أحاديث رمضان 1421 - تفسير آيات - سورة آل عمران - الدرس ( 13 - 52 ) : العذاب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12-04
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

عذاب الإنسان مرتبط بذنوبه

 أيها الأخوة الكرام ؛ لأن الإنسان مفطور على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، قضية العذاب أساسية جداً جداً في حياته ، يحب السلامة ، يحب السعادة ، يحب الكمال ، يحب الدوام ، فإذا طرأ طارئ أقلقه أو نغص عليه حياته ، أو جعله على غير ما فطر عليه ، من حب السلامة يقلق ، ويتألم ويبحث ، المؤمن عنده ميزة لا تقدر بثمن ، أن الذي خلقه بين له أن كل شيء يزعجك ويؤلمك له سبب .

﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

[سورة الأنفال الآية:35]

 لو تتبعت آيات العذاب لوجدتها كلها معللة بذنب .

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

[سورة الشورى الآية:30]

 لما خالق الكون يبين لك أن كل شيء يزعجك بسبب ذنب ارتكبته ، لو عدنا إلى بعض الآيات :

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 هذه دعوة .

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 الباء باء السبب ، أي يعذبكم بسبب ذنوبكم .

﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 ماذا يُفهم من هذه الآية ؟ لو أن الله قبل دعواهم بالمحبة لما عذبهم ، يستنبط أن الله عز وجل لا يعذب أحبابه ، هذا شيء يلقي الأمن في قلب المؤمن ، الحياة مفعمة بالأخطار ، أخطار لا تعد ولا تحصى ، بدءاً من جسمك ونهايةً بالأقوياء ، كلكم يسمع ويشاهد ما يحل بالناس في العالم ، من تشرد ، من أعاصير ، من براكين ، من زلازل ، من فقر ، من قهر .

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنعام الآية:56]

 ربط العذاب بالذنب شيء دقيق جداً في حياة المؤمن .
 أيها الأخوة ؛ النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح آخر حينما أردف خلفه سيدنا معاذ .
 عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ :

(( بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ : يَا مُعَاذُ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ. قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟. قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ . قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ ))

[أخرجه البخاري]

 خالق الكون أنشأ لك حقٌ عليه ، أنت في ملكه ، أنت لست نداً له ، أنت في ملكه ، لو فعل بك ما شاء لا يعد ظالماً لك ، لأنك جزء من ملكه ، ومع ذلك الله عز وجل أنشأ لك حقٌ عليه

(( قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُم ))

 تأتي آية ثانية :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الرعد الآية:11]

 مستحيل أن يظهر طارئ بحياتك دون سبب ، قد يكون له سبب أرضي ، أما السبب الحقيقي فهو أن الله هو مسبب الأسباب ، الله إذا أراد شيئاً يهيئ أسبابه ، معنى هذا أنه يوجد سبب قبل السبب المادي ، أي يوجد سبب من عند الله ، لأن الله عز وجل إذا أراد إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبه ، كيف يقدر الله الأذكياء ، وهو في قمة ذكاءه ، وهو في حكمته ، وهو في رجاحة عقله ، وفي ثقافته وإطلاعه ، وعلاقاته وشبكة اتصالاته ، يريه رؤيا غير صحيحة ، إن الله إذا أراد إنفاذ أمرٍ أخذ من كلِ ذي لب لبه ، يرتكب الإنسان حماقة ما بعدها حماقة ، وهو في قمة ذكاءه ، والله عز وجل مربي ، هنا قضية العذاب من أخطر قضايا الدين ، العذاب مربوط بذنب .

﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية :34]

 ورد في بعض الأحاديث : ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عودٍ ، إلا بما قدمت أيديكم ويعفو الله أكثر .
 أي أعظم ما في حياة المؤمن أنه يفسر كل الشدائد ، وكل المضايقات ، وكل البلايا ، وكل المصائب ، وكل المرهقات ، بحسب نصوص الكتاب والسنة ، تفسير حقيقي من عند خالق الكون ، هناك تفسيرات كثيرة لا قيمة لها إطلاقاً ، قد تفسر الأمر تفسير أرضي ، تفسير مادي ، تفسير بيئي ، تفسير توازن قوى ، هذه التفسيرات كلها لا تقف على قدميها ، أي مثلاً بلد أصابته حرب أهلية ، أخرته مائة عام ، وأتلفت كل شيء ، وأهلكت الحرث والنسل ، وقضت على مائة ألف أو يزيدون ، قد يفسر هذا الحدث تفسير من زاوية أو ثانية أو ثالثة ، العبرة التفسير القرآني :

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النحل الآية:112]

 هذا هو التفسير القرآني ، فلماذا حياة المؤمن حياة غنية ؟ غنية بالنص القرآني ، فكلما جاءته مصيبة فسرها ، لم يقبل تفسيراً أرضياً قريباً ، هذا شيء واقع ، مثلاً لو أن أهل بلدة فسقوا وفجروا أصابهم زلزال ، أن يكون هذا الزلزال بسبب فسقهم هل ينفي التفسير المادي للزلزال ؟ لا.
 حركة بباطن الأرض ، من حرك هذه الطبقات ، من هز هذه الطبقات ؟ من هو ؟ مسبب الأسباب .
 فأهل الدنيا يقفون عند الأسباب المادية فقط ، فالكوارث وكل شيء يصيب الدنيا يفسر عند أهل الدنيا تفسير مادي ، أرضي قريب ، أما المؤمن ولأنه يؤمن بمسبب الأسباب فيقول : الذي بيده هذه الأسباب لماذا حركها ؟ حركها لحكمة !! ما حكمتها ؟ كذا وكذا .

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

[سورة هود الآية:117]

 يوجد هلاك من طريق زلازل ، براكين ، أعاصير ، حروب أهلية ، هذه كلها أسباب مباشرة ، ما هو السبب غير المباشر ، هو أن الله أراد أن يؤدب هؤلاء ، قال تعالى :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة الآية:21]

 العذاب الأدنى عذاب الدنيا ، والعذاب الأكبر عذاب النار ، لذلك حينما ورد في بعض الأحاديث القدسية :

(( وعزتي وجلالي لا أقبض المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كلن عملها سقماً في جسده أو إقتاراً في رزقه أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))

 الآن المؤمن الصادق الذي نوَّر الله قلبه لا يقف موقف لا مبال من المصيبة ، يفهمها فهماً تربوياً ، ويبحث عن السبب الحقيقي الذي ساق له هذه المصيبة ، إنه ذنب ارتكبه ، يبحث عنه ، يضع يده عليه ، يتوب منه ، إذاً هذا المصاب لا يعود مرة ثانية ، أما ما الذي يحصل عند الناس ؟ تأتيه مصيبة يفسرها تفسير أرضي ، لا يغير ما هو عليه ، مقيم على معصية لا يقلع عنها ، الآن تأتيه مصيبة أشد ، الله سبحانه وتعالى قال :

﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾

[سورة الجن الآية:17]

 متنام ، كالطبيب تماماً ، يعطيه عيار خمسة ، لا يؤثر يرفع إلى عيار عشرة ، ثم إلى عيار مائة ، لذلك أكبر مصيبة على الإطلاق أن لا تحدث فيك المصيبة أثراً ، من لم تحدث المصيبة فيه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، لأنه من المستحيل أن يسلمك الله لإنسان ، لأنه عندما قال لك الله عز وجل اعبدني يا عبدي ، لو أن أمرك بيد زيد أو عبيد كيف تعبده ؟ ينبغي أن تعبد من أمرك بيده ، لو أنه جدلاً وفرضاً سلمك لمخلوق ، أما بالعين المباشرة ، بالرؤيا السطحية قد يكون فلان تحت أمرة فلان ، وفلان تحت رحمة فلان ، هذا بالرؤية السطحية ، لأن الله عز وجل قال :

﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾

[سورة الشورى الآية:53]

 فيأتي سؤال كبير جداً ، بيد من كانت ثم صارت بيد الله ؟ هل يعقل أن تكون الأمور بغير يد الله ثم صارت إليه ؟ العلماء قالوا : لا ، الأمور دائماً بيد الله ، ولكن أهل الدنيا يرون الأمور بيد زيد أو عبيد ، هذه رؤيتهم الناتجة عن ضعف إيمانهم ، أما يوم القيامة كل الخلائق يرون الأمر بيد الله ، هو بيد الله دائماً في الدنيا والآخرة ، لكن أهل الإيمان وحدهم في الدنيا يرونه بيد الله ، أما عامة الناس يرونه بيد الدولة الفلانية ، والآن أكبر شيء وقع به المسلمون الشرك ، رأوا دولة قوية جداً استقطبت العالم وتملي إرادتها على كل الشعوب وهي أقوى دولة ، وأنا ذكرت في الخطبة عن عاد الأولى والثانية ، قال الله تعالى :

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

[سورة النجم الآية:50]

 معنى هذا أنه يوجد عاد ثانية ، هذه القبيلة عاد ما خصائصها ؟

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[سورة فصلت الآية:15]

 وهذه أول خصيصة ، الكبر ، الخصيصة الثانية :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾

[سورة الفجر الآيات:6-8]

 تفوق في كل المجالات .

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[سورة الشعراء الآيات:128-130]

 هذه الخاصة الثالثة ، أما الرابعة :

﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾

[سورة الحاقة الآية: 6-7]

 إذاً العبرة أن تربط كل شيء يزعجك في الدنيا لا بسبب أرضي مباشر بل بسبب إلهي غير مباشر ، لأن الله عز وجل مسبب الأسباب ، وأنا أقول دائماً حينما تفهم على الله حكمته من سوق الشدائد حلت مشكلتك ، حينما تفهم على الله حكمته البالغة من سوق الشدائد حلت مشكلتك .

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:147]

 أي تقتضي رحمته الواسعة أن يرد بأسه عن القوم المجرمين ، الذين تخلوا عن إنسانيتهم ، أو تخلوا عن رسالتهم في الحياة ، هذه نقطة .

النصر للمؤمنين ولو بعد حين

 يوجد آيات يقدر الإنسان أن يقرأها لكن لا يستفيد منها ، يقول الله عز وجل :

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية:139]

 في النهاية ، ولكن هذه الآية تملأ قلب المؤمن ثقة بنفسه وبدينه وبالمستقبل ، ثقة بنفسه لأنه مؤمن .

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية:139]

 تملأ ثقته بالمستقبل ، المصير للمؤمن ، أي الباطل يجول لكن لا يستقر إلا على الحق .

﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾

[سورة القمر الآية:3]

 الأمر لا يستقر إلا على إحقاق الحق وإبطال الباطل ، الباطل مهما كان قوياً فإلى زوال .

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[سورة الإسراء الآية:81]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال الآية:36]

 فسينفقونها ثم ستكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، فإن كان وضعنا الآن أن الغلبة للكفار فهذا وضع مؤقت ، الأمر لا يستقر إلا على نصر المؤمنين .

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

[سورة القصص الآية:5-6]

 ذكرت هذا لبعض الأخوة فقال لي : إن هؤلاء الأقوياء الذين استقطبوا العالم عندهم كل أسباب القوة ، ولكن الله عز وجل قادر على أن يأتيهم من مأمنهم ، يؤتى الحذر من مأمنه ، من جهة أمنه يؤتى ، فأكثر المصائب الكبرى التي قال عنها بعض العلماء : عرفت الله من نقض العزائم .
 أكثر المصائب الكبرى جاءت من جهة غير متوقعة ، أقوياء مالياً ، أقوياء صناعياً ، أقوياء سلاحاً ، أقوياء سيطرة ، أقوياء معلومات ، هذه القوى يأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا ، فالعبرة أن نكون من الداخل أصحاب معنويات عالية ، لأننا مؤمنون والحمد لله ، وأن لا نهزم من الداخل ، قد نهزم من الخارج ، أما من الداخل ينبغي أن لا نهزم ، لأن الله عز وجل قال :

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية:146]

 طبعاً هذه الآية تصب في خانة الموضوع الأول .

الحساب الجاري ، والمصائب الكشف

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة الأنفال الآية:53]

 يوجد كلمات جامعة مانعة باللغة البسيطة ، أنت بخير لا تغير لا يغير ، يوجد شيء أزعجك ، غيِّر حتى يغيِّر ، والله ممكن أن تضغط ألف محاضرة بهذه الكلمات ، أنت بخير لا تغير لا يغير ، يوجد عندك مشكلة كبيرة ؟ غيِّر حتى يغيِّر.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الرعد الآية:11]

 وكل شيء له ثمن ، وكل شيء له ثواب ، وكل شيء له عقاب ، فمن هو العاقل ؟ هو الذي لا يفعل أسباب المصائب ، الأسباب الحقيقية البعيدة .
 استوقفني مرة أخ مسلم ، بينما كنت ماراً قرب محله التجاري ، وكأنه قال لي معاتباً ربه : لا يوجد عندي أي مخالفة في المحل ، البضاعة وطنية ، والأسعار صحيحة ، وفواتيري معي ، ولا يوجد عندي أي مخالفة ، جاءني موظف وكتبني مخالفة ، عقوبتها محكمة وشهرين في السجن ، متألم أشد الألم من هذا الوضع ، لا يوجد أي مخالفة ، بضاعته كلها وطنية إنتاج محلي ، فواتيره كلها جاهزة ، يبدو أن هنالك تسعيرة ساقطة ، قلت له : هل تظن أن الله يحاسبك على أساس حساب السندات أم الحساب الجاري ؟ فلم يفهم علي ، ثم بينت له ، الحساب الجاري هو أنه إن كان يوجد أخطاء في المنزل فتدفع ثمنها في المحل ، أي إن كان يوجد أمر لا يرضي الله في البيت ، كملء عينين من حرام ، أو يوجد منكرات في البيت هذا الذي فعلته في البيت مسجل في صحيفتك ، حساب جاري ، فيأتي التأديب في المحل ، فلا تستغرب أن تكون في مكان أنت بريء فيه مائة بالمائة ، فيأتي التأديب في هذا المكان لسبب من مكان آخر ، فالحساب ليس حساب سندات ، وكل صفقة لوحدها ، بل حساب جارٍ ، كله متداخل مع بعضه ، لذلك الإنسان حينما يحاسب نفسه ، هذه نقطة مهمة جداً ، طبعاً هذا لا ينفي أن المؤمن حينما يستكمل إيمانه فإنه يبتلى ، ابتلاء يعرفه معرفة يقينية أنه ابتلاء ، وأنه كي يرفعه الله عز وجل ، وغالباً متعلق بأسباب مقدسة ، هنا ليس بالدعوة ، أي أنت قد تعاني في الدعوة ما تعاني ، هذه ليست مصائب مادية كعقابات ، الأنبياء العظام ابتلوا

((عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ))

[أخرجه الترمذي]

 مصائب الدعاة والصديقين والمتفوقين هذه لها تفسير آخر ، بل إن مصائب الأنبياء مصائب كشف فقط ، لأنهم ينطوون على كمال لا يظهر إلا في وضع صعب ، فإنسان يمشي ثمانون كيلو متراً في الجبال حتى يكذبونه ويسخرون منه ، بل ويضربونه ، ويأتيه ملك الجبال ويقول له : أنا تحت أمرك لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، يقول : لا اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون .
 هذه مصيبة كشف ، أي هذا الكمال العالي جداً لا يمكن أن يظهر إلا بهذا الظرف الصعب ، مصائب الأنبياء مصائب كشف ، ومصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع ، بينما مصائب أهل الدنيا والشاردين مصائب قصم أو ردع ، قصم أو ردع ، رفع أو دفع .
 والحمد لله رب العالمين
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضى عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

والحمد لله رب العالمين