موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة - الدرس ( 36): أدب الاختلاف - العداوة والبغضاء تذهب الحسنات
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-08-18
بسم الله الرحمن الرحيم

أدب الاختلاف :

 أيها الأخوة الكرام: أخ كريم تمنى علي أن ألخص ندوة جرت في إذاعة القدس قبل أسبوعين حول أدب الاختلاف، فأنا ذا ألخص لكم ما تمّ في هذه الندوة.
 أولاً: الاختلاف قد يكون مدمراً وقد يكون كفراً ذلك أن يهودياً من زعماء اليهود دفع غلاماً لينشد الأوس والخزرج أشعاراً كانت بينهم في الجاهلية، بعد أن ذكرهم بخلافاتهم وحروبهم السابقة تلاسنوا وتماسكوا ثم تواثبوا ثم تواعدوا في الحرة ثم جمع بعضهم بعضاً وأخذوا أسلحتهم وعلم النبي بذلك فخرج في أشد حالات الغضب وقال: الله الله وأنا بين أظهركم تفعلون هذا ثم علموا أنها نزغة من الشيطان ثم تعانقوا وبكوا وعرفوا كيف أن الشيطان قد مكر بهم، نزل قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 149]

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾

[ سورة آل عمران: 101 ]

 فسمّى الله الخلاف بين المؤمنين كفراً، وأنا أقول لكم: أي خلاف بين المؤمنين لصالح الشيطان، وأيّ إنسان يعمق الخلاف بين المؤمنين، يشق صفوف المؤمنين، يكفر بعض المؤمنين، أي إنسان يفعل هذا فهو شيطان، لأنه يعمل هذا لصالح الشيطان.

الاختلاف بين المؤمنين كفر من أسبابه :

1 ـ تنازع الأهواء و المصالح :

 أيها الأخوة: هذا الاختلاف المدمر سمي بالقرآن كفراً، يؤيد هذا قول النبي الكريم :

(( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ إِنَّمَا يَعْنِي الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَوْلُهُ الْحَالِقَةُ يَقُولُ إِنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

(( عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا سَلْمَانُ لَا تَبْغَضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَبْغَضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: تَبْغَضُ الْعَرَبَ فَتَبْغَضُنِي ))

[الترمذي عن سلمان]

 البغضاء في الجامع بين المؤمنين في جماعة إسلامية تؤدي إلى الكفر بالدين، ما من شيء يفت في عضد المسلمين اليوم إلا ما بينهم من خلافات بدافع الشيطان مع أن قبلتنا واحدة، وإلهنا واحد، وكتابنا ونبينا واحد، وأساسات الدين واحدة، فهذا الخلاف المدمر له أسباب كثيرة أحدها تنازع المصالح والأهواء، في دنيا الأفغان عشرون عاماً يتقاتلون على ماذا ؟ على الدنيا، بعد أن حققوا أكبر نصر رائع في العالم أصبحوا ماذا؟ في الوحل الآن ! عشرون عاماً يتقاتلون على هذه المناصب، سمى الله هذا الاختلاف كفراً وهذا الاختلاف سببه الأهواء والمصالح. قال تعالى:

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً﴾

[ سورة آل عمران: 19 ]

 بدافع البغي والحسد والعدوان والمصالح والأهواء اختلفوا فكان الاختلاف مدمراً، وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾

[سورة الأنفال: 46]

 ما سبب ضعف المسلمين؟ تفرقتهم، معقول؟؟ مليار ومئتا مليون مسلم يتحدونهم مليونين، صفوف مشقوقة الأهواء والمصالح والمناصب والحرص على الدنيا، كل هذا يفرق.
 سيدنا الصديق قال لعمر: يا عمر مدّ يدك لأبايعك؟ قال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر!! معقول، قال: يا عمر أنت أقوى مني، قال: يا أبا بكر أنت أفضل مني، فقال له عمر: قوتي إلى فضلك نتعاون، هكذا كان أصحاب النبي يتعاونون.
 إنسان طلب من سيدنا الصديق - كان خليفة المسلمين – حاجة، أراد أن يستأنس برأي عمر أرسلها لعمر فرفض تنفيذها، عاد مغتاظاً لأبي بكر فأراد أن يوقع بينهما، أن يستفز أبا بكر قال: الخليفة أنت أم هو؟ قال: هو إذا شاء لا مشكلة !! الاختلاف بسبب الشهوة، الهوى، المصلحة، المنصب، المكاسب الدنيوية، هذا يفرق، وهذا الهوى المفرق عند الله كفر.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾

[ سورة آل عمران: 101 ]

2 ـ سوء الظن بالمسلمين :

 يوجد سبب آخر هو سوء الظن بالمسلمين، كل واحد بسذاجة ما بعدها سذاجة يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بإخوانه، هو وحده المخلص العابد الذي يعرف الله، إلغاء الطرف الآخر، هو الجنة له وحده، والله له وحده، والنصر له وحده، وما سواه صفر لا شيء، هذا سوء ظن بالآخرين.
 لا زلنا في أسباب لا أخلاقية سوء الظن لا أخلاقي، تنازع المصالح والأهواء لا أخلاقي.

أنواع الاختلاف :

 هناك اختلاف سببه نقص المعلومات، في وقفة عيد الفطر سمعنا صوت مدفع العصر يا ترى مدفع الإفطار أم مدفع العيد أم تفجير في الجبل ؟ يوجد نقص معلومات اختلفنا هذا الاختلاف لا قيمة له، هذا لا يمدح ولا يذم طبيعي، افتح الإذاعة الساعة السادسة والربع بالدليل القاطع ثبت بالدليل الشرعي بلاغ من قاضي دمشق الشرعي عيد الفطر غداً، جاءت معلومات فصلت هذا الخلاف الذي سببه نقص المعلومات، هذا الخلاف طبيعي، أما الخلاف القذر فسببه الحسد، يوجد خلاف ثالث وهو محمود يا ترى أنا في دعوتي إلى الله أيهما أجدى وأفضل ؟ أن أبدأ من القمة أم من القاعدة ؟ أن أؤلف القلوب أم أؤلف الكتب ؟ أكتب أم أتكلم؟ أن ألتقي بالناس أم أن أقبع في مكتبي أؤلف ؟ أيهما أجدى أن أبني المساجد ودور الأيتام والثانويات الشرعية أم أدعو لله؟ هذا الاختلاف تنافس محمود، إنسان قنعان ببناء المساجد، وبتأليف الكتب، وبالرد على النظريات الهدامة، وإنسان قنعان بالتفسير، أو بالحديث، أو بالعقيدة، إنسان يجمع الشباب ليدلهم على الله، إنسان قنعان بجانب من جوانب الدين وله عند الله أجر كبير، فنحن بين اختلاف طبيعي صاحبه لا يثاب ولا يعاقب، وبين اختلاف قذر سمي في القرآن كفراً، الاختلاف المدمر بسبب المصالح والأهواء والحسد وما إلى ذلك، وعندنا اختلاف محمود.

النصوص في القرآن الكريم نوعان :

 لكن النصوص في القرآن الكريم نوعان، نوع قطعي الدلالة :

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

[سورة البقرة: 43]

 النص القطعي الدلالة لا يحتاج لا إلى مفسر، ولا إلى مؤول، وليس فيه جهاد، وليس فيه تنازع ولا خلاف ولا وجهات نظر أبداً، أقول لك: أعط فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم، هذا الكلام يفيد ألفاً وخمسمئة لا تحتاج لرأي معه، أما لو قلت لك: أعط فلاناً ألف درهم ونصفه اختلف الوضع، يا ترى ألفاً وخمسمئة أم ألف درهم ونصفه، الهاء تعود على من ؟ على الألف أم على الدرهم؟ إن عادت على الألف أي أعطه ألفاً وخمسمئة درهم وإن عادت على الدرهم أعطه ألف درهم ونصفه الدرهم، هنا يوجد خلاف، هنا نحتاج لأن نجتهد وندرس قواعد العربية، أن نرى إلى أين يعود الضمير؟ هذا النص اسمه نص ظني الدلالة، وهناك نص قطعي الدلالة، شؤون العقائد والعبادات مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، لا يوجد خلاف أبداً، بعض الأحكام الشرعية التي قد تتغير من وقت إلى وقت.
 لو إنسان أعطاك ديناراً قبل ألف عام ووكلك أن تنفق هذا الدينار من زكاة ماله هل تستطيع أن تضع هذا الدينار بجيبك وتنفق ديناراً آخر ؟ لا، السبب كل دينار له وزن خاص، الدينار ذهبي، الوزن طيفي، أما الآن لو إنسان أعطاك ألف ليرة فقال: وزعها بمعرفتك، ممكن أن تضعها بجيبك ومن الجيبة الثانية تأخذ مئة من عشر مئات، لا شيء عليك، عندما ثبتت القيمة الحكم لا معنى له، ينشأ أحياناً تبدل يا ترى أدفع الزكاة نقداً أم عيناً ؟ إذا كان الشخص شارب خمر، غارقاً في المعاصي، وأهله جياع، أعطي زكاة مالي عيناً لهؤلاء، مواد غذائية، وإذا كان حكيماً فهيماً أعطيها له لينفقها بحكمته، تبدل الوضع، يا ترى أنا أزرع قمحاً أعطي زكاة مالي قمحاً أم مالاً ؟ إذا كنت في الريف وكل فلاح عنده تنور ومطحنة أعطه قمحاً، أما بالمدينة فساكن بالمخيم إن أعطيته كيس قمح ماذا يفعل به ؟ لا عمل له به، أين يغسله ويصوله وينشره وبيته خمسين متراً فقط؟ قبو من يطحنه؟ من يخبزه له ؟ يدفع عشرة أضعافه خدمات، أعطه نقوداً، فهناك أشياء متبدلة بالحياة بين ريف وبين مدينة، وبين إنسان في مقتبل العمر وبين إنسان متأخر بالعمر، إنسان يأكل برمضان مسلم عمره ثمانية وثمانون سنة، قال: لا تذكره أن الشهر رمضان يأكل ناسياً أطعمه الله، أما شاب يأكل ناسياً فيجب أن تذكره، اختلف الحكم من سن إلى سن.
إنسان سرق بالمعركة قطعنا يده، أو هممنا أن نقطع بيده، وبينه وبين العدو عدة أمتار، ينتقل للعدو ويلتجئ إليه نجاة بنفسه، وقد يعطي العدو أسرار المسلمين، فالنبي الكريم أوقف قطع اليد في ساحة المعركة، حتى يبقى مطمئناً لا يخون أمته، فهناك ظروف حرب وسلم، وساحل وداخل، وحر وقر، وشباب وشيخوخة، الأحكام تتبدل، لذلك الأحكام التي تغطي المتغيرات في الإنسان تتبدل، والأحكام التي تغطي الثوابت لا تتبدل، شؤون العقائد لا يمكن أن تتبدل، كلها توقيفية، شؤون العبادات كلها توقيفية، الأصل في العبادات الحظر ولا تشرع عبادة إلا بالدليل، أما الأصل في الأشياء فالإباحة ولا يحرم شيء إلا بالدليل ، الأصل في العبادات الحظر وأية عبادة تحتاج لدليل من الكتاب والسنة قطعي الدلالة صحيح التأويل، أما الأشياء فبالعكس، العلماء أباحوا الدخان قبل أربعمئة عام لماذا أباحوه ؟ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، أما لما ثبت أنه يؤذي فالآن محرم، العلماء الذين أباحوا الدخان لو اطلعوا على أضرار الدخان الآن ما ترددوا ثانية في تحريمها، ففي شؤون الفقه والمعاملات قد يتبدل الشيء من حال إلى آخر، هذا ملخص الندوة التي ذكرتها في إذاعة القدس قبل أسبوعين.

والحمد لله رب العالمين