3949
الخطبة الإذاعية (06) : خ1 - الأمانـة ، خ2 - مقتضيات الأمانة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1987-12-11
بسم الله الرحمن الرحيم

استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وشرع الإسلام وجعل له منهجاً، وأعز أركانه على من غالبه، فجعله أمناً لمن علقه وسلماً لمن دخله، وبرهاناً لمن تكلم به، وشاهداً لمن خاصم عنه، ونوراً لمن استضاء به، وفهماً لمن عقل، ولباً لمن تدبر، وآيةً لمن توسم وتبصرةً لمن عزم، وعبرةً لمن اتعظ، ونجاةً لمن صدَّق، وثقةً لمن توكل، وراحةً لمن فوض، وجنَّةً لمن صبر.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كل عزيز غيره ذليل وكل قوي غيره ضعيف، وكل مالك غيره مملوك.
 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة ونصح الأمة، ومحا الظلمة.
 سيدي يا رسول الله:

الحق أنت وأنت إشراق الهدى  ولك الكتاب الخالد الصفحات
من يقصد الدنيا بغيرك يلقها  تيها من الأهوال والظلمات
* * *

 اللهم صلي، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، الهداة المهديين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، نجوم الهدى، ومصابيح الرشاد.
 يقول أحد هؤلاء الأصحاب، إنه الأمام علي رضي الله عنه: « قوام الدين والدنــيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيّع العالِمُ علمَه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره ».
 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

الأمانة:

1 ـ السماوات والأرض والجبال يرفضن حمل الأمانة:

 الأمانة أشفقت مِن حملها السماوات والأرض والجبال، وأبين أن يحملنها، وقال الإنسان: أنا لها، وحملها، فهل كان بحملها ظلوماً جهولاً ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب ]

 أياً كان معنى الأمانة فهي شيء عظيم، وخطير، ومصيري، بدليل أن السماوات والأرض والجبال أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، والإنسان من خلال موقفه منها إما أن يرقى إلى أعلى عليين، أو يهوي إلى أسفل سافلين، موقفه من الأمانة سيحدد ما إذا كان مؤمناً، أو مشركاً، أو منافقاً.

2 ـ مفهوم الأمانة :

 على الرغم من أن المسلم قد يفهم الأمانة بادئ ذي بدء اسماً لشيء يودع عند الآخرين ، ليحتفظوا به ، ويحفظوه ، ثم ليردوه إلى من أودعه بالتمام والكمال ، ويفهمها أيضاً صفة طيبة لمن يؤدي الأمانات إلى أهلها على الوجه الصحيح .
 على الرغم من أن عامة الناس يفهمونها فهماً محدوداً، فإن للأمانة مفاهيم واسعةً، وعميقةً، ومتعددة، فهي أحد الفروع الخُلقية لحب الحق وإيثاره، وهي ضد الخيانة، وهي عفة عن المحارم، وعفة عن المطامع، من دون أن يكون المرء الأمين مداناً عند الناس، هي أداء طوعي للحقوق والواجبات، وحفظ لكل ما استؤمن عليه الإنسان، هذا من جانب الإنسان.
 أما من جانب الواحد الديان فهي سؤال، وحساب، وإدانة، وجزاء لكل ما أوكل أمره للإنسان، وقد أعطي الإمكانات والقدرات الكافية ليصح التكليف، وأعطي الإرادة الحرة لتحقيقه.
 روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه ]

3 ـ الأمانة هي التكليف :

 والآن ما الأمانة بمفهومها الخطير والمصيري؟.. إنها التكليف.. فالإنسان حينما قَبِلَ حمل الأمانة قبلِ أن تكون نفسُه التي بين جنبيه أمانةً عنده ليعرفها بربها، فأصل الدين معرفته، وليطهرها من أدرانها فالله يحب المتطهرين، وليزكيها بالكمال الإنساني، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس ]

 كل هذا من أجل أن يكون إيمانها، وعملها الصالح مؤهلاً لها لدخول الجنة التي أعدَّت لها، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

مقومات التكليف:

 ولكن الله عز وجل حين كلف الإنسان حمل الأمانة منحه مقومات هذا التكليف، فسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، تسخير تعريف وتكريم ليؤمن به ويشكره.
 ومنحه بعد ذلك العقل قوةً إدراكيةً، يتعرف به إلى الله من خلال الكون، قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

[ سورة الرحمن ]

 وأودع فيه الشهوات ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى رب الأرض والسماوات. ومنحه الإرادة الحرة، ليصح التكليف والابتلاء، وليكون النجاح فيهما ثمن العطاء. وحرصاً على قيامه بواجب التكليف، بعث الأنبياء والرسل وأنزل معهم الكتاب بالحق.
 وإذا حملت الأمانة، كما ينبغي ـ وهذه مقوماتهاـ تحقق الهدف من خلق الإنسان، وهو العبادة، التي هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، تسبقها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.. قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات ]

 عندئذٍ كان النجاح والفلاح.. قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس ]

مستويات الأمانة:

 وبعد أن يكون المرء أميناً على نفسه من أن تضل، أو تزل يمكن أن يكون أميناً مع الخلق، وأمانة الخلق لها مستويات عديدة ودوائر متعاظمة، أعلاها مستوىً وأوسعها شمولاً:

1 ـ أمانة التبليغ:

 وهي الأمانة العظمى التي حُمّلت للأنبياء والمرسلين، الذين هم أمناء وحي السماء، وقد رعوها حق رعايتها، وأدوها على الوجه المطلوب، فظهرت في عصورهم بطولات فذّة، ومجتمعات فاضلة مكنت قوى الخير من أن تنتصر على قوى الشر.

2 ـ أمانة التبيين:

 ثم أوكلت هذه الأمانة إلى العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وأمناء الرسل، وقد أدى الأصحاب الكرام، والتابعون الأعلام، والعلماء العاملون المخلصون من بعدهم هذه الأمانة، وحفظوا ميراث النبوة، وتحمَّلوا مسؤولية الأداء، وما تنصلوا، وما تعللوا، وما اعتذروا، وما ألقوا ذلك على عاتق غيرهم، فكانت مجتمعاتهم بشكل أو بآخر امتداداً لعصور الازدهار والتألق.
 ولقد أخذ الله العهد على العلماء أن يُبيِّنوا الحق للناس، ولا يكتموه ، وهذه أمانة العلم، ولن يستطيع العلماء أداء أمانتهم تلك إلا إذا كانوا علماء عاملين مخلصين..
 ولكن واقع المجتمع الإسلامي اليوم يختلف اختلافاً بيِّناً عن واقع المجتمع الإسلامي في عهود الازدهار والتألق، فمعظم الناس اليوم لا يتخلقون بأخلاق الإيمان، ولا يلتزمون بسنة النبي العدنان، ولا يقفون عند حدود الله، بل يتجاوزونها، وبيوت المسلمين ليست على ما ينبغي لها، والعلاقات الاجتماعية والمالية ليست منضبطة وفق الشرع الحنيف، لقد قصر مفهوم الدين على أداء العبادات الشعائرية من صوم، وصلاة، وحج ، وزكاة.. ونسي الناس أن ترك درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، ولأن يمشي الرجل في حاجة أخيه المؤمن، خير له من صيام شهر واعتكافه..
 والأمة الإسلامية بأجيالها الحاضرة والقادمة.. من المسؤول عن اهتزاز القيم الدينية فيها؟ ومن المسؤول عن تفلت الناس من قواعد الدين القويم، وأحكام الشرع الغراء؟ إنهم العلماء، والمربون، والقادة الموجهون، إنهم مسؤولون أمام الله عز وجل، لأنه حمَّلهم أمانة الأداء، وأخذ عليهم العهد أن يبيِّنوا الحق للناس ولا يكتموه، إنهم لن يستطيعوا أداء أمانتهم إلا إذا كانوا علماء عاملين مخلصين، ويجب أن يكونوا قدوة بأخلاقهم، قبل أن يكونوا موجهين بألسنتهم.. قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب ]

3 ـ أمانة الولاية:

 ومن مستويات الأمانة، أمانة الولاية، وهذه الأمانة تكمل أمانة التبليغ، وأمانة الأداء.. يقول صلى الله عليه وسلم:

(( صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء ))

[ أخرجه أبو نعيم في الحلية ]

 فالورع حسن، لكنه في العلماء أحسن، والعدل حسن، ولكنه في الأمراء أحسن.. ولقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ المسؤوليات على كل المستويات، بدءاً من الأمير، وانتهاءً بغيره ، فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه ]

 تروي فاطمة بنت عبد الملك، زوجة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين قالت: « دخلت على عمر يوماً في مصلاه فرأيته واضعاً يده على خده، ودموعه تسيل، فقلـت له: ما بالك؟ وفيم بكاؤك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، إني قد وُليت هذا الأمر ففكرت في الفقير، والجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهول، واليتيم المكسور، والمظلوم المقهـور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذوي العيال الكثير، والــرزق القليل، وأشباههم في أطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم جميعاً يوم القيامة، وإن خصمي دونهم يومئذ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة، فلذلك أبكي ».

[ سير أعلام النبلاء ، للذهبي " ترجمة عمر بن عبد العزيز ]

4 ـ أمانة التولية:

 ومن فروع أمانة الولاية، أمانة التولية.. وهي أن يوضع كل رجل في مكانه الصحيح اللائق به، وأن يسند كل عمل لصاحبه الحقيق به.. فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم الإِمَارَةَ، فَقَالَ:

(( إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))

[ رواه مسلم ]

 سيدنا عمر رضي الله عنه عملاق الإسلام، أسند إلى رجل ولاية وأراد أن يمتحنه ليتحقق من أهليته، وأن يوجهه ليحقق مهمته فسأله: « ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطــع يده.. فقال عمر: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، يا هذا، إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها.. إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعـــة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة، قبل أن تشغلك بالمعصية ».

5 ـ أمانة الواجب:

 من معاني الأمانة أن يحرص المرء على أداء واجبه كاملاً من خلال العمل الذي أنيط به، وأن يستنفذ جهده في إبلاغه تمام الإحسان، انطلاقاً من الإيمان والشعور بأن الله سيسأل عن العمل الذي وُكل إليه، هل أداه كاملاً غير منقوص؟ أم كان الخلل والتقصير؟ وهل نصح أم غش؟ وهل أتقن أم أهمل؟ وهل أنصف أم ظلم؟ وهل أحسن أم أساء؟ وهل رحم أم قسا؟ وهل حفظ أم ضيغ؟ وهل أعطى أم منع؟.
 فالطالب أمانة في عنق المعلم، فهل عني في تعليمه وتقويمه، أم أهمل وقصر؟ وهل كان مخلصاً للحقيقة، أم مزوراً، ومنتحلاً لها؟ وهل أخلص في علمه أم خان ضميره المسلكي وضيع ما استودع؟.
 والمريض أمانة في عنق الطبيب، فهل حرص على شفائه من دائه أم حرص على ابتزاز ماله؟.
 والموكِّل أمانة في عنق المحامي، فهل صدقه ونصحه؟ والخصمان المتنازعان أمانة في عنق القاضي فهل عدل أم ظلم؟.
 والأبنية والمنشآت والجسور والطرقات أمانة في عنق المهندس الذي صممها والمهندس الذي نفذها، والمهندس الذي تسلمها.. هل حفظ مال الأمة أم ضيعه؟.
 والصنعة والحرفة أمانة في عنق الصانع فهل أتقنها، وهل حسَّنها وهل طوَّرها، أم أهملها؟ فكانت العيوب والنقائص، وكان الخلل والكساد، علماً بأن إتقان الصنعة جزء من الدين..

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))

[رواه أبو يعلى والعسكري عن عائشة ]

 والشجرة والنبتة، أمانة في عنق الزارع.. هل أحسن العناية بها كي تؤتي أكلها كل حين، أم تركها نهبة للعطش والأمراض والأوبئة فانخفض الإنتاج وتضرر الناس؟.
 والمستهلك أمانة في عنق البائع فهل نصحه أم غشه، في النوع أو الكم أو السعر؟.
 والمُراجع أمانة في عنق الموظف هل سهل له طلبه، ويسّر له أمره؟. أم وضع له العقبات والعراقيل ليأخذ منه ما ليس له بحق؟.

6 ـ أمانة الأموال والأعراض والدماء:

 ويدخل في أمانة الأموال: البيوع، والديون، والمواريث، والودائع والرهون، والعواري، والوصايا، والهبات، وأنواع الولايات الكبرى والصغرى، وغير ذلك.
 ويدخل في أمانة الأعراض: كفُّ النفس، والسمع، والبصر، واللسان، واليد، والغيبة، والقذف..
 ويدخل في أمانة الأجسام والأرواح كفُّ النفس، واليد عن التعرض لها بسوء، من قتل، أو جرحٍ، أو ضر، أو أذى ..

7 ـ الأمانة العلمية:

 ويدخل في الأمانة، الأمانة العلمية، وهي صحة النقل، ونسبته إلى صاحبه، من دون تحريف أو تزوير، أو انتحال، أو حذف، أو زيادة أو تدليس..
 ومن الأمانة صيانة حقوق الابتكار، والاختراع وعدم التقليد وعدم تقليد العلامات التجارية.
 ومن الأمانة صيانة الحقوق الأدبية للإنتاج الأدبي والعلمي، وعدم النقل، والاقتباس، وكذلك الطبع دون إذن صاحب المؤلف، يقول صلى الله عليه وسلم:

(( إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه، قَلَّت رعيته أم كثرت أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الزوج عن زوجته، والوالد عن ولده والسيد عن خادمه، هل أقام فيهم أمر الله؟ ))

[ رواه النسائي وابن حبان عن أنس، ورواه ابن عساكر عن أبي هريرة ]

الأمانة غنى:

 بقيت بشارة لأولئك الذين حفظوا الأمانة، أمانة الواجب، ولم يضيعوها، قال صلى الله عليه وسلم:

(( الأمانة غنى ))

[ رواه القضاعي عن أنس ]

 فالأمانة في نص الحديث من أسباب التوفيق في الأعمال، فالأمين العفيف المتقن الناصح الذي يؤدي واجبه كاملاً يكسب ثقة الناس، وهذه الثقة أكبر رأسمال يملكه الإنسان ويتحرك به.. فالأمانة تغنيه عن السؤال، وتغنيه عن الابتذال، والأمانة تحقق التوازن النفسي، حيث تغني عن استجداء المديح، وهي تكسب المرء ثقة بطهر نفسه، وهذه الثقة تجعله عزيزاً رافع الرأس..

8 ـ أمانة المجالس:

 ومن معاني الأمانة أن تحفظ حقوق المجالس، التي تشارك فيها فلا تدع لسانك يفشي أسرارها، ويسرد أخبارها، فكم من حبال تقطعت، ومصالح تعطلت لاستهانة الناس بأمانة المجالس، وذكرهم ما يدور فيها من كلام منسوبٍ إلى قائله، أو غير منسوب قال صلى الله عليه وسلم:

(( إذا حدث الرجل رجلاً حديثاً، ثم التفت فهو أمانة ))

[رواه أبو داود ]

 وحرمات المجالس تصان مادام الذي يجري فيها مضبوطاً بحدود الأدب، وشرائع الدين، وإلا فليست لها حرمة.. قال صلى الله عليه وسلم:

(( المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس : مجلسُ سفكِ دمٍ حرام، أو فرجٍ حرام، أو اقتطاع مال بغير حق ))

[ رواه أبو داود ]

9 ـ أمانة العلاقات الزوجية :

 وللعلاقات الزوجية في نظر الإسلام قداسة، فما يضمه البيت من شؤون بين الرجل وامرأته، يجب أن يطوى في أستار مسبلة، فلا يطَّلع عليه أحد، مهما قرب.. قال صلى الله عليه وسلم:

(( إن أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها ))

[ رواه مسلم ]

الخطبة الثانية: توضيح مقتضيات الأمانة:

 تطبيقاً لمفهوم الأمانة العلمية، وتوضيحاً لما تقتضيه أمانة هذا الموضوع، فإن التقصير في أداء الواجـب في كل الأعمال والحرف والوظائف يدخل الشبهة على المال الذي يكسبه المقصر، لقد ضل من قصر الدين على أداء العبادات من صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، ونسي أن ترك درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، ونسي أن الرجل لأن يمشي في حاجة أخيه خير له من صيام شهر واعتكافه، فمن أجل أن يصح دين الرجل، ينبغي أن يحرر دخله من الشبهات ومن التقصير في أداء الواجبات، وهذه هي حقيقة الورع، وركعتان من ورِع خير من ألف ركعة من مخلط، والمخلط، هو الذي جمع عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

درجات الورَع:

 وقد صنف الإمام الغزالي الورَع في أربع درجات:
 - أدناها ورع العدول، وهو الذي يوجب الفسق باقتحامه، ويسقط العدالة بنواله، ويثبت العصيان والتعرض للنيران، وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء.
 - والدرجة الثانية ورَع الصالحين، وهو الامتناع عن كل ما فيه شبهة التحريم، ولكن المفتي يفتي بحله، بناء على ظاهر أمره، وقد بني هذا على قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ))

[ الترمذي عن الحسن بن علي ]

 - والدرجة الثالثة فهي ورَع المتقين، وهي الامتناع عما لا تحرمه الفتوى، ولا شبهة في حله، ولكن يخشى أن يؤدي إلى محرم، وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ ))

[ الترمذي عن عطية السعدي ]

 - وأما الدرجة الرابعة، وهي أعلى الدرجات، إنها ورع الصديقين، وهي الامتناع عما لا بأس به أصلاً، ولا يُخشى أن يؤدي إلى ما به بأس، ولكنه يُتناول لغير الله، وعلى غير نيّة التقوي على عبادة الله، قال عليه الصلاة والسلام:

(( من لقي الله ورِعاً أعطاه الله ثواب الإسلام كله ))

[ قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : لم أقف له على أصل ]

 الشريعة الإسلامية عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.

كسب الحلال من الجهاد في سبيل الله :

(( من أمسى وانياً - أي متعباً - في طلب الحلال، بات مغفوراً له وأصبح الله راضياً عنه ))

(( من بات كالا - أي تعِباً - في طلب الحلال بات مغفورا له ))

[ ابن عساكر عن المقدام بن معد يكرب ]

 فكما أن طلب العلم فريضة على كل مسلم، كذلك طلب الحلال فريضة على كل مسلم، ومن أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى، علم أم لم يعلم.
 روي أن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعله مستجاب الدعوة ، ونحن على وشك الدعاء ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الطبراني في المعجم الصغير عن ابن عباس ]

والحمد لله رب العالمين