21740
قسم الحديث الشريف - شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (10-31): مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-11-15
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

أيّ مؤمن صحّ إيمانه وعمله فهو ولي من أولياء الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام، أخرج الإمام البخاري في صحيحه:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ))

[البخاري عن أبي هريرة]

أيها الأخوة، حينما يفكر الإنسان أن يطفئ نور الله يكون أحمقاً، لو رأيت رجلاً يتجه إلى الشمس وينفخ بفمه حتى يطفئها تحكم بخلل في عقله، إن البشر جميعاً لو اجتمعوا لا يستطيعون إطفاء ضوء الشمس، فكيف يستطيع إنسان أن يطفئ نور الله عز وجل؟ ! فالحق كالجبل الشامخ، لو أن أهل الأرض جميعاً ائتمروا على هذا الدين لا يستطيعون، يتحدثون ويتوعدون كثيراً، لا لأنهم أقوياء هم أضعف خلق الله، بل لأنه دين الله، وأنت أيها المسلم لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، والله سبحانه وتعالى يمكن أن ينصره بأعدائه دون أن يشعر، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً لهذا الدين، جندياً للحق وخادماً لهذا الدين:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

توضيح المعنى: لماذا تتردد في أن تضرب شرطياً؟ لأن الدولة كلها وراءه! أنت لا تعتدي على إنسان عادي بل على من يمثل سلطة، لو وسعت المعنى وعاديت ولياً لله، وتعريف الولي في القرآن:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس: 62-63 ]

فأي مؤمن صحّ إيمانه وعمله فهو ولي من أولياء الله.

أشقى إنسان هو من يعادي أولياء الله لأن الله سينتقم منه أشد الانتقام :

قبل أن تفكر أن تعتدي على ولي، أو على مؤمن، عدواناً بلسانك، أو بيدك، أو بحيلة، أو بإغراء، أو بضغط، عد للمليون لأن الله معك، هذا المعنى مقتبس من قوله تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم: 4]

أيعقل من أجل امرأتين أن يكون الرد:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾

[ سورة التحريم: 4]

قال علماء التفسير: معنى الآية: أنك إذا أردت أن تكون في خندق معاد للحق فاعلم من هو الطرف الآخر، في منطق العصر القطب القوي سفيره مُعظّم، مُبجل، محترم لدرجة لا تصدق ! نحن حينما نتقي أن ننال السفير بأذى لا لأنه إنسان مصارع بل لأن دولته قوية جداً، للتقريب:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

ومن حاربه الله قصمه، أحياناً بخثرة في الدماغ تنتهي حياته، يتمنى أقرب الناس إليه أن يموت، نقطة دم لا تزيد عن رأس دبوس تتجمد في أحد أوعية المخ فيشل الإنسان، ويفقد نطقه، وبعض حواسه، فتصبح حياته جحيماً، مليون باب من أبواب أن تغدو حياة الإنسان جحيماً، وأنت في قبضة الله:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

أتصور أن أشقى إنسان على وجه الأرض هو الذي يعادي أولياء الله، لأن الله ينتقم منه أشد الانتقام.

يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً :

أذكر قصة وقعت: إنسان له دعوة إلى الله -أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً- يركب مركبته، مسّ مركبة أخرى، فأحدث فيها أضراراً طفيفة جداً، والرجل ورع فكتب هاتفه على ورقة و أنه سيتحمل إصلاح هذه المركبة بلغت ما بلغت، والخلل طفيف جداً، هو يكتب الورقة ليضعها في السيارة فجاء صاحب السيارة، ولا يليق في هذا المجلس أن أذكر ماذا فعل هذا السفيه مع هذا الإنسان الذي مس مركبته عن غير قصد، وتعهد له بإصلاحها، لم يدع كلمة سوقية إلا وقد وصفه بها أمام الناس، الرجل صبر، ثم افترق، في اليوم التالي عنده مزرعة في منطقة جميلة جداً حول دمشق، وقد دعا أصدقاءه لهذه المزرعة، أحدهم تأخر فاتصل به على الهاتف المحمول فإذا هو قد ضلّ الطريق، قال له: أنا سآتي إليك إلى المكان الفلاني، في هذا المكان صار حادث سير أصيب صاحبه بانقطاع في عاموده الفقري وشل فوراً، وقد أصبح قعيد الفراش وهو في مقتبل العمر، و كان المصاب هو نفسه من وبخه في ليلة أمس:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

ومن حاربته فقد قصمته، عد للمليار قبل أن تعتدي على مؤمن، والإنسان مادام معافى من سفك دم المؤمن فهو بخير، يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، لأن الذي يقتل مؤمناً جزاؤه جهنم يخلد فيها لأبد الآبدين! هؤلاء الذين يقتلون المؤمنين وكأنهم في نزهة هؤلاء أمامهم يوم عسير، لذلك:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ .... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

أعبد الناس من أدى الذي افترضه الله عليه :

