6332
موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 026: فقه الأوليات : كراهة السؤال عن الغرائب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-01-23
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.

كراهة السؤال عن الغرائب :

 أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الدرس غريبٌ نوعًا ما، متعلّق بِما يُسمّى بفقْه الأولويّات، أي طالبٌ عندهُ امتحانٌ في مادّة أساسيّة في سنة التخرّج وسيُبنى عليها تخرّجه؛ وظيفتهُ، وعملهُ، وزواجُه، وعندهُ مكتبةٌ عامرة فيها بضعُ مئاتٍ من الكتب. فقْهُ الأولويّات ماذا يقتضي؟ أن يقرأ الكتاب المقرّر الذي سيُؤدّي فيه امتحانًا بعد يومين، فإذا نجَحَ، وبحثَ عن عملٍ ووجد بعدئذٍ إذا أراد أن يقرأ قصّة في هذه المكتبة فلابأس، أما في المرحلة التي قبل الامتحان فعليه أن يقرأ الكتاب المقرّر، وهذا اسمه فقه الأولويات.
 فروع الدّين، هناك أشياء أساسيّة، وهناك أشياء حاجيّة، وأخرى تحسِينيّة، وأشياء ثانويّة، لا ينبغي أن أسْتوْعِب الموضوع الثانوي جدًّا، وأُهْمِل الموضوع الأساسي، مِحْوَر الدّرْس، كراهة السؤال عن الغرائب.
 يمكن أن يكون هناك مليون موضوع غريب، إلا أنّ القاعدة في ذلك أنَّ العلم الصحيح ما بُنِيَ عليه حُكمٌ فقهي، مرَّةً زارني أخٌ طبيب عقب خطبة الجمعة، قال لي: والله أريد أن أؤلف كتابًا حول المرض الذي توفى فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، قلتُ له بِصَراحة: هذا الموضوع لا يُفيد إطلاقًا، النبي توفّاه الله عز وجل، ماذا يعنينا من المرض الذي تُوُفي به ؟ أهُوَ الْتِهابُ السّحايا أم حمَّى ؟ أما لو ألَّفْتَ كِتابًا عن الطبّ النبويّ، هذا ننْتفعُ به، العلم ما عُمِلَ به، العلم ما بُنيَ عليه حكمٌ فقهي، أما ملايين الموضوعات إن عرفْتها أو لم تعرفها، فلا يُبنى عليها شيء إطلاقًا، فإذا أردْت أن تبحث بموضوع لا يتّصل بِحَياتك، ولا بعقيدتك، ولا بعبادتك، ولا بأخلاقك، ولا بكسْب مالك، ولا بمصيرك، هذا الموضوع يمكن أن يسمَّى علمًا لا ينفع، وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام مسجدهُ فرأى أصحابه قد تحلّقوا حول رجلٍ، سألهم سؤال العارف؛ من هذا ؟ قالوا: هذا نسّابة، سألهم متجاهلاً؛ وما نسّابة؟ فقالوا: يعرف أنساب العرب، ذاك علمٌ لا ينتفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به .
 وقد استعاذ عليه الصلاة والسلام من علمٍ لا ينفع فقال:

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

[النسائي عن أنس بن مالك ]

على كل إنسان أن يسكت عمَا سكت الله عنه :

 وقتك ثمين ينبغي أن تشتغل فيما ينفعك، ينبغي أن تشتغل فيما يُبنى عليه حُكْمٌ شرعي، ينبغي أن تشتغل فيما يُحدّد مصيرك، أما هناك آلاف وآلاف الموضوعات والله لا تقدّم ولا تؤخّر، وأنا تأتيني أسئلة عجيبة جدًّا، أسئلة في التاريخ عن أقرباء الأنبياء، زوجتهُ ما اسمها؟ يا ترى سيّدنا يوسف تزوّج بامرأة العزيز أم لم يتزوّج منها؟ موضوعات لا تقدّم ولا تؤخّر، وليس لها أيّ أثَر في حياتنا، أنا كنتُ أُجيبُ عن هذه الأسئلة؛ إن علمْت كذا أو كذا ماذا تستفيد؟ ماذا تنتفع؟ هو العلم الذي لا ينفع، وقد استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن عينٍ لا تدمع، ومن أُذنٍ لا تسمع، واستعاذ من هؤلاء الأربعة مجتمعةً. قال المَروزيّ: سألني رجلٌ مرَّة ًعن يأجوج ومأجوج، أمُسْلمون هم؟ فقلتُ له: أحكمْتَ العِلْم كلّه حتى تسأل عن هذا؟ أي القضيّة هنا فقط؟ وفي هذا فقط؟ يأجوج ومأجوج أمُسْلمون هم؟
 وسألَ بِشْرُ بن السريد سفيان الثوري عن أطفال المشركين، فصاحَ به، وقال: يا صبيّ، تسأل عن ماذا؟ العوام لديهم رغْبة في طرْح أسئلة لا علاقة لها بالدِّين إطلاقًا، عبارة عن أحجيات، وألغاز، قضايا تاريخيّة ويشغلون أوقاتهم بهذا.
 وقال بعضهم: مثل هذه الأسئلة هي مسائل أهْل الزَّيْغ، ما لكَ ولهذه المسائل؟
 وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال: سُئِلَ عن مسألة في اللّعان فقال: سلْ رحمك عمَّا ابْتُليتَ به؟ قضيَّةٌ لمْ تقَع، القاعِدَة عندنا أنّ كلّ قضيّة لا يُنتفعُ بها، ولا يُعْملُ بها، ولمْ تقع، هذا الموضوع يجبُ أن نترفَّع عن السّؤال عنه، طبعًا هناك موضوع قد عالجْتُه بِتَفصيلٍ شديد، وهو أنَّك حينما تسأل عن جُزئيّات وتفصيلات أغفلها الله في كتابه العزيز، أنت حينما تسأل عن هذا تُفسد على الله حكمتهُ، فهو حينما ذكرَ عن بعض الأقوام السابقين، وعن أشخاص سابقين كذِي القرنَيْن، ما أراد أن يُحدِّد لك اسْمهُ وعمره ومكان ميلادِهِ، وكمْ ولدٌ عندهُ، أراد منك أن تؤمن بِنَموذجٍ من البشَر، يمكن أن يتكرَّر، فإن بالغْت في السؤال عن تفصيلات حياته، وعن جزئيات المكان والزمان، ألْقيَ في روعنا أنّ هذا ليس إنساناً جاء ومات وليس له نموذج آخر، فكلّما أسرفْت في التفاصيل قلبْتَ القصّة من نموذجٍ حيّ متكرّر ننتفعُ به إلى قصّة تاريخيّة وقَعَت ولن تقع بعد اليوم، هذه حقيقة أولى، فالقاعدة الأولى ؛ اُسْكت عمَا سكت الله عنه.  قال تعالى:

﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[ سورة الكهف : 22]

 ما حسم الله في العدد هنا، قل ربّي أعلمُ بعدّتهم، الله عز وجل علَّمَنا درْسًا بليغًا، العِبْرة أنَّه هؤلاء فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزدناهم هدًى، أما كم عددهم وأشكالهم و ألوانهم وطولهم فهذه قضايا لا تقدّم ولا تؤخّر.

الله يحبّ معاليَ الأمور ويكرهُ سفْسافها ودَنِيَّها :

 الوقت ثمين، ولا بدّ من أن تنتفع بالوقت، تصوَّر إنسانًا يسكنُ بيتًا مساحتهُ أربعمئة متر، وهناك أثاث بخمسة ملايين، وجاءهُ أمر أن يغادر خلال أربع ساعاتٍ إلى بلدٍ آخر ولن تعود، فاحْمِل من هذا البيت ما يتَّسِع لشاحنة صغيرة، ماذا سيأخذ؟ بيتٌ أربعمئة متر فيه أثاث بخمسة ملايين! طبعًا سآخذ الحِليّ، وإذا كانت هناك أموال مجمّدة تأخذها معك وأجهزة غالية جدًّا، أما قطعة أثاث وزنها خمسمئة كيلو غرام، فهل تأخذها معك؟ تأخذ معك ما ارتفع ثمنهُ وقلّ وزنهُ، قضيّة الاصطفاء، العُمْر محدود، ممكن أن تقضي عمرك بِفَرعٍ من فروع العلم غير النافع، أحيانًا أُشْفقُ على من ضيَّعَ حياتهُ في موضوع أدبيّ، أنا اختصاصي بالشاعر عمر بن أبي ربيعة !! خير إن شاء الله، أمْضَيْت طول حياتك في شعْر غزَل، ماذا ينتُج عن ذلك؟ وإنسان مختصّ بالإلياذة والأوديسا، قصيدتان إغريقيّتان، درسَ الأبيات وترجمهم، وفهِمَ أبعاد القصيدة، مرّة كنَّا في الجامعة فحدَّثنا أستاذ الأدب العربي، قال في السوربون- وهي جامعة عريقة في فرنسا- كانت هناك مادّة الأدب الفرنسي الحديث، وكان هناك نصّ لشاعرٍ معاصر، وقام الأستاذ يشرحُ هذا النصّ، أستاذنا كان طالبًا في فرنسا، قال: أمضى الأستاذ في شرْح هذا النصّ ساعتين أو أكثر وأعطاه أبعادًا، ومضامين، وما انتبهَ أنّ أحدهم في آخر القاعة متقدِّم في السنّ، لمّا انتَهَتْ المحاضرة جاء إليه وقال: شكرًا لك يا أُستاذ لقد أفْهمْتني قصيدتي!! إنّ كلّ هذه المعاني التي ذكرتها لمْ تخْطُر في بالي !! نحن نريدُ علمًا ينفعُ، وعلمٌ يبْنى عليه حكمٌ شرعي، وعلمٌ يُعملُ به، وعلمٌ يفتي في قضيّة وقَعَتْ، أما هناك آلاف القضايا فمستحيلٌ أن تقع.
 ونُقِلَ عن أبي داود أنّه سألهُ رجلٌ عن مسألة فقال له: دَعْنا من هذه المسائل المحدثَة، وسألهُ عن أخرى فغَضِبَ، وقال: خُذْ وَيْحَكَ فيما تنتفعُ منه، وإيّاك وهذه المُحْدثة، وخُذ في شيءٍ فيه حديث شريف. وأنا أخوكم العبد الفقير هناك مئات الدروس عقبها تُطْرح عليّ أسئلة في بعض المساجد، عجيب، تشعرُ أنّ السائل فارغٌ، قضيّة تاريخية قديمة قبل بِعثة النبي عليه الصلاة والسلام لا يُبنى عليها شيء، يسأل، ويناقش، ويُخاصِم، وفلان قال كذا، وفلان قال كذا، وما رأيكم في هذا الموضوع؟ أحدٌ من الناس سأل الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- عن رجلٍ اسْتأجر من رجلٍ دارهُ سنةً بِعَبْدٍ، فلمْ يسكن الدار، وأبقَ العبد؛ ما الحلّ؟ فالعبد هرب، والدار لم تُسكن، والأُجْرة هي العبْد الآبق، ماذا نفعل؟ فقال له الإمام أحمد: اعْفِنا من هذه المسائل.
 وآخر سأل الإمام أحمد عن مريضٍ في شهر رمضان، وعن الصّوم، فقال الإمام: يُفْطر، قال: أيأكل ؟ قال: نعم يأكل، قال: وهل يُجامع امرأته؟ قال: لا أدري ! هناك من يسأل سؤالاً فيه غلظة، فيه قلّة حياء، وفيه إحراج، والله لا يحضرني الآن نماذج ممَّا أُسأل عنه، ولكنّها أسئلة سخيفة جدًّا، إنّ الله يحبّ معاليَ الأمور، ويكرهُ سفْسافها ودَنِيَّها، بِبَعض كتب الفقه، عندهم وقت فراغ كبير، أنّ فأرةً وقَعَتْ في بئر، ماء البئر طاهر، قال: القضيّة على التفصيل ! لو كان قد لحِقها قطّ أو هرَّةٌ فخافَت وبالَت فالماء طاهر، وإذا لم يلاحقها هرّ ووقَعَت في البئر فالماء نجِس !!! وهناك أشياء أستحي أن أذكرها لكم وردَت في بعض الكُتُب، على كلٍّ إنَّ الله يحبّ معاليَ الأمور، ويكرهُ سفْسافها ودَنِيَّها.
 أحدهم سأل: أيَجُوزُ أن أتوضَّأ بِمَاء الباقلاّء - البازلاء أو الحمّص المسلوق - ؟ قال: لا أحبّ ذلك فقُمْتُ فتعلّق بِثَوبي، فهذه موضوعات؛ حُكم الوُضوء بالعدس أو ماء الحمّص، الوُضوء باللّبن هذا معروف! أما الموضوعات غير الواقعيّة، والتي لا يتنفعُ بها السائل، فلا يُبنى عليها حكمٌ شرعي ولا تُغني.

الابتعاد عن الكلمات التي تخدش الحياء :

 وبعض العلماء قال: إيّاك وما يستشنع الناس من الكلام، يقول لك: لا حياء في الدِّين ! ولكنّ الدِّين كلّهُ حياء، والدليل قوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[ سورة المعارج : 29-31]

 كم هناك من انحراف جنسي بالكتب؟ أجْملها القرآن الكريم بكَلمةٍ مهذّبة وبكلمةٍ لا تجرحُ حياء الإنسان، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾

[ سورة الأعراف : 189]

 اُنظر إلى كلمات القرآن الكريم كيف أنّها كلماتٌ لا تخدشُ حياء طفلٍ، ولا شابّ، ولا مستمع، لمّا دخَلَتْ على النبي عليه الصلاة والسلام إحدى قريباته بِثِيابٍ شفافة، قال: " يا بنيّتي إنّ هذه الثّياب تصفُ حجْم عظامك."
 الإمام أحمد رُوِيَ عنه أنَّه قال: لا تسأل عمّا لم يكن، فإني سمْعتُ عمر رضي الله عنه ينهى أن يُسأل عمَّا لم يكن، أذْكُر أنّ أحدَ الصّحابة سُئِلَ عن شيءٍ فقال: أوقَعَتْ هذه الحادثة ؟ قالوا: لا، فقال: نُفْتي بها حينما تقَع.
 وروى بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما رأيْتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ما سألوه إلا عن ثلاث عشْرة مسألة حتى قُبِضَ ‍، والله شيءٌ عجيبٌ ‍! أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلّم من شِدَّة صِدْقهم مع الله، والْتفاتِهِم إلى ما يُرضيه تعالى كانوا لا يسألونه النبي عن شيء، الأمور أكثرها واضحة. ما سألوا إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبِضَ، كلّها في القرآن، وما كانوا يسألون إلا على ما ينفعهم.

السؤال يأتي بعد إحكام الأمور :

 وقد رُوِيَ عن أحد أصحاب رسول الله أنّه قال: ما أنزل الله البلاء إلا من كثْرة السؤال، يتركون أُصول الدِّين، والاستقامة، ويسألون عن أسئلة فرعيّة، يسأل ويقول: أستاذ أنا في البيت لي عصفور، أين أضعهُ؟ هذا ينبغي أن يُسأل؟ هل عندك صحن فضائي وتسهر على الأفلام للساعة الواحدة ليلاً؟ فالسؤال ينبغي أن يأتي بعد أن تُحكم كلّ الأمور، إن أحْكمْت كلّ هذه الأمور اسأَل عنها، وعن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: يُكْرهُ السؤال عمّا لا يُنفع، ويُتْرك ما ينفعُه ويحتاجُه، فأنت لك أن تسأل عمَّا تحتاجُه، وعمّا تنتفعُ به، وأغلبُ العوام يسألون عمَّا يعلمون، يحضُر درسًا بِمَسجدٍ ما ويسمع فكرة، فيُعيدها كسؤال عليك؛ ما قولكم سيّدي في هذا الموضوع؟ فإذا أعْطيْتهُ رأيَك يقول لك: ألم يقل فلانٌ كذا وكذا؟!! فإذا به يُحْرجُك، هذا عامِّي يسأل وهو يعلمُ، إذا الواحد قرأ مجلّة طبيب هل يُصبحُ طبيبًا؟ الطبيب درس أوّل سنة عُلوم، وثاني سنة درس علم التشريح، والثالثة فيزيولوجية، والسنة الرابعة درس علم الأمراض وعلم الأدوية، أما إذا الإنسان اقتنى مجلاّت طبيّة وقرأها، لا يمكن أن يصبح طبيبًا، ثقافة طبيّة، يجلس ويستمع إلى إحدى المحطّات، إلى مناقشة بين عالمَين يقول لك: ما رأيُك بهذا الموضوع؟ هو يعلمُ الجواب، ويريدُ أن يفحصَك، وهذا نوعٌ من الأسئلة، وهو سؤال الإحراج، أنا سمعْتُ عن عالمٍ بِحِمص رحمه الله تعالى من الصالحين، ما كان يُجيبُ عن سؤالٍ عُزِي إلى عالمٍ مثله، اسأل ما بدا لك، أما أن تقول فلان فعل كذا وكذا قولك أنت، هذه فتنة ! فالأصْل أن تسأل سؤال من يستفهم، أما هناك من يسأل سؤال المحرج، أو سؤال من يُثير فتنة في البلد. والله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

[ سورة المائدة : 101]

 كان عليه الصلاة والسلام حكيمًا جدًّا، بشَّر إنساناً بالجنة اسْمُهُ عكَّاشة، فجاء آخر وقال: وأنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام سبقَكَ بها عُكَّاشة، فالنبي عليه الصلاة والسلام خلص بهذه الحكمة، وقال له: سبقَكَ بها عُكَّاشة.

كراهة السّؤال عن شيءٍ قبل وُقوعه :

 الإمام الشافعي احْتجّ عن كراهة السّؤال عن شيءٍ قبل وُقوعه، أحدهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام؛ ماذا يُنجِّي العبْد من النار؟ قال:

((إيمانٌ بالله ))

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 قال: مع الإيمان عمل؟ قال: أن يُعطي ممَّا رزقهُ الله، قال: فإن كان لا يجدُ ما يُعطي؟ قال:

((أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر))

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 قال: فإن كان لا يستطيع، قال: فلْيُعِن الأخرَق، فإن كان لا يُحسِن، قال:

((فلْيُمْسِك أذاهُ عن الناس ))

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 قال: أو إنْ فعَلَ هذا دَخَلَ الجنّة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((أما تريد أن تدَعَ لصاحِبِكَ من خير ؟! ))

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ

 ألا توجد أيّة ميّزة لهذا الإنسان، لا يقدر أن يعطي مما أعطاه الله، ولا يستطيع الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر، ولا يعين أخرق، ولا يكفّ الأذى عن الناس، قال: أو إنْ فعَلَ هذا دَخَلَ الجنّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( ما من عبدٍ مسلمٍ يأخذ بِخَصلةٍ من هذه الخِصال إلا أخذَتْ بيَدِه حتى تُدخله الجنّة ))

[إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 فإذا الإنسان كفّ أذاه عن الناس ينتقل إلى مرحلة أرقى، فإذا أعانهم، يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، فإذا أمرهم ونهاهم لعلّه يدعوهم إلى الله عز وجل، ثمّ ينفق من ماله عليهم، فالشافعي إذًا كره السؤال عن شيءٍ لم يقع.

كراهة القيل و القال و كثرة السؤال :

 وفي الصحيحين عن المغيرة بن شُعبة مرفوعًا:

((وكره لكم قيل وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعة المال))

[ متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]

 وقال بعض الصَّحْب الكرام:

((أعظمُ المسلمين جرْمًا مَن سألَ عن شيءٍ لمْ يُحرّم فَحُرِّمَ من أجل مسألته))

[مسند سعد بن أبي وقاص للدورقي عن سعد]

 اذْبحوا بقرة، قالوا: ما لونها؟ صفراءُ فاقع لونها، ما هي؟ شدَّدوا على أنفسهم حتى شُدِّد عليهم.
 قال لي أحدهم: أنا إذا جاءتني كنزة مصنوعة بِبْريطانيا يجوز لي أن ألبسها؟ فقلتُ له: يجوز، قال لي: أليْسَت من صُنْع الكفار؟ فقلتُ: لا تلبسْها ! وفي شرْح مسلم قال الخطّاب: وهذا الحديث فيمَن سأل تكلّفًا أو تعنُّتًا عمَّا لا حاجة به إليه، فأما من سألَ بِضرورة، وقعَتْ له مسألة، فسأل عنها فلا ضَيْر عليه، مرَّةً أخٌ من إخواننا، بِضائِقة ماليّة شديدة جدًّا انْدَرجَت عليه دُيون، جاءهُ عرْض لِصنْع بيوت لِمَصاحف تراثيّة موزاييك، فرفضَ، وقال لي: كلَّفني بها غير مسلم ! فقلت له: ليس لها علاقة، اسأل، البُطولة أنّ كلّ إنسان يستطيع أن يحرّم، التحريم سهل جدًّا، حرِّم وارتاح !! لا، هناك أشياء مسموحٌ بها، لك أن تتعامل مع غير المسلمين، والنبي عليه الصلاة والسلام تعاملَ مع غير المسلمين، كان عليه الصلاة والسلام مشرِّعًا. الدليل القويّ قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 7]

 إذا القضيّة متعلّقة بِحُكم شرعي، متعلّقة بِحَلال أو حرام، أو بِضَرورة، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 7]

 ومن اسْتشار الرّجال استعار عقولهم، أنت بسُؤال مهذَّب تأخذ خِبرة خمسين سنة من إنسان، وأنا أرى المتفوِّقين بالحياة يسألون دائمًا، أينما جلسْت المتفوّق يسألك، ينتفع من علمك، فإذا كانت هناك ضرورة يمكن أن يرفع من درجتك الإيمانيّة، ويزيدُ من معلوماتك العلميّة، يعمّق فهْمك للأمور الفقهيّة، اسأل، لقوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 7]

 سؤال نافع بقضيّة أساسيّة، وقضيّة حاجيّة، وقضيّة في الدِّين، وقضيّة في المصير، وفي الشّرع، أحيانًا تجدُ شخصًا له رفيق شارد، ليس فيه دين، يقول لك: هكذا فعل، أهذا حرام أم حلال ؟! هو سألك؟ يقول: لا، إذاً ما دخلك به أنت؟ هو أساسًا ما سأل، وما خطر بِبَاله أن يسأل عالمًا، وأنت تسأل عنه متطفِّلاً، وتحرجُ المسؤول، القضيّة تحتاج إلى دراسة، وأصعب شيء السؤال وأنت ماش، يا أخي القضيّة هذه تحتاج إلى جلسة، ودراسة، وأسباب، وأدلّة، أتُريد أخْذ الحكم سريعًا بلا طائل؟؟ لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[الترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

 الإمام طاوس روى عن عمر رضي الله عنه: لا يحلُّ لكم أن تسألوا عمَّا لم يكن، وقد ذكرتُ هذا قبل قليل.
 أحدهم قال: سألْتُ طاوسًا عن شيءٍ فقال: أكان هذا ؟ قلتُ: نعم، فحلَّفني فحلفْتُ له، فقال: إنّ أصحابنا حدَّثونا عن معاذٍ أنّه قال: أيّها الناس لا تتعجَّلوا بالبلاء قبل نُزوله، فيذْهبَ بكم ههنا و ههنا، لو فرضنا أُستاذ ما نزل مطر هذه السّنة، واستأجر أحدهم أرضًا، هل له الحقّ في عدم دفع أجارها؟! الجواب: عندمّا تمضي السّنة كلّها ولا تأتي الأمطار حينها اسْأل، الأمل عند الله عز وجل، والله وردتني أربع نشراتٍ عن الأمطار، والله شيءٌ يُبكي، بمكان بالغاب نزل مئة وتسعون ميلي متراً بليلةٍ واحدة، وثاني يوم سبعون، وثالث ستون، وبمناطق أخرى خمسة وأربعون بحوران و السويداء، وأماكن أخرى بالسبعينات، أنا قبل أُسبوع أخذْتُ نشرات الأمطار ووجدْت أنّه لا توجد إلا منطقة واحدة بالقطر هي الساحل أصبح المعدل عند النصف، والباقي خمسة وعشرة بهذا المنخفض، وهذه الرحمة الإلهيّة التي ساقها الله إلينا، تقريبًا القطر كلّه نصّف، كلّ المحافظات معدّل هطول المطر اقْتربَت أو تجاوَزَت النِّصْف، والفضْل لله عز وجل قال: ويْحَهُ يبكي لما لم يقع، يقول لك: إذا فلَّس الواحد ماذا يفعل؟ أفلَّسْت أنت؟! إذا الإنسان توفّي أخوه، وترك له خمسة أيتام، وله شيخٌ وصار يبكي، فقال له: لم البكاء؟ قال له: أخي ترك لي خمسة أولاد ولا مُعين لهم غيري، فقال له الشيخ: أما ترك لهم شيئًا؟ فقال: بلى يا سيّدي، ترك شيئًا يكفيهم عشرة أشهر، فقال له: الحمد لله، بعد هذه المدّة ابْك، لنا قريب كان يسكن بغُرفة، قبل توْسعة الجامع، نحن أمَّنا له بيت أُجرة قبل توسعة المسجد، انْزَعَج كثيراً، فتوفي قبل أن يصل إلى غرفته.

من يدّعي علم كل شيء لا يعلم شيئاً :

 عن عكرمة قال لي ابن عبّاس رضي الله عنه: انْطَلِقْ فأفْتِ الناس، فمَن سألَكَ عمَّا يَعْنيه فأفْتِهِ، ومن سألكَ عمَّا لا يعنيه فلا تُفته، فإنّك تطرحَ عن نفسك ثلثي مؤونة الناس، فالشيء المهمّ، والمتعلّق بالحلال والحرام، المتعلّق بالعبادات والآخرة، المتعلّق بالعقيدة يجبُ أن تجيبهُ، وهذا واجب العلماء، أما قضيّة لا تقدّم ولا تؤخّر، عن قرابات الأنبياء، وعن قصص الأنبياء السابقين، وشيءٌ من الإسرائيليات، وشيءٌ لا يعنينا إطلاقًا، فمثلُ هذه الأسئلة ينبغي ألا نُجيبَ عنها.
 النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين قال: سلوني، وكان غاضبًا، فهابوا أن يسألوه، فجاء رجلٌ فجلسَ عند ركبتَيه، وقال يا رسول الله، ما الإسلام ؟ الحديث المشهور- أيْ سلوني عمَّا تحتاجون إليه- فلا تعارضَ بين قوْل النبي عليه الصلاة والسلام في قوله سلوني، وبين كراهيَة السؤال عمّا لا يقع، لا تعارض، إنسان عندهُ مشكلة، بالإرث، أو بالرضاعة، قضيّة بكسْب المال، قضيّة بالبيع والشراء، اسأل ما بدا لك في أمورٍ أساسيّة، ومتعلّقة بالدّين والعقيدة والعبادة، أما القضايا الثانويّة التي لا تقدّم ولا تؤخّر فقل: لا أعلم !
 مرّةً الإمام مالك رحمه الله تعالى جاءهُ وفدٌ من المغرب، أي من الأندلس وأمضى هذا الوفد ثلاثة أشهر، ومعهم سبعة وثلاثون سؤالاً، فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً، قالوا: والباقي؟ فقال: لا أعلم، فقالوا: الإمام مالك لا يعلم! فقال: قولوا لِمَن عندكم الإمام مالك لا يعلم.
 أيها الأخوة الكرام: العالم متواضع، ولا يوجد من يعلمُ كلّ شيء، والذي يدّعي علم كلّ شيء فهو لا يعلم، فإذا قال لك: لا أعلم، وإن أجابك دائمًا، أيّ سؤال له إجابة دليل على أنّه لا يعلم.
 قيل إنّ رجلاً يعمل في حقل الدعوة غار من هؤلاء العلماء، كلّهم يتكلمون بالعلم والفضاء، فقال: أحاول برأيي أنا، فقال: صعد العلماء إلى الشّمس، فقال له تلميذ: يا سيّدي لسان لهب النار طوله مليون كيلو متر فكيف صعدوا إلى الشّمس؟ فقال له: ذهبوا بالليل ! فليس من سمة العلماء معرفة كلّ شيء قل لا أعلم وأنت في أعلى درجةٍ محترم، ومن يعلم كلّ شيءٍ لا يعلم شيئًا.

غرائب العلم لا تنفع ولا تقدّم ولا تؤخّر :

 أيها الأخوة الكرام، أريد أن أستنبط من هذا الدرس أنّ غرائب العلم لا تنفع، ولا تقدّم، ولا تؤخّر، للتسْليَة ممكن، مرّةً قلت لأحدهم:

إنّ هنْدُ المليحةُ الحسناءَ وهي  من أضْمرَت بِخِلٍّ وفاءها
***

 أعْرب لي هذا البيت؟ هذا من غرائب العلم، قال لي: لا يمكن إنَّ هنْدُ بل الأصل إنَّ هنْدًا، فقلتُ له: إنّ هنْدُ المليحةُ الحسناءَ، هذه صفة، فعلى رأيك إنّ هنْدُ المليحةُ الحسناءُ، وليس الحسناءَ، والقضيّة أنّه عندنا إِ بِمَعنى عِدْ فعل أمر، والنون نون التوكيد الثقيلة، يعني عديني يا هنْدُ المليحةُ صفة للفظها بني على الضمّ في محلّ نصب، المنادى المفرد العلم يبنى على الضمّ في محل نصب، الحسناء تبِعَت المحلّ، والمنادى منصوب، عديني يا هندُ المليحةُ تبعَت اللّفظْ، والحسناء تبِعَت المحلّ، هذا بيتُ شعرٍ، وهو من غرائب العلم، ألغاز، مثلاً يقول لك: أتانا زيدٍ تحت الشجرة، ولكن هنا أتانا هو مؤنّث الحمار، بمعنى حمارة زيدٍ تحت الشجرة، هذه غرائب العلم، ومنها الشيء الكثير، وهذه للتَّسْليَة بالنزهات والسيران، وإذا كان الواحد مع أولاده، أما في العلم الجاد والأساسي، فهذه دعْكَ منها. هناك فعل باللّغة إن أثبته فهو منفي، وإن نفيتهُ فهو مثبت، هو الفعل كاد إذا قلتَ: كدْتُ أن أقع، هل وقعْت؟ لا، وإذا قلت: لم أكد أقع حتى وقفت معناه وقعت، فالفعل كاد إن أثبته فهو منفي، وإن نفيتهُ فهو مثبت. هاتِ، أعْربها؟ فعل أمر، ولكنّه مكسور، وهذه حالة نادرة جدًّا، فعل أمر مبني على الكسر في محل جزم.
 في كلّ العلوم هناك غرائب، غرائب كثيرة جدًّا، وهذه الغرائب للتسْليَة وللمسابقات، ولِطُلاب بنُزْهة، وللأولاد مع والدهم، أما في مجلس العلم فهذه لا تصلحُ، إنما يصلحُ العلم الجاد، والأساسي، والذي يرقى بك، ويُبنى عليه حكمٌ شرعي.
 أيها الأخوة، أتمنَّى أن ننْصرف إلى الأساسيات في حياتنا، وأن نتعلّق بما ينفعنا، وبما يبنى عليه حكمٌ شرعي، وبعد ذلك نرجو الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا من عنده، إنّه خير مسؤول.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS