6959
العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (23-36) مقومات التكليف : الشهوة -9- شهوة المال -3- المال في الإسلام -1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-02-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة تذكيرية:

 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، وكنا في دروس سابقة في فقرة الشهوات، وبدأنا بشهوة المال، والله عز وجل يقول:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )

1 ـ كل شهوة لها قناة نظيفة تسري مِن خلالها:

 وذكرنا في دروس سابقة أنه ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، معنى ذلك أنه ليس في الإسلام حرمان.

2 ـ الشهوة حيادية:

 بل الشهوة حيادية، تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين أو دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين.

3 ـ المال قوام الحياة:

 وبيّنا سابقاً أن المال قوام الحياة، وأنه محبب إلى النفس، وأن إنفاقه من أعظم القرب على الله عز وجل، وأن هذا المال يمكن أن يكون سبباً لسلامة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة.
ولكن بينت أيضاً أن هذا المال مع أنه قوة كبيرة بيد المؤمن، والذي يملك المال أمامه خيارات لا تعد ولا تحصى للعمل الصالح، وأن هذا المال له طريق مشروع، وطريق غير مشروع.

4 ـ الحلال منفعة مشتركة بين الناس:

 ثم وصلنا إلى أن أية منفعة متبادلة بين شرائح المجتمع وأفراد المجتمع هي الحلال منفعة مشتركة، وأن كل منفعة بنيت على مضرة هي الحرام، هذا كلام جامع مانع: المنفعة إذا بنيت على مضرة فهذا المال حرام، ولكن قد ينتبه إلى أن أحد أكبر أسباب السلامة والسعادة والتوفيق أن يكون طعامك حلالا، معنى الطعام الحلال أي أن الطعام اشتريته بمال حلال، ومعنى المال الحلال أن هذا المال كسبته من طريق مشروع.
أخطر شيء في حياتك مالك:

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

5 ـ الدين في معترك الحياة:

 هذا ينقلنا إلى أن الدين ليس في المسجد، في المسجد تأتي لتلقي تعليمات الصانع، كهذا الدرس، وفي المسجد تصلي فتقبض ثمن طاعتك له، تماماً كمندوب مبيعات يأتي إلى مركز الشركة الساعة الثامنة صباحاً يتلقى التعليمات من المدير العام، ويذهب، ويبيع، ويعود معه الغلة، فيأخذ المكافأة، حينما تتوهم أن الدين مقصور على المسجد فأنت في وهم كبير، الدين في عيادتك أيها الطبيب، والدين في مكتبك الهندسي أيها المهندس، والدين في قاعة صفك أيها المعلم، والدين في دكانك أيها البقال، والدين في حقلك أيها المزارع، الدين في عملك، أما المسجد فتتلقى فيه التعليمات، وتقبض الثمن، فلذلك تركُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام.
 حينما فهم المسلمون الدين على أنه عبادات شعائرية فكأنهم فرغوه من مضمونه، تجد ملايين مملينة، مليارا وخمسمئة مليون لا وزن لهم عند الله، الأَلْفُ منهم كأفٍّ، بينما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عليهم رضوان الله الواحد كألْفٍ، هل يعقل أن سيدنا خالد يستنجد بسيدنا أبي بكر احتاج إلى خمسين ألف جندي مدد لمعركة طاحنة حاسمة سيدنا خالدًا معه ثلاثون ألفًا، والجيش الذي يواجهه ثلاثمئة ألف، فأرسل له المدد، أرسل له القعقاع بن عمرو، قال له: << أين المدد يا قعقاع ؟ قال له: أنا المدد، قال له: أنت ؟ قال له: أنا >>، معه كتاب، قرأ الكتاب، يقول سيدنا أبو بكر: << فو الذي بعث محمد بالحق، إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم >>، وانتصروا، لكن الآن ترى ملايين مملينة، أممًا، دولة فيها مئتان وخمسون مليونًا لا وزن لها عند الله، وهناك شعوب تملك ثروات، لكن أمرهم ليس إليهم بأسهم بينهم، فقراء، نحن مضطهدون، لماذا ؟

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 أنا أحاول في هذا اللقاء الطيب أن أضع يدي على أخطر ما في الدين، أن يكون كسبك حلالاً، أن يكون عملك مشروعاً، وكسبك حلالاً، عندئذ تكون مستجاب الدعوة.
والله أيها الإخوة، هناك معلومات ومشاعر لا يتاح لي أن أعبر عنها كلها، لكن ما مِِن إنسان مستقيم يكسب المال الحلال إلا ويوفَّق.
 هناك قصة أرويها كثيراً، لأخ من إخواننا العاديين قدم طلبَ إجازةٍ لرئيسه في الدائرة، إجازة ستة أيام، مديره في العمل عصبي المزاج، انفجر عليه، قال له: ما مِن وقت الآن لإجازتك، قال: هذه إجازة قد استهلكتها، قال: كيف استهلكتها ؟ قال: أنا أصلي في المسجد كل يوم، أصلي الظهر في المسجد، جمعت هذه الأوقات فكان مجموعها ستة أيام، وحتى يكون دخلي حلالاً أريد أن توافق لي على إجازة استهلكتها، الجامع إلى جانب الدائرة جامع الطاووسية وهناك درس لي كل يوم فيه، يقول لي: هذا المدير صعق، قال: والله لا أصدق أن يدخل في حياته إلى مسجد، قال له: أنت أين جامعك ؟ فقال له، قال لي: والله يا أستاذ رأيته مع الحضور في الدرس القادم، فما الذي دفع هذا المدير العام أن يأتي إلى هذا المسجد ؟ الاستقامة.
أيها الإخوة الكرام، أنت حينما تستقيم تفعل المستحيل.
 والد أحد إخواننا توفي ـ رحمه الله ـ سافر إلى ألمانية لدورة تدريبية، وقدّم أفكارا رائعة جداً، بني على هذه الأفكار إجراء تعديلات في المحركات، وكلفوا أن يطلع على معمل آخر، أعطوه مبلغا من المال ليغطي نفقات السفر، فسافر، وأقام بفندق، وأكل وزاد معه ضعفي ما أنفق، فرد التتمة، قال له المدير العام: أنا ما سمعت في حياتي إنسانا يأخذ تعويضَ سفر ثم يُرجِع البقية، قال: هذا حقك.

6 ـ ليس في التعامل اليومي ما يؤكِّد إسلامَنا حقيقة:

 أحضر لي رجلاً مستقيمًا بلباس مدني، بثياب عادية، ليس له مظهر صارخ إسلامي، وهو مستقيم، وخذ نصرًا من الله عز وجل، لكننا نصلي ونأكل أموال بعضنا، نصلي ونغش المسلمين، نصلي ونبيع الشيء المحرم، نصلي ونخفي العيب عند البيع، وهناك ألف معصية في البيع والشراء، لا ترى المسلم بسلوكه اليومي ما يؤكد إيمانه بالآخرة، وإيمانه بيوم القيامة وبالحساب الدقيق.
 حينما أخصص دروسا عديدة للمال أنا أضع يدي على الجرح، الدين ليس في المسجد، الدين أيها الفلاح ألاّ تستخدم هرمونا مسرطنًا، كهرمون يعطي الفاكهة حجمًا كبيرًا وصفات فيزيائية عالية، فيتضاعف ربحك، لكنه مسرطن، وممنوع استخدامه في العالم، ويأتي تهريباً، ولا يأتي استيراداً، فصلاته وصيامه وحجه ألغاها حينما استخدم هذا الهرمون.
 هناك معمل مواد غذائية يضيف مادة مسرطنة تعطي الإنتاج لونا فاتحا، ويرتفع السعر، لا يهمه صحة المسلمين، يهمه حققا ربحا كبيرا، وهو يصلي في أول صف، ما شاء الله على هذا الدرس، يا أستاذ ما هذا ؟ الله يجزيك الخير، لكن هل ينفعك عند الله أن تثني على هذا الدرس ؟ لا والله.
ذكروا لي إنسانًا يبيع أقراصًا إباحية، ويصلي الظهر في الجامع، هؤلاء الشباب الذين أفسدتهم حطمت أُسَرًا كاملة.
 أيها الإخوة الكرام، عندنا علة كبيرة جداً، وعندنا خلل خطير جداً في حياتنا، ألاَ تعجب ـ إن صح التعبير مِن تخلِّي الله عنا ؟ هان أمر الله عليهم فهُنّا على الله، لا تفهم أن الدين صلاة، الدين صلاة، لكنها صلاة أساسها الاستقامة:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (45)﴾

( سورة العنكبوت)

 لا تفهم الدين ذهابا إلى الحج:

(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))

[ ورد في الأثر ]

 لا تفهم الدين طقوسا وحركات وسكنات وتمتمات، لا، الدين ليس كذلك، الدين أن يجدك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، الدين معاملة.
 حدثني أخ قال: أنا حرفتي لفّ المحركات، قال لي: في الجاهلية قبل أن أصطلح مع الله يأتي المحرك في حالات نادرة فيه شريط خارجي مقطوع، أوصله في ثانية، والأجرة خمسة آلاف ليرة، يأتي صاحب السيارة، أشغّل المحرك له، يعجبه، آخذ منه خمسة آلاف ليرة، والعملية كلفتني عشر دقائق، قال: بعد أن اصطلحت مع الله، وتبت إليه يقول له: ثمن التصليح خمسًا وعشرين ليرة، إذا ما تعجّب الآخر صدمة باستقامتك فلن تكون مؤمنًا، لكننا نتساهل في أكل المال الحرام، نتساهل في غش المسلمين، نكتم العيوب عن المشتري، نغش في المواد في أثناء بيعها، هناك معاصٍ في البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، وهي منتشرة بشكل واسع جداً، والذين يفعلون هذا يتوهمون أنهم على حق، يصلي، واعتمر ثلاثة وأربعين مرة، ما شاء الله، لو تعتمر مليون عمرة، لو تحج كل سنة، لو تصلي كل يوم مئة ركعة، ما لم تستقم على أمر الله فلا تنفعك هذه العبادات.
 أنا أضع يدي على جرح المسلمين، دينك في بيتك، في البيت معصية، وتجاوز، خروج ابنتك ليس بمظهر إسلامي، لمَ فيه تفلت ؟ ابنتك من صلبك، أنت القيم عليها، أنت وليُّها، أنت المنفق عليها، زوجتك هل علاقتها مع الجيران صحيحة ؟ إسلامية ؟ هل عملك مشروع ؟ هل عندك بضاعة محرمة تبيعها ؟ يقول لك أحدُهم: نحن مضطرّون إليها، والطلب عليها كثير، هذه مشكلة، إذا فرقت بين العبادات والمعاملات، وقلت: هذه وحدها، وهذه وحدها، فلا تفقه من الدين شيئاً، ومرة ثانية: تركُ دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام.
 أكدت هذا كثيراً حتى تعتقد أنك بأي مظهر الله يقبلك، بمظهر إسلامي صارخ، بمظهر مدني، أي مظهر يقبلك الله، لكن الشرط أن تستقيم على أمره، والفيصل في الدين الاستقامة، وما لم تستقم على أمر الله فلا تقطف من الدين شيئاً، والمظاهر الإسلامية سهلة، فماذا يكلفك أن تظهر بمظهر إسلامي صارخ.
 واللهِ هناك مسبح مختلط، هل هناك من معصية أكبر من هذا ؟ ثم يقيم مولدًا في شهر المولد، يدعو أناسا فيتكلمون عن رسول الله، هذا المسبح المختلط لا علاقة له بدينك، كيف تتوازن ؟ هذه مشكلة المسلمين، لذلك المال تسأل عنه مرتين: مرة من أين اكتسبته ؟ ومرة فيم أنفقته ؟

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 والله التقيت مع إنسان في العيد عمره ستٌّ وتسعون سنة، والد صديقي، جلس معي، وحدثني فقال: أجرينا البارحة تحليلا كاملا للدم والبول، فلم يظهر شيء غير طبيعي، كل التحليل طبيعي، قال: والله بكل عمري ما أكلت قرشًا حراما، ولا أعرف الحرام، حرام النساء، مَن عاش تقياً عاش قوياً.

7 ـ أيها الشباب لا تقلقوا على الرزق:

 أيها الإخوة الكرام، أخاطب الشباب، لا تقلق، الله موجود، الله عز وجل فوق الظروف، تقول لي: هناك ظروف صعبة، وضغوط، وحصار، والمكاسب قليلة، وفرص العمل نادرة، الله في كتابه الكريم قال:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية: 97 )

 الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه:

(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه ]

 مع الإيمان لا ألم، ولا حزن، ولا يأس، ولا إحباط، أمرك بيد الله، وما سلّمك الله إلى أحد، قال تعالى:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ َاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية: 123 )

 ريح الجنة في الشباب، اتق الله يجعل الله لك مخرجاً، وترزق من حيث لا تحتسب، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾

( سورة الطلاق )

 والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لكفت.

المال الحلال منفعة متبادلة متداولة:

 أيها الإخوة، المال الحلال منفعة متبادلة، المال الحرام منفعة بنيت على مضرة، أنت ربحت، لكنك قدمت بضاعة سيئة، وأخذت ربحا، أو أن السعر لبضاعة جيدة، وقدمت بضاعة سيئة، فكأنك سرقته، الآن هذه الكتلة النقدية التي بين أيدي الناس مجتمع فيه عشرون مليونا بين أيدي الناس، هذه بالتعبير الاقتصادي كتلة نقدية، بين أيدي الناس مال، مجموع المال الذي بين أيدي الناس الله عز وجل ما أمْره مع هذا المال ؟ المال الذي بين أيدي الناس، والكتلة النقدية التي عند الناس الشرع الإلهي، والوحي الرباني كيف أرادها أن تكون ؟ أرادها الله أن تكون متداولة بين كل طبقات المجتمع.

﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم﴾

 الوضع الصحي الطبيعي المشروع الذي يرضي الله أن تكون هذه الكتلة متداولة، ما الدليل ؟ قال تعالى:

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ (7) ﴾

( سورة الحشر)

 في المجتمعات المتخلفة غنى فاحش، وبضاعة جميلة جداً، وغالية جداً، وهذه البضاعة الجميلة والغالية بأموالٍ طائلة، ومن الممكن لإنسان أن يقيمَ عرسًا في فندق ذي خمس نجوم بخمسة وثمانين مليونًا، وهناك مئة ألف شاب ليس عند الواحد منهم إمكانية أن يتزوج في غرفة واحدة في رأس الجبل، الوضع الصحي الطبيعي، والذي يرضي الله أن تكون هذه الكتلة النقدية التي بين أيدي الناس متداولة، بأيدي كل الناس، يعني كل واحد في عنده بيت وكل واحد بإمكانه أن يعالج ابنه بمستشفى، بإمكانه أن يشتري لأولاده ثياب بإمكانه أن يقدم لأولاده حاجاتهم الأساسية، حينما يكون هذا المال متداولاً هذا يكون سبب رضوان الله علينا، أما حينما تجد أكبر كتلة نقدية بأيدي قلة قليلة والأكثرية محرومة من هذا النقد هذه حالة مرضية هذا لا يرضي الله.

ما الذي يجعل هذا المال متداولاً ؟ وما الذي يجعل هذا المال غير متداول ؟

 جعل هذا المال متداولاً ؟ وما الذي يجعل هذا المال غير متداول ؟ الكسب المشروع آليته أن يجعل الكتلة النقدية متداولة بين الناس.
 الفكرة دقيقة، تريد أن تكون تاجراً، و أنت شاب معك اختصاص إدارة أعمال، درست دراسة جامعية، أنت في مقتبل الحياة، وهناك إنسان متقاعد جمع مالا في حياته من حلال، لكن في هذا السن لا يتاح له أن يستثمره، جاءك وقدّم لك هذا المال، وأنت قدمت له الخبرة، فتحت مشروعا، منه المال، ومنك الخبرة، إذاً: المنفعة متبادلة، هو انتفع بخبرتك، وأنت انتفعت بماله.
 نحتاج إلى محل تجاري، الذي هيأ البناء عنده محلات تجارية، أنت أربحته، واشتريت منه، المحل يحتاج إلى كسوة، تحتاج إلى مئتي حرفة في خدمة البناء الآن، تحتاج إلى بلاط، إلى دهان، إلى تمديدات صحية، كهربائية، لوحة، خط، تزيينات، دون أن تشعر دفعت مبالغ كبيرة جداً حتى هيأتَ هذا المكان، فأنت شغلت مئتي مصلحة، المحل بدأ العمل، أنت بحاجة إلى موظفين، بحاجة إلى مستودعات، بحاجة إلى سيارة، بحاجة إلى دفتر فواتير، بحاجة إلى مطبعة، دون أن تشعر تحرّك ألف مصلحة وألف حرفة، فأنت ربحك، شئت أم أبيت، ووزعت الربح بينك وبين هؤلاء الذين قدموا لك مواد، أو خبرات، أو خدمات مقابل أجر، فالعجلة دارت، فحينما تلد الأعمال المال يغدو المال متداولاً بين كل الشرائح، هذا منهج الله، أن تلد الأعمالُ المال.

(( إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ]

 التاجر الصدوق مع النبيين، فلا بد أن تكون تاجراً مستقيماً مسلماً مؤمناً طاهراً الأعمال البضاعة جيدة صالحة بسعر معتدل، هذا عمل يرضي الله، التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة، ولأنه يمكن التاجر أن يكون أكبر داعية لا بلسانه، لكن بمعاملته، ودون أن تشعر تشتري حاجة متقنةً بسعر معتدل، فتدعو له: الله يبارك له، الله يوفقه، ممتازة، تقول هذا من أعماق أعماقك، وتثني على هذا التاجر، لأنه قدم لك بضاعة جيدة بسعر معتدل.
متى تكون هذه الأموال متداولة بين كل الشرائح ؟ حينما نسمح للأعمال فقط أن تلد الأموال.
 يا ترى بشكل نظري، مصرف إسلامي يقبل الإيداعات، عمل مشاريع ضخمة، أسّس مشروعا زراعيا ضخما، مشروعا صناعيا ضخما، موّل هذه المشاريع من أموال المودعين، وهذه المشاريع وضعت أرباحها كلها في سلة واحدة، وزعت هذه الأرباح وفق رؤوس الأموال، هذا المصرف بهذه الطريقة إسلامي مئة بالمئة، لأنه اعتمد على المضاربة، تلقى إيداعات، ووظفها في الأعمال الكبيرة التجارية والصناعية والزراعية، ووزّع الأموال بينه وبين المودعين.
كل منفعة متبادلة بين الناس هذا دخل مشروع، أما كل منفعة بنيت على مضرة فمحرّمة.
 لعبة ( يا نصيب ) قد يربح الرجل منها خمسين مليونًا، والبقية دفعوا، وما ربحوا، هذه مضرة، المنفعة بنيت على مضرة، تركوا الناس كلهم يتعلقون بالجائزة الأولى، مثلاً، فأيّ مال يُبنى عليه مضرة، فيه شبهة كبيرة، أو فيه حرمة صارخة، أو حرمة ماحقة، أو شبهة كبيرة، عندئذ لا يبارك الله في هذه الأموال، وإذا لم يبارك بها أتلفها، حتى في المال معنى دقيق جداً، يجري بالنية، فمَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، أخذ مالا استثمارا، ونوى أن يربح، صاحب المال هذه النية التي يعلمها الله منه أحد أسباب التوفيق، أما إذا أخذ مالا كبيرا، وقال: هذا غني، ما أردّ له شيئًا، ثم أكذب عليه، أقول له: ما ربحنا، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها، المنطق: أتلفها الله، وأتلفه الله.
 هناك قوانين دقيقة، أيها الإخوة، قوانين دقيقة جداً تحكم هذه الحياة، الله موجود بأدق الدقائق، المنفعة التي تبنى على مضرة حرام، وأوضح شيء السرقة، أوضح منفعة تبنى على مضرة السرقة، ثاني أوضح منفعة تبنى على مضرة الغش، مصدر البضاعة دولة عظمى متفوقة بهذه البضاعة، وهذا المصدر مزور، أنت اشتريت البضاعة من دولة متخلفة جداً، لكن كتبت عليها: ( صنعت في ألمانية )، هذا غش، فالغش أحد أسباب أن تجتمع الأموال في أيدي قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، فأنت بهذا عكست الحكمة الإلهية من أن تكون هذه الأموال متداولة بين الناس.
 أيها الإخوة، هذا درس في الأصول درس في الكليات، فيه تفاصيل كثيرة جداً، الغش أنواع منوعة، غش بالوزن، غش بالحجم، غش بالنوعية، في المصدر، في التسليم، والله هناك ألوان للغش لا تعد ولا تحصى في حياتنا، يغش المسلمين وهو مرتاح، وكل سنة يذهب إلى العمرة، ويصلي في الجامع، تدخل إلى محله تجد قد علق على الحائط:

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

 تدخل إلى بيته تجد آية الكرسي معلٌّقة، وفي سيارته مصحف، وليس فيه استقامة، لا أعرف كيف تقيّمون كلامي.

الاستقامة في المعاملات أصلٌ في صحة العبادات:

 أنا أعتقد أنه إذا لم توجد استقامة فقد ألغيت صيامك وصلاتك وحجك وزكاتك، مِن أين جئت بهذا ؟ السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قولوا لفلان: إنه ألغى جهاده مع رسول الله.
 من أجل عمولة عالية تنصح إنسانا بشيء مؤذٍ في مثل هذا، ففي العمل الجراحي ( استاندات ) للقلب، مثل ( الراصور ) يوضع للشرايين، هناك ( استاند ) احتمال النكسة فيه عشرون بالمئة، معه عمولة عشرة آلاف، وفي استاند احتمال النكسة فيه ثلاثة بالمئة، لكن بلا عمولة، لما يختار إنسان الذي فيه عمولة عالية، وفيه خطر على صاحبه، سامحوني بهذه الكلمة فقد ألغى صلاته كلها وصيامه وحجه وزكاته، لأنه بنى منفعته على خطر حياة إنسان، هذا مثلٌ، وهناك آلاف الأمثلة بل ملايين الأمثلة.
 المحامي مثلاً يعلم علم اليقين أن هذه الدعوى خاسرة، وهناك اجتهاد لمحكمة النقض تمنع أن يكون الحكم لصالح هذا الموكل، لكن القضية طويلة تحتاج إلى عشر سنوات، يقول: القضية ناجحة، أنا مسؤول عنها، كل فترة نريد دفعة، سحب منه ثمانمئة ألف خلال عشر سنوات، ومن السهل جداً في النهاية أن تخلص منه، يقول: القاضي ما كان منصفًا، ماذا أفعل لك ؟ الله عز وجل يعرف أنك كذبت عليه، لذلك المال الحرام يذهب من حيث أتى، يذهب ويأخذ معه صاحبه، فترى مصادرات، واحتراق معامل أحياناً، وإتلاف المال وراءه حكمة بالغة، الله عز وجل غني عن تعذيبنا:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾

( سورة النساء)

 أيها الإخوة، أنا أرى أن قضية المال من أخطر موضوعات الدين، أنا أريد مسلمًا دخله حلال، هذا الدخل القليل يبارك الله له فيه، فقد ترى الدخل محدودا، وصاحبه مرتاح، ما عنده مشكلة، الله حفظ له صحته وصحة أولاده وزوجته، وسمعته طيبة، وعنده اعتدال في الصرف، يشتري بضاعة من مصدرها بسعر معتدل، وينفقها باعتدال، يقول لك: الحمد لله، نحن ما فهمنا ما هي البركة، البركة أن الشيء القليل يبارك الله فيه، والشيء الكثير قد يتلفه الله عز وجل،

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

 الشيء الأول في الدين أن يكون الدخل مشروعاً، اشتريت سيارة جديدة لها لوحة استثنائية، إلى أن ترسم أوقفه شرطي، قال له: هذه اللوحة لا تسمح لك أن تركب معك أحدًا، السائق فقط، ركب معه زوجته وأولاده، قال له: أنا ذاهب لأصلي التراويح، تحب أن أدعو لك ؟ هكذا قال له، ليس الموضوع أن تدعو لي، هذه مخالفة، فأعطاه مبلغا من المال، قال له: انظر إلى يدي، أنا أعمل في البلوك، أنا تبت إلى الله من أي قرش حرام، نحتاج إلى مثل هذا الشرطي، الرجل صاحب معمل ألبسة، تأثر تماما من هذه الاستقامة، شاء أم أبى، هيأ له ألبسة لكل أهله في العيد، قال له الشرطي: أنا أعمل بعد الظهر في معمل بلوك حتى أؤمّن رزقي الحلال، والله كبير، لما تخاف منه يعطيك ويرفع رأسك ويكرمك، فقط خف منه.

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أقول لك: المؤمن ما موقفه ؟ يركل بقدمه الملايين من حرام، ويقبَل ألف ليرة في الحلال، هذا فيه بركة، يشتري طعاما يقوي جسمه ويأكله بهناء، والله يبارك فيه، لذلك جعل الله الحلال صعباً في البداية، وجعل الله الحرام سهلاً.
قد تعمل امرأةٌ فقيرة زوجها مريض ثماني ساعات في بيت، وتأخذ خمسمئة ليرة، وامرأة أخرى تأخذ هذا المبلغ في خمس دقائق، حلال صعب والحرام سهل، فإذا اخترت الحلال الصعب يأتيك الحلال السهل بعد.
 أيها الإخوة، والله أتمنى أن نفهم الدين على حقيقته، صاحب دين يعني أن الناس لا يصدقون استقامتك، ولا يصدقون عفافك، لا يصدقون نصحك إلا إذا كنت مستقيما في التعامل معهم، هذا هو الدين، أما إذا كان فيك غش واحتيال وخداع وتدليس وكذب واحتكار واستغلال فقد سقطتَ من عين الله ومن أعين الناس، و لئن يسقط الإنسانُ من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عين الله.
 أيها الأخوة الكرام، لازلنا في موضوع المال، الدين استقامة، إذا ألغيت الاستقامة ألغي الدين، ألغيت كل ثمار الدين، الدين راحة نفسية، الدين توازن، الدين أمن وسعادة، وثقة بالله، الدين جرأة وعزة وكرامة ووضوح، الدين مؤمن مستقيم.
أنا أريد بهذا الدرس مع التوفيق الإلهي إن شاء الله أن نعقل جميعاً، وأنا معكم أن الدين سلوك وأن، الدين التزام.
 النبي عليه الصلاة والسلام أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر، أغروه بحلي نسائهم كرشوة، فقال: << جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم >>، فقالت اليهود: " بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا ".

الكون من بديعِ صنعِ الله تعالى:

1 ـ التفكر في خلق السماوات والأرض:

 أيها الإخوة الكرام، ننتقل إلى الموضوع الآخر، هناك طريقة من طرق التفكير يمكن أن تقدم لك أدلة كبيرة جداً على عظمة الله، هذا الكون، كلمة كون تعبير معاصر يقابله في القرآن السماوات والأرض:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

( سورة آل عمران )

2 ـ ما هو الكون ؟

 يعني الكون، والكون ما سوى الله، هو أجرام سماوية، كلمة أجرام ما تعني ؟ تعني كواكب ونجوما، الكوكب منطفئ كالأرض، والنجوم مشتعلة كالشمس.

3 ـ ماذا لو كان الكون كله كواكب ؟

 الآن دقق لو أن الكون كله كواكب هل تكون فيه حياة ؟ لا حياة عندئذ، الكون حرارته صفر مطلق، أو مئتان وسبعون تحت الصفر، بهذه الدرجة تتوقف حركة الذرات، لو أن الكون كله ملتهب لم تكن هناك حياة، الشمس حرارتها عشرون مليون درجة في مركزها، مَن صمم أن الكون كواكب ونجوم ؟ الله عز وجل، هناك حكمة، وبالتعبير الفلسفي عقل، أول تصميم هذا الكون كواكب ونجوم.

4 ـ ماذا لو كان الكون سكونيًا غير متحرك ؟

 سؤال آخر: لو أن الكون سكوني غير متحرك، فيه كواكب ونجوم بحسب قانون الجاذبية الكتلة الأكبر تجذب الأصغر، فالمحصلة يجب أن يكون الكون كله كتلة واحدة، عندنا مليون مَليون مجرة، والله هناك رقم بثلاثة آلاف مليون، المجرات كلها، وكل مجرة فيها مليون مَليون كوكب ونجم، يمكن أن يكون الكون كله كتلة واحدة، ما الذي يمنع أن يكون كتلة واحدة ؟ الحركة، الحركة لها قانون، وفي أثناء الحركة الدائرية تنشأ قوة نابذة، وببساطة بالغة الغسالة حينما تجفف الثياب عن طريق الدوران السريع، في الدوران قوة نابذة طاردة، ترى الماء خرج، فالحركة فيها قوة نابذة، والقوة النابذة تكافئ القوة الجاذبة.
 هناك الكون والأرض والقمر والمريخ والمشتري والشمس والمجرة ونجم قطب، والمرأة المسلسلة، لولا هذه الحركة لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، هذا تصميم من ؟ حكمة مَن ؟ الله عز وجل.

5 ـ تفاوت درجة انصهار عناصر الكون:

 الآن أنا جالس على مقعد وثير، أمامي طاولة من خشب قاسية، وأمامي كأس ماء سائل، وهناك هواء أتنفسه، مَن صمم هذا الغاز والسائل والصلب في آن واحد ؟ الله عز وجل، كيف أن درجة انصهار كل عنصر خاصة، ففي الدرجة مئة الحديد صلب، أما بدرجة ألفين فالحديد يصبح سائلا، في ثلاثة آلاف صخر البازلت يصبح سائلا، وبدرجة واحدة تجد صلبا، ومَن صمم أن درجة انصهار العناصر متفاوتة ؟ ولولا تفاوت درجة انصهار العناصر لكان الكون من طبيعة واحدة، الكون إن كان غازا فقط فالحياة فيه مستحيلة، أو كان سائلا فقط، أو صلبا فقط، لكن عندنا غازات، وسوائل، وطعام، وعندك ماء، وعندك أشياء صلبة، الحديد صلب، فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وهناك أشياء جميلة، وأشياء طرية، وأشياء قاسية، مَن قنّن أن درجة انصهار المواد متفاوتة، إذاً: في الكون تنوّعٌ كبير جداً.

6 ـ الحكمة الربانية في دوران الأرض:

 دققوا، هذه الشمس وهذه الأرض، لو أن الأرض تدور هكذا، والشمس هنا، بالتعبير الرياضي بمحور موازٍ لمستوى دورانها حول الشمس، وإذا كان دوران الأرض حول ذاتها بمحور موازٍ لمستوى دورانها معنى ذلك أن الأرض فيها نهار أبدي وليل أبدي، الشمس هنا تدور هكذا، هنا نهار، وهنا ليل، في الليل مئتان وسبعون درجة تحت الصفر، وفي النهار ثلاثمئة وخمسون درجة فوق الصفر، فلو أن الأرض دارت حول نفسها بمحور موازي لمستوى دورانها لانتهت الحياة.
 لو أنها دارت على محور متعامد مع مستوى دورانها هكذا، الشمس هنا، ما الذي يحصل ؟ إلغاء الفصول، الأرض هكذا، الشمس هنا، الأشعة هنا عمودية، إذاً فصل الصيف أبدي، هنا مائلة، الشتاء أبدي، نحن عندنا صيف وشتاء وربيع وخريف، كيف يكون هذا ؟ الأرض تدور على محور مائل، هي هنا الآن، هنا أشعة عمودية في قسمها الجنوبي، الآن في أسترالية صيف، فإذا دارت هكذا صار كانت هكذا الأشعة هنا عمودية، في الجنوب صيف، فإذا ذهبت إلى هنا صارت هنا عمودية، يكون في الشمال صيف، لولا ميل المحور لما كان تبدل الفصول.

7 ـ كيف لو كانت الأرضُ بحجم الشمس:

 ولو أن الأرض بحجم الشمس، لو فرضنا وزن الشمس مئة ضعف عن وزن الأرض، الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، إذا قلنا: مئة ضعف فأنت وزنك في الأرض ثمانون، في الشمس وزنك كم ؟ ضرب مئة، ثماني أطنان، مَن جعل حجم الأرض يتناسب مع وزن معتدل ؟ ومَن جعل دورة الأرض حول محور حول ذاتها أربعًا وعشرين ساعة ؟ أنت طاقتك في العمل ثماني ساعات، ترى الناس جميعاً نائمون في الليل، أما لو كانت الدورة سنة، ستة أشهر ليل دائم، وستة أشهر نهار دائم، تستيقظ وتنام، وتستيقظ وتنام، صارت الحياة فوضى، ولم يصبح الليل سكنًا، وما لا النهار معاشًا، مَن صمم دورة الأرض حول ذاتها أربعا وعشرين ساعة ؟ ومَن صمم دورتها حول الشمس سنة، لو أنها تدور حول الشمس بيوم فعندك أربع ساعات صيف، وأربع ساعات شتاء، أربع ساعات ربيع، وأربع ساعات خريف، فكّر في الشيء وفي خلاف ما هو عليه تكشف الحقيقة.

8 ـ إذًا تفكّرْ في الكون:

 أيها الإخوة، التفكر في خلق السماوات والأرض أرقى عبادة، لأن هذه العبادة تضعك أمام عظمة الله.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

( سورة آل عمران )

والحمد لله رب العالمين