37623
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 043 - 119 ) : حديث شريف عن الأمانة والتعيين للمسؤولية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-06-28
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد؛ الصادق الوعد الأمين.

من علامات الساعة:

 أيها الأخوة الكرام، روى الإمام البخاري في صحيحه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنه قال:

((إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر الساعة, قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله, فانتظر السَّاعة))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 الساعة لها علامات, أحد أكبر علاماتها: أن يسند الأمر إلى غير أهله، فلكل عمل أهله, فإذا قام بالعمل من ليس له بأهل, فقد اقتربت الساعة, هذا من علامات قيام الساعة، والإنسان إذا ولى على عشرة رجلاً, وفيهم من هو خير منه, فقد خان الله ورسوله, يعني أنت مدير معمل، وليت على عشرة عمال أمير وفيهم من هو خير منه, فقد خنت الله ورسوله.
 سيدنا عمر رضي الله عنه، سأل أحد الولاة: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً فإذا جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل, فسأقطع يده، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم, ونستر عورتهم, ونوفر لهم حرفتهم؛ فإن وفيناهم ذلك تقاضيناهم، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل, فإن لم تجد في الطاعة عملاً, وجدت في المعصية أعمالاً, فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك في المعصية.

كلما ارتفعت مكانتك ازدادت مسؤوليتك:

 أيها الأخوة، الإنسان في الأرض, كلما ارتفع في مكان, اتسعت دائرة رؤيته، فالذي يصعد إلى جبل قاسيون, يرى الشام كلها، والذي يركب الطائرة, يرى تقريباً من الشام إلى حمص في نظرة واحدة، والذي وقف على سطح القمر, رأى الأرض كلها، كلما ارتفعت مكانتك ازدادت مسؤوليتك, هذه قاعدة, كيف أنك إذا ارتفعت ارتفاعاً مادياً, تتسع رقعة رؤيتك, كذلك إذا ارتفعت رقعة رؤيتك, تزداد رقعة مسؤوليتك, هذه قاعدة, فالإنسان قد يفرح بمنصب رفيع.

((يا رسول الله استعملني. قال: يا أبا ذر, إني أحبك وأحب لك ما أحبُّ لنفسي: لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم))

 الأمارة مسؤولية وندامة يوم القيامة -إلا من أخذها بحق-, فالإنسان لو يعلم أنه إذا تولى على عشرة، أن له حساباً خاصاً, لعد للمليون قبل أن يقبل عملاً, يسأله الله عن كل صغيرة وكبيرة.

انظر إلى خطر المسؤولية عند عمر بن الخطاب:

 يقول سيدنا عمر: لو تعثرت بغلة في العراق, لحاسبني الله عنها، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟.
 رأى إبلاً سمينة، قال: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لابنك عبد الله، غضب أشد الغضب واستدعى ابنه، وقال له: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت؟ قل لي: ماذا فعلت؟ قال: يقول الناس: اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين؛ أعلمت لماذا هي سمينة؟ لأنك ابني.
 فلذلك: الإنسان حينما يشعر أنه سيقف بين يدي الله عز وجل، وسيسأله عن كل حركة، وكل سكنة, وكل صغيرة، وكل كبيرة, لعد للمليون قبل أن يقبل عملاً.
 كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يرفضون أي عمل, يضعهم أمام مسؤولية أمام الله عز وجل، ولاسيما القضاء؛ لذلك:

((إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ, فانتظر الساعة, قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله, فانتظر السَّاعة))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 فإنسان أحياناً يترنم؛ يقول لك: أنا مسؤول كبير؛ لو أدرك معنى هذه الكلمة -هو مسؤول كبير-, يعني مسؤول أمام الله مسؤولية كبيرة، والحساب دقيق. ما قولكم في هذه الآية الكريمة؟:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية: 7-8]

 قال:

((أعرابي سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يعظه ويوجز, تلا عليه النبي هذه الآية:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية: 7 -8]

 فقال: كفيت, فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل))

أرأيتم إلى أن آية واحدة كفت هذا الأعرابي، وصار بها فقيهاً, وبين يديك ستمئة صفحة من كتاب الله؛ نقرؤها كل يوم، ونستمع إليها، ونستمع إلى تفسيرها، ولا تجد الإسلام مطبقاً في حياتنا؟ هذا هو سر تخلفنا عن ماضينا.
 سيدنا عمر -رضي الله عنه- كتب إلى واليه على البصرة: نمي إلي أنه قد صار لك هيئة حسنة؛ في مسكنك، وملبسك، ومطعمك، ومركبك، ليست لعامة المؤمنين، احذر يا عبد الله: أن تكون كالدابة مرت بواد خصب, فجعلت همها في السمن, وفي السمن حتفها.

