أحاديث رمضان 1422 - موضوعات قرآنية - الدرس ( 14 - 57 ) : حسن الظن بالله .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-11-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
 الصادق الوعد الأمين .

لن تكون مؤمناً إلا إذا استسلمت لمشيئة الله ورضيت بقضائه وقدره:

 أيها الأخوة الكرام, حول قول الله عز وجل:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

[سورة الأنعام الآية: 115]

 قال بعض المفسرين: أن كلمة الله إن كانت خبراً فهي صادقة، وإن كانت حكماً فهي عدلُ، حكمه وأمره وتكليفه عدل، إخباره صدق:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

[سورة الأنعام الآية: 115]

 يوجد تفسير آخر: قال: يا عبادي منكم الصدق تتفاوتون به ومني العدل.
 يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له .
 ولكن الله عز وجل لا يمكن أن تعرف عدله من أفعاله، هذه منطقة ألغام، عدله يعرف من قرآنه، أخبرنا الله عز وجل بآيات كثيرة جداً أن عدله مطلق:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 77]

 ولا قطمير ولا نقير:

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 47]

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 40]

 لا يمكن أن تعرف عدله من أفعاله إلا أن يكون لك علم كعلمه، فقد تجد دولة طاغية قوية متجبرة ومتغطرسة تقتل الأبرياء المدنيين بلا تريث بلا تفحص وينتصرون، فإذا أردت أن تعرف عدله من أفعاله فهذا الطريق غير سالك، لن تستطيع أن تكتشف عدله من أفعاله إلا إذا كان علمك كعلمه وهذا مستحيل، لكن عدله يعرف من إخباره لنا، وقد تكشف الأيام حقيقة ما يجري، فالنقطة الدقيقة: ينبغي أن لا تتهم الله في أفعاله، وحسن الظن بالله ثمن الجنة، وأنا أعي ما أقول حينما لا ترضيك الأخبار لا ينبغي أن تتهم الله عز وجل، أن تبقى موقناً بعدله وبرحمته وبحكمته، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 140]

 شاءت حكمة الله ألا ينتصر المؤمنون على نحو مستمر، وألا ينتصر الكفار على نحو مستمر، ذلك أنه لو انتصر المؤمنون على نحو مستمر لدخل كل الكفار في دين الله طمعاً في النصر، ولو أن الكفار انتصروا دائماً لخرج المؤمنون من دين الله، لكن النصر والهزيمة تتناوب لحكمة أرادها الله عز وجل، فأنت لا تعرف عدل الله من أفعاله هذه منطقة خطيرة جداً، هذه منطقة ألغام، هناك من يتأمل يتبصر أين الله؟ لم ينصرني، لقد أقاموا شرع الله وفعلوا كذا وفعلوا كذا يتهموا الله، الله عز وجل له حكمة قد لا ندركها، حسن الظن بالله ثمن الجنة .
 أنتم أيها الأخوة: بالحياة المدنية قد ترتكب مخالفة سير وتبقى مواطن محترم، تدفع المبلغ، قد تكون ثانية، قد تتجاوز في إنشاء بناء قطعة مخالفة, هناك مخالفات كثيرة يرتكبها المواطن ويبقى مواطناً محترماً لا يحال إلى محاكم جزائية، بل إلى محاكم مدنية، والمحكمة المدنية أن تخالف القانون، أما المحاكم الجزائية أن تقترف جريمة، لكن أي مواطن لو أنه اتصل مع العدو، وأعطاه معلومات عن بلده هذه اسمها خيانة عظمى، هذه تفقده المواطنية، هذا العمل لا يبقى به محترماً هذا العمل يخرج من مواطنيته، ويقتل ويشنق، لذلك أي مسلم دققوا: يعاون كافراً على مسلم يخرج من الملة! وأي مسلم يحلف يميناً غموساً، يحلف بالله ليقتطع حق امرء مسلم يخرج من الملة، هذه اليمين لا كفارة لها، لأن هذه اليمين أخرجته من الدين عليه أن يجدد إسلامه.
 فأيها الأخوة, المؤمن راض عن الله إن جاءت الأمور كما يشتهي يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن جاءت على غير ما يتمنى يقول: الحمد لله على كل حال، ذلك أن الدنيا ليست دار جزاء، النبي عليه الصلاة والسلام ربما لم يكحل عينيه بنصر الدين بعد أن انتقل إلى رحمة الله جاءت الفتوحات قال:

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

[سورة يونس الآية: 46]

 فلذلك الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار جزاء، ما معنى قول الله عز وجل:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾

[سورة مريم الآية: 71]

 شيء يحير آية قرآنية، العلماء قالوا: ورود النار شيء ودخولها شيء آخر! ورود النار تعني أنك إذا وردتها لا تتأثر ولا بوهجها, لأن أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل! هذا الاسم لا يحقق إلا في الآخرة, فقد يبغي الإنسان ويطغى ويرتكب الجرائم ويعلو في الأرض ويصل إلى قمة المجد وهو من أكبر المجرمين، لا مشكلة، الدنيا دار ابتلاء، فالعبرة أن تزحزح عن النار، وأن تدخل الجنة لأنك أنت الفائز ولو لم تنتصر في المعركة ولو قتلت في معركة ولو لم تحقق ما تصبو إليه، نحن في دار ابتلاء لا دار جزاء .
 أيها الأخوة:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾

[سورة الأنعام الآية: 115]

 إن أخبرنا فإخباره صادق, وإن أمرنا أو نهانا فأمره أو نهيه عادل، أو منكم الصدق تتفاوتون عندي يا عبادي بصدق الحقيقة، وصدقكم في الطاعة وفي الرقي وأنا أتكفل أن أكون بينكم بالعدل المطلق، لكن قد لا نعرف حقيقة العدل الذي أراده الله عز وجل، المؤمن مستسلم لمشيئة الله جل جلاله، المؤمن راضي عن الله، المؤمن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، المؤمن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل .

مثال تطبيقي من حياة النبي يدل فيه على ثقته بعدل ربه ورحمته وحكمته:

 أيها الأخوة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية: 36]

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 12]

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

[سورة الصافات الآية: 173]

 لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أسوة لنا، طبعاً له مهمة تبليغية وله مهمة أخرى هي في الحقيقة أكبر بكثير، المهمة الأولى التبليغية:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

[سورة المائدة الآية: 67]

 أما المهمة الأخرى المعمقة:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 21]

 فالنبي هزم في أحد، وهزم في حنين، وكان صابراً وواثقاً من عدل الله ورحمة الله وحكمة الله ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما انتصر دخل مكة مطأطئ الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل، الإيمان شيء لا يوصف، تواضع المؤمن وحكمته شيء لا يوصف، فالحقيقة النصر ليس أن تكتسح أرضاً أو أن تقتل عدواً، النصر أن تنتصر على نفسك، فحينما ننتصر على أنفسنا ونحملها على طاعة الله نرجو الله عندئذ أن ينصرنا على أعدائنا، والشيء الذي أتمنى أن يكون واضحاً إليكم أنك حينما تؤمن بعدل الله .
 البلاء رسالة للتضرع والمجرمون سيسألون عما فعلوه:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 44]

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 42]

 معنى ذلك أن السراء والضراء لها وظيفة تربوية كبيرة جداً من أجل أن نتضرع إلى الله عز وجل، والله عز وجل يريدنا أن نتضرع إليه حتى يكشف عنا البلاء، فالمؤمن الصادق يهتدي بالقرآن الكريم:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 196-197]

 سيدنا عمر بن عبد العزيز كلما دخل إلى دار الخلافة يتلو هذه الآية وكأنها شعار قال:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

[سورة الشعراء الآية: 205-207]

 سيدنا عمر حينما قال هذه المقولة قالها ساخراً, قال: والله لو تعثرت بغلة في العراق وهو في المدينة لحاسبني الله عنها لما لم تصلح لها الطريق يا عمر .
 هؤلاء الذين يموتون بلا ذنب بالقصف أطفال نساء بيوت تهدم، وكأن شيئاً لم يكن:

﴿وَإِذَا الْمَؤودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾

[سورة التكوير الآية: 8-9]

 إذا تعثرت بغلة ولم تمت لحاسبني الله عنها يوم القيامة لما لم تصلح لها الطريق يا عمر، فكيف بهؤلاء الذين يقصفون ويهدمون البيوت ويقتلون، لا بد من يوم القيامة وفي هذا اليوم تحل فيه كل المشكلات، تسوى فيه كل الحسابات هذا هو الإيمان، مهما رأيت من قسوة الكفار من إجرامهم ينبغي أن تكون واثقاً أنهم لم يسبقوا الله عز وجل:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾

[سورة العنكبوت الآية: 4]

 أي أنهم لم يفعلوا شيئاً ما أراده الله، ولن يتفلتوا من قبضة الله، والعبرة بالعاقبة، والعاقبة للمتقين، والعبرة للآخرة ولمن يضحك آخراً، من ضحك أولاً ضحك قليلاً وبكى كثيراً، ومن بكى آخراً ضحك كثيراً، وهذا هو الفوز، والحمد لله رب العالمين .

دعاء الختام:

 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين