35060
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 023: فضائل الشام .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-07-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سـيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإيمان بالله و رسوله :

 أيها الأخوة المؤمنون: هنالك موضوع دقيق ويمسنا جميعاً، ولكن قبل أن أمضي في الحديث عنه، رأيت من المناسب أن أقدم له بمقدمة، ذلك أن المؤمن آمن بأنه لا إله إلا الله وهذه كلمة التوحيد، ومـا عرفت العبيد أفضل من التوحيد، وآمن أن محمداً رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رسول الله أي لا ينطق عن الهوى، كلامه لا علاقة له لا بثقافته، ولا بتجاربه، ولا بخبراته، ولا بمعطيات عصرِه، ولا بثقافة الدول التي حوله، كلامه وحي من الله، هذا هو الإيمان.

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[سورة النجم: 3 ــ4 ]

 ثلاثة أنا فيهن رجل- هذا كلام سيدنا سعد بن أبي وقاص- وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس- مِن هذه الثلاثة- ما سمعت حديثاً عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا علمت أنه حق من الله تعالى.
 في قلوبنا إيمان، أنت حينما تؤمن أن هذا الكلام كلام الله، إذاً كل علم الله، وكل حكمة الله، وكل خبرة الله، وكل رحمة الله، وكل عدل الله، كل هذا في كلامه، وإذا آمنت أن هذا الكلام كلام رسول الله، إذاً هو وحي من الله، وحي غير متلو، هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، غير المؤمن يرى كلام النبي كأيّ كلام، يعرضه على عقله يقبل بعضه ويرفض بعضه الآخر، يظنه كلام بشر، لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعض، لا تفكر أن النبي إنسان عادي، يتكلم من عنده.

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾

[سورة الأنعام: 50 ]

 يتبع الوحي، والوحي كلام الله، أو المعاني التي ألقيت في قلب رسـول الله، إذا تكلم من غير القرآن فكلامه وحيٌ غير متلو، هذا التمييز هو من بديهيات الإيمان، أنت حينما تعرض عليك قضية قطع فيها النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذه القضية إذا كنت مؤمناً إيماناً حقاً غير قابلة للبحث، الآية الكريمة:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب: 36 ]

 ليس لك اختيار، هذا حكم الله، كلام النبي من عند الله، وحي غير متلو، لا ينطق عن الهوى، وعلة كلام النبي أنه كلام النبي، سبب اتباع النبي أنه كلام النبي، لأنه وحده المعصوم، والقاعدة كما تعرفون: النبي معصوم وحده، بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها، أتمنى أن أستزيد في هذا المجال، أي أنت كمؤمن إيماناً دقيقاً، إيماناً كاملاً، إيماناً متقناً، إن سمعت كلام رسول الله تقبل على تطبيقه بكل طمأنينة، وبكل ثقة، لأنه من عند الله عز وجل.

النبي أولى بالمؤمن من نفسه :

 ثم إن هناك أحاديث كثيرة جداً صنفها العلماء تحت باب دلائل نبوة النبي، أي قد تجد حديثاً لا يمكن للعلم أن يكشف حقيقة معناه في عهد رسول الله، لكنه الآن توافق مع العلم، فهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، يجب أن تؤمن برسول الله، يجب أن تؤمن أنه يأتيه الوحي من عند الله، يجـب أن تؤمن أنه معصوم، لا يخطئ، لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في أحواله، ولا في صفاته، يجب أن تؤمن أن الله أمرك أن تأخذ عنه ما صحّ من كلامه، يجب أن تؤمن أنه أحرص الخلق عليك.

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 128 ]

 يجب أن تؤمن أن النبي أولى بالمؤمن من نفسه، وأرحم به من نفسه، لأنه يمثل كمال الله عز وجل، ولكن الناس يقدسون النبي تقديساً شكلياً، أما أن يأخذوا كلامه على أنه وحي غير متلو، أما أن يأخذوا كلامه على أنه حق صرفٌ لا شائبة فيه، فقليل ما هم، وهناك مـن يتهم السنة الآن اتهاماً شنيعاً، على أنها تمثل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي ولا تصح لهذا العصر، هناك من يقول هذا الكلام.

فضائل الشام :

 وبعد، فموضوع الدرس اليوم أيها الأخوة: فضائل الشام.
 ونحن في الشام، أي قبل أن أمضي في الحديث، فضائل الشام قد تقول: البيوت غالية هنا، رغم أن أسعار البيوت غالية فالشام لها فضيلةن قد تقول: يوجد بطالة، فعلاً عندنا بطالة، ونعاني من شح المياه، أجل لدينا شح مياه، أي حينما أقول لك فضائل الشام لا أنفي عنها بعض المشكلات التي تعاني منها أكثر البلاد تقريباً، ولكن إذا قال لك النبي عليه الصلاة والسلام: " إن فضل السكن بالشام فضل كبير" ماذا تفعل؟ يجب أن تغتبط بأنك من سكان الشام، يجب أن تسعد، على الرغم من كل ما ترى من خشونة العيش أحياناً.
 إذا أنت وازنت حياة طالب بالجامعة عنده ساعات دوام طويلة جداً، وأساتذة متعبون، يحضر دكتوراه دولة، وعنده تقريباً مئتا مرجع، وعليه أن يتقدم بأطروحة فيها إبداع، وسوف يَمْثُل أمام الأساتذة، وسوف يحْرجونه، حتى يشخب دماً، وازن مع حياة إنسان ينام إلى الظهر، ويأكل ما لذّ وطاب، ويذهب إلى السينما، وإلى الملاهي، ومع أصدقائه يلعب النرد والورق حتى منتصف الليل، وينام طويلاً حتى الظهر، فهذا كما يبدو للوهلة الأولى مرتاح، لكن مستقبله مظلم، وأمامه السبل مغلقة، وغده قاتم.
 حياة الاسترخاء والفسق والفجور ليس لها مستقبل أبداً، ترى بلاداً جميلة جداً، متميزة عن كل البلاد، كل شيء ميسر فيها، لكن الطريق إلى جهنم سالك هناك، أي الزنى على قارعة الطريق، هناك من يفتخر أنه شاذ جنسياً، والله ذكر لي أخ أن مسيرة جرت في أمريكا ضمت خمسة ملايين شاذ يطالبون بحقوقهم، أفخم مسيرة بالعالم خمسة ملايين شاذ، ساروا في مسـيرة ورفعوا لافتات، ولهم مندوبون قابلوا المسؤولين، وطالبوا بحقوقهم، بلادهم خضراء جميلة، مواصلات مريحة، أبنية فخمة، حاجات مؤمنة، لكن الطريق سالك إلى جهنم، قد تجد متاعب في بلدٍ نامٍ وأكثر البلاد النامية هكذا، لكن فيها شيئاً اسمه دين، و يرفع فيها الأذان، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ لو حرمتم نعمة الأذان لشعرتم بوحشة.
 أخ من أخواننا مقيم في أمريكا، قال لي: عندكم حرارة في العلاقات الاجتماعية، وودّ، وروحانية، لديكم سهرات ممتعة جداً، تجليات، سرور، أما لو وازنّا بين ما يعانيه الإنسان بالنسبة لبلد متقدم وغني جداً، وبين بلادنا وما فيها من علاقات حميمة لوجدنا الفرق كبيراً، إذاً حاول أن تبحث عن الإيجابيات والسلبيات تجد نفسك مرتاحاً، العمر قصير لا يحتمل أن يستهلك في موضوعات تافهة، لا يحتمل أن يستهلك في موضوعات جانبية، أنت مخلوق لهدف كبير، فأنت عندك امتحان مصيري، وتعلق عليه أهمية كبرى، أن تحقق نجاحك، وبعد النجاح وظيفتك الراقية، وبعد الوظيفة الزواج، ولكن فرضاً بين الامتحانين دخلت لمطعم أكلت شطيرة فما أعجبتك وانزعجت، فقضية الشطيرة ما أعجبتك أي الإدام فيها قليل، والخبز جافر، فهل هذا يؤثر على أهدافك الكبرى؟ إذا انزعج الطالب من الشطيرة السيئة، ترك الامتحان وندب حظه فهذا سخيف العقل والنظر، أما إن لم ينزعج فقدم الامتحان و أبدع فيه وتفوق ونجح، فإن آماله الكبرى التي يعلقها على نجاحه تنسيه كل متاعب الجامعة، إن الإنسان العاقل له هدف كبير هذا الهدف الكبير ينسيه كل السلبيات، ينسيه كل الجزئيات، قد تجد إنساناً أسعد الناس وهو في بلد غير متقدم، بلد فيه متاعب، لكن أهدافه محققة كلها، فالمؤمن إذا سكن في بلد أثنى عليه النبي فسيلاقي خيراً كثيراً، فمثلاً هذا الاجتماع نادر وجوده في بعض البلاد، دروس علم يحضرها، المئات بينهم التراحم، المودة، والعطف، والإخاء، هذا هو العيش.
 ذهب شاب من بلادنا إلى فرنسا، فقابل شاباً فرنسياً مهموماً، فسأله عن حاله فقال: أريد أن أقتل أبي. فسأله: ولمَ؟ قال: أحب فتاة فأخذها مني. هذا نوع من علاقات الآباء والأبناء في تلك البلاد التي رفعت رايات التقدم والرخاء.
 كذلك أم في أمريكا -وهذه القصة سمعتها لما كنت في أمريكا، وقعت وأنا هناك - بكى أولادها ذات ليلة، فقال لها زوجها: نامي عندهم وأسكتيهم، وفي اليوم التالي أركبتهم بسيارة، وعند منحدر يشرف على بحيرة كبيرة أطلقت العنان للسيارة، ورمت بنفسها خارج السيارة، فسقط الأولاد في البحيرة وماتوا، من أجل أن تنام مع زوجها في الليلة التالية، بينما عندنا الابن أمانة عند والديه، والوالدان مقدسان عند الأبناء، والترابط الأسري حميم، همّ الأب الأول أن يزوج أولاده، همه الأول أن يطمئن على أولاده، همّ الأم الأول أن تزوج بناتها، فمجتمعاتنا لها ميزات كثيرة جداً، لا يعرفها إلا من فقدها، وهذا كله تمهيد.

تكفل الله عز وجل بالشام و أهلها :

 لأن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث صحيحة، وهو لا ينطق عن الهوى يقول:

((عن زيد بن ثابت رَضِي اللَّه عَنْه قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقع إذ قال: طوبى للشام قيل له: ولم ؟ قال: إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم ))

[أحمد والترمذي عن زيد بن ثابت ]

 وفي بعض الأحاديث طوبى لمن له فيها مربط شاة- أي بقدر نصف الطاولة -لمن له فيها مربط شاة، أي مكان يؤوي شاة.

((عن عبد الله بن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستجندون أجنادا، جند بالشام، وجند بالعراق، وجند باليمن، قال: فقمت فقلت خر لي يا رسول الله - أي اليمن أم العرق أم الشام - قـال: عليك بالشام، فإن الله عز وجل تكفل لي بالشام وأهله))

[ أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم‏ عن عبد الله بن حوالة]

 قال ربيعة فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث يقول: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه. أي إنسـان في هذا البلد الطيب بآخر الزمان قد يجلس بمجلس علم يشعر براحة، بطمأنينة، باستقرار، يشعر بأن الطريق إلى الجنة سالك، يشعر أن الله راضٍ عنه، طبعاً هذا المستقيم، وليس كل واحد بالمدينة صار مغطى بهذا الحديث، بل أهل الاستقامة والصلاح هم المقصودون.
 بالجامعة الطالب المجتهد المتفوق ينال كل ثمرات هذه الجامعة، أما إذا كان فيها طالب كسول فما له من ثمرة أبداً، إذاً طالب العلم المتفوق يقطف ثمار الجامعة كلها.
 ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه، وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم وأحمد وأبو داود.
 هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى، ما كل شيء يثني عليه النبي ينبغي أن يضم كل ماديٍ جميلٍ لا، فمثلاً قد تدخل إلى جامعة غرفها عادية، كذلك محتوياتها بسيطة، لكن تمنحك دكتوراه، بينما إذا دخلت لملهى فيه كل فخم، ثريات، ورخام، مقاعد وثيرة، لكنه ملهى، آخرته لجهنم، فما كل شيء يمتع العين هو الحق.
 ذات مرة شخص قال لي: أنا عملي قذر، والمكان الذي التقيت به فيه فخامة لا تصدق، قال لي: عملي قذر، في اليوم التالي سبحان الله أصلحت مركبتي عند أخ وكان الوقت شتاءً، يلبس أفرول لونه أزرق، ومن كثرة الشحم والطين صار لونه أسود، فك البواط وأصَلَّحه، رجعه أخذ سعراً معتدلاً، و كان عمله متقناً، خطر ببالي كلام الشخص الذي التقيته البارحة، أي أن عملي قذر، قلت: والله هذا عمله نظيف، مع أن الفخامة هناك لا تصدق، فخامة الغرفة التي جلست فيها تفوق حدّ الخيال، وخشونة دكان هذا المُصَّلِح لا تحتمل، الخشونة، زيت وشحم ومطر وأفرول، الأول عمله قذر، لكنه في طاعة الله، بينما الآخر في معصية الله، والمفارقة واضحة.
 هناك ملهى بلبنان، تكلفة الصالة ثلاثون مليوناً، شيء فخم، لكنه مكان للقمار، وإليكم هذه الأبيات التي تصف هذا الملهى وأمثاله:

هو الداء الذي لا برء منه  وليس لذنب صاحبه اغتفار
تشاد له المنازل شاهقـات  وفي تشييد ساحتها الـدمـار
نصيب النازلين بـه سـهاد  وإفلاس فيـــــــــــــأس فانتــحار
***

 أماكن القمار فخمة جداً، الملاهي فخمة جداً، أما المدارس فخشنة جداً، والجامعات أبنية عادية، لا تدفئة، ولا تكييف، ولا سجاد، فقط سبورة وأستاذ ومقاعد، ليس فيها ضيافة، العبرة ليس بما يمتع العين، العبرة بالنتائج.

الشام أفضل مكان في زمن الفتن :

 و:

((عن عبد الله بن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام ))

[ الحاكم عن عبد الله بن عمر]

 يأتي زمان الفتن التي تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام بوحي من الله عز وجل، وإن بين يدي الساعة أموراً شداداً وزماناً صعباً، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، في زمن الفتن أفضل مكان هو الشام، وهذا الشيء ملموس، والله في رمضان تشعر أن هناك عرساً بالشام، فالناس قبيل العشاء بالطرق إلى المساجد، في بلاد أخرى كل الناس أمام التلفاز ليتابعوا المسلسلات المضحكة، بعد العشاء يدعون صلاة التراويح ليتابعوا التمـثيليات، بينما بالشام والحمد لله آلاف مؤلفة يتجهون إلى المساجد، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام، إذا وقعت الفتن، إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، و إعجاب كل ذي رأي برأيه فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العامة، فالإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.
 لدينا ملاحظة بسيطة، إنسان بأمريكا سمع هذه الأحاديث ترك أمـريكا ورجع إلى الشام، فبالشام إذا اجتهدت تجد الخير الكثير، كما تجد فيها دروس علم، صلاحاً، حياءً، أدباً، بقية دين، تسعد أنت وأولادك، وتحافظ على دينك، راحتك سلامة مستقبل أولادك.
 إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام.‏

الشام أرض المحشر والمنشر :

 وهناك حديث آخر :

(( الشام أرض المحشر والمنشر ))

[ أحمد وابن ماجة عن أبي ذر]

 أي المحشر في الشام آخر الزمان، النبي أخبر عن قيام الساعة، وعن نزول سيدنا عيسى، وعن ظهور المهدي، وكلها بأحاديث صحيحة وهذا كله يحدث بالشام، أرض المحشر والمنشر.
 الحديث الخامس: ‏

(( لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا ))

[تاريخ دمشق لابن عساكر عن أبي هريرة]

 أي هذه الأمة التي ارتضى لها الله دينها منتصرة إن شاء الله، وهذه نقطة مهمة جداً.

دعاء النبي للشام و أهلها :

 ثم قال الله عز وجل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[سورة النور: 55 ]

 في الآية معنى دقيق جداً.

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[سورة النور: 55 ]

 أي دين ؟

﴿ الَّذِي ارْتَضَى ﴾

[سورة النور: 55 ]

 الآن لو كان دين بعض المسلمين لا يرتضيه الله فلن يمكنوا في الأرض، استنباط عقلي، فإذا لم يمكنوا، ماذا نستنبط؟ أن دينهم لا يرتضيه الله عز وجل، إذا مكنوا فدينهم قد ارتضاه الله لهم، فالمسلمون اليوم ليسوا على ما كان عليه أصحاب رسول الله، وليسوا على ما جاء به النبي، ليسوا ممن استمع القول فاتبع أحسنه.

(( ‏لن تبرح هذه الأمة منصورين أينما توجهوا، لا يضرهم من خذلهم من الناس حتى يأتي أمر الله، أكثرهم أهل الشام ))

[تاريخ دمشق لابن عساكر عن أبي هريرة]

 أي إذا أردنا أن نوسع الدائرة، فالشام واسعة لا تعني دمشق فقط، أوسع من دمشق، أي أهل الشام جغرافياً وتاريخياً.‏

((‏عن عبد الله بن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر ثم أقبل على القوم فقال: اللهم بارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في مدّنا وصاعنا ))

[المعجم الأوسط للطبراني عن عبد الله بن عمر]

 نحن في سورية قبل خمس سنوات كان إنتاجنا من القمح ثلاثة ملايين طن، استهلاكنا مليوناً، ثلاثة أمثال حاجتنا، مرت سنوات كان الإنتاج مئتين و ستين ألف طن، ثلث حاجتنا، ما معنى: اللهم بارك لنا في مدّنا وصاعنا؟ أي أن الله عز وجل إذا أعطى أدهش، منطقة شمال شرق سورية تنتج ثلاثة ملايين طن سنوياً، وقد ينخفض الإنتاج إلى مئتين و خمسين ألفاً، أحيانا ثلاثة أمثال حاجتنا وأحياناً ثلث حاجتنا، هذا معنى بارك لنا.
 مرة سمعت أنهم بغوطة دمشق ضّمنوا المشمش وكان الإنتاج واسعاً وفيراً، فبيع بسعر خمس ليرات، من كثرة الإنتاج، وغزارة الفواكه، اللهم بارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في مدنا وصاعنا، اللهم بارك لنا في حرمنا وبارك لنا في شامنا، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

خير البلاد مساجدها ودور العلم فيها :

 سافرت إلى عدة بلاد، وأكثر من التقيت بهم يقولون: الشام لها طعم خاص، فمثلاً طلاب العلم عندهم مصر، والسعودية، والشام، يفضلون الشام، سألتهم مرة والسبب؟ قالوا: الدين عميق فيها وعندكم روحـانية، كلام دقيق، عمق بالدين، وروحانية، لذلك أكثر طلاب العلم يؤثرون الشام.
 مرة كنا في ميتم، دعينا إلى تناول طعام الإفطار في رمضان، لفت نظري أن الطعام إعداد بيتي، نفيس جداً، وليس أكل مطاعم، فسألت قالوا: أكثر من ثلاثين أسرة تنافست في تقديم الطعام للأيتام كل يوم برمضان، تتنافس الأسر لتقديم الطعام للأيتام، فالأسر تهتم بطلاب العلم والأيتام، يطعمونهم أطيب الطعام في رمضان.

(( إنِّي رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ قَدِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ، فَعُمِدَ بِهَ إِلَى الشَّامِ، أَلاَ وَإِنَّ الإِيمَانَ إِذَا وَقَعَتْ الْفِتنُ بِالشَّام ِ))

[ أحمد عن عمرو بن العاص ]

((عن سالم بن عبد الله عن أبيه رَضِي اللَّه عَنْه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ستخرج عليكم في آخر الزمان نار من حضر موت تحشر الناس فقالوا يا رسول الله أيما تأمرنا ؟ قال عليكم بالشام))

[ أحمد والترمذي وصححه وابن حبان عن سالم بن عبد الله عن أبيه ]

 فالمقصود بالأحاديث مساجد الشام، والعلماء فيها، والمعاهد الشرعية، والأعمال الطيبة التي في الشام، رغم أن الإنسان قد يجد دور لهو وأماكن لا ترضي الله، لكن المقصود خير هذه البلاد مساجدها ودور العلم فيها.

((عن ‏بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت: يا رسول الله أين تأمرني قال ها هنا. ونحا بيده نحو الشام ))

[ الترمذي وأحمد عن بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده]

بركة الإسلام في بلاد الشام :

 والحديث العاشر:

((عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن فسطاط المسلمين - والفسطاط المدينة التي فيها مجتمع الناس وكل مدينة فسطاط، وكذلك الخيمة الكبيرة فسطاط - يوم الملحمة الكبرى بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام ))

[ أبو داود والحاكم عن أبي الدرداء ]

 والحق أنني لا أحتاج إلى شرح أكثر مما سمعتم فكلكم يعلم بركة هذا الدين في هذه البلدة الطيبة.
 مرة أخ مصطاف من بلد عربي، من الحجاز فيما أعتقد، صلى الفجر عندنا، وصلى الظهر كذلك، وحـضر درس السبت والأحد والاثنين، كان متعلقاً بالدروس، وحصل تعارف بيني وبينه، زارني بالبيت فأنـا عندي عقد قران، قلت له أتذهب معي؟ قال: يا لطيف وانتفض، وكأنني دعوته إلى معصية، قال: أبداً لن أذهب، قلت له: لماذا؟ قال: لن أحضر مثل هذه الاحتفالات، قلت: لا يجري فيها إلا ما يسرك، كلمة ألقيها، مع ابتهالات دينية وتوزيع بوظة، قال: فقط ! قلت له: فقط. فلما ذهب معي فوجئ، إذ سمع قصيدة عن أسماء الله الحسنى بصوت عذب، وألقيت كلمة، ووزعوا بوظة، قال لي: شيء رائع جداً، كنت أظن أن الحفل يضم نساء ورقصاً وراقصات، قلت له: أعوذ بالله، في كل عقود القران بالشام كلمات تلقى، ومـديح لرسول الله، من دون أية معصية، لكن بغير بلاد الشام يجب أن يكون هناك رقص، ونساء، واختلاط..إلخ، فيبدو أن هذا الأخ ورع وصاحب دين، فلما ذهب دهش، وقال: والله شيء جميل، فهذا من فضائل هذه البلدة، أن عقود القران دعوة خلاصتها دعوة إلى الله، بما فيها من مدائح وكلمات واعظة.
 أخ دعاني إلى احتفال قلت له: ما المناسبة؟ قال لي: سيارتي سرقت ثم وجدتها، فعملت مولداً، دعا عدة علماء ألقوا كلمات، شيء جميل جداً، هناك دعوة إلى الله قائمة بذاتها في غير المساجد، في عقود القران، هذا كله من فضائل هذه البلدة.

الشام عقر دار الإسلام :

 الحديث الحادي عشر:

(( ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء في دمشق))

[ الطبراني عن أوس بن أوس]

 سيدنا عيسى سينزل، وهذا الحديث يشير إلى أنه سينزل بالشام، وفي حديث آخر:

(( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم‏))

[ ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجه وابن عساكر عن قرة ]

 والعياذ بالله عمَّ الفساد كثيراً من البلاد، ولكن بعض الأماكن في الشام وهذا قليل نسبته، يفاجأ الإنسان أن فيها نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، فلا حول ولا قوة إلا بالله:

(( لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، ما يضرهم من كذبهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك))

[ البخاري عن عمير بن هانئ]

 الحديث الرابع عشر والأخير.

((عن سلمة بن نفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقر دار الإسلام بالشام ))

[الطبراني عن سلمة بن نفيل]

 هذه الأحاديث تفيد أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثنى على هذه البلدة الطيبة، وهـناك دلائل كثيرة جداً على فضل أهل هذه البلدة، ودلائل كثيرة على أن الله قد حفظها من الفتن، وجعلها آمنة مطمئنة، وأرجو الله عز وجل أن يديم فضله علينا، فيجب عليك أن تكون واقعـياً، في بلاد أخرى إذا دخلت المسجد مرة واحدة تحاسب، مرة واحدة، أما عندنا والحمد لله فالمساجد مفعمة بالرواد وهذه نعمة كبرى حافظوا عليها، كونوا منضبطين، نعمة كبرى، أنك تأتي المسجد وتحضر مجلس علم، وأنت مرتاح، ومطمئن، ولا شيء عليك، هذه نعمة يفتقدها معظم المسلمين في بلادهم.

الإسلام منهج موضوعي :

 أخواننا الكرام: يطالعنا سؤال مهم جداً، يقول السائل: قلتم إن البلاد الغنية الكافرة أمور الحياة فيها ميسرة، فكيف نفسِّر حال البلاد الفقيرة الكافرة وما سر فقرها ومعاناتها رغم أنها كافرة ؟ والسلام عليك. الجواب الدقيق:
 أن الإسلام منهج موضوعي، لو طبقه الكافر يقطف ثماره في الدنيا، أي أتقن عملك تبع بضاعتك، كن صادقاً يثق الناس بك، أعط الإنسان حقه يمنحك قلبه، وفر له كرامته يقدم ولاءه، فهناك قوانين طبقها الكفار لا حباً بالله، ولا حباً بالآخرة، ولا إيماناً بالجنة ولا بالنار، ولكنهم لأنهم أرادوا الدنيا في أعلى درجاتها، فاكتشفوا بذكائهم قوانين الدين فطبقوها، فاغتنوا، أما الـدول الفقيرة الكافرة فضيعوا الآخرة وضيعوا الدنيا، فلم يلتفت أهلها إلى تلك القوانين، هناك الآن أزمات الكساد ورغم ذلك تجد أناساً لا يتعطلون أبداً، هم المتقنون، كل صاحب عمل يتقن عمله فإنتاجه لا يقف أبداً، والإتقان جزء من الدين.
أعيد هذه الكلمة: الإسـلام منهج موضوعي لو جاء ملحد، لو جاء عابد صنم، وطبقه يقطف ثمـاره في الدنيـا، ثم دعك من الآخـرة ومن الدين، تكلم بالصدق، وكـن أميناً، أتقن عملك، وضح كل أمـورك، يقبل الناس عليك، ولو كان هدفك الدنيا تجد إقبالاً، الـدول الكافرة الغنية أتقنوا أعمالهم، صدقوا، تقيدوا بمواعيدهم، أمورهم واضحة جداً، أعطوا الإنسان حقه، فأخذوا منه كل شيء، إذا كنا نحن نريد الدنيا فقط يجب أن نطبق هذا الدين، إن أردنا الدنيا والآخرة يجب أن نطبق هذا الدين عن إيمان، إذا آمنت بالمنهج تقطف ثماره في الدنيا، فإذا آمنت بالله عز وجل، وطبقت منهج الله، تقطف ثماره في الدنيا والآخرة، القضية واضحة جداً، وهأنذا أنتقل من هذا المثل الشمولي، إلى مثل فردي.
 أمامك متجران لكافرين، أحدهما يتقن عمله، بضاعته جيدة، سعره معتدل، معاملته طيبة، لا يحب أحداً بل يحب ذاته، يحب الثروة، يحب الأموال المكدسة، لكنه يتقن عمله، دوامه مضبوط، يعطي الموظفين لديه حقوقهم، يقبل الناس عليه ويغتني، فقد أراد الدنيا فقط، أما الكافر الثاني فيفتح الساعة الحادية عشرة، مواعيده كلها غلط، يكذب، يدجل، يخادع، باع طقم أرائك لشخص من أول يوم اشتراه خفس، إذاً عمله غير متقن، ركب صحناً ثبته ببرغيين فقط، فوقع الصحن فوق طفلة فقتلها، عمله غير متقن، أتقن عملك تنل أملك، نصدر نحن إذا كانت بضاعتنا متقنة، فالتصدير مستمر، وإذا كانت غير متقنة فالتصدير يكون لمرة واحدة فقط، طريق الغنى الإتقان، طريق الغنى الصدق، طريق الغنى الأمانة، طريق الغنى الصدق في المواعيد، إنجاز الوعود، تحقيق العهود.

إيجابيات العالم الغربي إسلامية كلها دون أن يقصدوا عبادة الله :

 مرة ثالثة: الإسلام منهج موضوعي لو طبقه ملحد لقطف ثماره، الأجانب بذكائهم اكتشفوا أن هذا المنهج يجب أن يطبق، لا حباً بالله، ولا إيماناً به إطلاقاً، هم يعبدون المال فقط، والدليل إذا كانت مصالحهم تقتضي أن يبيدوا الشعوب يبيدونها، لا دين فيهم أبداً، لا رحمة عندهم أبداً، ممكن أن يدمروا بلداً حتى الفناء، لأسباب تافهة، فمن أجل أن يبيعوا بضاعتهم، أن يهدموا البنية التحتية كلها، هم يطبقون قوانين الدين دون أن يشعروا لأنهم اكتشفوا أن قواعد الدين تجعلهم أغنياء، لكنهم في الآخرة لا خلاص لهم لأنهم آمنوا بالدين قوانين تخلص دنياهم فقط، أما المؤمن فيطبق قواعد الدين حقاً فيكسب الدنيا والآخرة معاً.
 هذا درس بليغ، وسؤال دقيق جداً، يمكن للكافر أن يكسب الدنيا، إذا طبق قواعد الإسلام ضمناً وهو لا يدري، ويمكن للكافر أن يخسر الدنيا والآخرة معاً إذا أهمل قواعد الدين، أما المؤمن الصادق فيكسب الدنيا والآخرة إذا طبق قواعد الإسلام، هذا كلام دقيق، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
 آلة نسيج، صنع بلد أوربي، موجودة في الشام - وهذه قصة من عشرين سنة معلوماتي قديمة جداً- تصنع ثوباً مطرزاً، يباع الثوب بمئتي ليرة، بينما يستورد هذا القماش ويطرز على الآلة نفسها في سويسرا فيباع المتر بسبعمئة ليرة، السبب فرق الإتقان فقط، الآلة نفسها، مترها المتقن بسبعمئة ليرة، غير المتقن بمئتي ليرة، هذا مرده إلى الإتقان، فكل صناعة متقنة رائجة، الآن بالعالم معركة اقتصادية، تقريباً المعارك العسكرية كادت تنتهي، فالمتقن وصاحب الكلفة الأقل وصاحب الأسلوب العلمي في البيع والشراء هو الذي يربح، الآن معركة نكون أو لا نكون انتبهوا، فهذا الجواب لماذا بعض الدول الكافرة غنية وبعض الدول الكافرة فقيرة؟ لأن الـدول الكافرة الغنية اكتشفت أن هناك قواعد إذا طبقتها أصبحت غنية، فطبقوها، وهي مطابقة للدين تماماً، لذلك أنا أقول: إيجابيات العالم الغربي إسلامية كلها، دون أن يقصدوا أن يعبدوا الله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS