4037
الخطبة الإذاعية (28) : خ1 - الهجرة ، خ2 - قصة سراقة بن مالك.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-06-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب يا كاشف الأسرار ويا مسبل الأستار ويا واهب الأعمار ويا منشأ الأخبار ويا مولج الليل في النهار، يا معافي الأخيار، ويا مستدرج الأشرار، يا منقذ الأبرار من العار، والنار جد علينا بصفحك عن زلاتنا، كن لنا، وإن لم نكن لأنفسنا، متِّعنا بالنظر إلى نور وجهك، لا تضلنا بعد هديك، لا تبعدنا بعد قربك، لا تكربنا بعد رحمتك، قد عادينا أعداءك فيك فلا تشمتهم بنا لتقصيرنا في حقك، ووالينا أصفياءك لك فلا توحشْنا منهم لسهونا عن واجبك، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له.

سل الواحة الخضراء والماء جاريــا  وهذي الصحارى والجبال الرواسيا
سل الروض مزدانا سل الزهر والندى  سل الليل و الإصباح والطير شاديا
وسل هذه الأنسام والأرض والسمــا  وسل كل شيء تسمع الحمد ساريا
***
الشمس و البدر من أنوار حكمـتــه  والبر و البحر فيض من عطاياه
الطير سبحه والــزرع قدســــه  والموج كبره والحوت ناجــاه
و النمل تحت الصخور الصم مجــده  و النحل يهتف حمدا في خلايـاه
رب السماء و رب الأرض قد خضعت  انــس و جن وأملاك لعليــاه
الناس يعصونه جهـرا فيسترهـــم  العبد ينسى وربي ليس ينســاه
***

 وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، يا سيدي يا رسول الله:

أدعوك عن قومي الضعاف لأزمة  في مثلهـا يلقى عليك رجاء
رقدوا و غرهم نعيم باطــــل  و نعيم قوم في القلوب بـلاء
المصلحون أصابع جمعت يــدا  هي أنت بل أنت اليد البيضاء
أدَرى رسول الله بأن نفوسهــم  ركبت هواها و القيود هـواء
يتفككــون فما تضم نفسهم ثقـة  ولا جمع القلوب صفـــاء
***

 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته، وارض عنا، وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

مقدمة:

1 ـ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، تتميز حياة النبي صلى الله عليه وسلم عن حياة العظماء من القادة والمصلحين بأن حياته صلى الله عليه وسلم كل ما فيها من أقوال، أو أفعال، أو إقرار، أو مواقف تعد قدوةً وتشريعاً، فقد عصمه الله جل جلاله عن الخطأ في أقواله، وفي أفعاله، وفي مواقفه، فهو لا ينطقُ عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، لذلك أمرنا الله جل جلاله بالأخذ عنه، قال تعالى:

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

( سورة الحشر )

 وجعل الله جل جلاله إتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وتطبيق سنته دليلا عمليا على محبة الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة آل عمران )

2 ـ مهمة النبي التبليغ والتبيين ومهمة القدوة والأسوة:

 لهذا كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين مهمتان كبيرتان، مهمة التبليغ والتبيين، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

( سورة المائدة )

 والمهمة الثانية مهمة القدوة والأسوة، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾

( سورة الأحزاب )

3 ـ ظروف النبي قبل الهجرة مقدَّرة بعناية كبيرة:

 أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، إن الظروف التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم، والأحداث التي واجهها هي ظروفٌ وأحداثٌ خُلقت، وقُدرت بعنايةٍ تامة، وبحكمةٍ بالغة، ليقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل الذي ينبغي أن يقفه الإنسان ليؤكد إنسانيته، وليحقق غاية وجوده، إن هذه الظروف وتلك الأحداث من شأنها أنها تكرر بسبب أن طبيعة النفس واحدة، قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾

( سورة الأعراف )

 وبسبب أن معركة الحق والباطل، والخير والشر، والإيمان والكفر معركة قديمة ومستمرة، وأن الإنسان هو الإنسان في أي زمان ومكان، أنه يكرر نفسه في ارتفاعه وانحطاطه، في قوته وفي ضعفه، في إيمانه وفي كفره.
 لذلك أيها الإخوة / كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الظروف التي أحاطت به، ومن الأحداث التي واجهته هو الموقف الذي يريدنا الله أن نقفه إذا أحاطت بنا مثل تلك الظروف، أو واجهتنا مثل تلك الأحداث.

4 ـ الإنسان فطر على حب الأرض التي وُلِد فيها:

 أيها الإخوة المؤمنون، أيتها الأخوة المؤمنات، والإنسان فطر على حب الأرض التي وجد فيها والتعلق بالمعالم التي لابست نشأته، حينما ينتزع الإنسان من بيئته التي ترعرع فيها، ويخرج من أرضه التي أحبها تتمزق نفسه، ويعظم همُّه، وربما آثر الموت على هذا الخروج الذي هو اقتلاع من جذوره، لذلك أشارت الآية الكريمة إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾

( سورة النساء )

5 ـ مهمة الإنسان عبادة الله:

 هذا من جهة، ومن جهة ثانية، الإنسان مكلفٌ أن يعبد الله تعالى من خلال التعرف إليه، والتعرف إلى منهجه، ومكلف أن يعبد الله عز وجل من خلال أدائه فروض العبودية، من صيام، وصلاة، وحج، ومن خلال التزامه بالأمر، والنهي، ومن خلال الأعمال الصالحة التي هي ثمن سعادته في الآخرة الأبدية، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

6 ـ الأرض التي تمنع المسلم من عبادة الله يجب الهجرة منها:

 هاتان حقيقتان أساسيتان ينشأ عنهما معا أن الإنسان إذا وُجد في أرض حالت قوى الشر فيها بينه وبين أن يستجيب لنداء فطرته في عبادة ربه، وحالت بينه وبين أن يصغيَ لصوت العقل في تطبيق منهج خالقه، وكان هذا الإنسان من الضعف حيث لا يستطيع أن يقنع هذه القُوى بالكف عنه، ولا أن يقف في وجهها فيلزمها ماذا يفعل ؟ أيخسر سعادته الأبدية من أجل النوازع الأرضية ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾

( سورة النساء )

 هذا هو الجواب، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا هو المنطلق الفلسفي لهجرة النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن في مناسبة الهجرة.

الهجرة دروس وعبر:

1 ـ إيثار الجانب الأسمى على النوازع النفسية:

 إخوةَ الإيمان في كل مكان، تُعَلِمنا الهجرة أولاً إن الإنسان إذا تنازعت فيه النوازع الأرضية، والنـداءات السماوية عليه أن يُؤثِر الجانبَ الأسمى والأبقى، فلا أحدٌ يستطيع أن ينجيه من عذاب الله، ولا عذر له فيما يرديه.

2 ـ هجران للباطل وانتماء للحق:

 إن الهجرة في حقيقتها موقفٌ نفسي قبل أن تكون رحلة جسدية، إنها هجران للباطل وانتماء للحق، إنها ابتعاد عن المنكرات، وفعل للخيرات، إنها ترك للمعاصي، وانهماك في الطاعات.

3 ـ انتقالٌ من دار الكفر إلى دار الإسلام:

 ثم إنها فضلاً عن كل ذلك انتقالٌ من دار الكفر إلى دار الإسلام، قال عليه السلام فيما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

[ البخاري ومسلم ]

4 ـ باب الهجرة مفتوح:

 يا أيها الإخوة المؤمنون، يا أيتها الأخوات المؤمنات، إذا كان باب الهجرة من مكة إلى المدينة قد أُغلق بعد الفتح، لقول النبي علية الصلاة والسلام:

(( لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ... ))

[ البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن عائشة ]

 فان باب الهجرة مفتوحٌ بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة زمن الهجرة، بل إن أبواب الهجرة من مجتمع الكفر إلى مجتمع الإيمان مفتوحةٌ على مصاريعها إلى يوم القيامة، بل إن عبادة الله في زمن كثرت فيه الفتن، واستعرت فيه الشهوات، وعمَّ فيه الفساد، إن عبادة الله المخلصة الصادقة في هذه الأجواء الموبوءة تُعد هجرة خالصة إلى الله ورسوله، عن مَعْقِلِ بن يسار رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

(( العِبَادَةُ في الهَرْجِ ـ أي في زمن الفتن ـ كَهِجْرَةٍ إليَّ ))

[ رواه مسلم والترمذي ]

5 ـ استحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط في استجماع أسبابه:

 أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، وتعلمنا الهجرة ثانياً من خلال الخطة المحكمة التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم، أن استحقاق التأييد الإلهي لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله، لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم لهجرته خطةً محكمةً، حيث كتم تحركه تضليلاً للمطاردين، واستأجر دليلاً ذا كفاءة عالية، واختار غار ثور الذي يقع جنوب مكة لإبعاد مظنة الوصول إليه، وحدد لكل شخص مهمة أناطها به، فمن واحد لتقصي الأخبار، وآخر لمحو الآثار وثالث لإيصال الزاد، ثم إنه بعد كل ذلك كلف سيدنا عليا كرم الله وجهه أن يرتدي برده، ويتسجى على سريره تمويها على المحاصرين الذين أزمعوا قتله.
 إخوتي المؤمنين، لقد أعد النبي لكل أمرٍ عدتَه، ولم يدعْ مكاناً للحظوظ العمياء، لقد اتخذ الأسباب، وكأنها كل شيء في النجاح، ثم توكل على الله، لأنه لا قيام لشيء إلا بالله، إن هذه التدابير التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم على كثرتها، ودقتها ليست صادرةً عن خوف شخصي، بل كانت طاعة لله عن طريق الأخذ بالقوانين التي قننها الله، وبالسنن التي سنها الله، وتشريعاً لأمته من بعده، ثم إنه في الوقت نفسه لم يعتمد عليها، بدليل أنه كان في غاية الطمأنينة حينما وصل المطاردون إليه، فعَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْغَارِ:

(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[ متفق عليه ]

(( مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

 يا أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، حينما فهم المسلمون الأوائل التوكل على الله هذا الفهم الصحيح، وبهذه الطريقة رفرفت راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها، واحتلوا مركزاً قيادياً بين الأمم والشعوب، واليوم إذا أراد المسلمون أن ينتصروا على أعدائهم وما أكثرهم، وأن يستعيدوا دورهم القيادي بين الأمم لينشروا رسالة الإسلام الخالدة، رسالة الحق والخير والسلام، إذا أراد المسلمون ذلك فعليهم أن يستوعبوا جيداً هذا الدرس البليغ الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هجرته، ونحن نحتفل في هذه الأيام بذكرى هجرته صلى الله عليه وسلم.
 وملخص القول أن التوكل هو الأخذ بالأسباب من دون الاعتماد عليها، وافتقارٌ إلي تأييد الله، وحفظه، وتوفيقه من دون تقصير في استجماع الوسائل

6 ـ من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسعةً:

 إخوة الإيمان في كل مكان، وتعلمنا الهجرة من خلال النتائج الباهرة التي حققها المهاجرون، أنه من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مُراغماً كثيراً وسعةً تُيَسر أموره، يحفظه الله عز وجل، يوفر الله له حاجاته، وأنه ما ترك عبد شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، وأنه من شغلته طاعةُ الله عن تحقيق مصالحه الدنيوية أعطاه الله خير الدنيا والآخرة، وقد ورد في الحديث القدسي:

(( عبدي، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وان لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ تخريج إحياء علوم الدين ]

 و:

(( من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ))

[ ورد في الأثر ]

قصة هجرة عقبة بن عامر الجهني:

 يقول عقبة بن عامر الجهني أحد أصحاب رسول الله رضي الله عنه: " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا في الفلوات أرعى غنيمات لي، فما إن تناهى إلي خبر قدومه حتى تركتها، ومضيت إليه لا ألوي على شيء، فلما لقيته قلت له: يا رسول الله أتبايعني، فقال عليه الصلاة والسلام: فمن أنت، قلت: أنا عقبة بن عامر الجهني، قال: يا عقبة، أيهما أحب إليك أن تبايعني بيعةً أعرابية أم بيعة هجرةٍ قلت: بل بيعة هجرة، وكنَّا اثني عشر رجلاً ممن أسلموا نقيم بعيداً عن المدينة لنرعى أغنامنا في بواديها، فقال بعضنا لبعض: لا خير فينا، والله إذا نحن لم نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد يوم ليفقهنا في ديننا، ويُسمعنا مما ينزل عليه من وحي السماء، فليمض كل يوم واحد منا إلى يثرب، وليترك غنمه لنا فنرعاها له، فقلت: اذهبوا أنتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً بعد آخر، وليترك لي الذاهب غنمه، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي من أن أتركها لأحد، ثم طفق أصحابي يغدو الواحد منهم بعد الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويترك لي غنمه أرعاها له، فإذا جاء أخذت منه ما سمع، وتلقيت عنه ما فقه، لكنَّني ما لبثت أن رجَعت إلى نفسي، وقلت لها: ويحك يا نفس، أمنْ أجل غنيمات لا تُسمن ولا تغني تفوِّتي عليك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ عنه مشافهةً من غير واسطة، ثم تخليت عن غنيماتي، ومضيت لأصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ كنز العمال ]

 أيها الإخوة المؤمنون حضوراً ومستمعين، لم يكن عقبة بن عامر الجهني، يخطر له على بال حين اتخذ هذا القرار، قرار صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك غنيماته، لم يكن يخطر له على بال حينما اتخذ هذا القرار الحاسم والحازم أنه سيغدو بعد عِقد من الزمان عالماً من أكابر علماء الصحابة، وقارئاً من شيوخ قرَّائها، وقائداً من قوَّاد الفتح المرموقين ووالياً من ولاة الإسلام المعدودين، ولم يكن يخطر له على بالٍ أيضاً، وهو يتخلى عن غنيماته، ويمضي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه سيكون طليعةَ الجيش الذي يفتح أمَّ الدنيا وقتها دمشق، ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند باب توما، ولم يكن يخطر له على بال أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون زمردة البلاد مصر، وأنه سيغدو والياً عليها، ويتخذ لنفسه فيها داراً في سفح جبلها المقطن، وبعدها اشترك هذا الصحابي الجليل في قيادة حملة بحرية لفتح جزيرة رودس في البحر الأبيض المتوسط.
 ماذا نقول ؟ لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما قال:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ ابن عساكر عن ابن عمر ]

 وقد ورد في الحديث القدسي:

(( مَنْ شَغَلهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ))

[ الترمذي عن أبي سعيد ]

الهجرة في سبيل الشيطان:

1 ـ معالم الهجرة في سبيل الشيطان:

 يا أيها الإخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، هذا عن الهجرة في سبيل الرحمن، فماذا عن الهجرة في سبيل الشيطان، موضوع آخر.
 حينما يرفض المرء الحق وأهله، وينضم إلى الباطل وأهله، حينما يؤثر المرء الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، حينما يفضل الرجل مصالحه على مبادئه وحاجاته على قيمه، حينما تكون الهجرة ابتغاء دنيا يصيبها الرجل، أو ابتغاء مال وفير يحصله على حساب مصيره الأبدي.
 حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات والطاقات لغير بلاد المسلمين، حينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين، وتقويةً لأعدائهم، حينما تكون الهجرة هروباً من تحمل المسؤولية، وفراراً من البذل والتضحية.
 حينما تكون الهجرة تمكيناً للعدو من احتلال الأرض، واستثمار خيراتها.
 حينما تكون الهجرة من بلد تقام فيه شعائر الدين إلى بلد فرغت منه كل القيم، وحينما تكون الهجرة تضييعاً للعرض والدين، وكسباً للدرهم والدينار فهي هجرة في سبيل الشيطان، وشتان بين الهجرتين.

1 ـ جبلة بن الأيهم مثال حيٌّ عن الهجرة في سبيل الشيطان:

 أيها الإخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، لقد قدم جبلة بن الأيهم أحد ملوك الغساسنة على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، معلناً إسلامه، وقد رحب به عمر أشد الترحيب، وأنزله منزلته، وفيما جبلة بن الأيهم، هذا الملك الغساني يطوف حول الكعبة داس بدوي من فزارة خطأً على طرف ردائه، فأزاحه عن كتفه، فالتفت جبلة إليه، وضربه ضربةً هشّمت أنفه، فما كان من هذا البدوي من فزارة إلا أن يتجه إلى عمر بن الخطاب ليشكوا جبلة، فاستدعى عمر جبلة، وقال له، يا ابن أيهم، جاءني هذا الصباح مشهد يبعث في النفس المرارة، بدوي من فزارة بدماءٍ تتظلم، بجراج تتكلم، مقلةٌ غارت، وأنف قد تهشَّم، وسألناه، فألقى فادح والوزر عليك، بيديك.
 أصحيح ما قاله هذا الفزاري الجريح ؟
 قال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيَّا، أنا أدَّبت الفتى أدركت حقي بيدي.
 قال عمر: أي حق يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم، عند غيري جبهةٌ بالإثم بالباطل تلطم، نزوات الجاهلية ورياح العنجهية، قد دفنَّاها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
 يا جبلة أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك.
 فقال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة،وأنا صاحب تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً، كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزُّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني.
 فقال عمر: عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 يا إخوة الإيمان في كل مكان، لقد ارتد جبلة عن الإسلام، وأخذته العزة بالإثم، وأبى أن يخضع لحكم الله، وتسلَّل في جنح الظلام من المدينة مُتَّجهاً نحو الشمال، نحو أعداء المسلمين لينضم إليهم، ويمضي عمره بالمعاصي والآثام، وحينما دنا أجله، تقطع قلبه ندماً على ما فعل، فقد باع آخرته بدنياه، وقال بعض الأبيات:

يا ليت أمي لم تلدني وليتنــي  رجعت إلى الأمر الذي قاله عمـر
ويا ليتني أرعى الشياه بقفــرة  و كنت أسيراً في ربيعة أو مضـر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشـة  أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
***

 هذه هجرة في سبيل الشيطان، ولكن متى عرف الحقيقة، بعد فوات الأوان.
 أيها الإخوة الأكارم، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر

كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنـازةً  فاعلم بأنك بعدها محــمولُ
***

 لذلك حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، والحمد لله رب العالمين.

***

الخطبة الثانية:

قريش تتبع أثر النبي في الهجرة لقتله:

1 ـ سراقة بن مالك يريد أسرَ النبي طمعا في المال:

 إخوة الإيمان في كل مكان، لا زلنا في موضوع الهجرة، بعد أن صعقت قريش حينما علمت أن محمداً صلى الله عليه وسلم خرج من مكة، أعلنت في القبائل أنه من يأتيها بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، فله مائة من كرائم الإبل، وكان سراقة بن مالك فارساً من فرسان قومه المعدودين، طويل القامة عظيم الهامة بصيراً باقتفاء الأثر، صبوراً على أهوال الطريق، فلما سمع بالنوق المائة، اشرأبت إليها أطماعه، واشتد عليها حرصه، فلبس لأمته - أي درعه - وتقلد سلاحه، وامتطى جواده، وطفق يغذُّ السير ليدرك محمداً صلى الله عليه وسلم قبل أن يسبقه أحدٌ إليه، وإلى الجائزة، ومضى يطوي الأرض طياً.

2 ـ عصمة الله لنبيّه:

 سراقة بن مالك أدرك محمداً وصاحبه، فمد يده إلى قوسه، فجمدت في مكانها، لأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض - أي تغوص - ويتصاعد الغبار من بين يديها، ويغطي عينيه وعينها، قالتفت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وقال بسوط ضارع: يا هذان، ادعوا لي ربكما ليطلق قوائم فرسي، ولكما علي أن أكف عنكما، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلق الله له قوائم فرسه، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد، فدفع فرسه نحوهما مرةً ثانيةً، فساخت قوائمها أكثر من ذي قبل، فاستغاث بهما مرةً ثانية، وقال إليكما زادي، وإليكما متاعي، وإليكما سلاحي فخذاه، ولكما علي عهد الله، أن أردَّ عنكما من ورائي من الناس، فقالا له، لا حاجة لنا بزادك ومتاعك، ثم دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان ارحم الخلق بالخلق، دعا له ربه مرةً ثانية فانطلقت فرسه.

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

( سورة المائدة )

 هذه عصمة الله عز وجل.

3 ـ النبيّ يبشِّر سراقة بن مالك بفتح مدائن كسرى:

 ولما همّ سراقة بالانصراف قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى، قال سراقة كسرى بن هرمز صاحب القصر الأبيض في المدائن، قال عليه السلام كسرى بن هرمز ـ وكان من أقوى الأقوياء في عصره ـ ودارت الأيام دورتها فإذا بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة طريداً شريداً مستتراً بجنح الظلام مهدوراً دمه يعود إليها سيداً فاتحاً تَحُفُّه الألوف المؤلفة من بيض السيوف، وسمر الرماح، ويأتي سراقة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلن إسلامه بين يديه، ويتراءى له ذلك اليوم الذي هم فيه بقتل محمد صلى الله عليه وسلم من أجل مائة من النوق، وبعد أن أسلم أصبحت نوق الدنيا لا تساوي عنده قلامةً من ظفر النبي صلى الله عليه وسلم.
 ودارت الأيام دورتَها كرةً ثانية وآل أمر المسلمين إلى الفاروق عمر رضوان الله تعالى عليه، وفي ذات يوم من آخر أيام خلافته قَدِم على المدينة رُسُلُ سعد بن أبي وقاص، يبشرون عمر بالفتح، ويحملون إلى بيت مال المسلمين الغنائم، وكان من بين هذه الغنائم تاج كسرى المرصع بالدر، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب، ووشاحه المنظوم بالجوهر، وسواراه، وما لا حصر له من النفائس، نظر عمر إلى هذا كله في دهشة، وجعل يقلبها بقضيب كان بيده زهداً بها، ثم قال: إن قوماً أدوا هذا لأمناء، وكان في حضرته سيدنا علي كرم الله وجهه، قال يا أمير المؤمنين: أعجبت من أمانتهم، لقد عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا، وهنا دعا الفاروقُ عمر سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى، ووضع على رأسه تاجَه، وألبسه سواريه، ثم قال عمر لسراقة: بخٍ بخٍ أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى، وفي يديه سواره، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال الله:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾

( سورة النور )

 وقال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

( سورة مريم )

4 ـ اللبيب بالإشارة يفهم:

 وفهمكم أيها الإخوة يغني عن كثرة الشرح، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
 لقد رويتُ لكم هذا القصة باختصار شديد نظراً لضيق الوقت، ولعل اختصاري لها، وتركي التفاصيل أخلّ بروعتها ودلالتها، فعودوا إليها مفصلة في كتب السيرة، ففيها دلائل كثيرة على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق وعد الله للمؤمنين بالاستخلاف والتمكين والتأمين.
 أيها الإخوة المؤمنون روى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجراً إلى الله دعا ربه.

والحمد لله رب العالمين