16780
خطب الأعياد 05 - خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1413هـ - 1993م : خ1 - أداء العبادات المغلوطة فرغها من مضمونها ، خ2 - فضل الأضحية وشروطها والمستحب فيها.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-05-31
بسم الله الرحمن الرحيم

 الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا،الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكلي، إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة الكرام، الأعياد في الإسلام لها مفهوم خاص، ليس كمفهوم الأعياد عن غير المسلمين، المرء المسلم يفرح بالعيد لا لأنه يلبس الجديد، ولا أنه يأكل الثريد، ولكن حينما ينال المسلم من رضاء الله عز وجل ما يريد فهذا هو فرحه الحقيقي، قال تعالى:

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

[ سورة يونس الآية: 58].

 قل لي ما يفرحك أقل لك من أنت، هل تفرحوا لرضوان الله عز وجل، هل تفرحوا بطاعته، هل تفرحوا أن الله سبحانه وتعالى قدر على يديك فعل الخيرات، هل تفرحوا أن الله سبحانه وتعالى سمح لك أن تنطق عنه، أن تتحدث عنه، هل عرفت الله عز وجل، هل أنت ملتزم أمره ونهييه،

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

حقيقة فرحة العيد هي في العودة إلى الله، هي في الصلح معه، هي في التوبة إليه، هي الإنابة إليه، هي في الإقبال عليه.
 يا أيها الإخوة الأكرم، الأعياد عند المسلمين تأتي عقب عبادات كبرى، عيد الفطر السعيد يأتي عقب عبادة الصيام، وفي الصيام يرقى الإنسان إلى مستوى التقوى، يرقى الإنسان إلى مستوى أن يخشى الله سبحانه وتعالى، وألا تأخذه في الله لومة لائم، لذلك قال تعالى منوهاً بالعيد الذي يأتي عقب شهر الصيام:

﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة].

 هذه فرحة العيد، وفي عيد الأضحى المبارك يؤدي الحاج المستطيع فريضة الحج، وما الحج؟ إنه رحلة إلى الله عز وجل، رحلة إلى الله خالصة، الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة فرض على المسلمين حج بيته الحرام، اتخذ بيتاً، جعل للناس بيتاً في الأرض، مراعاةً للنزعة المادية في الإنسان، ليمكن المؤمن به ليعبر عن حبه، وعن شوقه بإتيانه بيته الحرام:

﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحج].

 تارك أهله، وماله، وولده، وعمله، وكل شيء ابتغاء مرضاة الله رب العالمين، فإذا صح الحج وقبله الله عز وجل وغفر له ذنوبه التي بينه وبينه، التي بين الله وبين العبد، عاد من الحج كيوم ولدته أمه، لذلك حق له أن يفرح عقب فريضة الحج بهذا العيد العظيم عيد الأضحى المبارك.
أيها الإخوة الأكرم، قال بعض العلماء: إن في قلب الإنسان شعثاً لا يلمه إلا الإقبال على الله، في ضياع، يشعر أي إنسان بضياع ما لم يقبل على الله عز وجل، لو أن الدنيا كلها بين يده، لو أنه بلغ أعلى درجات القوة، لو أن الدنيا كلها جمعها بين أصبعيه، يشعر بالشعث، بالضياع، بالتفرق ما لم يقبل على الله عز وجل، وفي قلب الرجل وحشة لا يزيلها إلا الإنس بالله.

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد].

 إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، في قلب الإنسان وحشة لا يؤنسه، ولا يزيلها إلا الأنس بالله عز وجل، ماذا يفعل المال؟ وماذا يفعل الجاه؟ وماذا تفعل القوة؟ وماذا تفعل كثرة الأهل والولد؟ إن لم يأنس قلبك بذكر الله.

(( إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد وجلاؤها الاستغفار ـ وذكر الله ومن والاه ـ ))

[أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك].

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

 وفي القلب أيها الإخوة حزنٌ، لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه]

 في قلب الإنسان شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، في قلب الإنسان وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، في قلب الإنسان حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله، وفي قلب الإنسان قلق لا يسكنه إلا الاجتماع على الله و الفرار إليه، أليس القلق مرض العصر؟ أعرض الإنسان عن ربه فابتلي بالقلق، توقع المجهول، توقع الخطر، أنت من خوف الفقر في فقر، أنت من خوف المرض في مرض، القلق يأكل القلوب، الخوف من المستقبل، الخوف من المجهول، وكأن الله سبحانه وتعالى لا علاقة له بما يجري، أما إذا فهمت الأمور على نحو توحيدي، على نحو بحيث ترى يد الله عز وجل فوق أيديهم، وأن يد الله تعمل في الخفاء، وأن كل خطة جهنمية وضعها أعداء الإسلام تستوعبها خطة الله عز وجل، ولا يسمح بتنفيذ بعض أجزائها إلا بعلمه، وبحكمته، عندئذٍ يسكن القلق، ويذهب الحزن، وتذهب الوحشة.
أيها الإخوة الأكارم، وفي قلب الإنسان نيران حسرات لا يطفئها حسرة في قلب كل معرض، هذه الحسرة لا يطفئها إلا الرضا بأمر الله ونهيه، وإلا الرضا بقضاء الله وقدره، وإلا الصبر على أمره التكليفي وعلى أمره التكويني حتى لقاءه.
يا أيها الإخوة الأكارم، وفي قلب الإنسان فاقه، أي فقر، ليس الفقير هو الذي لا يملك لكن الفقير هو الذي يشعر أنه لا يملك، في قلب الإنسان فاقة لا يسدها إلا محبة الله عز وجل، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب]

 الفوز العظيم في طاعة الله، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون].

 آيات كثيرة تطمئن المؤمن.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت]

 ألم يقل الله عز وجل:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه]

 ألم يقل الله عز وجل:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بعد هذه الميزات.
 أيها الإخوة الأكارم، أما إذا أقبل الإنسان على الدنيا، وأعرض عن ذكر ربه، وامتلئ قلبه بالحسرات، وامتلئ قلبه بالهم، وشعر بالفقر، وأحس بالوحشة، وأحس بالضياع، هذه فطرة الإنسان، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

[ سورة الروم الآية: 30]

 أقم وجهك، كن مع الله دائماً، وكلما شعرت بالزيغ عد إليه، وتب إليه وأنب إليه

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

 أن تقيم وجهك للدين ترتاح نفسك، يطمئن قلبك، تسكن جوارحك هذه فطرة الله هذه:

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم الآية: 30]

 طبيعة النفس لا ترتاح إلا بطاعة الله، لا تطمئن إلا بتطمين الله عز وجل، لا تشعر بالأمن إلا إذا آوت إليه، لا تشعر بالثقة إلا إذا اتكلت عليه، لا تشعر بالفرح إلا إذا أطاعته، ما منا واحد أيها الإخوة إلا ويبحث عن السعادة، ويبحث عن السلامة قبل السعادة، وسلامته، وسعادته في معرفة ربه وفي طاعته لربه، وفي الإقبال عليه، وفي التقرب إليه.
قبل قليل كنا نكبر، الله أكبر، الله أكبر.
يا أيها الإخوة الأكارم، كلمة خفيفة على اللسان، لكنها ثقيلة في الميزان، لو قال أحدنا الله أكبر مئة ألف مرة، وأطاع مخلوقاً وعصا ربه تأكدوا أنه ما قالها ولا مرة ولو لفظها بلسانه ألف مرة.
 هذه الكلمات العظيمة التي هي شعار المسلمين قالها أصحاب النبي عليهم رضوان الله قالوها صادقين، قالوها متحققين، قالوها مخلصين، فدانت لهم الأرض من أقصاها إلى أقصاها واليوم يرددها مليار ومائتا ألف مسلم في هذا في صبيحة هذا اليوم، وليست كلمتهم هي العليا، ما السر في ذلك، السر أن هذه الكلمة تعني أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، الله أكبر فإذا أطعت غير الله لسانك يقول الله أكبر ولكن السلوك لا يؤكد هذه الحقيقة، لماذا أطعت زيداً وعصيت خالقك؟ لأنك رأيته أكبر من الله، رأيت طاعته أثمن من طاعة الله، هذا الذي وقع فيه المسلمون.
 أيها الإخوة الأكارم، في العيد من السنة أن يزور بعضنا بعضاً، النبي عليه الصلاة والسلام ذكر حديثاً عن ربه، قال تعالى:

((وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ ـ والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة ـ))

[أخرجه مالك عن معاذ بن جبل]

 لا ينبغي في العيد أيها الإخوة أن تكون الشحناء، وأن تكون البغضاء، وأن يكون التقاطع، وأن يكون التدبر، وأن تكون القطيعة، ففي العيد ينبغي أن نتحقق جميعاً من قول الله عز وجل:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 10]

 إنما تفيد القصر والحصر، فما لم يشعر المؤمن بأخوته للمؤمن ولاسيما في هذه الأيام المباركة فليس مؤمن

اً ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

 وإن كان بين المؤمنين شائبة، وإن كان بين المؤمنين خلاف قال تعالى:

﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة الحجرات[.

 يا أيها الإخوة الأكارم، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 الشرط:

﴿ يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور الآية: 55]

 يا أيها الإخوة، هذه الآية الكريمة توضح لنا سر ما يجري:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ ﴾

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء].

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة الآية: 111 ]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

 قد تتوضح هذه الآية بالحديث القدسي:

(( لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحر َـ ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبو ذر الغفاري]

 يا أيها الإخوة الأكارم، ليس حل ما نحن فيه بالبكاء، ولا بالعويل، ولا بالشكوى، ولا بالألم، ولا بالحزن، إنما الحل في الصلح مع الله، إنما الحل بطاعة الله.

((كلُّكم راع، وكلُّكم مسؤول عن رعِيَّته))

[أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر]

 لا تنسوا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

((اللهم هذا قَسْمي فيما أملك. فلا تَلُمني فيما تَملك ولا أَملك))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين]

 يا أيها المسلم، ماذا تملك؟ تملك بيتك، تملك أولادك، تملك زوجتك، تملك بناتك، تملك دكانك، تملك عملك، الله سبحانه وتعالى لا يحاسب الإنسان إلا فيما يملك.

((وكلُّكم مسؤول عن رعِيَّته))

 فرعيتك بيتك، فإذا انكفأ كل منا إلى بيته ليجعله بيتاً مسلماً، واتجه إلى عمله ليجعل من عمله طاعة لله عز وجل، إذا فعل كل منا أنه أصلح بيته، وأصلح عمله، هذا فيما يملك، ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى يسألك عما لا تملك تملك، وفيما لا تملك، هذا الذي تملكه.
فيا أيها الإخوة الأكارم، لا ينبغي للمسلم أن يختصر الإسلام إلى صوم، وصلاة وحج، وزكاة، وأن يكون بيعه غير شرعي، وأن يكون بيته غير مسلم، الإسلام كلٌ لا يتجزأ بعض أوامره تعاملية، وما لم يصح تعاملك مع الخلق وفق منهج الله عز وجل لن تصح عبادتك.

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام ))

((إن فلانة ذكر من كثرة صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال عليه الصلاة والسلام هي في النار ))

[أخرجه البزار عن أبو هريرة]

((دَخَلت امْرَأةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ: ربطتها، فلم تُطْعِمها، ولم تَدَعْها تأْكُل مِن خَشاشِ الأرض))

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر]

((رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش))

[أخرجه الحاكم عن أبو هريرة]

((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس]

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة]

 الصلاة لا تجدي، والصيام لا يجدي، والحج لا يجدي، والإنفاق لا يجدي، إذا كان الإنسان متلبس بالمعصية.

(( يا ابن آدم كن لي كما تريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإن سلمت لي بما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد))

[ ورد في الأثر]

 أيها الإخوة الأكارم، العيد مناسبة لزيارة الأقارب، لصلة الرحم، للإحسان للفقراء والمساكين، للأعمال الصالحة الطيبة، لمزيد من ذكر الله عز وجل، لمزيد من العمل الصالح، العيد عودة إلى الله عز وجل وفرح بهذه العودة، ليس العيد من لبس الجديد، وأكل الثريد، ولكن حينما تنال من رضوان الله ما تريد.
 أيها الإخوة الأكارم، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الله سبحانه وتعالى منّ علينا بأن عشنا وأدركنا هذا العيد، فليسأل كلٌ منكم نفسه ربما لا أصل إلى العيد الآخر، لا بد من الصلح مع الله، لا بد من التوبة، لا بد من مراجعة العمل.
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
* * *
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا.
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلي و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الأكارم، كلكم يعلم علم اليقين أن الإنسان مجموعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.

(( ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ))

 أيها الإخوة الأكارم، مثل الإنسان في هذه الحياة الدنيا كمثل إنسان معه رأس مال شتان بين أن ينفق من رأس ماله، وبين أن ينفق من ريع ماله، فإذا أنفق من رأس ماله فهو في خسارة ولو بدا في بحبوحة إنه ينفق رأس ماله، فإذا انتهى رأس ماله انتهى مع رأس ماله، لكن الذي يستثمر ماله، وينفق من ريع ماله هذا ليس في خسارة، بل في ربح متنامين، فيا أيها الأخ الكريم ما رأس مالك، رأس مالك الوقت، رأس مالك حياتك، رأس مالك الزمن، فأنت إما أن تنفقه إنفاقاً استهلاكياً تستهلك الزمن فإذا أنقدت المدة التي قررها الله عز وجل لهذا الإنسان انتهى الإنسان، انفق ما يملك وصار صفر اليدين، إذا استهلكت هذا الوقت في طاعة الله، وفي العمل الصالح، وفي معرفة الله، وفي الإنفاق في سبيل لله، إنك الآن تسعد في ريع مالك، أو في ريع رأس مالك، الذي هو الوقت، أو الذي هو عمرك، وهذا هو معنى قول الله عز وجل، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر]

 بقي موضوع آخر وأخير في هذه الخطبة خطبة عيد الأضحى المبارك، يقول عليه الصلاة والسلام:

((من وجد سعة فلم يذبح فلا يقربن مصلانا ))

[أخرجه الحاكم عن أبو هريرة]

 فكلما غلا اللحم كان أجر الأضحية أعظم، هناك من يسأل: أيهما أفضل أُنفق ثمن هذه الأضحية أم أن أضحي؟ أجمع العلماء على أن الأضحية أكثر ثواباً من إنفاق ثمنها، لأنك إن أفقت ثمنها ربما سد الفقير ديناً عليه، وبقي أولاده جياعاً، لذلك:

((من وجد سعة فلم يذبح فلا يقربن مصلانا ))

 الأضحية في الحكم الشرعي واجبة على كل مسلم حر، وعلى المقيم الموسر وحكمتها التوسيع على العيال والأقارب، وفقراء المسلمين، ووقت وجوبها أيام التشريق الثلاثة من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس ثالث يوم من أيام العيد، ولا يجوز النحر قبل الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم:

((من ذبح قبل الصلاة فليعد ذبحه ))

 والأضحية كما قلت قبل قليل: أفضل من التصدق بثمنها، وتجوز الأضحية من الغنم من ضأن، أو ماعز، والإبل، أو البقر، وبالغنم، يشترط أن يكون أتم السنة، ولا تصح التضحية بالعمياء، ولا العوراء، ولا العجفاء، ولا العرجاء، ويستحب في الأضحية أسمنها، وأحسنها، لقوله صلى الله عليه وسلم:

((عظموا ضحاياكم، فإنها على الصراط مطاياكم ))

 والأضحية هدية العبد إلى ربه، وقربة إليه فليحسن أحدكم الهدية إلى ربه، فكان صلى الله عليه وسلم يضحي بالكبش الأبيض الأقرن، ويستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، وأن يهدي منها أقرباءه، وأصدقاءه، وجيرانه، وأن يتصدق بثلثها أو أكثر، لقوله تعالى:

﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾

[ سورة الحج الآية: 36]

 ولا يجوز أن يبيع جلدها، ويستحسن أن يحضر صاحب الأضحية الذبح فإن استطاع أو أن يذبح بيده.

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الحج الآية: 37]

أيها الإخوة الأكارم:
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، واقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك.
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين، والمقيمين والمرابطين، في برك وبحرك من أمة محمد أجمعين، اللهم اجعل حجهم مبرورا، وسعيهم مشكورا، وذنبهم مغفورا، يا رب العالمين.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS