9159
تتمة أحاديث رمضان 1431 - أمثال القرأن الكريم - الدرس (30-34) : الحديث الشريف ( مثل المؤمنين إذا التقيا .... ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2011-01-10
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

أقدس علاقة في الحياة علاقة الأخوة في الله :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الأمثال والمثل اليوم قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ))

التأكد من تخريج هذا الحديث ...

[أبو داود عن سلمان ]

إنما المؤمنون أخوة
الحقيقة أن أقدس علاقة في الحياة علاقة الأخوة في الله، أرقى علاقة في الدنيا علاقة الأخوة في الله، أمتن علاقة في الدنيا علاقة الأخوة بالله، أسعد علاقة في الدنيا علاقة الأخوة في الله:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات: 10 ]

هذه الآية أصل في هذا الموضوع، والحقيقة أيها الأخوة، لا بد من كلمة مؤلمة، حينما ينعم الله على أخيك بخير من خير الدنيا أو الآخرة، وتتألم، وتتمنى أن هذا الخير لم يصل إليه، بل تتمنى أن يزول عنه، بل تسعى إلى أن يزول عنه، اعلم علم اليقين أنك في خندق المنافقين، وأكبر دليل:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 50]

من يفرح لخير أصاب المؤمنين فهو مؤمن و العكس صحيح :

من علامات الإيمان للمؤمن هو بكائه على أحوال المسلمين
ثم إني أبشرك؛ لك أخ بسنك أكرمه الله بزوجة صالحة، أكرمه اشترى بيتاً، أكرمه بوظيفة، وفرحت له من أعماقك، أعطيك شهادة من الله عز وجل أنك مؤمن ورب الكعبة، المؤمن يفرح لخير أصاب المؤمنين، يتفرع عن هذا أنت لا يوجد عندك مشكلة تقريباً، صحتك طيبة، عندك زوجة وأولاد، لك دخل يغطي نفقاتك، بيتك ملكك، لا يوجد عندك مشكلة، عندما تسمع بما يصيب المسلمين في أفغانستان مثلاً، في العراق، في فلسطين، وتتألم وقد تبكي أحياناً، اعلم علم اليقين أنك مؤمن ورب الكعبة، أما إذا كنت لا تبالي بما يحدث للمسلمين لأنه لا يوجد عندك مشكلة، إن لم تبالِ بما يحدث فأنت في أكبر مشكلة، هذه مقاييس حقيقية، يمكن أن تلبس جلابية وثوباً أبيض يوم الجمعة من مستوى عال جداً، ومعطر بمسك، ومسبحة تركواز، بأعلى درجة من الثياب الإسلامية، وحينما تتألم لخير أصاب المؤمنين أنت في خندق المنافقين: الإيمان يتجلى في قلوبنا وعملنا لا في أجسادنا و صورنا

(( إِن الله لا ينظر إِلى أجسادكم، ولا إِلى صُوَرِكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأَعمالكم ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

وضع مصحف بالسيارة، آية الكرسي في البيت جيد، لكن أن تكتفي بهذه المظاهر وفي القلب أحقاد وحسد وغيرة وسلوك لا يرضي الله عز وجل، بطولتك أن تحسن تقييم نفسك، بطولتك ألا تحابي نفسك، ألا تتملقها، واجه الحقيقة المرة لا تقفز عليها، لأن القلب ينبض الآن والتوبة بابها مفتوح، الإصلاح ممكن، العفو ممكن، المغفرة ممكن، أما حينما يأتي ملك الموت وأنت على هذه الحال فهناك مشكلة كبيرة جداً.

مصائب الدنيا تنتهي عند الموت والأمراض النفسية يبدأ مفعولها بعد الموت :

أخواننا الكرام، اعتقدوا يقيناً أن كل مصائب الدنيا تنتهي عند الموت، إنسان معه ورم خبيث لا سمح الله، يموت، انتهى المرض، فقير يموت ينتهي الفقر، عنده مشكلة نفسية يموت تنتهي المشكلة، فأمراض الجسد ومصائب الدنيا تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس متى يبدأ مفعولها؟ بعد الموت، أيهما أخطر؟ لا سمح الله ولا قدر مرض عضال ينتهي بالموت وأنت من أهل الجنة، أما حياة رغيدة ناعمة، والدخل كبير، والأحقاد تفتك بالقلب، والحسد، والرياء، والكذب، والنفاق، فإذا جاء الأجل هذه الأمراض النفسية بدأ مفعولها الخطير بعد الموتمثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى
لذلك أتمنى عليكم إذا قرأت القرآن الكريم ووصلت إلى صفات المؤمنين أن تقف عند هذه الآيات ملياً، أن تقف وأن تعرض نفسك عليها، أين أنت منها؟ هل إذا التقيت مع أخ مؤمن، وقد أكرمه الله بشيء هل تفرح له؟ والله الذي لا إله إلا هو حينما تفرح له من أعماقك وكأن الشيء لك فأنت مؤمن ورب الكعبة، لا ينبغي أن تتجاهل أمراض النفس، لذلك:

(( مثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ))

[أبو داود عن سلمان]

هناك معنى فرعي جديد، أحياناً ترتكب خطأ، لك أخ كريم، محب، صادق، بينك وبينه لم يشهر بك، قدم لك نصيحة، أن هذا العمل لا يرضي الله أتمنى عليك أن تبتعد عنه، قدم لك نصيحة وأنت قبلتها بصدر رحب، وشكرته عليها، معنى ذلك كان هناك شيء من الدرن على يديك جاء أخوك وأزال هذا الدرن:

(( مثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ))

[أبو داود عن سلمان]

المؤمن مرآة المؤمن :

في الحقيقة:

(( المؤمن مرآة المؤمن ))

[ أخرجه الطبراني والبزار عن أنس بن مالك ]

المؤمن مرآة المؤمن
قد يرى أخوك المؤمن خطأ في سلوكك، خطأ في تفكيرك، خطأ في موقفك، خطأ في تصرفك، هذا الخطأ بأدب جم بينك وبينه من دون تشهير، من دون فضيحة، نصحك به، أما إذا قبلت النصيحة فلك أجر كبير، لذلك سيدنا عمر عملاق الإسلام يقول: أحب ما أهدي إلي- إنسان قدم لك بيتاً، قدم لك شيئاً ثميناً جداً- عيوبي.
أتمنى إذا كان التقيتم مع بعضكم بعضاً أنا أطمح أن المؤمنين إذا التقوا في الأسبوعين مرة، في الأسبوع مرة، في الشهر مرة، في الأسبوع أفضل، كل أسبوعين جيد، بالشهر مقبول، أما أفضل شيء فكل أسبوع، أخوة كرام بحسب السكن، أو بحسب العمل، إما أنهم زملاء في وظيفة، أو أنهم جيران في مسكن، جيران، أو زملاء، أو أصدقاء، هؤلاء إذا التقوا ينبغي أن يتناصحوا، دعكم من المديح، والله الذي لا إله إلا هو أنا كثيراً ما أقول لمن حولي: إياكم أن تمدحوا، أريد إن كان هناك أخطاء أن تذكروها، هذه بطولة، المدح لا يرقى بك، لكن الذي يرقى بك أن تصغي إلى أخطاء وقعت منك وأنت لا تدري، والمؤمن الصادق نصوح لا يكذب، لا يخون هذه الأمانة، لا يفعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل، لذلك:

(( مثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ))

[أبو داود عن سلمان]

الحياة مع المؤمنين مسعدة :

أنا الذي أتمناه على كل مجتمع إيماني أن كل أخ كريم يختار واحداً أو اثنين أو ثلاثة أخوة في الله، يتصافحا، يتعاهدا على التناصح، وعلى أن يتفقد الأخ الآخر، مثلاً أنت ليس عندك إمكان أن تتفقد كل من يحضر هذا الدرس، لكن أنت اخترت من الأخوة الكرام بعض الأخوة بحسب مكان الإقامة، أنت مقيم بحي معين، بهذا الحي حولك يوجد أخان أو ثلاثة، اعقد معهم عهداً أن نتناصح وأن يتفقد الواحد منا الآخرين، جئت إلى درس الأحد لم تجده، معنى ذلك أنه مريض، أو عنده مشكلة، فأنت يمكن أن تبدأ باتصال هاتفي، افتقدناك اليوم خير إن شاء الله.
الحياة مع الأخوة المؤمنين مسعدة
مرة قال لي أخ كريم بالعادة أراه كل درس، مرة لم أشاهده توقعت أن يكون عنده مشكلة، اتصلت به هاتفياً، أقسم لي بالله أن هذا الاتصال - يمكن الاتصال منذ ثلاثين سنة- لا ينساه حتى الموت، دليل محبة، دليل اهتمام، أنا أتمنى على الأخ أن يصطفي من أخوانه عدداً بحسب مكان السكن، أو بحسب العمل، أو بحسب بأي مقياس آخر، إما زمالة، أو عمل، أو نسب، أو مكان الإقامة، ويتفقد كل واحد الآخر، يسأل عن صحته، عن وضعه المعاشي، الديني:

(( يَدُ اللهِ مع الجماعةِ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

(( ومن شَذَّ شَذَّ إلى النار ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ]

و النبي عليه الصلاة والسلام قال: تآخيا اثنين اثنين، وأتمنى عليكم أن كل واحد يبحث بدرس الجمعة بالخطبة، بدرس الأحد، أخوة كثر، أنت اختر من هؤلاء أخاً حميماً بحسب مكانته، جارك، أو معك بالعمل، أو معك بالدراسة، أو معك بالاختصاص، أي علاقة، أو قريبك، قرابة، سكن، اختصاص، عمل، دراسة، اتخذه أخاً بالله، تناصحا، ليتفقد بعضكم الآخر، الحياة مع المؤمنين مسعدة.
الشيء الذي نفتقده اليوم أن هناك حباً عميقاً بين الصحابة، كان الصحابيان يفترقان بعد العشاء يلتقيان في صلاة الفجر يقول أحدهما للآخر: وا شوقاه يا أخي، غابوا أربع ساعات ، حتى ورد أن الصحابيان إذا افترقا من أجل شجرة، بعد أن يلتقيا يسلم كل منهما على الآخر.

الحياة جنة مع الحب :

أيها الأخوة الكرام، الحياة تصبح جنة، إذا كان هناك حب فالحياة جنة، مرة قرأت شعاراً منذ ثلاثين سنة "لسنا وحدنا في المعركة" - شعار سياسي- ، لكن أنا أعجبني هذا الشعار، أنا أريد أن يكون بين كل المؤمنين، أيها الأخ المؤمن لست وحدك في الحياة، هناك أخوة كثر معك في السراء والضراء، الحياة مع الأخوة المؤمنين مسعدة، تحس بالحب، تحس بالقرب، تحس بالمودة، تحس بالرحمة، فلذلك:

(( مثل المؤمنين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ))

[أبو داود عن سلمان ]

على المؤمن أن يتخذ أخوة له يتعاهدوا على النصح والطاعة
هذا الأخ تسلم عليه ويسلم عليك، تنصحه وينصحك، تلفت نظره ويلفت نظرك، تزوره ويزورك، تدافع عنه ويدافع عنك، النبي عليه الصلاة والسلام تفقد بعض الصحابة بتبوك، يبدو أن واحداً ليس كما ينبغي، قال: يا رسول الله شغله بستانه عن أن يجاهد معك، فقام صحابي جليل قال: لا والله يا رسول الله إنا تركنا أخوة لنا في المدينة ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، فابتسم النبي وفرح كثيراً.
دافع عن أخيك، هناك شيء اسمه قنص، أخوك غائب اتهم بتهمة، أنت ترتاح، تبقى ساكتاً، وأحياناً معكم حق، لماذا؟ أخوك دافع عنه، أخوك مسلم، أخوك مؤمن، أخوك ورع، أخوك مستقيم، أخوك لا يحقد، لماذا تسكت إذا اتهم بتهمة من إنسان منافق؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة الحج: 38 ]

فيا أيها الأخوة الكرام، هذا الحديث أتمنى من الله عز وجل أن يكون واقعاً تعيشونه، منذ اليوم اختر عدة أخوة، بحسب العمل، بحسب الدراسة، اختر عدة أخوة اتفق معهم، تعاهدوا على التناصح، تعاهدوا على التعاون، تعاهدوا على أن يتفقد كل واحد منكم الآخر، هذه الحياة مع التعاون، الله عز وجل قال:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS