9288
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 025: حجم المؤمن بحجم عمله الصالح .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-10-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.

الأعمال الصالحة لا تُعدُّ ولا تحصى بشرْطَ النيَّة الخالصة :

 أيها الأخوة المؤمنون، وأنا في طريقي إليكم لمَعَت في ذهني حقيقة أردتُ أن تكون مِحْوَرَ الدرس، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يُعينني على تحقيق هذا المَطْلَب.
 النقطة الأولى؛ أنَّك في هذه الحياة الدنيا مخلوقٌ للعمل الصالح، والعمل الصالح ثمن الجنَّة، وحجمك عند الله تعالى بحجم عملك الصالح، أحيانًا تجد الإنسان ملازماً للدروس ثلاثين سنة، تتمنَّى أن يصدر منه فِعْلٌ واحدٌ لِخِدْمة المسلمين، يستمع ويتأثَّر ويُثني ويمْدح، أما أن يتحرَّك، أما أن يقدِّم عملاً، أما أن يحمل همًّا، أما أن يخفِّف مشكلةً ؛ فبعيدٌ كلّ البعْد عن هذا، أنا أتساءل ما قيمة حضور درس علم إنْ لم ينقلب إلى عمل؟ إن لم ينقلب إلى استجابة؟ إن لم ينقلب إلى حركات؟ إن لم ينقلب إلى عطاء؟ المشكلة يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام مرَّةً ؛ يقول: مرَّ مع أصحابه على قبر فقال: "صاحب هذا القبر إلى ركعتين ممَّا تحقرون من تنفّلكم خير له من كلّ دُنياكم"، أنا أتمنَّى على كلّ أخٍ كريمٍ أن يكون جريئًا على نفسِهِ، وأن يقبل الحقيقة المرَّة لا أن يعيش في الوهم المريح، أن يقول: ماذا قدَّمْتُ للمسلمين؟ والله أيّها الأخوة أبواب العمل الصالح في كلّ زمان بعدد أنفاس الخلائق، أنواع منوَّعة، ممكن أن تعلِّم العلم، ممكن أن تنفق من مالك، ممكن أن تحقّق إنجازاً كبيراً تضعُهُ في خدمة المسلمين، ممكن أن تخفِّف آلام البائسين، الأعمال الصالحة لا تُعدُّ ولا تحصى لكن شرْطَ أن تتوفَّرَ لها نيَّة صالحة، هنا السؤال ؛ كيف نأتي بالنيَّة الصالحة؟ أذكر مرَّةً أنَّ إنساناً سأل طبيبًا ماهرًا جدًّا، فقال له: أيّها الحكيم علِّمْني كيف تكتب الوصْفة؟ فابْتسَمَ، وقال له: كتابة الوصفة محصِّلة ثلاث وثلاثين سنة من الدراسة والتَّعب، والإنجاز والعطاء، وسهر الليالي، وتحمّل ضغوط الأساتذة، وتحمّل متاعب الامتحان، والمراجعة والخطأ والصواب، في نهاية هذا المطاف أكتب الوصفة بيدي، وأنت تريد أن تأخذها بدقيقة؟ هذا التعليق نفسه على من يقول: كيف تكون نيَّتي حسنة؟ النيّة الحسنة هي محصِّلة إيمانك كلّه، وجهاد النفس والهوى كلّه، وكفّك عن محارم الله تعالى، وتوظيف إمكاناتك في سبيل الخير؛ كلّ هذا يُولِّد في النهاية نيَّة طيِّبة.

المخلص عاداته عبادات والجاهل عباداته عادات :

 أيها الأخوة، كلمة دقيقة وعميقة؛ المخلص عاداته عبادات، والجاهل عباداته عادات، العبادة الخالصة؛ الصلاة والصوم والحجّ عادة، أما المؤمن لو جلس مع أهله وآنسهم فله في هذا عمل صالح، لو أخذ أولاده نزهةً بِنِيَّة أن يُمَتِّن علاقتهم به كي ينشؤوا على طاعة الله؛ عمل صالح، أنا أعدُّ لكم أعمالاً لا تُصدَّق وكلّها أعمال صالحة، وهي عند الناس نشاط يومي وعادات، محور هذا الدرس، تجد أخًا من الإخوان بِسَنَتين أو ثلاث أمَّة؛ أقرباؤه وأصهاره وأولاده ومن يعلم وجيرانه وزملاؤه كلّهم دعاهم إلى المسجد وحملهم على طاعة الله تعالى، ويسَّر لهم سبيل الطاعة، فأصبح هو في قلوب الآخرين، كلمة أمّة في قوله تعالى:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

[ سورة النحل: 120 ]

 تجد شخصًا بِقلب مئة شخص، وشخصاً بقلب ألف، والنبي عليه الصلاة والسلام في قلب مليار و مئتي مليون مسلمٍ، فأن أتمنَّى أنَّ الإنسان في هذه الحياة الرتيبة، النقطة الدقيقة أنّه أكلنا وشربنا ونمنا وسافرنا وانبسطْنا وسهرنا وضحكنا، إلى متى؟ يأتي يوم يأتي فيه ملك الموت يقول لك: ماذا حصَّلْت من عملٍ صالح؟ لا يوجد مهنة بالأرض إلا ولك أن توظِّفها للخير، أضرب لكم مثلاً؛ امرأة أُصيبَت بِمَرض خبيث في دماغها، ودعَتْ ربّها أن يُشْفِيَها، بقُدرة القادر، وحكمة الحكيم، شُفِيَت شفاءً تامًّا، امرأة فقيرة قابعة بالبيت، ماذا تستطيع أن تفعل؟ الرجل له مجالات واسعة جدًّا، فهذه استأجرَت غرفةً، وهيَّأتْ فيها مطبخًا، وصارَت تطبخُ أنفسَ الطَّعام، وهذه هي إمكانيَّاتها، طبّاخة من الطراز الأوّل للأسر الغنيّة الراقيَة بِمُصطلح المجتمع المخملي؛ أرباحها من هذا العمل بدأَت تُوظِّفها بِمُعالجة الفقراء، إنسانة لا تملك من الدنيا إلا الطّبخ استطاعَت أن تجمع مبالغ كبيرة جدًّا، وأن تجمع مئات المرضى الفقراء، فيا أيّها الأخوة الإنسان إذا كبر قلبه يصغر أمامه كلّ كبير، وإذا صغر قلبه يتعاظم عليه كلّ حقير، القلب يكبر ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كلّ كبير، ويصغر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كلّ حقير، تجد إنساناً تمتلئُ منه إعجابًا، نواياه، وهمومه، وأعماله، وتنظيم وقته، وخدمته، ومزحهُ للناس، وإنساناً آخر هو عبءٌ على الناس، ومن دون مبالغة أشعر أنّ واحدًا كألف، وواحد كمليون، إنسان غطّى كميّة كبيرة من الدعوة، وإنسان آخر غطَّى لك قطاعاً كبيراً من مشكلات المسلمين، ويقول لك: أنا هذا أحمله عنك، وإنسان محبوب، أنا لفت نظري منظر في الحجّ هؤلاء الذين كبر سنّهم؛ يطوفون محمولين، كميّة عظام محمولة، هناك شابّ مسلم تجده بهذا الشكل، لا يقدّم شيئاً، ويريد كلّ شيء، ما دام دخل المسجد يريد بيتاً، ويريد زواجاً، وتؤمِّن له كلّ شيء، وهو لا يقدِّم أي شيء، وإذا كان هناك نزهة يأتي أوَّل إنسان، أما إذا كان هناك عمل فلا ترى أحدًا.

من أجرى الله على يديه عملاً صالحاً تمتع براحة نفسية كبيرة :

 سؤالي ومحور الدّرس اليوم: أنَّ كلّ واحدٍ منَّا عليه أن يكون صريحًا مع نفسه، لو أنَّ ملك الموت جاءك، وقد يأتي في أيّ وقت، ما العمل الصالح الخالص الذي تقدّمه لله عز وجل؟ والله أيّها الأخوة الذين تفضَّل الله عليهم بأعمال صالحة، والله هذا العمل الصالح الذي أجراه الله على أيديهم يُكْسبهم راحةً نفسيَّة، والله لو وُزِّعَت على أهل بلدٍ لكفاهم، فأنت بعد حضور درس لمدّة عشرين سنة، عشر سنوات، ثماني سنوات، وأحيانًا تحضر ثلاثين سنة ألا يمكن أن تقدّم شيئًا في هذه السنين؟ في الدعوة وفي العمل؟ في العمل الصالح؟ في إعانة الناس؟ في معالجة المرضى؟ في تأمين حاجات الناس؟ إذا قال الله لك: ماذا فعلْت في الدنيا؟ يا ربّ فعلت كذا، وعملتُ هذا العمل في سبيلك ابتغاء مرضاتك، لا أبتغي لا سُمعةً، ولا جاهًا، ولا مدْحًا، ولا ثناءً، فتجد الإنسان له عمل واضح وصارخ، أخاف أن أقول أيّ واحد منكم يمكن أن يكون من أكبر أعلام الأمَّة لو صدَقَ، ولا أنسى هذه القصّة التي أعيدها كثيرًا ولا أنساها، رجل في صعيد مصر أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد عالمًا من علماء الأزهر، أبوه بالخامسة والخمسين تمنَّى أن يكون مثله، ركب دابَّته وتوجَّه بها إلى القاهرة، وسألهم أين الأزْعَر؟! لا يعرف اسمه، فقال له أحدهم: يا أخي، ما هذا الأزعر؟ هذا اسمه الأزهر، فدَلُّوه على الأزهر، والقصَّة واقعة، واسمهُ زكريّا الأنصاري، هذا الرجل تعلّم القراءة والكتابة بالخامسة والخمسين، ثمَّ طلب العلم الشرعي، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر! مات في السادسة والتسعين وهو شيخ الأزهر، فالذي يرزقه الله أعمالاً صالحة هل هو أحسن منك؟ لا، لكن هو طلب، وأنت ما طلبْت، هناك إنسان قنوع، وأنا أُجلّ قناعته، قنوع بِعَمل الأخيار، أنا بالجامع الفلاني، وهو جامع نظيف، ومعتدل، ووسط، ولا توجد مشكلة، إذاً ماذا قدَّمْت؟ أنت تتلقَّى وتتلقَّى، ولكن متى تعطي؟ تستمع متى تُلْقي؟ تتلقى متى تعطي؟ تأخذ متى تمنح؟ فلا بدّ من عملٍ، وأنا أتحدَّى أن تكون هناك حرْفة في الأرض لا يستطيع صاحبها أن يوظِّفها في الحقّ! هناك أخوان جزاهم الله خيرًا، كلّ إنسان باخْتِصاصه، واحد من إخواننا الكرام قدَّم لطلاب المعهد في أوّل العام الدراسي كنزة لكل طالب، وهي ثمينة جدًّا، ثلاثمئة أو أربعمئة طالب لبسوا هذه الكنزات هديَّةً من الجامع، كان وقْعُها كبيراً، فأنا اختصاصي كذا وسأُقدِّم كذا، والله هناك في هذا المسجد جنود، وأنا أسمِّيهم جنوداً، وهم عند الله معروفون، كلمة جندي مجهول لها أشكال، جندي معلوم عند الله عز وجل، يقومون بأعمال مُشرّفة، ومن دون أن يعلمَ أحدٌ يا ربّ فعلتُ هذا من أجلك، أتمنى على كلّ أخٌ كريم يحضر دروس من فترة طويلة، أصبحت عندهُ قناعات ثابتة، المفروض أن يصدر منه شيء، وكلّ إنسان له اختصاص، ولا يوجد من لا اختصاص له، ولا يوجد من لا خبرة له، هناك شخص يقول لك: أنا متخصِّص بالبرمجة أنا بخدمتك، وإنسان بالكهرباء، وطبيب قال لي: أيّ إنسان يأتي من عندك نعالجهُ مجَّانًا، ومُحلِّل قال: أيّ إنسان تبعثهُ نُحلِّل لهُ مجّانًا، شيء جميل، طبيب جرَّاح بعثْت له الأوّل والثاني والثالث والرابع، عمليَّة تامَّة من دون مقابل.
 هذا قدّم اختصاصه لله عز وجل، هذا قدَّم خبرته، وهذا قدَّم حرفته، وهذا قدَّم وقته، وهذا قدَّم عضلاته، ولكن من دون عمل مشكلة كبيرة جدًّا، الدِّين من دون عمل صالح يُمَلّ ‍! سمع صلّى وصام ؛ كلّه يشبه بعضه !! أما إذا عمل صالحًا فيتألّق، ويصبح مثل المرجل، عجيب المؤمن، دائمًا عنده مشاريع، الأعمال الصالحة التي لا تنتهي، ينتهي عمرهُ، ولا تنتهي نواياه الطَّيّبة، فهذا الإمام النووي - رحمه الله- يمكن لا يوجد كتاب أبرق من هذا الكتاب؛ رياض الصالحين، ألَّفه ومات، كم إنسان استفاد منه؟ جمع أحاديث صحيحة، ورتَّبها ترتيبًا رائعًا، ضبطها، يمكن هذا الكتاب من دون مبالغة مطبوعاً ألف طبعة، ألَّف كتاب الأذكار، وكتاب بُغْية المحتاج، وكتاب شرح مسلم، ثمَّ مات، وكذا الإمام القرطبي، ترك هذا التفسير، ويمكن ما من مسلم في هذا العالم إلا وقرأ هذا الكتاب، طبعًا الدعاة، وينتفعون به، لذا اُتْرك علمًا، أو عملاً، أو دعْوةً، أو ميْتَماً، أو معهداً شرعياً، اعْمِل عملاً، هناك ثانويّات شرعيَّة، الأعمال المتاحة للمسلمين والله لا يعلمها إلا الله، مرَّةً دُعيت لتناول طعام الإفطار في ميْتَم، طبعًا من أجل الورع هذا الطعام من إنسان، وليس من أموال الأيتام، وقد ذُكِر هذا في بطاقة الدعوة، ثمَّ أكلنا أكلاً من مستوى رفيع جدًّا، ثمّ فوجئت أنّ هناك مئتين أو ثلاثمئة أسرة بالشام صافِّين بالدَّور لِصُنع طعام أيتام برَمضان، أسرة تشتغل خمسة أيّام لصنع طعام نفيس يُقدَّم للأيتام، نحن في السَّنَتين الماضيَتين الأخوان الذين تبرَّعوا بتقدمة مأدبة إفطار لطلاّب العلم الأجانب، بالمصطلح الشائع أكثر من عشرين، وهناك قسم لم يُتَح لهم تقديم هذا، يا ربّ أنا طلاّب العلم أكرمتهم، سكَّنتُ هذا بِبَيتٍ، وهذا أمَّنْتُ له حاجته، أبواب العمل الصالح لا تُعدّ ولا تُحصى، ممكن أن تقدّم بيتًا، ممكن أن تقدِّم ثيابًا، ممكن أن تقدِّم طعامًا، ممكن أن تقدّم مواد غذائيَّة، ممكن أن تقدّم مالاً، علمًا، خِبْرةً، طبًّا، هندسة، هناك ألف اختصاص موجود، وكلّ اختصاص يمكن أن يُوظَّف بالخير، فالذي يلفت نظري أنا الإنسان ماذا ينتظر؟ الأيام تمضي، وبين عشيَّة أو ضحاها يأتي ملك الموت، قال تعالى:

﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النمل : 84]

 يقول: كنا نخوض مع الخائضين، قال تعالى:

﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

[ سورة المدثّر : 46-51]

 مستنفرة في الدنيا.

تألق الإنسان لا يكون إلا بعملٍ صالح خالص لوجه الله :

 أيها الأخوة هناك نقطة ثانية من لوازم الدرس، قد يقول أحدكم: أنا لا أملك إمكانات، من قال لك أنَّ أحدًا من بني البشر يملك إمكانات؟ كلّ واحد منّا يملك أن يسأل الله تعالى أن يُعينه، وما أنت فيه ليس من محصّلة جهدك إنّما هو محصّلة دعائك وطلبك، قد تكون إنسانًا أقلّ من عادي والله عز وجل يُجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لا يُعدّ ولا يُحصى، هناك بالعالم الإسلامي أعلام كبار، خيرهم لا ينتهي إلى يوم القيامة في عملهم الصالح، أضرب مثلاً، لو أنَّ واحدًا يتقن اللّغة الإنجليزيّة، هل تعلم كم من الخير متاحٌ له؟ هناك أربعة مليارات أو خمسة شاردون عن الله، لو ألّفْت كتابًا باللّغة الإنجليزيّة ووضَّحت فيه معالم الدِّين، وعرَّفْت الناس بالإسلام، هذا عمل عظيم، هناك قنوات للدَّعوة غريبة جدًّا، ممكن أن تؤلّف كتاباً باللّغة الأجنبيَّة، ولك أن دخل إلى الإنترنت، فهناك آلاف القنوات الدَّعَويَّة، هذا مُتَرجم، وهذا باحث، وهذا منظِّم، يقول لك: قدَّمتُ لك الكتاب لوجه الله تعالى، فأنا أدعوكم لأن تستفيدوا من هذا العمر الثمين، الأمور الاستهلاكيّة تافهةٌ جدًّا، أيّ شيء أكلته بالظهر فالكل مثل بعضه المهمّ شبعت، الذي أكل أكلاً نفيسًا، والذي أكل سندويش، بعد خمس دقائق من انتهاء الطعام لا فرق بينها، امتلأت المعدة بالطعام وانتهى الأمر أين أكلت؟ وماذا أكلْت؟ ماذا لبسْت؟ أشياء مستهلكة، ولا أثر لها مستقبلي أبدًا، أما عندما ينام الإنسان ويقول: يا ربّ ماذا أفعل من أجلك؟ ما العمل الذي تحبّ أن أفعلهُ كي أصل إلى رِضاك؟ هناك أعمال كالجبال، وكلّها متاحة لنا جميعًا، ولا يوجد إنسان أحسن من الآخر، ممكن أن تعملَ عملاً كالجبل، لأنّ الله يُعينك عليه، قال تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[ سورة الفاتحة:5 ]

 أنت تقول: إيّاك نعبد وإيَّاك نستعين، أيْ يا ربّ أنا فقير وأنت الغني، أنا ضعيف وأنت القويّ، أنا جاهل وأنت العالم، عَلِّمني وأغْنني، وقوِّني.
 مرَّةً ذكرتُ قصَّة ؛ أحدُ أخواننا مهندس لامع كلَّفه رجل ميسور أن يُعَمِّر له جامعاً بأحد أحياء دمشق الجديدة- الجديدة زمنًا- أما هي فضعيفة، فبحث عن أرضٍ ووجدها، وهي مناسبة، سأل عن سعرها اسْتقرّ السعر على ثلاثة ملايين ونصف، جاء المحْسن الكبير لِيَرى الأرض، فكانت مناسبة، سأل عن مالكها، فقيل له: ورثها إنسان منذ شهر، عنده ثمانية أولاد ومعاشه أربعة آلاف، تفاوضوا على السعر فكان السعر ثلاثة ملايين ونصف، عمل له شيكّاً بِمِليونين كدفعة أولى، فقال له: متى الباقي؟ فقال: الباقي عند التنازل، ‍فقال له: أيّ تنازل؟ قال له: بالأوقاف ‍‍!! فقال المالك: ولماذا؟ فقال المحسن: هذه القطعة سَتُبْنى جامعًا، فمسك الشيك وقطعه، وقال له: أنا المالك، وأنا أولى أن أقدّمها لله منك!! يقول هذا الغنيّ وهو الآن مريض: لم أصْغُرْ بِحياتي أمام إنسان كما صغرْت أمام هذا الشخص، قد يكون معه خمسمئة مليون، وسيُعطيك ثلاثة ملايين ونصف، ماذا نقص من هذا المبلغ الكبير؟ أما هذا المالك فكان فقيرًا، ولا يوجد من هو بحاجة لهذا المبلغ مثله، راتبه أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد !! وأرضٌ ثمنها ثلاثة ملايين ونصف، فخجل من الله أن يشتريها منه إنسان ويبنيها مسجدًا ثمّ بعدها وضعوه ناطورًا، وأعطوه أربعة آلاف بالشهر فما رضي أن يأخذها، خوفًا من أن يذهب أجره وثوابه، فقالوا له: أقلّ ناطور يأخذ أربعة آلاف بالشهر، أراد أن يكرمه بوظيفة تابعة للمسجد فما رضي.
 لذا يا ربّ أنا قدَّمت العلم، ويا ربّ أنا قدّمت هذه الأرض في سبيلك، ويا ربّ أنا عمّرت هذا المسجد، فالإنسان لا يتألّق إلا بعملٍ صالح خالص لوجه الله تعالى، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 هناك طبيب من إخواننا أحترمه احترامًا لا حدود له، والسَّبب أنَّ له مناوبة بمستشفى عام، يبقى إلى الساعة الواحدة ليلاً ليعتني بالمريض وكأنَّه أعطاه مئتي ألف لأنّ واسطته الله، مريض وفقير موضوع بمستشفى عام ممكن أن تقف عنده دقيقة واحدة، هو يبقى ساعتين، يرى التحاليل، و يعتني به عناية تامّة لأنّ واسطته الله تعالى، يخرج من المشفى الساعة الواحدة على آخر نفَس، وهناك من يبقى خمس عشرة دقيقة، كل مريض دقيقة، ويمشي، أما أن تعالج مريضاً فقيراً ، وتبقى معه حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ترى الصور والتحاليل، وتضبط له أكله وشربه، وتراقب تطوّر حالته من يوم لآخر حتى يرضى الله منك، فهذا لا يبغي إلا رضى الله عز وجل، أنا هذا الذي أريده من هذا الدرس، تعمل عملاً لا يهمّك المديح ولا الثناء، ولا أن يُقال فلان، تريد وجه الله الكريم، حجمك عند الهذ بحجم عملك الصالح.
 أحيانًا تدخل دائرة تجد موظّفاً كريماً يخْدمك من قلبه، وكأنَّه يعرفك من خمسين سنة، وقد سمعْت، ولا أدري صحّة الخبر، مكتوب بالحُجْرة النَّبَوِيَّة حديث لرسول الله: "أفضل المعروف إغاثة الملهوف" وهو بمعنى هذا الحديث:

((إغاثة الملهوف فرض على كل مسلم))

[ أبو حنيفة في المسند عن بلال بن أبي العلاء]

 مرَّةً قال لي شخصٌ: رأيْتُ إنسانة حاملة طفلاً صغيرًا وتبكي، ومعها زوجها الساعة الثانية عشرة ليلاً، وكان راجعًا من لبنان أثناء أحداث لبنان، الابن كانت حرارته إحدى وأربعين درجة على وشك الموت، ولا يعرفون أحدًا وفقراء، فأخذتهم إلى المستشفى وأسْعَفتهم، ثم أخذتهم إلى الصيدليّة المناوبة الساعة الرابعة فجرًا حتى خلصْت، فقال لي: والله عشرة أيّام وأنا أشعر بسعادة لا توصف، أنت اسْمع الآية:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

 لا تقل له: من أين أنت؟ هو عفريت! أنت اخْدُمه فقط، وهذه نزْعة أحْتقِرُها بالإنسان، هذا عبْدٌ لله تعالى أمامك، أينما كان اخْدمْهُ، واجْعَلْهُ يعرف من هو المسلم.

الأعمال الصالحة تشفع للإنسان عند الله :

 أيها الأخوة الكرام، أتمنَّى أن يراجع الواحد منَّا نفسه كلّ يوم، أنت تلقَّيْت العلم عشر سنوات مثلاً فماذا صنعت؟ هناك جهْد عضلي، وجهْد فكري، وجهْد علمي، وجهد دعوي، ماذا تركت من أعمال؟ الحقيقة أنّ المؤمن مثلما قال الله عز وجل:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾

[ سورة النحل: 120 ]

 بأعماله الصالحة تجده في قلوب الآلاف، وكلّما كثر عملنا الصالح كلّما كثر كلامنا، ومن دون عمل نسقط من عين الله، وكلّما كثر عملنا وقلّ كلامنا نكْبُر في عين الله، فقلِّل الكلام، وأكثِّر العمل، هناك من يكثر الكلام، ويُقلّل العمل، ينتقد، أنا قلتُ لكم مرَّة : أحبّ بالدَّعوة التَّدَخّل الإيجابي؛ لا تُهاجِمْ أحدًا، ولا تنتقد أحدًا، ولا تُقيِّم أحدًا، ولا تلمِّح، ولا تغْمز، ولا تهمز، قدِّم الإسلام واضحًا، وطبِّقْه بِحَياتك فقط تكن بهذا أكبر داعِيَة، بل ممكن أن تكون أكبر داعيَة وأنت ساكت، استقيموا يُسْتَقَم بكم، هناك أعمال جليلة، لنا أخ كريم له معمل قال لي: عندي مهندس له معاش يكفيه فقط، وجد في الطريق كيسًا أسْود فيه ثمانمئة ألف، بحث عن صاحبه، وقدَّمه له - طبعًا خلال يومين أو ثلاثة سأل المخافر- وقدّم له أمانته، ولم يأخذ شيئًا وهذه أعمال صالحة، تردّ الأمانة لصاحبها، ترعى يتيمًا، ذكر لي أخ أنّه وجد قطّة ممعوسة ولكنّها غير ميّتة أخذها إلى المستشفى، وعالجها وانتظر إلى يوم الغد حتى أُجْريَت لها عمليّة، وأعطِيَت مسكّنات، اشتغل يومين حتى أنقذ هذه القطّة لوجه الله تعالى، فأتمنَّى من كلّ واحد أن يقول: أنا ماذا أفعل ؟ لا يوجد من لا يستطيع تقديم شيء، وقد علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أنّ الإنسان إذا وقع بمُشكلة أو ضائقة أو همّ عليه أن يدْعوَ الله بِخالصِ عمله، يكن لك عملاً خالصًا لوجه الله، تجعله شفيعًا لك إلى الله، إذا كانت عندك أزمة: يا ربّ إن كنتُ فعلتُ هذا ابتغاء مرضاتك فارفع هذا البلاء عني، قال لي أخ: والدي يشتغل تاجر غنم، وله رحلات طويلة في البادية، مرّة كان نائمًا بِخَيمة، ولعلّه كانت هناك امرأة عندها رغبة زائدة وقعَت عليه، فدفعها وقال: إنِّي أخاف الله ربّ العالمين، وبعد سنة أو سنتين تاه في البادية وكان معه غنم، وبلغ العطش درجةً عاليَة على وشك الموت هو وغنمه، قال له: يا ربّ إن كنتُ تعفَّفت عن هذه المرأة قبل عامٍ خوفًا منك فأنْقذنا الآن، وكلّ واحدٍ منَّا قد يكون له عمل خالص لوجه الله، يبتغي به وجه الله.
 هناك أخوة يعلّمون طلاباً من دون مقابل لوجه الله؛ سبت أحد و اثنين وثلاثاء، يأتي من آخر الدنيا، أوّل ساعة والثانية والثالثة، من دون أن يأخذ شيئًا، هذه والله لن تجدها إلا بين المسلمين.

المؤمن لا يطلب الأجر إلا من الله :

 مرّت جرتْ بيني وبين إنسان مقابلة، وكان من بلدٍ أجنبي، يعمل دراسة عن علماء دمشق فوصَل عندي، سألني كم درسًا تقدِّم؟ فقلت له: كذا، فقال: كم تتقاضى عليه؟ فقلت: لا آخذ شيئًا، لوجه الله، اخْتلّ توازنه، بالمنطق المادّي هذا نوع من الجنون، تعطي ثمانية عشر درسًا من دون مقابل! طبعًا نحن نعمل للآخرة، دائمًا أضرب هذا المثل ؛ ملِكٌ قال لأستاذٍ: أعط ابني دروسًا، أحبّ الملك أن يعطي المدرّس بيتًا وسيارة، ومبلغًا عبارة عن خمسة ملايين، فلمّا جاء الأستاذ للابن وقال له: أودّ أجرتي منك! أعطاه مئة ليرة !! فكلّ إنسان يطلب على عمله الصالح أجراً في الدنيا يحتقر بهذا أجر الله عز وجل، أما المؤمن فلا يطلب إلا الأجر عند الله.
 مرَّةً أذكر أخًا من إخواننا كان بينه وبين إخوانه خلاف، إخوانه بالسعوديّة وكانت بينهم تجارة، وكانت هناك خسارة كبيرة فاختلفوا، وحدث شقاق في الأسرة الواحدة فكلَّفوني أن أكون حكمًا بينهم، جلسْتُ أوَّل يوم، وثاني يوم، وثالث يوم، أذكر كلّ يوم كنت أجلس إلى الساعة الثانية عشرة، والله عز وجل وفّقني أن أجد حلاًّ وسطًا رضي به الجميع، أما أحدهم فقال لي كلمة شعرتُ نفسي مُهانًا قال لي: كم ثمن جلوسك كلّ هذه الجلسات؟!! فقلت: أنا لا محامي ولا قاضي، أنا داعيَة، لا أريد منكم شيئًا، فكلمة: ما ثمن جلوسك هذه الجلسات إهانة، نحن نبتغي وجه الله، قال تعالى:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 1]

 هناك أخ من إخواننا يبقى أربع ساعات يحلّ مشاكل الناس متخاصمَيْن أو شريكَيْن، يسأل ويجيب، يكتب عنده، يحكم، من مدّة فقط شغله موضوع أكثر من أسبوعين كلّ يوم من التاسعة إلى الثانية عشرة أو الواحدة حتى تنحلّ المشكلة بين شركاء محترمين، هذا هو العمل الصالح.

على كل إنسان أن يكون له عمل صالح يبتغي به وجه الله :

 أتمنَّى أنّ الإنسان يكون له عمل صالح واضح مركّز يبتغي به وجه الله عز وجل، وإذا قال: ليس لي إمكانيّات يكون بهذا لا يعرف الله عز وجل، فالإمكانيّات عند الله يمْنحها للصادق.
 كانت هناك نظريّة سابقًا، وهي نظريّة الإمكانات المحدودة؛ أنّ كلّ إنسان له مستوى ذكاء، وقُدرات محدَّدة مربوط بها، وهذه النَّظريّة تالفة الآن، فالإنسان له قدرات كامنة، إما أن تُفجَّر وإما ألا تُفجَّر، فكلّ إنسان عنده إمكانيّات لو اسْتغلَّها يكون علمًا من أعلام الأمّة، ألا تستطيع أن تقيم جلسة لأولاد أختك فرضًا؟ جلسة أسبوعيّة تعطيهم فيها آية أو أكثر، حديثين وقصّة، تربطهم بالدّين، وتجد مع مرور الأيّام هؤلاء البنات تحجَّبن، وهؤلاء الأولاد لزِموا المسجد، ألا يستطيع الواحد فيكم أن يجعل لأقربائه أو أصدقائه أو جيرانه جلْسة أسبوعيّة؟ ويتلقّى العلم الجمعة والسبت والأحد و الاثنين، ألا تستفيد من كلّ هذه الدروس بحديث أو خمس آيات أو قصّة وحكم فقهي وشيء من السيرة؟ جمِّعهم لتحضير درس لِمَن هم حولك؛ أختك، بنات أختك، زملاؤك، أصدقاؤك ؛ جَلْسةٌ لله تعالى، البلاد كلّها جلسات وسهرات، وكلّها أذواق، ما من مجموعة إلا ويجتمعون ويأكلون ويتكلّمون ويضحكون، فإذا كنت أنت مؤمنًا اجْعَل هذا دورًا دينيًّا، اقرؤوا صفحة قرآن، يقرؤُها كلّ واحد، يرَون تجويده، وآخر يشرح شيئًا من معاني هذه الصفحة، شيء ممَّا قيل في درس الجمعة أو درس الأحد، مذاكرة تقريبًا، تآنسْنا بِبَعضنا، ربطنا بعضنا برِباط الإيمان، فالإيمان بناء كبير يُبْنى لَبِنَةً لبنَة فكلّ حقيقة تُضاف إلى قناعاتك، وكلّ حديث صحيح تفهمهُ فهمًا عميقًا يُضاف إلى ذخيرتك، وكلّ قصّة مؤثِّرة تُضاف إلى معلوماتك.

على الإنسان توظيف إمكاناته للخير و العمل الصالح :

 أردت من هذا الدرس أن يكون باعثًا لكم على العمل الصالح يُقدَّم للمسلمين، وكلّ واحد بِمَوقف، هل منَّا واحد ليس له موقف بالحياة؟ لك موقف، وعندك إمكانيّات، فهل بالإمكان أن توظّف هذا الموقع وهذه الإمكانية للخير وللعمل صالح؟
 بمعرض الكتب تجد قصصاً إسلاميّة رائعة جدًّا، إنسان عكف على تأليفها، مرَّةً راجعتُ آية من القرآن في تفسير من التفاسير، تأثَّرْتُ كثيرًا من شرحها، شرحٌ واضحٌ جدًّا، فجَعَلتها موضوع الجمعة للخطبة، ومن باب الوفاء تأثَّر الأخوة، وعبَّروا عن تأثّرهم بكلمات؛ جزاك الله خيرًا، أنا بعدما انْتَهت الخطبة قلت: هذا الذي ألّف هذا التفسير ومات، وترك هذا التفسير، بعد ألف سنة قرأت هذه الآية وأعْجبتني، وجعلتها خطبة وسمعها خمسة آلاف إنسان، ومُسجّلة بالأشرطة، ويُذيعونها بإذاعات عديدة، فهذا الإنسان الذي ألّف هذا التفسير كم له من الأجر؟‍ هنا ‍قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))

[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 مرَّة بلبنان فتحوا لي على إذاعة إسلاميّة لدار الفتوى فإذا بصوت أحد العلماء وهو مُتوفَّى رحمه الله، قالوا: المرحوم فلان، تأثَّرْت تأثُّرًا بالغًا، فقد صار هو في القبر، ويذاع له كلّ يومين شريطَين أو ثلاثة بكلّ العالم العربي تقريبًا، تُذاع دروسه على الناس وهو ميِّت، هذا عمل، تكون لك دعوة، وتترك عملاً، أو أخًا مؤمنًا، أو ولداً صالحاً، أو كتاباً مؤلَّفاً، أما أن تعيش على الهامش أكلنا، شربنا، سهرنا، نمنا، انبسطنا، ضحكنا، صار تجلّ بهذه السهرة، وإلى متى هذا؟ وهذا شيء متكَرِّر، الإنسان كم سيعيش؟ إلى الخامسة والثمانين، ثمّ بعدها يموت.

من أراد شيئاً بصدق حققه :

 أيها الأخوة، وأنا في طريقي جاءني خاطر على هذا الدرس، وقد كنت هيَّأتُ درسًا لدرس الأحد، ولكن في طريقي إلى المسجد قلت: هذا الأخ من باب النصيحة يجب أن يقدّم شيئًا للمسلمين، فيجب أن يحمِلَ همّ المسلمين، والشيء الثاني يقدّم شيئًا للمسلمين، يا ربّ هذا الذي فعلتُهُ في سبيلك.
 أنا لا أنسى موقف أحد إخواننا رحمه الله، هناك أخوّة قريبة، وأخوَّة وسط، فالعلاقة كانت بيننا، فسهرنا مرَّةً، وكان معه مرض وتوفّي، ذهبتُ إلى جنازته فقام أحد العلماء وكان تلميذه فقال: أخوكم فلان كان مؤذِّنًا فترحَّموا عليه! هذا هو التقديم كلّه، ثانيتان فقط، ألا يوجد شيء آخر؟ بيته كان جميلاً جدًّا، كان صاحب معمل، أذواقه بالدنيا من أعلى ما يكون، وهو كان فقط مؤذِّنًا، فالإنسان الذي يعمل عملاً صالحاً يُحكى عنه بدقيقة أو دقيقتين، فعند الموت ماذا يحكى عن الميّت؟ هل نقول بيته جبصين؟!! عنده ثلاث سيارات واحدة لنزهة والأخرى للمدينة وأخرى للحاجات؟!! وعنده طقم فاخر؟!!...ماذا يُحكى عند الموت؟ العمل الصالح فقط، ولا غير، ماذا قدَّم للإنسانيَّة وماذا قدَّم للأمّة من عمل صالح؟ إذا توفّي إنسان نقول عنه: رحمه الله، فالإنسان بالنهاية يقال عنه: إما يرحمه الله، أو الثانية، إذا كان له عمل طيّب تخرج كلمة يرحمه الله من الأعماق، وإما أن يقولوا عنه كلمة أخرى والعياذ بالله.
 أيّها الأخوة أرجو أن يكون هذا الدرس باعثًا لكم، بشكل واضح واضح ركِّز؛ ماذا أستطيع أن أقدِّم للمسلمين؟ لنا أخ في أمريكا اختصاصه لغة إنجليزية فقال: ماذا أفعل؟ فقلتُ له: لك أن تؤلِّف كتاباً عن معاني كلمات القرآن بالإنجليزيّة والعربيّة، فقدَّمه واشتغل فيه سنَتَين، وهو الآن على وشك الطَّبع، كلّ الجاليَة الأمريكيّة بأمريكا هذا الكتاب بالبيت، تأتي كلمة مثلاً، أبًّا، في قوله تعالى:

﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ﴾

[ سورة عبس : 31]

 ما هي أبًّا هذه؟ فالذي عربيّته ثقيلة يجد هذه الكلمة بالإنجليزيّة، قدَّم الكتاب لوجه الله، تجد أحيانًا كتابًا مطبوعاً، وحقوق النشر غير محفوظة، فهي لكلّ مسلم دون قيْد أو شرْط، عكس كلّ كتب الأرض، تحت طائلة المسؤولية، ولا طبع، ولا اقتباس، ولا كمبيوتر، ولا تنضيد ضوئي، ولا ولا...أما هذا فيقول لك: حقوق الطبع مبذولة لكلّ مسلم من دون قيد أو شرط، اطْبَع وانْشُر، ولا نريد منك شيئًا، يريد الله عز وجل.
 فيا أيها الأخوة، كلّ واحد يُراجع حساباته، أنت لك هويَّة في المجتمع ولك اختصاص وحِرْفة، إنسان مهندس زراعي ألا يستطيع أن يرعى نباتات المسجد؟ ممكن، إنسان مختصّ بشيء من الأشياء ألا يستطيع تقديمها للجامع؟ طبعًا يستطيع، أو إلى معهد شرعي، وكلّ واحد بِحَسب إمكانيّاته، والله عز وجل هو ربّ النوايا، وحينما تريد شيئًا بِصِدقٍ يُحَقَّق.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS