الفقه الإسلامي - العبادات الشعائرية - مناسك الحج والعمرة - الدرس 07 : ساعات الامتحان - باب الوصية بالنساء - سيرة النبي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-06-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلفا ً:

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في رياض الصالحين، وفي باب الوصية بالنساء حديث شريف:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 والحقيقة أن هذا الحديث يُعدُّ من أصول الدين، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث آخر:

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: كِلاهُمَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ، وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا قَالَ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِمْ ))

[الدارمي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً ))

[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

[ مسند البزار عن أبي هريرة]

 فمكارم الأخلاق تحتل أكبر مساحة من الدين، بل إن الدين كله خلق، فإذا انتفى الخلق ذهب الدين، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾

( سورة الماعون )

(( مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))

[ أحمد وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 وسيدنا جعفر عندما قابل النجاشي قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حقيقة الدين:

(( أَمَرَنا ِبِصْدقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ))

[أحمد عن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]

 فيكاد يكون الدين كله مكارم أخلاق.

الخلق مقياس الإيمان عند الإنسان:

 ومادام النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّماً ))

[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

[ مسند البزار عن أبي هريرة]

 من هنا قال عليه الصلاة والسلام في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي عن أبي هريرةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فإذا أردت مقياساً لإيمانك فهو خلقك، وحينما تمثَّل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بالأخلاق الفاضلة رفرفت راياتهم في المشرقين، وحينما فهِم المسلمون الدين صوماً، وصلاةً، وحجاً، وزكاةً ليس غير، تراجعوا وغُزوا في عقر دارهم.

درجات الإيمان:

 الشيء المهم هو أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا ))

 فيوجد إيمان كامل، وإيمان أكمل، ويوجد إيمان ناقص، والإيمان درجات، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ﴾

(سورة النساء)

 يا أيها المؤمن آمن، أي استكمل إيمانك، والإيمان له درجات، وقبل الإيمان هناك الإسلام، قال تعالى:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾

( سورة الحجرات )

 وبعد الإيمان التقوى.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

( سورة الحشر )

 والتقوى درجات، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾

( سورة آل عمران )

تفاوت المؤمنين فيما بينهم بحسن خلقهم:

 فمن قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

 فإذا تفاوت الإيمان فإنما يتفاوت بحسن الخلق، والمؤمنون جميعاً يصلُّون، و جميعاً يحجون ـ طبعاً المستطيع ـ و جميعاً يزكون، و جميعاً يأكلون مالهم حلالاً، و جميعاً ينفقون مالهم في الوجوه الصحيحة، فهذا كله متوافر، ولكن أين يختلفون ؟ في الخلق، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

[الترمذي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أخي يصلي، ويصوم، وتجارته مشروعة، ومن بيته إلى محله، هذا لا يكفي، فكيف أخلاقه ؟ هل هو سموح ؟ حليم ؟ كريم ؟ عطوف ؟ رحيم ؟ ودود ؟ إذاً حينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

 فقد جعل الأخلاق مشعِراً في التفاوت بين المؤمنين، لأن الفرائض كلها تؤدى من قِبَل جميع المسلمين والمؤمنين، فكيف يتفاوتون فيما بينهم بحسن خلقهم ؟
وقد جمعت لكم بعض الأحاديث المتعلقة بحسن الخلق، فوجدت أحاديث هامةً وكثيرة، منها حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ:

(( قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَبِي سَمُرَةُ جَالِسٌ أَمَامِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ لَيْسَا مِنَ الإسْلامِ وَإِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلامًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ))

[أحمد عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

حتى في الإسلام تتفاوت مراتب المسلمين فيما بينهم بأخلاقهم، وإن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، تتفاوت مراتب الإسلام فيما بينها بحسن الخلق.
 " إن من أحب العباد ـ أحب اسم تفضيل، أي أكثر الناس الذين يحبهم الله عز وجل ـ إلى الله أحسنهم، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أحسنهم خلقاً، وإن خير ما أعطي الإنسان خلق حسن "
هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم هل أنت مصدقٌ له ؟

الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح:

 وقال أحدهم:

(( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقَعَدْتُ، قَالَ: فَجَاءَتْ الْأَعْرَابُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالُوا " يَا رَسُولَ اللَّهِ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ، قَالَ: وَكَانَ أُسَامَةُ حِينَ كَبِرَ يَقُولُ هَلْ تَرَوْنَ لِي مِنْ دَوَاءٍ الْآنَ ؟ قَالَ: وَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ هَلْ عَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ وَضَعَ اللَّهُ الْحَرَجَ إِلَّا امْرَأً اقْتَضَى امْرَأً مُسْلِمًا ظُلْمًا فَذَلِكَ حَرَجٌ وَهُلْكٌ، قَالُوا: مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: خُلُقٌ حَسَنٌ ))

[أحمد عن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فيعطى الإنسانَ الدنيا وما فيها، وقد يعطى القوة، وقد يعطى المال، و الذكاء، والجمال، هؤلاء العلماء الكبار الذين يقبعون في مخابرهم ليصنعوا الأسلحة الكيميائية، أو الأسلحة الجرثومية، أليسوا أذكياء ؟ واللهِ قمم في الذكاء، ولكنهم يصنعون سلاحاً يجعل حياة الإنسان جحيماً، قد يعطى الإنسان ذكاءً، ومالاً، وقوةً، ووسامةً، وجمالاً، وقد يعطيه حظاً في الدنيا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن أن خير ما أعطي الإنسان خلقٌ حسن، من كان له أخلاق حسنة طيبة فهو أغنى الأغنياء، لأن الغنى يوم القيامة غنى العمل الصالح:

(( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ ))

[أبو داود عن أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ))

[أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]

 فصاحب الأخلاق الفاضلة في مستوى الصائم القائم، بصيام وقيام مستمرين، بل إن العبد كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ عَظِيمَ دَرَجَاتِ الآخِرَةِ وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ وَإِنَّهُ لَضَعِيفٌ فِي الْعِبَادَةِ ))

[الطبراني عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 هذه كلها أحاديث شريفة تبين أن الخلق الحسن هو كل شيء في الدين، بل يكاد يكون الدينُ خلقاً حسناً.

أعظم رأسمال في العمل الخلق والحسن والخلق الحسن مؤادة ان يثق الناس بك:

 حينما فهِم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الدينَ هذا الفهْم رفعهم الله وأكرمهم، فكن صادقاً، ولا تقُلْ: إن البيع والشراء يحتاجان إلى كذب، بل كن صادقاً في البيع والشراء، وتحدَّى الكاذبين، واللهُ سبحانه وتعالى يوفِّقك، فلا تقل: الحياة تحتاج هذا، فإنّ الحياة تحتاج إلى استقامة تامة، ولا تضع تغطية فلسفية للانحراف، أخي إذا لم نغش لا نربح، هذا كلام فارغ، وهذا كلام الشيطان، وكلام الغافل الجاهل.
 في كل عمل تجاري، وصناعي، وزراعي، ووظيفي، ومهني، في كل حقل في الحياة الخلقُ الحسنُ أعظم رأسمال في العمل، وبعد فترة تكسب شيئاً لا يقدَّر بثمن، هو ثقة الناس بك، فالخلق الحسن مؤدَّاه أن يثق الناسُ بك، فإذا وثق الناس بك فهذا أعظم رأسمال تتحرك به، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأمانة غنىً ))

[الجامع الصغير عن أنس ]

 الأمين غني والله يغنيه لأن الناس يثقون به، وهذه أحاديث دقيقة جداً.

(( وإن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، والخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))

[الطبراني في الكبير عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

الموقف الأخلاقي للإنسان يكسبه سعادة لا توصف:

 شيء آخر ؛ إذا وقفت موقفاً أخلاقياً، أو كنت كريماً في موطن الكرم، أو شجاعاً في موطن الشجاعة، أو سخياً في موطن السخاء، أو حليماً في موطن الحلم، أو مضحياً في موطن التضحية، أو ودوداً في موطن الود، إن موقفك الأخلاقي هذا يكسبك سعادةً لا توصف، تشعر أنك إنسان، و فيما سوى هذه الأخلاق يشعر الإنسانُ أنه حيوان، فلو تخلى الإنسانُ عن أخلاقه لشعر بحيوانيته، كبهيمة تبحث عن طعامها، وشرابها، ولذتها فقط، فتأخذ طعامها، وشرابها، ولذتها من أي سبيل، وبأي ثمن، فلا تشعر إنك إنسان، وأنك المخلوق الأول المكرم إلا بالخلق الحسن، لذلك فمواقف الحِلم أكثر إسعاداً للنفس من مواقف الانتقام، ومواقف التواضع أعظم إسعاداً للنفس من مواقف الكبر، ومواقف البذل أعظم من مواقف المنع، لذلك لو أن الإنسان عرف ما يجنيه من خلقه الحسن لكان همُّه الأول أن يكون ذا خلق حسن.

كل إنسان مأمور بالعدل والإحسان:

 نعود للحديث الشريف:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

 قال تعالى:

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

( سورة الفرقان )

 تأمل قبل أن تقول هذه الكلمة، قبل أن تقول له: أنت لا تفهم، قبل أن تغضب، وقبل أن تنتقم، وتؤذي، وتتجاهل طلبَ الآخرين، وقبل أن تقف هذا الموقف الذي لا ترضى عنه فكِّر ملِيًّاً، بماذا يأمرك الله ؟

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾

( سورة النحل )

 كما أنك مأمور بالعدل فأنت مأمور بالإحسان.

الموقف الأخلاقي هو اهم عامل لدخول الناس في دين الله أفواجاً:

 إذا أردت أن يتهافت الناس على الإسلام ويدخلوا في دين الله أفواجاً كما دخلوا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام عليك بالمواقف الأخلاقية، وإذا أردت أن تنفِّر الناس فبالغ في العبادات الشعائرية، وافعل ما تشاء مع الناس من إيذاء، وشتمٍ، فهذا الذي جاء يوم القيامة بصيام، وصلاة، وحج، وزكاة، ماذا كان مصيره ؟

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 وعندئذٍ يبكي النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: إن هذا لموقف عصيب.

الخلق الحسن هو عامل الترجيح بين أي إنسان وأخر:

 حضر مجلس علم، وصلى أربع ركعات، ودفع زكاة ماله، وانتهى الأمر ؟ لا لم ينتهِ شيء، هذا الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق، لا يوجد حديث أوضح من هذا الحديث:

(( بُعِثْتُ لأتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلاقِ ))

[مالك في الموطأ]

 مع زوجتك، وأولادك، وجيرانك، وزبائنك، وأصحابك، والقاصي، والداني، مع أي إنسان ومخلوق، وحيوان، كن ذا خلقٍ حسن، أطعِمه، وتَرَفَّقْ به، والذي يؤكده القرآن الكريم:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾

( سورة الماعون )

 هو نفسه، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

( سورة القصص )

 فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

 ألف مؤمن صنفُهم في درجات، عامل التصنيف الخلقُ الحسنُ، كلهم يصلُّون، وعامل الترجيح في شكل أدقَّ هو الخلقُ الحسن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خلقه القرآن، وقال:

(( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))

[السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 فقد أَحَبَّه أصحاُبه حُبًّاً جمّاً كما قال أبو سفيان:

(( ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ))

[السيرة النبوية لابن هشام]

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فالقول الشهير: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته...:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

القرأن الكريم كتاب موجز:

 ربنا سبحانه وتعالى يقول متحدِّثاً عن سيدنا آدم وزوجته فقال:

﴿ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾

( سورة طه )

 كان ينبغي أن يقول: فتشقيا، لا يخرجنكما، اثنان، من الجنة فتشقيا، ولكن ربنا سبحانه وتعالى قال: فتشقى، بالمفرد، فاستنبط علماء التفسير من هذه الآية أنّ: شقاء الرجل هو شقاء للمرأة، فإذا شقي الرجل شقيت معه امرأته، والقرآن الكريم موجز.

دقة القرأن الكريم وإعجازه:

 هناك لَفَتَاتٌ في اللغة دقيقة ؛ مثلاً يقول لك: أنا لا أكنز الذهب والفضة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)﴾

( سورة التوبة )

 فهذه الآية مِن القرآن الكريم نصَّتْ على الذهب والفضة حصراً، والذي يكنز العملات الورقية يا ترى هل له علاقة بهذا الموضوع ؟ بنص هذه الآية ليس له علاقة، ولكن القرآن ماذا قال ؟ الذهب والفضة ولا ينفقونها، كان من الممكن أن يقول: ولا ينفقونهما، أي الذهب والفضة فلما قال: ولا ينفقونها بالجمع، كان هذا من قبيل إعجاز القرآن، ليشمل أيَّ شيء في المستقبل، لأنّ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان المال المتداول هو الذهب والفضة، وفي العصور اللاحقة أي شيءٍ اتُّخِذ نقداً فحكمه حكم الذهب والفضة، فربنا عز وجل أشار إلى هذا بضمير الجمع

﴿ والذين يكنزون الذهب والفضةَ ولا ينفقونها ﴾

 وليس: ولا ينفقونهما، فالعملات النقدية والورقية داخلةٌ مع الذهب والفضة، لذلك قال العلماء: لو أن الناس اتفقوا على أن النحاس نقداً لحرم كنزه، ولو اتخذ الناس الجلد نقداً لحرم كنزه.
فالقرآن الكريم دقيق جداً ؛ فكلمة

﴿ فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ﴾

تعني أنَّ شقاء الرجل هو شقاءٌ للمرأة.
 بالمناسبة فالمبلغ مهما كان كبيراً إذا دفعتَ زكاته فليس بكنز، والمبلغ مهما كان صغيراً إن لم تؤدَ زكاته فهو كنز، فتعريف الكنز: هو المال الذي لا تؤدَّى زكاته، وأنت ليس لك حق أن تتهم إنسانًا بالبخل إذا أدّى زكاة ماله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

[ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن أبي هريرة ]

(( من حمل سلعته فقد برئ من الكبر ))

[ كنز العمال عن أبي أمامة]

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

لفتات لغوية من القران الكريم:

 وهناك لفتاتٌ لغوية أخرى، يقول الله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)﴾

( سورة التوبة )

 أن يرضوه، بضمير المفرد الغائب، وكان ينبغي أن يقول: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، ولا يخرجنكم من الجنة فتشقيا، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونهما في سبيل الله، هنالك قال: فتشقى، وهناك قال: ينفقونها، وهنا قال: والله ورسوله أحق أن يرضوه، ومنه استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن: إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، وأن إرضاء الله عز وجل هو عين إرضاء رسول الله، لذلك قال: " أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله ".
 إنه تطابق كامل، والحقيقة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام ليس له مطلبٌ شخصي أبداً، بل مطلبه أن يهتدي الخلق إلى ربهم، وليس له توجيه خاص من عنده، فهو رسول لا ينطق عن الهوى، فمحبته هي محبةٌ لله عز وجل.

الخلق الحسن والإحسان إلى الزوجة عاملان مرجحان لتفاوت المؤمنين:

 إذاً:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 وثمَّة أحاديث كثيرة وردت في إكرام النساء، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل عامليْن مرجِّحيْن لتفاوت المؤمنين ؛ العامل المرجح الأول الخلُقُ الحسن، والعامل المرجِّح الثاني الإحسانُ إلى الزوجة، وخياركم خياركم لنسائهم، لأن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وهي الخلية الأولى، لذلك اعتنى الإسلام بها عناية كبرى، حتى كانت أحكام الطلاق تشغل حيزاً كبيراً في القرآن، ولأن أحكام الطلاق، والزواج، وغض البصر، وآداب الدخول والاستئذان، والخروج، والخلوة ، وحد الزاني، وحد القاتل، كلّها متعلقة بالأسرة، وكلها صوناً للأسرة.

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات ومعاملات واخلاق معاً:

 هناك شيء نتج عن بعض التقسيمات التي قسمها الفقهاء، فقالوا: أوامر الله عز وجل بعضها عبادات، وبعضها معاملات، وبعضها أخلاق، عبادات، ومعاملات، وأخلاق، فالعبادات هي هذه الأوامر الشعائرية ؛ فالصلاة أن تقف، وتكبِّر تكبيرة الإحرام، وتقرأ الفاتحة وسورة، وتركع، وتسجد، والصيام أن تمتنع عن الطعام، والشراب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنِية، والحج كما تعلمون له مناسك، والزكاة لها نصاب، ولها مصارف، وما إلى ذلك، فهذه العبادات بعضها بدني، وبعضها مالي، وبعضها بدني ومالي، وبعضها مكاني، وبعضها زماني كالحج، فالفقهاء فصلوا الأوامر الشعائرية التعبدية فسمَوها عبادات، والأوامر الاجتماعية في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾

( سورة الحجرات )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)﴾

( سورة الحجرات )

 فالنهي عن الكذب، والغيبة، والنميمة، والإفك، والكبر، والاستعلاء، والإيقاع بين الناس، والتفريق، هذه الأوامر الاجتماعية هي الأخلاق، والمعاملات من أحكام البيوع والطلاق، والزواج، والعدة، والنفقة، واللقطة، والعارية، والهبة، والإيجار، هذه كلها أحكام، فلما قسم الفقهاء الأوامر إلى عبادات، ومعاملات، وأخلاق، سبق في ظن الناس أو توهموا أن الدين هو العبادات، مع أن الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو عبادات، ومعاملات، وأخلاق، وأن الذي يقوم ببعضها ويدع بعضها الآخر فهو كبني إسرائيل.

الإسلام بناء شامخ كبير وقواعده خمس:

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾

( سورة البقرة )

 يصلي حاضراً ويغتاب الناس ؟! فوُجِد تناقض، فالذي يصلي لا يغتاب، أما أن يصلي ويكذب في البيع والشراء:

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فصلاة وكذب، وصلاة وخيانة، وصلاة وقسوة في المعاملة، صلاة وكبر لا تجتمع معاً، فلما ضيَّق الناسُ مفهومَ الدين إلى أربع عبادات خسروا و ضاعوا، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

[البخاري عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 إنَّ الإسلام بناء شامخ كبير، وقواعده خمس، الشهادتان والصوم والصلاة والحج والزكاة، وهي دعائم وليست البناء، فإذا توهمنا أنها هي البناء، فنحن في وهم كبير، لهذا نصَّ عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الذي قرأتها على أسماعكم وفي هذا الحديث الذي هو موضوع هذا الدرس على هذا الأمر:

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

كيفية اكتساب الأخلاق الحسنة:

 يوجد سؤال ثانٍ ؛ يا ترى هذه الأخلاق الحسنة كيف تُكتسب ؟ عندنا أخلاق حسنة تقليداً، وأخلاق حسنة أصيلة، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه ))

[الجامع الصغير للسيوطي عن أبي الدرداء ]

 أي اكظم غيظك، فأنت من الداخل متأجج، وتغلي غلياناً، ولكنك مؤمن، فاضبط أعصابك واسكت، وإذا غضبت فاسكت، وتوضأ، أو اغتسل، أو اخرج من البيت، فهذا صار حلماً، ولكن التحلم تصنُّع حلم قسري، والثمن أن تكون حليماً أصيلاً، وأن تكون متحلماً، فأول مرحلة بأن تتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، أنْ تصطنع الكرم، فأنت متكرم، ولكن إذا تكرمت وعاكست هوى نفسك، ووقفت موقفاً مناهضاً لرغبتك، فهذه هي البطولة.
إنَّ المؤمن وقَّاف عند كتاب الله، وهذه الحالة الداخلية ؛ الغليان الداخلي مع الانضباط الخارجي، هذا اسمه تحلُّم، فإذا فعلت هذا شعرت أنك جاهدت في سبيل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: مجاهدة العبد هواه ))

[الجامع الصغير عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 إنه عمل بطولي أن تجاهد نفسك وهواك، وهذا التحلُّم يعينك على أن تُقبِل على الله في صلاتك، يا رب أنا كظمت غيظي من أجلك، وإرضاءً لك، كظمت غيظي وأنا أستطيع أن أفعل به الأفاعيل خوفاً منك، وبإمكاني أن أدمره فكظمتُ طلباً لرضاك، و بإمكاني أن أسحقه، لكني كظمتُ من أجل أن ترضى عني، انظر إلى هذا التحلُّم، فإذا تحلَّمت ووقفت بين يدي الله عز وجل شعرت أن الله راض عنك، عندئذٍ إذا تجلى الله عليك بأنواره أصبحت ذا حلم أصيل، والمرحلة الثانية: إذا استفزك إنسان شعرتَ بهدوء داخلي، وشعرتَ أن هذا مسكين بعيد عن الحق، هذا إنسان جاهل أرعن، هل تحبون أن تعرفون حقيقة الحلم ؟ لو كنت طبيباً وجاءك مريض مصاب بمرض جلدي خطير، هل تغتاظ منه ؟ لا، بل تشفق عليه، وترثي بحاله وتتألم له، فكلما ارتقى مستوى المسلم بدل أن يغضب من الناس يغضب على عملهم، وبدل أن يحقد عليهم يرثي حالهم، وبدل أن يغلي تشفياً منهم يبكي حزناً على جهلهم، وعلى بُعدِهم عن الله عز وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إنما الحلم بالتحلم، تتحلم، وهذا يحتاج إلى إرادة قوية، تُقبِل على الله عز وجل، فيلقِي الله في قلبك بعضاً من مكارم الأخلاق، لذلك فإنّ مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله عز وجل، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، وإنَّ الحليم موصول، والكريم موصول، والسخي موصول، والودود موصول، والرحيم موصول، وإنّ القاسي مقطوع، والغضوب مقطوع، والبخيل مقطوع، والجبان مقطوع، فمكارم الأخلاق آثار الصلة، ومساوئ الأخلاق أعراض الإعراض، والإعراض له أعراض، وأعراض الإعراض البخل، والقسوة، وحبُّ الذات، والأنانية، والاستعلاء، والتشفِّي، والحقد، فهذه كلها أعراض الإعراض، وثمار الإقبال مكارم الأخلاق.


الصبغة والفطرة:

 لذلك ربنا عز وجل مرةً قال:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾

( سورة الروم )

 ومرةٍ:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾

( سورة البقرة )

 هل هناك من فرق بين فطرة الله وصبغة الله ؟ طبعاً الفرق كبير، فالفطرة هي التي فطر عليها أي إنسان، والإنسان فُطِر على حب الكمال، وليس على الكمال، بل يحب الكمال، وثمَّة فرق كبير بين أن تكون كاملاً وبين أن تحب الكمال، فالسارق يحب العدالة، فإذا وزَّع الأموال المسروقة بين إخوانه وزَّعها بالعدل، فهذه بالحرام كلها، ويقول لزميله: لا تغش، وضع هذه الحاجة.
 هذه فطرة، والفطرة شيء، والصبغة شيء آخر، فالإنسان إذا كانت له صلة بالله عز وجل، وألقى في قلبه أنوار الحق، عندئذٍ صار رحيماً، وهذه رحمة أصلية، فلو أن إنساناً شاهد جريحاً أمامه بحادث دهس، وأمامه جمهور من الناس، وكلهم يعرفونه من الجيران، فبدافع من الحفاظ على سمعته يبادر، ويأخذ هذا الجريح إلى المستشفى، وهذا موقف اجتماعي ذكي ليس فيه رحمة، أما المؤمن فوضعُه آخر، فلو كان الجريح وحده، فبدافعٍ من حبه، ورحمته التي تملأ قبله يبادر لإنقاذ هذا الإنسان، والعملان من حيث الشكل متساويان، ولكن شتان بين هذا وذاك، فبينهما مسافة كبيرة، فهذا يفعل عملاً ظاهره الرحمة وباطنه السمعة، وهذا يفعل عملاً ظاهره الرحمة وباطنه الرحمة، فالعمل الأول عمل مزوَّر، أما العمل الثاني فعمل صحيح، ويمكن للقاضي أنْ يحكم بالعدل، ويطمع أن يصل هذا الحكمُ إلى جهات عليّة ، ويقدِّروا نزاهته فيرفعوه درجة، فهذا القاضي حكمه عدل، ولكنه ليس بعادل، أما حينما يكون العدل جارياً في دم القاضي، فإنه يحكم به دون أن يفكر بالثمرة، أو بالجزاء، أو بالترقية.

كل إنسان في الأرض مفطور على حب الكمال والمصبوغ في الكمال موصول بالله تعالى:

 أن تحب الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر، أن تكون كاملاً هذا صبغة، وأن تحب الكمال فهذا فطرة، فكل إنسان في الأرض مفطور على حبّ الكمال، أما المصبوغ في الكمال فهذا الموصول بالله عز وجل، وأيُّ إنسان يحب الكمال، حتى الكافر.

(( يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. ))

[ حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب ]

فهذا حديث دقيق.

(( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[الترمذي وقال حديث حسن صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 أنا أتصور إذا كانت أخلاقُ الإنسان شرسةً، وليس مستقيماً على أمر الله في كسب المال، وفي إنفاقه، وعلاقاته الاجتماعية ولاسيما مع النساء غير منضبطة، فهذا صلاته، وصيامه، وحجه، وزكاته، أعمال غير مجدية، لأنّ الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، ثمار الاستقامة، أو سبب الاستقامة، أما إذا انفصل الدين عن الخلُق كانت الطامة الكبرى، وهذا ما حدث، فألف مليون مسلم أين وعد الله عز وجل لهم بالنصر ؟ قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

( سورة النور )

القسوة من اثار البعد عن الله والرحمة من اثار الصلة بالله:

 والعبادة كما تكلمتُ عنها في الخطب الماضية تعني غايةً في الخضوع، مع غاية في الحب، وطاعة طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وغاية الخضوع مع غاية المحبة، هذه هي العبادة، قال تعالى:

﴿يعبدونني﴾

فإذا أخللتم فيما عليكم فأنا في حِلٍّ من وعودي الثلاث، فلذلك هذا الحديث هدفه أن يرقى الإنسان بنفسه مرتين ؛ مرة بتصنُّع الأخلاق الفاضلة بضبط نفسه، والأخلاق المصطنعة ثمن الأخلاق الأصيلة، وهذا مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إنما الحلم بالتحلم، و إنما الكرم بالتكرم ))

 عندك صانع كسر آلة غالية، يمكن أن تضربه ضرباً مبرحاً، ويمكن أن تسبَّ أجداد أجداده، في ساعة غضب، ويمكن أن تسكت أيضاً، لقد انكسرت الآلة مِن غير قصد، فإذا سكتَّ يمضي عمر بكامله وأنت متمتع بهذا الموقف الأخلاقي، يمضي على هذه الحادثة شهر وشهران، وسنة وسنتان أو أربعون سنة، وأنت تشعر بسعادة كبيرة، لأنك كنت حليماً، وما رويت غليلك منه، لذلك أحد الصالحين ـ اسمه عصرون باشا ـ وضع وقفاً فيه كل أنواع الأواني، لكل طفل، أو صانع، أو أجير، أو زوجة، كسر آنية من الأواني يأتي إلى هذا المكان ويستبدلها بواحدة جديدة.
 ويقولون: إن هناك رجلاً شديداً، إلى درجة غير معقولة في علاقته مع زوجته، ـ وهذه القصة قديمة ـ يأتي الساعة الثانية عشرة، يجب أن تكون الزوجة واقفة وراء الباب معها البشكير والقبقاب، يدخل ويجري تفتيشًا، ويحضر محرمة بيضاء، ويصعد إلى الخزانة ويمسح، فإذا تغيَّر لونها أقام عليها النكير، وهكذا معاملته لها، وله كأس شهير ـ كريستال ـ يشرب بها، فمرة وقع هذا الكأس من يد الزوجة من أول الدرج لآخره فتوقعت أنها طالق، فالله عز وجل رحمها، والكأس لم يكسر، فهذه الزوجة لشدة فرحها بنجاة هذا الكأس من الكسر شكرت ربها شكراً لا حدود له، جاء زوجها مساءً وقال لها: أريد كأساً من الماء، فوقعت من يده على السجادة فكسرت، فابتسمَت، فقال لها: لماذا ابتسمتِ ؟ تكلمي، فقال لها: أنت سهَّلتِ كسرَها إذاً ‍‍‍‍!!!
 هذه القسوة من آثار البُعد عن الله، والرحمة من آثار الصلة، فكان لعصرون باشا وقفٌ فيه من جميع أنواع الأواني، فأيُّ طفل، زوجة زوجها ظالم، أو صانع كسر آنية وخاف من سيِّده يعطيه قطعة من هذه الآنية، فيعطيه الآنية بكاملها، فكل إنسان أحضر له قطعة من إبريق، أو كأساً يعطيه بدلاً منه، حتى يوفِّر على الناس المشكلات.
***

مناسك الحج:

ساعات الإمتحان:

 تعليق على مناسك الحج، وكما قلت قبل قليل: العبادات منها الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، فهذه العبادات إما أن تكون مناسبة لسعادة الإنسان فيها، وإما أن تكون عبئاً عليه، فإذا سبقها استقامة والتزام، وسبقها طاعة لله في كل الأوامر ؛ في طعامه، وشرابه، وعلاقته بزوجته، وأولاده، وكسبه للمال، وإنفاقه له، وزواجه، وطلاقه، فإذا سبق هذه العبادات استقامة تامة تصبح هذه العبادات مناسبة للاتصال بالله عز وجل، وقد خطر في بالي قبل أن آتي إلى هنا ساعات الامتحان، هذه الساعات إما أن تكون أمتع ساعات الطالب، أو أصعب ساعاته، فإذا كان الامتحانُ ثلاث ساعات في الثانوية أو الجامعة، وقد سبقها دراسة جيدة، وحفظ جيد، وعدم هدر للوقت سابقاً، وهذه الكتب قرأت سابقاً، ولُخِّصت، وحفظت، ونوقشت، وحُلَّت مسائلها، فحينما يرى أن الأسئلة كلها واضحة يشعر الطالب بسعادة لا توصف، وهو في هذه الساعات الثلاث وإذا سبق هذا الامتحانَ إهمالٌ، وتقصيرٌ، وعدم مطالعة، وانحراف أخلاقي، تصبح هذه الساعات الثلاث عبئاً على الطالب، فالصلاة من دون استقامة صعبة، بل هي عبء، وثقيلة، فربنا عز وجل وصف المنافقين، فقال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

( سورة النساء )

 بين أن تقول: أرحنا بها، أو أرحنا منها، وبين أن ترى شهر رمضان شهر الغفران، والمحبة، والعبادة، وبين أن ترى هذا الشهر عبئاً، فتريد أن تسافر خارج القطر، فتكون حسب الشرع مسافراً، وهناك أناس يربطون سفرهم برمضان، حتى يتخلصُّوا من الصيام، ويصومونه في الشتاء، حيث اليومُ قصير، فهذه العبادات ومنها الحج، و الصيام، والصلاة، إن سبقتها طاعة لله عز وجل كالامتحان تماماً، ترى نفسك طليقاً وسعيداً في وجه متألق، والعينان زئبقيتان، وعليهما بريق، وإذا لم يدرس الطالب تصفَّن، وتضايق، وضجر، ويرى الوقت ثقيلاً عليه.

العبادات لن تكون مرجوة النتائج كما اراد الله تعالى إلا إذا سبقت بطاعة الله:

 هذه العبادات إذا سبقتها طاعات لله عز وجل في كل الأوامر تصبح مناسبات للإقبال على الله عز وجل، لذلك: أرحنا بها يا بلال، كان النبي عليه الصلاة والسلام كما تقول السيدة عائشة: " يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ".
 وسيدنا سعد بن معاذ يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ؛ ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرتُ في جنازةٍ إلا فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ".
 فالإنسان قبل أن يحج يجب أن يهيِّئ نفسه للحج ؛ بأن يستقيم على أمر الله، وقبل أن يصلي يجب أن يكون مع الله في غض بصره، وفي كسب ماله، وفي كل أعماله، لذلك لا تكون هذه العبادات مرجوة النتائج كما أراد الله عز وجل إلا في حالةٍ واحدة ؛ إذا سبقتها طاعةٌ لله، لذلك: قم فصلِّ فإنك لم تصلِّ، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، فهذه أشياء أساسية في الدين، وآن الأوان أن يطبقها الإنسان.
***

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:

الحكمة من يتم النبي الكريم:

 بقيت كلمة عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، واخترت لكم في هذا اليوم هذا السؤال لماذا كان عليه الصلاة والسلام يتيماً ؟ والغريب أن النبي عليه الصلاة والسلام وُلِد يتيماً، وبلغ من العمر ست سنوات، و توفيت أمه، فالحقيقة أنّ اليُتم مضاعف.
 أناس كثيرون يموت آباؤهم إما قبل الولادة، أو بعدها، وتبقى الأم، والأم شيء ثمين، أما أن يولد يتيماً عليه الصلاة والسلام وأن تموت أمه بعد ست سنوات، وله جدٌّ سيدُ قريش، عبد المطلب أحبّه حباً لا حدود له، وكان هذا الجد مكان أبيه وأمه، وفي السنة الثامنة توفي جده عبد المطلب، فما هذه الحكمة ؟ جده سيد قريش، وأبوه مِن أنجب أولاد جده، وكان عبدُ الله الجوهرةَ الوسطى في العقد، وأمُّه آمنةُ من بني النجار، والعلماء يقولون: من حكمة الله عز وجل أن كان النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً، وهو القائل:

(( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))

[السيوطي في الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 فكل عوامل التوجيه، والرعاية، والتلقين، والتعليم، والاعتناء عطلت كلُّها، فإذا نبغ في أخلاقه، وفي علمه، فهذا دليل أن الله سبحانه وتعالى وحده الذي تولَّى تربيته، لذلك مرة سمعت كلمة اقشعر لها جلدي، قال رجل لآخر: إذا لم يكن له أب فليس له رب، فالرب هو كل شيء.

الله عز وجل أفقد النبي الكريم الأب والأم والجد ولكن وفر له من يرعى امره:

 نلاحظ النبيَّ عليه الصلاة و السلام مع أنه لا يعرف أباه، وفَقَد أمَّه في سن مبكرة، وفَقَد جدَّه في السنة الثامنة من عمره، ومع ذلك قال:

(( أَدَبَّنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي ))

، ولكنَّ الله عز وجل ـ كما يقول العوام ـ يبلي ويعين.
 هناك فتاةٌ حبشية اسمها "بركة"، سميت فيما بعد بأم أيمن، كانت جاريةٍ عند أبيه، هذه حضنته ورعته أحسن الرعاية، وكأنها أمه، أم أيمن أو بركة وعبد المطلب جده أيضاً بأسباب عديدة عطف عليه عطفاً يفوق عطف الآباء على الأبناء، فلأن عبد الله والد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان أحب الأبناء إلى عبد المطلب، لذلك أحبه حباً كثيراً، وأحب ابنه محمداً على حب أبيه، فكان هناك حبٌّ على حب، وهذه أم أيمن، بركة، الجارية عطفت عليه عطفاً كثيراً فكانت له كالأم، فربنا عز وجل أفقَدَه الأبَ والأمَّ، وأفقده الجدَّ، ولكنْ وفَّر له من يرعى أمره.

إعجاب عبد المطلب بالنبي الكريم وتعلقه الشديد به:

 كان هناك عادات في الجاهلية، ومن عادة عبد المطلب بن هاشم أن يتخذ له مجلساً في الكعبة، يتحدث فيه إلى الرجال، ويتحدثون إليه، فكان يفرش له فراشاً في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليهم، فلا يجلس عليه أحد منهم إجلالاً له، ويعيِّن له مكان أبناء جده عبد المطلب، فكانوا يجلسون حول هذا الفراش، ولا يجرؤ أحد أن يجلس عليه إلا النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يأتي وهو غلامٌ جفر ـ ومعنى جفر أي فيه صحة ونمو ـ و يجلس على فراش جده، فيأتي أعمامه ليؤخروه عنه، فكان عبد المطلب يمنعهم إذا رآهم، ويقول: دعوا ابني إنه ليؤنس ملكاً ـ أي يشم منه رائحة الملك ـ ثم يجلسه على فراشه ويمسح ظهره بيده، ويسره بما يراه منه وكان يقربه منه، ويدنيه، ويدخله عليه إذا خلا وإذا نام، ويرق له رقةً لم يرق لها والدٌ على ولده، وكان لا يأكل طعاماً إلا إذا قال أين محمد ؟ عليَّ بابني، وكان يسميه ابنه، فعبد المطلب جده كان معجباً به إعجاباً شديداً، ومتعلقًا به تعلقاً كبيراً، لِما يراه من آيات السمو، إنه طفل صغير عليه علائم النجابة، وعلائم السمو، فكان يعزف عن اللهو الباطل، وكان إذا دُعي إلى اللهو صلى الله عليه وسلم يقول: " لم أخلق لهذا ".
نحن الكبار يا ترى هل لنا حرص على وقتنا ؟ هل تقول إذا دعيت إلى جلسة باطلة: لم أخلق لهذا، أو سهرة لا يوجد منها فائدة مع أناس متكبرين، فهل تقول من حين إلى آخر: لم أخلق لهذا، هل تعرف أنت لماذا خلقت ؟ هل الهدف من خلقك واضح أمامك، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما كان طفلاً صغيراً كان يقول إذا دعي إلى لهو الأطفال: "لم أخلق لهذا "، فكان عبد المطلب يعجب به أشد العجب، فكان يعجب من كمال أدبه، ومن سمو خلقه، ومن عزوف نفسه عن اللهو الباطل، وعن تنزهه عن التدني فيما يتدنى به الأطفال عادةً، من تهافت على الطعام والشراب، أو تطلع إلى ما يجلبه الآباء والأبناء، كل هذه الصفات المشتركة بين الأطفال كان عليه الصلاة والسلام مترفعاً عنها.

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ:

 شيء آخر ؛ النبي عليه الصلاة والسلام كما قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب )

 لقد جعله يتيماً، وهذا فخر لكل يتيم، وكما سمعت أن دار الأيتام في الميدان على مدخلها لوحة كبيرة فيها صورة لمقام النبي عليه الصلاة والسلام وكتب عليها " سيد الأيتام محمد عليه الصلاة والسلام"، فإذا فقدَ الإنسانُ أمَّه أو أباه، وما تلقى عناية كافية، فلا ينسى أن له ربًّاً يرعاه خير رعاية.
 يقول الرواة: " إن حليمة قدمت مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام ابن خمس سنين فأضلها في الناس ـ ضاع منها ـ فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فأخبرته، فالتمسه عبد المطلب فلم يجده، فقام عند الكعبة يدعو ويقول: لا هم أي اللهم، أدِّ راكبي محمداً، أدِّه إليّ، واصطنع عندي يده، فأنت الذي جعلته لي عضداً، وأنت الذي سميته محمداً ".
 فكان هناك حرص بالغ عليه من قِبَل جده، ومن قِبل مربيته، ولما مات عبد المطلب أحسَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بألم الفاجعة، وأدرك عِظَم المصيبة، وعرف أنه فقَد القلب الكبير، وهو في الثامنة من عمره، لذلك قالت أم أيمن: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي خلف سرير عبد المطلب.
وسئل النبي عليه الصلاة والسلام: أتذكر يا رسول الله موت عبد المطلب ؟ قال: نعم وأنا يومئذٍ ابن ثماني سنين.

المقاصد المتوخاة من السيرة الشريفة:

 هذه اللقطة من السيرة لي منها مقصدان ؛ أول مقصد؛ هل يوجد لأحدنا هدف، ولماذا أنت على وجه الأرض ؟ لماذا أنت هنا في الدنيا ؟ هل الهدف واضح تماماً، والنبي قال: " لم أخلق لهذا"، وأنت أمام المواقف المتعددة تقول: لم أخلق لهذا، أم تقول: خلقت لهذا، فيجب أن تعرف لماذا أنت هنا ؟
 والشيء الثاني: إذا كان الإنسان يتيماً، فربما تلقّى عناية بشكل غير مباشر تفوق حدَّ الخيال، وقد يكون اليتيم أسعد الناس، فموضوع اليُتم، وكونه نشأ فقيراً، أو بعيداً عن والديه، أو في بيت مفكك، هذه كلها لا تقدِّم ولا تؤخِّر.
ولله درُّ مَن قال:

وَإِذَا الْعِنَايَةُ لاَحَظَتْكَ جُفُونُهَا  نَــمْ فَالْمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ

والحمد لله رب العالمين