هذه المسؤولية عند عمر بن عبد العزيز:

 سيدنا عمر بن عبد العزيز، سئل مرة من قبل أحد ولاته: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، وأقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم، فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا؛ فادعهم إلى حلف اليمين، فإن حلفوا؛ فأطلق سراحهم, وايم الله! لئن يلقوا الله بخيانتهم, أهون من ألقى الله بدمائهم.

اعتنق هذا المبدأ:

 يروى أن الإمام الحسن البصري -وكان سيد التابعين-, كان عند والي البصرة، وقد جاء توجيه من الخليفة -هذا التوجيه فيما يبدو؛ إن نفذه هذا الوالي أغضب الله عز وجل، وإن لم ينفذه أغضب الخليفة، وقد يخسر دنياه كلها-, نظر فإذا إلى جانبه الحسن البصري، قال: يا إمام ماذا أفعل؟ إن فعلت ما أمرني به يزيد أغضبت الله عز وجل، وإن ما فعلت أغضبت يزيداً، ماذا أفعل؟.
 -هذا الإمام التابعي الجليل، قال كلمة على إيجازها، والله يمكن أن تكون لكل إنسان مبدأ-.
 قال: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيداً لا يمنعك من الله.
 هذا الذي تخاف منه, الله يمنعك منه، لكنه لا يستطيع أن يمنعك من الله، لو أن هذه الخلايا نمت نمواً عشوائياً، وأخذت خزعة وفحصت, فإذا هذا النمو خبيث، من يستطيع في الأرض أن يمنعك من هذا الورم الخبيث؟.
 إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيداً لا يمنعك من الله. هذا مبدأ.
 لذلك:

((من أرضى الله بسخط الناس, رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس, سخط عنه الله، وأسخط عنه الناس))

استقيموا ولن تحصوا:

 أيها الأخوة الكرام, أنا أردد كلمة كثيراً طالب العلم, لأنه عرف الحقيقة, آثر آخرته على دنياه، فربحهما معاً، وطالب الدنيا آثر دنياه على آخرته، فخسرهما معاً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((استقيموا ولن تُحْصُوا))

[أخرجه مالك في الموطأ]

 لن تحصوا الخيرات, إن استقمتم؛ سلامة, وصحة, وراحة نفسية، وعزة, وكرامة، شعور بالتفوق، شعور بالقرب من الله عز وجل.

إذا كان الله معك فمن عليك, وإذا كان الله عليك فمن معك؟:

 جاء في الأثر:

((ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي, أعرف ذلك من نيته, فتكيده أهل السموات والأرض, إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني, أعرف ذلك من نيته, إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه))

 كلكم يعلم من هو الحجاج؟ إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها, يعني: قتل رجل عند الحجاج, أهون من قتل ذبابة.
 الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى؛ أدى أمانة العلم، وتكلم بالذي ينبغي أن يقوله، فأغضب الحجاج، وأثار حفيظته، وقال لجلسائه: يا جبناء, والله لأروينكم من دمه, وجاء بالسياف، واستدعي الحسن البصري ليقتل، وانتهى الأمر, قضية سهلة جداً.
 دخل الحسن البصري على الحجاج ليقتل، والسياف يمسك السيف بيده، والنطع رداء يوضع على الأرض, لئلا يتأذى الأثاث بدم القتيل.
 دخل الحسن البصري؛ رأى الحجاج السياف وقد مد هذا النطع، فحرك شفتيه بعض الحركات، لم يفهم أحد ماذا قال لله عز وجل؟ فإذا بالحجاج يقف له، ويستقبله، ويجلسه على سريره إلى جانبه، ويقول له يا أبا سعيد: أنت سيد العلماء، ويستفتيه، ويكرمه، ويعطره، ويشيعه إلى باب القصر، أما هذا السياف، وذاك الحاجب؛ صعقا، ما الذي حدث؟! فتبعه الحاجب، قال: يا إمام لقد جيء بك لغير ما فعل بك؛ فماذا قلت لله عز وجل؟ قال: قلت: يا رب، يا مؤنسي في وحشتي، يا ملاذي عند كربتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
 إذا كان الله معك فمن عليك, وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ما معك أحد.

تمعن في آيات التوحيد:

 قال تعالى:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾

[سورة طه الآية: 45]

 -فرعون-:

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

[سورة طه الآية: 46]

 سيدنا موسى نظر إلى البحر أمامه، وفرعون بجبروته, وقوته, وقهره وراءه، أين الخلاص؟ بحسابات الأرض لا يوجد خلاص، بحسابات الدنيا: الموت محقق:

﴿قَالَ أصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 61-62]

 وإذا كان الله معك, يجعل البحر طريقاً يبساً، وهذا الذي حصل.

موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا فيه التوحيد:

 سيدنا رسول الله وهو في الغار -مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً-, دخل الغار، جاء العنكبوت, فنسج بيته على باب الغار، -الله جل جلاله نصر هذه الدعوة الإسلامية على يد أضعف مخلوقاته، العنكبوتة نسجت هذا البيت على مدخل غار ثور-, فقال سيدنا الصديق:

((يا رسول الله, لو نظر أحدهم إِلى موطئ قدمه لرآني، قال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟))

 أنت تعرف مع من؟ يعني فقط للتوضيح: إذا جندي غر والده قائد الجيش، أكبر رتبة هل تخيفه؟ أبداً، كل هؤلاء الأقوياء خاضعون لأبيه، وأبوه يحبه.
 تروي بعض الروايات، أنه قال:

((يا رسول الله، لقد رأونا -ليس لو نظر أحدهم-, قال: يا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 198]

ما هو الثمن الذي يجب أن يدفعه المسلم حتى يحصل على معية الله؟:

 أيها الأخوة, قال بعض العلماء:

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾

[سورة الأنعام الآية: 103]

 وكل من كان مع الله لا تدركه الأبصار، هو في حماية الله، هو في رعايته، هو في حفظه، هو في تأييده.
 لذلك قالوا: أية آية كقوله تعالى:

﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

[سورة البقرة الآية: 194]

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة البقرة الآية: 153]

﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 19]

 هذه معية خاصة؛ معية الحفظ, والتأييد, والنصر، والتوفيق، لذلك أعظم شيء تصل إليه أن تكون مع الله:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 12]

 لكن معية الله مشروطة:

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[سورة المائدة الآية: 12]

 معية الله لها ثمن، ادفع الثمن وخذ هذه المعية، فإذا كنت مع الله, أنت أقوى إنسان على وجه الأرض، أبدأ.

التطبيق العملي لهذا الحديث:

 أيها الأخوة، ما التطبيق العملي لهذا الحديث؟:

((إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ؛ فانتظر الساعة. قالوا: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله, فانتظر السَّاعة))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

 أنت علاقتك مع هذا الحديث, أنك إذا أردت أن تولي طالباً على صف، أنت معلم, وأردت أن تعين عريفاً على هذا الصف، ينبغي أن تختار أفضلهم، وأكثرهم استقامة، وأعلمهم، فإن اخترت طالباً, وفي الطلاب من هو أفضل منه, فقد خنت الله ورسوله:

((من ولى رجلاً على عشرة، وفيهم من هو خير منه، فقد خان الله ورسوله))

 علاقتك بهذا الحديث؛ لا تول إلا الأصلح، لا تول إلا الأفضل، لا تول إلا الأكثر استقامة، نعم.

من أين استنبط الخليفة الراشد هذه الحقيقة؟:

 سيدنا عمر, كان إن أراد أن يولي والياً, يمتحنه, فمرة دخل عليه وال قد عينه مجدداً، وهو في طريقه إلى ولايته، وكان عمر -رضي الله عنه- يقبل ابناً له، فأنكر عليه تقبيل أولاده، قال: والله أنا ما أقبل أولادي أبداً، فال: هات كتاب التعيين, مزقه، قال: إن لم ترحم أولادك، كيف ترحم الناس؟! اخرج.
 مرة أرسل والياً أعطاه كتاب تعيين، قال: انطلق إلى عملك، خذ عهدك؛ كتاب التعيين, وانطلق إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك -تجريب فقط، سنة-, وأنك بعدها تصير إلى أربعة خلال, فاختر لنفسك؛ إن وجدناك أميناً ضعيفاً, استبدلناك لضعفك، وسلمتك لمعرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً, استهنا بقوتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجرمين -الضعف والخيانة-, جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أميناً قوياً، زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك.
 من أين استنبط هذا الخليفة الراشد هذه الحقيقة؟ من قوله تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[سورة القصص الآية: 26]

 بلغة العصر: الكفاءة والإخلاص, في عمله كفؤ، وله ولاء لله ورسوله، قد تجد إنساناًُ كفؤاً؛ ولكن لا يوالي الله ورسوله، لذلك هذا يمكن أن يبيع كفاءته لغير أصحابها، إن أردت أن تستخدم إنساناً طبق هذه القاعدة:

﴿اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[سورة القصص الآية: 26]

 القوي يعني كفؤ، والأمين يعني مخلص، وأنتم تجار -أيها الأخوة-, يعني إذا عندك موظف كفؤ وأمين, إياك أن تضيق عليه، هو ثروة لا تقدر بثمن؛ أعطه، أكرمه، اكفه، لأنه حينما تعطي الإنسان أقل من طموحه وأقل من حاجته, لا تضمن ولاءه ولا تضمن بقاءه.

دعاء الختام:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

حديث في غاية الأهمية:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام، فيما رواه الإمام الترمذي في مسنده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال:

((إذا عظمت أمتي الدنيا, نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, حرمت بركة الوحي))

 أيها الأخوة، ربنا جل جلاله في قصة قارون، ذكر هذه الحقيقة، خرج على قومه بزينته:

﴿آَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[سورة القصص الآية: 76]

 لأنه من عرف حقيقة الدنيا؛ لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء.

ما هو الفرح الذي لا يحبه الله, وما هو الفرح الذي أمرنا به؟:

 صديق لي قبل أسبوع عزى أحد أقربائه، قال: دخلت إلى بيت في غربي المالكي, وجدت مساحته سبعمئة متر، وصف لي هذا البيت بشكل لا يصدق, كم اعتنى صاحبه، اعتنى بكسوته؛ أحدث شيء، أجمل شيء، كم اعتنى في أساس البيت؟ قال -وأنا في التعزية-, قلت: أين صاحب البيت؟ من عرفها لم يفرح لرخاء -لأنه مؤقت-, ولم يحزن لشقاء -لأنه مؤقت-, قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي:

﴿آَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[سورة القصص الآية:76]

 يعني: إن الله لا يحب الفرحين بالدنيا، وفي آية أخرى:

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

[سورة يونس الآية: 58]

 افرح بطاعتك لله، افرح أنك تعرف الله، افرح أنك تحمل نفسك على طاعته، افرح أن الله سبحانه وتعالى قدر على يديك أعمالاً صالحة، افرح أن بيتك إسلامي، افرح أن عملك ليس فيه شبهة، افرح أن كسبك حلال، افرح أن لك مجلس علم تحضره، افرح أن عقيدتك صحيحة، افرح أنك تحب الله ورسوله، افرح أنك ربيت أولادك تربية إسلامية:

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

[سورة يونس الآية: 58]

 هذا الذي ينبغي أن تفرح له، لا أن تفرح بمبلغ كبير حصلته بطريقة أو بأخرى, لا تفرح بمنزل كبير زينته وهو مغتصب, لا تفرح بتجارة عريضة بنيت على معصية الله، لا تفرح بزوجة تروق لك لا تطيع الله، لا تفرح بولد يحمل أعلى شهادة, لكنه لا يصلي:

﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[سورة القصص الآية:76]

 ويا أيها الأخوة، في هذه الآية كلمة -ليت المسلم يعرف قيمتها-:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[سورة القصص الآية:77]

فكرة وعبرة:

 أيها الأخوة, قبل شهرين: صديق لي توفي أخوه، ذهبت لتعزيته, أنا في الطريق -التعزية خارج دمشق، في محافظة جنوبية-, قلت: ما قيمة المال إذا ترك الإنسان هذا المال، ولم ينتفع به، وسيحاسب عليه درهماً درهماً, كيف اكتسبته؟ ماذا قال الله عز وجل على لسان قوم قارون؟:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[سورة القصص الآية:77]

متى يكون المال له معنى؟:

 أيها الأخوة, صدقوني: أن المال الذي يزيد عن حاجتك, لا معنى له إلا إذا أنفقته في الحق، إلا إذا وظفته في الحق.
 أحد أخواننا الدعاة، ذهب إلى بلد إسلامي, وبلغه أن أحد كبار الأغنياء تبرع لطلاب العلم بمبلغ بسيط -ثلاثمئة مليون دولار-, قال: أتمنى أن أراه، فدعي إلى طعام الإفطار، وقد حضر هذا الإنسان هذا الطعام، جلس, لم يأت هذا الغني الذي تبرع بهذا المبلغ الضخم، قال: أين فلان؟ قال: لقد جاء قبلك، انظر إليه، يجلس أمامك، قال: لشدة تواضعه لم أصدق أنه هذا الذي دفع هذا المبلغ, قلت: سبحان الله! يعني أحدنا يدفع خمسين ألفاً, يمشي كالطاووس، يسهم في بناء مسجد, يريد رخاماً، المحسن الكبير فلان، يعني:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[سورة القصص الآية:77]

 المال الذي يزيد عن حاجتك لا معنى له، إلا إذا وظفته في الحق؛ إنسان أنشأ دار أيتام، إنسان أنشأ مستشفى، إنسان أنشأ معهداً شرعياً، إنسان ترك مؤلفاً، تعهد طلاب علم، تبنى طلاب علم، تبنى دعاة إلى الله، مسح الدموع عن وجوه الأطفال الصغار، أبواب إنفاق المال لا تعد ولا تحصى، والأغنياء لو ذاقوا طعم الإنفاق, وكيف أن المال يجعلهم في أعلى عليين في الجنة, لما أنفقوا إلا حاجاتهم الأساسية، وأنفقوا أموالهم في سبيل الخير.

ماذا نستنبط من خلال هاتين الآيتين؟ :

 أيها الأخوة, فخرج على قومه بزينته، الآن: قال الذين يريدون الحياة الدنيا:

﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

[سورة القصص الآية: 79]

 قال الذين أوتوا العلم:

﴿ويْلكُم ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[سورة القصص الآية: 80]

 فأنت إذا رأيت بناء جميلاً، سيارة فارهة، صرحاً مشيداً، بستاناً فريداً، مقصفاً جميلاً، مكتباً فخماً، وقلت: هنيئاً لصاحبه, فأنت من أهل الدنيا، أما إذا قلت لإنسان حفظ كتاب الله، وأجرى الله الخير على يديه، تمتع بعلم فريد، بعمل طيب، بسمعة طيبة، له أثر كبير، له أعمال صالحة كبيرة, إذا قلت: هنيئاً لهذا, فأنت من أهل الآخرة، من الذي هو عندك كبير؛ أهل الدنيا، أصحاب الملايين، أصحاب المناصب الرفيعة.
 المؤمن الصادق يعظم أهل الإيمان، ولا يكترث بأهل الدنيا، قال:

((من جلس إلى غني فتضعضع له, ذهب ثلثا دينه))

((إذا عظمت أمتي الدنيا, نزعت منها هيبة الإسلام))

قصة لها مفادها:

 ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لن تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة))

 اثني عشر ألف من قلة؛ مع أن المسلمين اليوم يعدون ملياراً ومئتي مليون.
 أنا ذكرت قبل أسابيع في إحدى الخطب -في الخطبة الثانية-: أن هناك قصة سأتلوها على مسامعكم, ليس لها علاقة إطلاقاً بموضوع الخطبة، ولكن لها علاقة بهذا الكم الكبير من المسلمين، مليار ومئتا مليون، هذه القصة:
 سيدنا الصديق أرسل سيدنا خالداً لفتح بلاد فارس، سيدنا خالد رأى جيش العدو يزيد عن مئة وثلاثين ألفاً، بينما جيشه لا يزيد عن ثلاثين ألفاً، فطلب من الخليفة الصديق أن يمده بجيش، ليواجه به جيش الفرس، سيدنا الصديق أرسل له واحداً, واحداً بيديه, اسمه: القعقاع بن عمرو، فلما دخل على سيدنا خالد, قال: أين النجدة؟ -ينتظر خمسين ألفاً، ينتظر ثلاثين ألفاً، ينتظر عشرة آلاف, هو رجل واحد-, قال: أنت!؟ قال: أنا النجدة، خذ هذا الكتاب, فض الكتاب, قرأ ما فيه:
 من عبد الله أبي بكر الصديق، إلى سيف الإسلام خالد بن الوليد: أحمد الله إليك, لعلك تعجب أني أرسلت لك القعقاع بن عمرو نجدة لك، فو الله الذي لا إله إلا هو، إن جيشاً فيه القعقاع بن عمرو لا يهزمه أحد.
 واحد، واحد، نحن الآن مليار ومئتا مليون؛ وليست كلمتنا هي العليا، وليست مقدراتنا في يدنا، وللكفار علينا ألف سبيل وسبيل:

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾

[سورة النساء الآية:141]

 أما الواقع: لهم علينا ألف سبيل وسبيل، ورأيتم ما جرى في الخليل قبل أيام؛ ماذا رسموا؟ وماذا كتبوا؟ وماذا صوروا؟ هذا من ضعف إيماننا، هذا لأننا عظمنا أهل الدنيا:

((إذا عظمت أمتي الدنيا, نزعت منها هيبة الإسلام))

هذه سيرة عمر بن الخطاب:

 سيدنا عمر جاء إلى المقدس, وهو خليفة المسلمين -يعني مظهره عادي- معه غلام، ومعه دابة، يركب عمر مرة، والغلام مرة، ويريحا الدابة مرة، فلنا وصل إلى مشارف القدس, استقبله الوالي، قال له: يا أمير المؤمنين، هذا لا يليق.
 قال: الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
 طبعاً: جاء رسول قيصر ليرى عمر بن الخطاب، سأل عنه، لم يجده في دار الخلافة, قال: انظر لعله في ظاهر المدينة، ذهب إليه, فإذا هو متوسد عباءته، وقد استلقى على الأرض، غاب في نوم عميق، وقال هذا الرسول كلمة، قال: عدلت، فأمنت، فنمت.
 سيدنا عمر جاءته كنوز كسرى وضعت أمامه، لم يتراءى الرجلان, يقف الرجل أمام هذا الكنز, لا يرى الذي في الطرف الآخر، لأنه جبل من الذهب، سيدنا عمر قال: سبحان الله! ما أعظم أمانة هؤلاء الذين أدوه إلينا، إنهم لأمناء! أجابه علي بن أبي طالب، قال: يا أمير المؤمنين، لقد عففت فعفوا، ولو وقعت لوقعوا.

متى تنزع هيبة الإسلام في قلوب أعدائه؟:

((إذا عظمت أمتي الدنيا, نزعت منها هيبة الإسلام.

 -يعني: الإسلام له هيبة.
 قال عليه الصلاة والسلام:

((نصرت بالرعب مسيرة شهر))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]

 أمته حينما تركت سنته, هزمت بالرعب مسيرة سنة، حينما:

((عظمت أمتي الدنيا, نزعت منها هيبة الإسلام))

 حينما كان عليه الصلاة والسلام وأصحابه على ما يرضي الله, نصروا بالرعب مسيرة شهر، أما حينما تركت أمته أمر دينها, هزمت بالرعب مسيرة سنة، وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي.
هذه المجاملة بيننا، نسكت على الخطأ، نمدح الخطأ، نتقرب إلى بعضنا بعضاً، بالثناء على الأخطاء, الإنسان الغني محترم جداً، لا يصلي, لا يوجد مانع، لا يوجد مشكلة، زوجته متفلتة, لا يوجد مشكلة، يشرب في المناسبات, لا يوجد مشكلة, فحينما نعظم أهل الدنيا, نزعت منا هيبة الإسلام.

متى تنزع بركة الوحي من هذه الأمة؟:

 قال-

: وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, حرمت بركة الوحي))

 إذا تركت الأمر بالمعروف, وهذه الفريضة السادسة، والله عز وجل جعل ربع النجاة بالتواصي بالحق.
 الآن: تجد العم تأتيه بنات أخيه بشكل فاضح, لا يتكلم ولا كلمة؛ يرحب بهن، ويثني عليهن، ويكرمهن, وهن متفلتات من منهج الله, وكان من الممكن أن يقول كلمة: هذه الثياب لا تجوز.
 الإنسان إذا ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حرم بركة الوحي، فما كل مجاملة مقبولة؛ جامل في الدنيا، أما في الآخرة لا تجامل.
 مرة -لعلي ذكرت لكم هذه القصة- سائق تاكسي, جاءه شاب وشابة إلى الشام, يركبان معه إلى الشام، من بيروت إلى الشام، جلسا في المقعد الأخير، قالا: انتظر حتى تأتي محفظة, يأتي متاعنا, فانتظرا قليلاً، هذا الذي سيأتي بالمتاع تأخر، ثم جاء متأخراً, أعطى هذا الشاب المتاع، هذا الشاب أمسك بيده, وضرب هذا الرجل الكبير في السن على رأسه، قال له: لماذا تأخرت إلى هذا الوقت؟ السائق لم ينتبه، قاد المركبة ومشي، في الطريق سمع امرأته تقول للشاب -زوجها-: لم ضربت أباك؟! وقف السائق, قال له: هذا أبوك, هيا انزلا, وقال: أخشى أن نصاب بحادث.
 هذا السائق البسيط: أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر, لو كان كل منا لا يسمح لإنسان أن يتجاوز حده, يقف إنسان في مركبة عامة؛ يسب الدين بشكل يندى له الجبين، كل الناس لا ينطقون، لا يوجد مشكلة.
 حينما ندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تنزع منا بركة الوحي.

ما خيرية هذه الأمة, ومتى تفقد هذه الخيرية؟:

 أيها الأخوة, أما لما الإنسان يحاول أن يتحدى، وأن يعصي الله جهاراً، ويجد أناساً كثيرين يقاطعونه، وينصحونه، ويشددون عليه؛ تجد الباطل ضاق؛ أما كلما إنسان ارتكب معصية؛ هناك من يثني عليه، كلما ترك فريضة, هناك من يثني عليه، لذلك الباطل يتوسع و الحق يتضاءل، لذلك: عد العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة السادسة، فبركة الوحي تتأتى من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لذلك قال تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[سورة آل عمران الآية:110]

 هذه الخيرية علتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقدنا هذه الخيرية، وعندئذ ليس لنا أية ميزة على الإطلاق.

ما المقصود بأمتي (الدعوة والاستجابة)؟:

 أيها الأخوة, قال العلماء: هناك أمة الدعوة وأمة الاستجابة, قال تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[سورة الأنفال الآية:24]

 الذين استجابوا وأطاعوا الله عز وجل؛ هم أمة الاستجابة، والذين لم يستجيبوا هم أمة الدعوة، وأمة الدعوة لا شأن لها عند الله إطلاقاً، لذلك تجد أن أعداء الإسلام كثيرون جداً.

لا تعتب:

 حدثني خطيب من أوجه خطباء دمشق، قال لي: أنا سافرت إلى ألبانيا -يبدو أنها بلده-, وخطب في أكبر مساجدها، وقال لي: آلاف مؤلفة, أنا أتكلم وهم يبكون، وفي جيب كل منهم قارورة عرق, يشربون في أثناء الخطبة ويبكون، فإذا كان شعوب بأكملها تشرب الخمر، وتأكل لحم الخنزير، وتأكل الربا، فإذا أراد الله أن يؤدبهم؛ أنعتب عليه؟! هناك تقصير....

جهل فاحش:

 حدثني أخ كريم, ذهب إلى موسكو في عهد الاتحاد السوفييتي سابقاً, فالتقى برجل في جمعية تعاونية، لما علم أنه مسلم, بكى بكاء مراً، وأراد أن يكرمه, فاشترى له زجاجة فودكا.
 هناك جهل كبير، الجهل كبير جداً؛ ففي جهل، في معاصي، في موبقات، في مال حرام، في زنا، في شرب خمر، في تجارات محرمة.

((إذا عظمت أمتي الدنيا؛ نزعت منها هيبة الإسلام، وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حرمت بركة الوحي))

 هذا الحديث يجب أن يبقى ماثلاً أمامنا:

((إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها))

[أخرجه الترمذي في سننه]

مقولة لعلي بن أبي طالب:

 سيدنا علي -رضي الله عنه- يقول: قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه, فإذا ضيع العامل علمه، استنكف الجاهل أن يتعلم -العالم إن لم يطبق علمه, استنكف الجاهل أن يتعلم، يقول لك: أنا أحسن منه، هو دارس لكنه غير مستقيم، أنا مستقيم، لست بحاجة لأن أتعلم-, وإذا بخل الغني بماله, باع الفقير آخرته بدنيا غيره، عندئذ يبيع نفسه للشيطان.

نهاية المطاف:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS