالغ الواحد منا أنا شبهته بالهاتف المحمول، يحتاج إلى ماذا؟ إلى شحن، إن لم تشحن نفسك بومضات إيمانية، بحديث ديني، بقرب من الله، بعمل صالح، إن لم تشحن نفسك فهذا الهاتف يسكت، وتنطفئ الشاشة، وأنت كالهاتف المحمول بحاجة إلى شحن، ومثل هذه الدروس يشحن فيها المؤمن، يتزود ويتابع المسيرة.
 بالمناسبة الصلاة أيضاً شحن، الصلاة في اليوم خمس مرات، وكل شحنة في الصلاة تكفي لصلاة ثانية، صلاة الجمعة فيها شحنة، هذا شحن أسبوعي، الصلاة شحن يومي، صلاة الجمعة شحن أسبوعي، رمضان شحن سنوي، الحج شحنة العمر، شحنة تكفي لنهاية الحياة، فلا بد من الشحن، بدون شحن كله ينطفئ.

من ذكره الله منحه الأمن و الحكمة و الطمأنينة :

 لذلك:

(( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]

 الله يذكرك، وإذا الله ذكرك، قال تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 152]

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

 أي أنت إذا ذكرت الله في الصلاة بحسب قوله تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

 الله يذكرك، إذا ذكرك منحك نعمة الأمن:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81-82]

 أي وحدهم لهم الأمن، وإذا ذكرك منحك نعمة الرضا، وإذا ذكرك منحك نعمة الحكمة، وإذا ذكرك منحك السداد والرشاد، وإذا ذكرك منحك السكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
 أيها الأخوة الكرام:

(( مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))

[الترمذي عن أنس]

 ونحن في آخر الزمان ولعل الله عز وجل يستجيب لنا، ويمنحنا عفوه، ورحمته، وقربه.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS