5811
ندوة إذاعية - إذاعة دمشق - ندوات مختلفة - الندوة 03 : ندوة عن الدعاء
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-01-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الأستاذ عدنان شيخو.
 مستمعي الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم في هذه الحلقة الجديدة من ندوة رمضان، كما يسرنا أن نلتقي اليوم مع ضيفينا الكريمين ؛ سماحة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم مفتي دمشق، ومدير معاهد الفتح الإسلامي في دمشق، والأستاذ محمد راتب النابلسي المحاضر في جامعة دمشق، وخطيب مسجد النابلسي، أهلاً ومرحباً بضيفينا الكريمين.
 سوف نجعل حلقة اليوم، هذه الندوة المباركة عن الدعاء، والدعاء قبل أن نخوض فيه، هناك اتهامات بأن الإنسان المؤمن المسلم يدعو ليتهرب من إتيان الأسباب، وهذا مردود على هذا المتسائل رداً كاملاً، والسبب أن المؤمن يهيئ الأسباب كاملة، ثم يدعو، وسوف أضرب مثلاً سريعاً، لنتحدث بعد ذلك معكم في هذا الإطار.
 لو افترضنا أن إنساناً يريد إنشاء بيت، وكان مهندساً، سجل رغباته، وسجل رغبات أسرته، وأولاده، واستشار، واستشار، وبعد ذلك أنشأ هذا البناء، ولا شك أنه بعد حين يقول: ليتني وسَّعتُ الغرفة الفلانية قليلاً، ليتني فعلت كذا، ليتني كذا، مثل هذا يندرج في أمور الحياة كلها.
 إذاً: أستطيع أن أقول إن الإنسان مهما أتى بالأسباب، يبقى عقله قاصراً عن إتيان النتائج السليمة المطلقة، وبعد هذه الأمور من حيث إتيان الأسباب فإنّ المؤمن يلتجئ إلى الله بالدعاء، يا رب قد قدمت الأسباب، والدعاء بعد ذلك يأتي دوره، المهم، إذاً حلقة اليوم عن الدعاء، وسنبدأ مع الدكتور عبد الفتاح، الدعاء والعمل بالأسباب يا دكتور.
 فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم.
 هذا الذي تفضلتم به لا شك من المسلمات، ولا ينبغي أن يتصور مسلم أو مؤمن أن هذا السبب يتعارض مع الدعاء، أو أن الدعاء يتعارض مع المقدر، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى، ذكرني هذا المثال يوم رتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر صفوف المقاتلين، وفعل ما فعل من أسباب، ثم بعد ذلك التجأ إلى الله عز وجل بالدعاء ؛ أن ينصر هذه المجموعة الذين سيقفون في وجه المشركين، وهذه المعركة التي ستكون في النهاية تقرير مصير، بدأ بالعمل واتخاذ الأسباب، ثم رفع الكفين إلى الله سبحانه وتعالى يلتجئ إليه، وفعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا دليل لنا جميعًا على اتخاذ الأسباب والدعاء، لأنه كما تفضلتم لا يستطيع المرء أن يحدد المستقبل، وأن يعرف الغيب، بل عليه أنْ يتخذ الأسباب وفق واقعه، وتصوراته المستقبلية، ولكن ماذا سيجيء به المستقبل فلا يدري، هنا يرفع الكفين إلى الله سبحانه تعالى أن يجعل هذا العمل موفقاً، وأن يسدد خطاه، ويصل إلى نتائج مرضية، أقول أيضاً، هذا جواب على المثال الذي تفضلتم به، خلق ربنا السماوات والأرض بالحق رحمة لنا، ثم أرشدنا لما فيه سعادتنا في الدنيا، وفوزنا في الآخرة، فأمرنا باتخاذ أسباب الفلاح، ألم يقل جل وعلا في كتابه العزيز:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

( سورة الملك: 15 )

 ويقول في موضع آخر:

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) ﴾

( سورة الجمعة: 10 )

 ومن المعلوم ضرورةً أن العمل بدون العلم لا يؤتي ثماراً يانعة، ولذلك نجد دائماً في القرآن والحديث ما يحث على الأخذ بالأسباب، وعلى التوكل على الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى حكاية قولَ الرسل لأُمَمِها:

﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)﴾

( سورة إبراهيم: 12 )

 وعندما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو لنفسه بالشفاء، كان يسارع إلى تناول الدواء ويقول:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ))

(رواه أحمد)

 فهذا الجمع بين الدعاء واتخاذ الأسباب.
 الأستاذ عدنان شيخو.
 ومما نعلم الدعاء مخ العبادة، هل الدعاء فعلاً عبادة ؟ مع الأستاذ محمد راتب النابلسي:
 فضيلة الشيخ الأستاذ محمد راتب النابلسي.

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
 إنّ الإنسان خلق في الدنيا ليعبد الله، فقد قال الله عز وجل:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات: 56 )

 فعلة وجوده على وجه الأرض أن يعبد الله عز وجل، والعبادة في بعض تعاريفها، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
 فمن خلال هذا التعريف يتبين أن من كليات الدين المعرفة والسلوك، والجمال، كلية معرفية، وكلية سلوكية، وكلية جمالية، إلا أن الإنسان إذا تحرك على هذه الخطوط الثلاثة يتفوق، أما إذا اكتفى بخط واحد تطرَّف، إلا أن هناك ملاحظة مهمة جداً وهي: أن الإنسان خُلِق ضعيفاً، وهذه علة في أصل خلقه لصالحه.
 و كيف أن الآلة الغالية جداً، عظيمة النفع، ومعقدةً أبلغ التعقيد، فيها قواطع خطوط ضعيفة، فإذا جاء التيار قوياً ساخت هذه الخطوط، و حفظت الآلة من العطب.
 وكذلك، خلق الإنسان ضعيفاً، خلقه الله ضعيفاً، ليفتقر في ضعفه فيسعد في افتقاره، ويدعو ربه، من هنا كانت فلسفة الدعاء، خلقه ضعيفاً ليفتقر إلى الله عز وجل، فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه.
 فضيلة الشيخ الدكتورعبد الفتاح البزم.
 ذكرني فضيلة الأستاذ راتب بهذه الفكرة التي تفضل بها، بقول القائل: قضى الله سبحانه أن يكون العبد ممتحناً ومستعملاً، ومعلقاً بين الرجاء والخوف، الذين هما مدرجتا العبودية، ليستخرج منه بذلك الوظائف المضروبة عليه، التي هي سمة كل عبد، وهنا يقودني هذا إلى حديث أخرجه الإمام مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ:

(( جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الْآنَ فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ قَالَ لَا بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ قَالَ فَفِيمَ الْعَمَلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ))

(رواه مسلم)

 وعند الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ:

(( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَعَلَى مَا نَعْمَلُ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُفْرَغْ مِنْهُ قَالَ بَلْ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ يَا عُمَرُ وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))

 واستغرب الصحابة الكرام، فقالوا: فيم العمل إذًا ؟ طالما أن الأمر مفروغ منه، فيم العمل إذًا ؟! فحضهم النبي عليه الصلاة والسلام على العمل.
 فضيلة الشيخ الأستاذ محمد راتب النابلسي.
 إذاً الدعاء فيما يبدو وسيلة وغاية في الوقت نفسه، وسيلة حينما يوضع الإنسان في مشكلة، والله سبحانه وتعالى طلب منا أن ندعوه بعد هذا الدعاء، وتحقيق الهدف، يقفز الإنسان قفزتين ؛ قفزةً في محبة الله عز وجل، وقفزةً في الإيمان بوحدانيته، إذاً هو يرتقي بالدعاء ارتقاء في معرفة وحدانيته، وارتقاء في معرفة رحمته وحبه للإنسان.
 النقطة الثانية: وهو هدفٌ بحد ذاته لأن أعلى درجة من الاتصال بالله تكون في الدعاء، من هنا قال عليه الصلاة والسلام عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ:

(( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قَالَ الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ وَقَرَأَ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ دَاخِرِينَ ))

(رواه الترمذي)

 وحينما قال الله عز وجل:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾

( سورة غافر: 60 )

 لم تكن الآية: إن الذين يستكبرون عن دعائي، بل قال:

﴿عَنْ عِبَادَتِي ﴾

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادةُ ))

(رواه الترمذي)

 لأن الإنسان حادثٌ ضعيفٌ، مفتقر إلى الله عز وجل في كل شيء، والله جل جلاله يحتاجه كل شيء في كل شيء، والسعادة كل السعادة، والفوز كل الفوز، والتفوق كل التفوق، في الاتصال بالله عز وجل.
 فالدعاء من جهة هو غاية، ومن جهة هو وسيلة، والإنسان لا يكون في أعلى درجة من درجات القرب، إلا حينما يكون مضطراً ويدعو الله عز وجل بعبوديته له، وربوبيته عز وجل، والعبد يدعو ربه بعبوديته له، وبوحدانيته وربوبيته عزوجل.
 الأستاذ عدنان شيخو:
 هذا يقودنا إلى الحديث عن ألوان إجابة الدعاء، وقد تحدثتم أن الدعاء من العبادة، ولا بد من وجود أسباب، والأخذ بالأسباب ضروري، ثم إن الدعاء لا بد منه، والآن الإجابة للدعاء، مع الدكتور عبد الفتاح البزم.
 فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم.
 لاشك أن إجابة الدعاء تتنوع، فتارةً يقع المطلوب على الفور، يدعو ربه أن يرفع عنه مرضاً، وأن يرزقه رزقاً بعينه، فيقع المطلوب، وأخرى يتأخر لحكمة الله أعلم بها، لأن العبد قد يتصور أن شيئاً فيه خير له، وفي الحقيقة قد يجر له متاعب كثيرة، فالله هو أحكم الحاكمين، وتارةً تقع الإجابة بغير المطلوب، حيث لا يكون في المطلوب مصلحة ناجزة، أو يكون في غير المطلوب الذي وقع ما هو أصلح من المطلوب المدعو به، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ - هذه الثلاث تبين لنا ألوان الإجابة، أما الأولى - إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ - هذا اللون الأول - وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا قَالُوا إِذًا نُكْثِرُ قَالَ اللَّهُ أَكْثَرُ ))

(رواه أحمد)

 إذا كان الدعاء تتلَوَّن إجابته إذاً يا رسول الله نكثر منه، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ، الله يعطيكم، وأريد أن أقف عند قوله: وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، يدخر له هذه الإجابة في الآخرة، حتى إنه لما يصل العبد المؤمن وقد نجا، وكان من الفائزين إلى الآخرة، ويعطيه الله سبحانه وتعالى ثواب الدعوة التي أراد أن يتعجل بها في الدنيا، ولم يعطها يأخذ الثواب الأكبر في الآخرة، ولما يرى هذا الثواب يتمنى لو أن دعاءه كله في الدنيا لم يستجَب، ليحصل على الثواب الكبير في الدار الآخرة.
 الأستاذ عدنان شيخو.
 مع الأستاذ محمد راتب النابلسي، تحدثنا عن الدعاء وبيَّنتُم شيئاً من الأسس التي يقوم عليها الإنسان من ضعفه، وعبوديته لله تعالى ليكون قد طرق باب الدعاء من حيث يكون صلة بالله تعالى، وإثباتاً لعبوديته لربه سبحانه وتعالى، حقيقة الدعاء ما هي إذاً ؟
 فضيلة الشيخ الأستاذ محمد راتب النابلسي.
 نحن في حياتنا الدنيا متى نسأل جهة، لا بد من أن نؤمن بوجودها أولاً، حتى نسألها، ولا بد من أن تكون سميعةً لسؤالنا حينما نسألها، وإلا فلا نسأل، ولابد أن تكون قادرة على تحقيق طلبنا، وإلا فلا نسأل، ولا بد أن تكون من المحبة والرحمة حيث هي قادرة على أن ترحمنا.
 فالإنسان لا يسأل إنساناً من جنسه إلا إذا تيقن من وجوده، ومن سمعه، ومن قدرته، ومن محبته، فإذا سأل الإنسان ربه فهو قطعاً مؤمن بوجوده، وكل ما في الكون ينطق بوجود الله، وهو مؤمن أنه سميع مجيب، والأبلغ من هذا أنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما تعلن وما تسر، ويعلم ما خفي عنك أنت، فهو موجود، وواحد، وكامل، يسمع دعاءك، ويعلم ما في قلبك، وفوق ذلك فهو على كل شيء قدير، وقدرته لا يحدها شيء مهما بدا لك الأمر صعباً، كمثلِ إنسان يجد نفسه فجأةً في بطن حوت والأمل معدوم كلياً، في ظلمات ثلاث، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، إنه سيدنا يونس، قال تعالى ذاكرًا قصَّته:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

( سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )

 دقق أستاذ عدنان، الآية قصة، والآن جاء التعليق ليجعلها قانوناً قال:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88﴾

والدعاء عبادة، والدعاء معرفة بالله، والدعاء يؤكد أن الإنسان مؤمن بالله عز وجل، وبأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى.
 الأستاذ عدنان شيخو:
 قصة يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت هنا هو دور الدعاء، و القضاء أنه في بطن الحوت، فهل يرد الدعاُء القضاءَ ؟ الجواب مع الدكتور عبد الفتاح البزم.
 فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم.
 سؤال طريف، نعم يرد، بل يعتلج الدعاء والقدر معاً، وإن السبب والمسببات، والذي ألهم الدعاء، والذي خلق النتائج واحد، هو الله سبحانه وتعالى، فالأمر له من قبل ومن بعد، ولذلك قال العلماء: الدعاء ينفع مما نزل، ومما ينزل، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، ويستندون على حديث يرويه الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ ))

 وأيضاً حديثٌ آخر ابن ماجه عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ))

 أما موضوع الاعتلاج فقد استندوا على حديث رواه أحمد عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ ))

 انظر، لا يغني حذر من قدر، ثم يقول: الدعاء ينفع، إذاً لا بد من التسليم، ولا بد من الدعاء، ولا بد من العمل، والكل يرجع كما تفضل فضيلة الأستاذ راتب إلى المالك الفعلي الذي هو الله، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَنْ يَنْفَعَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ عِبَادَ اللَّهِ ))

(رواه أحمد عن معاذ)

 هكذا في الحديث، وهنا يستشكل على بعض الناس، وقد يقول قائل، إن الشيء الذي يدعو به المسلم، إن كان قد قدر، فلا بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدعُ، وإن لم يكن قُدِّر فلا يقع أصلاً، إذاً لمَ الدعاء ؟! هكذا يقول الإنسان، الجواب واضح، إذا قال: ما الفائدة من الدعاء ؟ فالجواب واضح، والله تعالى الذي قدر المقدورات، وقدر لها أسباباً، فهو سبحانه وتعالى قدر مسببات، وقدر الأسباب، فهو تعالى قدر الشبع بسبب تناول الأكل، فالإنسان الآن جاع، أو أصابه ألم في رأسه، يسارع إلى هذا الدواء، ولا يعتقد أن الدواء هو الذي يشفي، ولا يعتقد أن الطعام هو الذي يشبع، ولكن الله جعل هذه النتائج عند تلك الأسباب، ولذلك علماء التوحيد فرقوا بين، (الباء، وعند )، فقد يقع الشيء عند السبب لا بالسبب، لأن السبب غايته بأن الله هو خالق هذا السبب، فإذاً الدعاء هو من أعظم الأشياء بالنفع، أو الدفع، أو الرفع، والكل بقضاء من الله تعالى وبقدره، فمن أنكر تأثير الدعاء في جلب المنافع ودفع الشرور، يلزمه إنكار جميع الأسباب، والحقيقة هو لا ينكر الأسباب، فإذا جاع أكل، وإذا أصابه ألم تناول الدواء، فهل تكتفي بأن ترفع كفيك إلى الله وتقول: اللهم ارزقني الشبع، لا هو يأكل، إذاً يأخذ بالأسباب، وهذا هو الجمع بين: كيف يرد الدعاءُ القضاءَ، وكيف يعتلجان.
 الأستاذ عدنان شيخو.
 أنا إذا أردت من إنسانٍ حاجةً في الدنيا أحاول أن أتعرف إليه، وأن أصل إليه عن طريق إنسان يعرفه مثلاً، حتى يساعدني في قضاء حاجتي، وهنا الدعاء، وطلب الحاجة من إنسان عبد لمثيله في الدنيا، تُرى كيف يكون الأمر بين العبد وخالق الأكوان ؟!
 فضيلة الشيخ الأستاذ محمد راتب النابلسي.
 في القرآن الكريم أستاذ عدنان آيات عديدة تزيد على عشر آيات، من هذه الآيات:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)﴾

( سورة البقرة: 189 )

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)﴾

( سورة البقرة: 219 ـ 220 )

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾

( سورة البقرة: 222 )

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً (105)﴾

( سورة طه: 105 )

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) ﴾

( سورة الكهف: 83 )

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

( سورة الإسراء: 85 )

 أكثر من عشر آيات تبدأ بـ " يسألونك "، ويأتي الجواب وبينها كلمة "قل"، إلا في آية واحدة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

( سورة البقرة: 186 )

 لإلغاء الواسطة، لأنّ في أمر الدعاء ليس بين العبد وربه وسيط، ولأن الله سبحانه وتعالى معه، خلقه ليتعرف إليه، وخلقه ليستجيب له.
 والنبي عليه الصلاة والسلام روى لنا قصة رمزية عن أعرابي ركب ناقته وعليها طعامه وشرابه ليقطع بها الصحراء، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

(رواه مسلم)

 فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم.
 أستاذ راتب كأنني شعرت من الأستاذ عدنان من خلال السؤال، ولا شك أن كل ما قلتموه صحيح مائة بالمائة، لكنني شعرت من خلال السؤال كأنه يريد أن يتحدث عن الوسيلة، هو ليس بين العبد وربه واسطة، أو وساطة، فالله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، ورب كل شيء، وكأنه يريد التوسل إلى الله سبحانه وتعالى، مثلاً الاستشفاع بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ذكرني بقوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً(64)﴾

( سورة النساء: 64 )

 وما أظن أنكم لا تريدون الوسيلة.
 الأستاذ عدنان شيخو.
 ما رأي الأستاذ راتب.
 فضيلة الشيخ الأستاذ محمد راتب النابلسي.
 أحياناً هناك أشخاص يدعون إلى ذواتهم، ويتخذون من الدين مطية لأهوائهم ومصالحهم، وأنا أريد أنْ ألغي دور هؤلاء فيما قلت، لا أريد أن ألغي ما تفضل به الدكتور عبد الفتاح في شأن شفاعة رسول الله والاستشفاع به، فهذا شيء وارد بالقرآن والسنة، ثابت بهما، أما حينما يتخذ الناس أشخاصاً جهالاً، يعبدونهم من دون الله، فلا بد أن نقول للناس جميعاً: ليس بين العبد و ربه وسيط في شأن الدعاء.
 فضيلة الشيخ الدكتور عبد الفتاح البزم.
 أستاذ راتب هذا قادني إلى شيء، أن يفرق العبد بين الولاء والوفاء، الوفاء مثلاً لرجل علَّمك، والوفاء لوالديك، والوفاء لأستاذك، ولمن أخذ بيدك إلى طريق الخير، وأوصلك إلى جادة السلامة، والولاء لله وحده، وهنا أمرٌ مهم جداً، فإذَا تعارض الولاُء والوفاءُ فالولاء لله وحده، فإذا استُشفِع بالنبي عليه الصلاة والسلام أو برجل يعتقد صلاحه، وما زال مرتبطاً بربه، وهو يعلم أن الذي سيعطيه، أو الذي سيمنعه، أو الذي سيشفي مريضه، أو الذي سيرزقه إنما هو الله وحده، إنما يخجل بين يدي ربه من تقصيره، فيستشفع بالرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، أو برجل رأى فيه التقوى والصلاح، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

( سورة يونس: 62 ـ 63 )

 الأستاذ عدنان شيخو.
 في ختام هذا اللقاء نشكر سماحة الشيخ عبد الفتاح البزم، مفتي دمشق ومدير معاهد الفتح الإسلامي في دمشق، كما نشكر الأستاذ محمد راتب النابلسي المحاضر في جامعة دمشق ؛ كلية التربية، وخطيب مسجد النابلسي.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS