أحاديث رمضان 1423هـ - أدعية مأثورة - الدرس (21 - 30 ): أدعية النبي في ثلاث كليات: تمجيد الله وإعلان التذلل وذكر الطلب...
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2002-11-26
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

على الإنسان أن يُمجد الله و يعظمه ثم يتذلل له :

 أيها الأخوة الكرام، لو استقرأنا عدداً من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام لوجدنا أن هذه الأدعية تسير على مراحل ثلاث، قد يتقدم بعضها على الآخر في هذه الأدعية لابد من تمجيد الله وتعظيمه، ومن هذه المراحل لابد من إعلان التذلل لله، والاستكانة، ثم لابد من ذكر الطلب، تعظمه، وتفتقر إليه، وتضع حاجتك عنده، أوضح مثل على ذلك فاتحة القرآن الكريم:

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

[ سورة الفاتحة : 1-4 ]

 الآن:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 نحن يا رب ضعفاء لا نقوى على طاعتك إلا بمعونتك، ثم نضع حاجتنا بين يديك:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

[ سورة الفاتحة : 6-7]

 سيدنا يونس قال تعالى:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 87]

 تمجده، تعظمه، ثم تتذلل له، ثم تضع حاجتك عنده، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت، وأهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت.
 إذاً من استقراء أدعية النبي عليه الصلاة والسلام وهي كثيرة جداً يتضح أن ثلاث كليات في الدعاء؛ الكلية الأولى: تمجيد الله وتعظيمه، والكلية الثانية: الاعتراف بالذنب، وإعلان العجز، والافتقار إليه، ثالثاً: نسأله ما نريد، تقدم لحاجتك بافتقارك إليه وتعظيمك إياه.

المؤمن ثوبه أبيض ناصع وأي شيء غريب عليه يظهر بوضوح :

 من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 الإنسان إلى حدٍّ ما يشبه الثوب، فالمؤمن ثوبه أبيض ناصع، وأي شيء غريب عليه يظهر بوضوح، فلأنه مستقيم، لأنه مخلص، لأنه متخلق بأخلاق الإسلام، أي خلل في سلوكه يبدو صارخاً، وهناك إنسان ثوبه كان أزرق اللون من الوحل، والزيت، والقذارة، ليس له لون، فمهما وضعت على هذا الثوب من الدرن لا يبدو شيئاً، هو أصبح درناً، لذلك هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

[ سورة القصص: 78]

 مجرم الأخطاء الصغيرة لا تظهر عليه أبداً، إذاً:

((نَقِّنِي مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ))

 الثوب الأبيض نصاعته واضحة فما عليه من أشياء غريبة تبدو واضحة أيضاً.

الذنب كلما كَبُر عند صاحبه صغر عند الله و العكس صحيح :

 بالمناسبة الذنب كلما كبر عند صاحبه صغر عند الله، وكلما صغر عند صاحبه كبر عند الله، فاستصغار الذنب ذنب آخر.
 علامة الإيمان أن المؤمن يرى ذنبه كأنه جبل واقع عليه، بينما المنافق يرى ذنبه كالذباب، فيمكن أن تمتحن إيمانك من تصور الذنب الذي تقترفه، فلو كان الذنب عندك كبيراً فهذه علامة إيمان، تب من هذا الذنب، أما إن كان الذنب عندك صغيراً فهذه علامة نفاق.

التسبيح يشمل التنزيه والتعظيم في وقت واحد :

 ومن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك))

[رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي]

 التسبيح أيها الأخوة في أدق معانيه يعني تنزيه الله عز وجل عن كل نقص لا يليق به، عن كل نقص وعن كل ما لا يليق به، التسبيح يعني تنزيه الذات الإلهية عن كل نقص، وعن كل ما لا يليق بمقام الألوهية، ثم التسبيح هو التعظيم، أنا مثلاً لا يمكن أن أمدح ملكاً فأقول: لا يكذب، لا يسرق، لا يكفي هذا، هذا من سوء الأدب، ينبغي أن تنزهه، وأن تعظمه، وتمجده، فالتسبيح يشمل التنزيه والتعظيم في وقت واحد، ثم إن التسبيح من معانيه العملية الخضوع لله عز وجل .
 تسبح بمعنى تنزه، وتمجد، وتخضع، فإذا قلنا: سبحان الله ننزهه ونعظمه ونخضع له.

((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك))

[رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي]

 الجد هو العظمة، والجد هو الذكاء، في بعض الأدعية: "لا ينفع ذا الجد منك الجد"، مهما كان الإنسان متفوقاً في ذكائه فهذا الذكاء لا ينفعه مع الله، لأن الله سبحانه وتعالى إذا أراد إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه، مثلاً لو أن أبا لهب بشكل تمثيلي قرأ الآية:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[ سورة المسد: 1-5 ]

 هذه السورة نزلت في حياة أبي لهب قبل أن يموت، لو أنه بشكل تمثيلي جاء وأعلن الشهادة أمام رسول الله لعطل القرآن، لكن الله سبحانه وتعالى يملك كل شيء، حتى يملك إرادتنا.

المنقطع عن الله يرتكب حماقات يترفع عنها الصبية :

 آية أبلغ من هذه من زاوية واحدة يقول الله عز وجل:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ﴾

[ سورة البقرة: 142]

 الله عز وجل وصفهم أنهم سفهاء.

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾

[ سورة البقرة: 142]

 إذاً: لو أن هؤلاء السفهاء - وقد وصفوا أنهم سفهاء - سكتوا لأبطلوا هذه الآية، سكتوا فقط لعطلوا هذه الآية، لكن الله كما يقال طليق الإرادة، أي مهما كان الإنسان ذكياً حينما ينقطع عن الله يرتكب حماقات يترفع عنها الصبية، وهذا من عظمة الإيمان، أنت حينما تؤمن يلهمك الله الحكمة:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 يُقطع عن الله، يلهم الإنسان الحمق، والذي تسمعه من حماقات في التصريحات، ومن حماقات في التصرفات، شيء طبيعي جداً لكل إنسان مقطوع عن الله.

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 1]

الحكمة من أعظم عطاءات الله للإنسان :

 هذه الحكمة لا يؤتيها إلا المؤمن، والحكمة أيها الأخوة أكاد أقول من أعظم عطاءات الله للإنسان، إنك بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تجمع المال وبالحمق تبدده، أنت بالحكمة تكسب الأصدقاء، وبالحمق تخسرهم، أنت بالحكمة تلقى محبتك في قلوب الناس، ومن دون الحكمة تلقى كراهيتك في قلوب الناس، يكاد هذا العطاء يكون أعظم عطاء من الله عز وجل.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 والإنسان ولو كان ذكياً قد يدمر نفسه بيده قال تعالى:

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾

[ سورة الحشرة: 2]

 مع الله لا يوجد ذكي، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
 قد تجد طبيباً متفوقاً جداً في اختصاصه، متفوق، ومعتدّ بنفسه، وواقع في وهم أنه لن يصاب بمرض هو من اختصاصه، المفاجأة أن هؤلاء الكبار في اختصاصهم يصابون بأمراض من صلب اختصاصهم، زرت طبيب قلب في أمريكا بالأربعين، أموره منتظمة بشكل يفوق حدّ الخيال، ومع ذلك أصيب بآفة قلبية، لا لأنه لا يعتني بصحته، لا لأن الإنسان حينما يتعمق في العلم قد تزل قدمه فيعتد بعلمه وينسى أن المُسَلِّم هو الله، فيؤتى الحذر من مأمنه.

الأمور ليست بالاحتياطات ولكنها بالتوفيقات :

 لا ينفع ذا الجد منك الجد، الأمور ليست بالاحتياطات ولكنها بالتوفيقات، والتوفيق بالاستقامة، أنت حينما توفق يخدمك عدوك، وحينما لا توفق يتطاول عليك أقرب الناس إليك، إذا وفقك الله خدمك أعداؤك، وإذا تخلى الله عنك تنكر لك أصدقاؤك.

((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك))

[رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي]

 كما قال عليه الصلاة والسلام في ركوعه:

((اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي ، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي))

[مسلم من حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ]

 خشع لك أي سكن لك، سكن لك أي استسلم لك، خضع لك، فالمؤمن من أولى صفاته أنه مستسلم لله عز وجل، والكافر من أولى صفاته أنه يتأبى على الله عز وجل، ويستنكف أن يعبده، والقاعدة أيها الأخوة، أنت حينما تتذلل لله عز وجل، وتخضع له، وتنساق إلى أمره، يرفع الله لك ذكرك، وحينما تتكبر على من أوجدك من عدم، يذلك إذلالاً لا يوصف، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ِ ﴾

[ سورة الحج: 18]

 بقدر ما تفتقر إليه، وتعلن حاجتك إليه، وتمسح جبينك في أعتابه بقدر ما يعزك، قال تعالى:

﴿ أَلَم نَشْرَح لَكَ صَدْرَك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح: 1-4]

 وإذا أعزّ الله عبداً كما قلت: خدمه أعداؤه.

أقصر طريق لتأكيد الذات طاعة الله عز وجل :

 مرة الخليفة الذي أتى قبل عمر بن عبد العزيز أقطع رجلاً أرضاً كبيرة، فلما جاء عمر أخذها منه، واستردها لبيت مال المسلمين، بعد عمر جاء خليفة ثان، جاءه هذا الذي أقطع أرضاً ثم أخذت منه يقول لابن الخليفة الذي استردها منه: إن فلاناً أقطعني أرضاً وإن والدك رحمه الله تعالى أخذها مني، قال: يا سبحان الله تترحم على من أخذها منك ولا تترحم على من أعطاك إياها؟
 هو استرد هذه الأراضي بالحق فأكرمه الله، وأعلى ذكره، والإنسان بحاجة إلى ما يسمى بتأكيد الذات، كل إنسان بحاجة إلى أن يكون إنساناً مهماً، له شأن، له مكانة، أقصر طريق لتلبية هذه الحاجة الفطرية أن تكون مطيعاً لله عز وجل، لأن الله يرفع لك ذكرك، ويعلي قدرك، ويلقي محبتك في قلوب الخلق.

والحمد لله رب العالمين