قبل أن تبحث عن النوافل أدِّ الفرائض، أدِّ الذي افترضه الله عليك تكن عبداً لله عز وجل متفوقاً، أدِّ الذي افترضه الله عليك تكن أعبد الناس، قبل أن تخوض في النوافل هل أديت الفرائض؟ قبل أن تختلف في أن التراويح ثماني ركعات أم عشرين ركعة هل أديت ما عليك؟ الفرض ألا تختصم مع إخوانك المؤمنين، الفرض وحدة، ولم شمل المسلمين، والمودة بينهم، قبل أن تجعل من بعض القضايا الجزئية مشكلة تعادي بها من تعادي وتسالم بها من تسالم، أدِّ الفريضة وهي وحدة المسلمين.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 10]

((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ .... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس، إن للنفس إقبالاً وإدباراً، فإن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت – فترت - فاحملها على الفرائض، ولو أنك صليت الخمس وما زدت شيئاً، وصمت رمضان، وحججت بيت الله الحرام، وأديت زكاة مالك، دخلت الجنة.
أدِّ الذي افترضه الله عليك تكن أعبد الناس:

((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

من أحبه الله فهو أسعد الناس :

الفرائض كالضرائب تؤدى، والمواطن لا يشكر على أداء الضريبة، أما إذا تبرع لبناء مدرسة أو لمستوصف فيقام له حفل تكريمي، هذا تبرع، فالفرائض كالضرائب لابد من أن تؤدى، أما النوافل فهي التي ترقى بها، الناس لا يفكرون أبداً بإنفاق المال إلا على أنه زكاة، لا يفكرون أبداً بإنفاق المال على وجه الصدقة:

((... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ .... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

إذا أحبك الله فأنت أسعد الخلق قاطبة، للتقريب: لو أن إنساناً يملك تسعين ملياراً وكنت أنت لا تملك شروى نقير والله يحبك فأنت أسعد منه:

((... وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

بصلوات نافلة، بصوم نافل، بصدقة، بخدمة، بطاعة، بتلاوة كتاب، بنصح مسلم، بدعوة إليه، بأمر بمعروف وبنهي عن منكر.

المؤمن لا يستمع ولا يصغي إلا إلى الحق ولا يقبل الكلام الباطل الكاذب :

((...وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

صار هناك نور في سمعه، فلا يقبل من خلال أذنه إلا ما كان حقاً، قصة غير صحيحة أو غير مؤدبة، أو فكرة غير متوافقة مع كتاب الله، كلام بلا دليل، صار عنده مصفاة، كأن نوراً في أذنه، يسمع بنور الله:

((...كُنْتُ سَمْعَهُ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

كل ما يتلقاه عن طريق أذنه يقيّم بالكتاب والسنة، فما خالفه رفضه، صار عنده مقياس، النور هو المقياس، مثلاً: لو تلي عليك نص وأنت لا تعرف من اللغة شيئاً هل تكشف الأخطاء؟ أما لو كنت متمرساً باللغة قد تكشف عشرين خطأ في صفحة واحدة، فكأن العلم نور، كشفت الأخطاء بعلمك، وحينما يكون في سمعك نور، أو حينما يكون الله سمعك، تسمع بنور الله، لا يمكن أن تقبل مقولة إلا إذا كانت متوافقة مع الكتاب والسنة، صار معك ميزان:

((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ))

لا يرى الدنيا فيفتن بها، كان عليه الصلاة والسلام يقول:

((لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ))

[البخاري عن أنس بن مالك]

يرى بيتاً جميلاً، مركبة فارهة، تذوب نفسه ويشعر بالحرمان ويقول: إنه ذو حظ عظيم، أما المؤمن فيشعر أنه وصل لقمة العطاء حينما يقبل الله إيمانه، ويقبل عمله.

المؤمن لا يتحرك إلا وفق منهج الله :

((... فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

لا يتحرك بيده إلا وفق منهج الله، يعطي لله، ويمنع لله، يدفع لله، يربت على كتف أخ لله، حركة اليد وفق منهج الله بنور الله:

((...وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ... ))

[البخاري عن أبي هريرة]

ويتحرك إلى عمله، وإلى بيت الله، وللإصلاح بين أخوين، لا إلى ملهى، ولا إلى مكان غاص بالحسناوات، ليملأ عينه منهن، ويتحرك برجله إلى طاعات الله عز وجل، انطلق من بيته إلى المجلس، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد الآية: 19 ]

فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ.

(( الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))

[أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

(( وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ...))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

((عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ فَقُلْتُ ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ فَقَالَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ..... ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

حركته في سبيل الله، وحركة يده في سبيل الله، وسمعه وبصره بنور الله:

((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا...))

[البخاري عن أبي هريرة]

لا يعظم أهل الدنيا إلا من كان قلبه غافلاً عن الله :

حدثني أخ على الهاتف أنه خطب فتاة، واستشار واحداً من الناس له صفة معينة، أشار عليه بفتاة سافرة متفلتة، وصرفه عن فتاة محجبة حافظة لكتاب الله، وصدقه قال: هذا يعلم الغيب هكذا قال لي! قلت له: أنت مسلم؟ يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة النمل : 65]

آية ملء السماوات والأرض يقول عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾

[ سورة الأعراف: 188]

والله عجبت كيف أنه قانع أن هذا الإنسان استشار أحدهم في زواج إحدى فتاتين، الأولى سافرة متفلتة، والثانية محجبة وحافظة لكتاب الله، أشار عليه بالسافرة، قال: هذه الدينة تتعبك كثيراً، قال: هو يعلم الغيب، وذكر لي قصصاً عن نصحه لفلان وفلان، هذا ليس في سمعه نور بل في سمعه شيطان:

(( كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

ينظر، دخلت إلى بيت يفوق حدّ الخيال، وتعلم أن صاحبه مهرب مخدرات، هل تعظمه؟ وتقول: ما شاء الله ما هذه الأذواق؟ ! ترى بنور الله، قد ترى إنساناً في بيت متواضع صغير خشن لكنه مطيع لله تعظمه، وقد تحتقر إنساناً، دخله حرام، يعيش في رفاه وقد يفوق حدّ الخيال، أنت لا ترى بعينك بل بقيم الدين وبنور الله، لذلك لا يعظم أهل الدنيا إلا من كان قلبه غافلاً عن الله، أنت لا تعظم أهل الدنيا بل تعظم أهل الحق.

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

على الإنسان أن يرى بنور الله :

والله حدثني إنسان زرت مكتبه، لا يصدق ما في مكتبه من بذخ كثير، قال لي: أنا عملي اسمه العمل القذر! وفي اليوم التالي زرت أخاً لإصلاح مركبتي في أيام الشتاء المطيرة، وكان منبطحاً تحت المركبة حيث الوحل والطين، وأصلحها بإتقان بالغ، وأخذ أجرة معقولة، فقلت في نفسي: هذا عمله نظيف، ينبغي أن ترى بنور الله، لو رأيت بمقاييس العصر لا تعظم إلا الأغنياء والأقوياء، وتحتقر الفقراء، مع أن الفقراء لهم دولة يوم القيامة:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

((...وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّه...))

[البخاري عن أبي هريرة]

الابن المهذب ماذا يسأل والده؟ يسأله أن يشتري كتاباً، أو آلة حاسبة، أو أداة نافعة، أما لو ابن اشترى سكيناً ليذبح أخاه الثاني فمتى يجيب الله عبده؟ حينما ينضج:

((... وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ....))

[البخاري عن أبي هريرة]

دققوا في رحمة الله؛ الله لا يتردد، لكن يقرب لك معنى محبته لك:

(( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

الإنسان يحب الحياة ويكره الموت، وقد يختار الله عز وجل لعبده أن يحيا حياة في جنة عرضها السموات والأرض:

((...يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة]

كنت مرة في بلد إسلامي وقرأت عن أحد الصالحين ألّف كتاباً عن حرمة تقليد الأجانب، فلما منع في هذا البلد ارتداء العمامة والثياب الإسلامية، كان من يفعل ذلك يودع في السجن، وجد كتاب لهذا العالم الجليل في حرمة تقليد الأجانب فأودع في السجن، يروي من كان معه في السجن أنه عكف على كتابة مذكرة من ثمانين صفحة لأيام عديدة، في أحد الأيام استيقظ أمسك بهذه الأوراق ومزقها، وكان في حالة من السرور لا توصف! سئل لماذا فعلت هذا؟ قال: رأيت رسول الله في المنام وقال: لي أنت غداً ضيفنا، غداً أعدموه:

(( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

لذلك في القرآن الكريم:

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ﴾

[ سورة يس: 26-27]

بل إن المؤمن إذا مات وبكى أهله عليه يعذبونه، لأنه يلومهم على هذا البكاء، فهو في أعلى درجات النعيم، لماذا تبكون عليه؟ ابكوا على أنفسكم.

الطريق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

أيها الأخوة: حينما تتقرب إلى الله بالنوافل، بالطاعات، بخدمة عباد الله الصادقين، وتتقرب إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بإنفاق مالك وخبرتك، وبخدمة الفقراء والمساكين، وبطلب العلم، وتعليم العلم، أبواب الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى.
الطريق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، أنت حينما تتقرب إلى الله بالنوافل يحبك الله، فإذا أحبك الله سمعت ونظرت بنوره، وتصرفت بيدك بنوره، وتحركت بنوره، وإذا استعذت به أعاذك، وإن سألته أعطاك، ثم يحبك أن ترتاح من عناء الدنيا:

((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ فَقَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ))

[مسلم عن أبي قتادة بن ربعي]

أحرق الأشجار، وقتل الأبقار، وردم الآبار، وبقر بطون النساء، استراحت منه البلاد، والجماد، والعباد، والإنسان، والشجر، والدواب، كتلة شر:

((...وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS