أحاديث رمضان 1435 – خواطر إيمانية - الدرس ( 04 ) : عمر الإنسان قصير لا يستوعب الباطل .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-07-02
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الأرض في الدنيا يرثها من يحسن إدارتها :

أيها الأخوة الكرام ، قبل ان أبدأ الموضوع المقرر تعليق سريع على آية تليت بالصلاة :

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

الذي يلفت النظر أن المفسرين فسروا كلمة

﴿الصَّالِحُونَ﴾

الأرض يرثها من يحسن إدارتها
لا بالصلاح الديني ولكن بالصلاح في إدارة الأرض ، وكأن الأرض في الدنيا يرثها من يحسن إدارتها ، الدنيا لا الآخرة ، الدنيا تصلح بالكفر والعدل - كلام ابن تيمية- ولا تصلح بالإيمان والظلم :

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

فالعبد الذي يصلح لإدارة الأرض الإدارة المادية هو الذي يتولاها ، فلذلك حينما يحسن إدارة الأرض يستخلفه الله ، الآية الدقيقة جداً :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

هذا قانون ، الإشارة إلى هذا القانون :

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

وأنا أنطلق دائماً من أن الحقيقة المُرّة أفضل ألف مَرّة من الوهم المريح ، نحن لسنا مستخلفين في الأرض هذه حقيقة مرة :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

والدين الإسلامي ليس ممكناً في الأرض لكنه يواجه حرباً عالمية ثالثة كانت قبل حين تحت الطاولة والآن فوق الطاولة جهاراً نهاراً ، أي انتخابات تفرز إنساناً إسلامياً تلغى ، في الجزائر ، في مصر هكذا ، إذاً الدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم ، هذا شأن الدنيا ، الآخرة لها نظام آخر .

الحق واحد و الباطل متعدد :

عمر الإنسان محدود وقصير يكفي لاستيعاب الحق فقط
أيها الأخوة الكرام ، أنطلق في موضوع اليوم من أن عمر الإنسان قصير ، سنوات، ولأن عمره قصير لا يستطيع أن يستوعب الباطل ، أولاً : ارسم بين نقطتين خطاً هذا الخط مستقيم لو أردت أن ترسم خطاً مستقيماً آخر بين هاتين النقطتين يأتي الثاني فوق الأول تماماً والثالث فوق الثاني ، لو رسمت مليون خط مستقيم بين نقطتين كل هذه الخطوط تأتي فوق بعضها بعضاً لأن الحق لا يتعدد ، لذلك الحرب بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد، و الحرب بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، و الحرب بين باطلين لا تنتهي الباطل متعدد والحق واحد
فإذا كانت الحرب بين فئتين لا تنتهي معنى ذلك أن كلا الطرفين ليس على الحق ، الحرب بين حقين لا تكون ، و بين حق وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي ، الحقيقة العمر قصير ، ومعنى قصير أن عمر الإنسان لا يستطيع أن يستوعب الباطل ، فإذا رمزنا إلى الحق بخط مسقيم بين نقطتين ، لو أجرينا محاولات لا تنتهي لحق آخر لا يوجد حق آخر لأن الحق واحد ، لكن ممكن أن نرسم مليون خط منحن ومنكسر بين نقطتين ، فالباطل متعدد ، فالآية الكريمة ملمح دقيق :

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

[ سورة الأنعام: 153 ]

الحق واحد ، و الباطل متعدد ، هناك مليون باطل ، كل إنسان يفكر تفكيراً بخلاف منهج الله فتفكيره باطل ، والانحراف أنواع ، فلذلك الحرب بين حقين لا تكون ، و بين حق وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي .

على الإنسان اصطفاء الشيء النافع لأن العمر قصير :

الحق واحد
ما دام العمر قصيراً فلا بد من أن أختار في هذا العمر القصير الموضوع الغير متعدد وهو الحق ، العمر يكفي لاستيعاب الحق ، وكل ما سوى هذا الحق باطل ، الحق واحد، فالبطولة لا أن أجهد في استيعاب الباطل ، أنا أقول لكم : ولا مليون سنة الآن تكفي لاستيعاب الباطل ، هناك مليون باطل ، باطل عقدي ، باطل سلوكي ، باطل اجتماعي ، باطل نفسي ، بالمناسبة الحق ورد في القرآن مئات المرات ، الحق الشيء الثابت والهادف ، أحياناً ننشئ جامعة لابد أن نكون اصطفائيين ونتعلم المعلومة التي توصلنا إلى الجنة
بناؤها جيد جداً من الحجر ، لأن هذه الجامعة ممكن أن تدوم خمسمئة عام ، هناك جامعات في أوربا عمرها خمسمئة عام لكن إنشاء السيرك من قماش عمره يقدر بأسبوعين أو ثلاثة ما من داع للبناء ، السيرك بناء مؤقت فالباطل كالسيرك والحق كالجامعة :

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 105]

لإدارتها ، فلذلك ما دام العمر محدوداً فيجب أن أختار مثال الذي ينزل بالمظلة يمكن أن يجهل شكل المظلة يجب أن تصطفي من الأصدقاء من ينهض بك إلى الله حاله
يا ترى هل شكلها دائري ؟ بيضوي ؟ مربع ؟ مستطيل ؟ يمكن أن يجهل نوع القماش ، خيوط صناعية أم طبيعية ، يا ترى ما نوع القماش ؟ خيط طبيعي أم صناعي ؟ ما لونها ؟ لا يعلم ، كم عدد الحبال ؟ عشر معلومات لا يعلمها إطلاقاً ، لكنه إذا جهل شيئاً واحداً ينزل ميتاً ، طريقة فتحها ، هذا ما سماه العلماء ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة .
بحياتنا مليون مليون معلومة أنا بحاجة إلى معلومة تصل بي إلى الجنة ، فأنا يجب أن أصطفي ، بالمناسبة ما كل كتاب يقرأ ، ما كل قصة تقرأ ، أنا عمري محدود ينبغي ان أختار الشيء النافع .
مثل آخر : مكتبة من الأرض إلى السقف أربعة جدران وأنا عندي بعد أسبوعين امتحان بمادة صعبة جداً ، ولهذه المادة الصعبة كتاب مقرر ، وهذا الكتاب أحد كتب هذه المكتبة ، فأنا بطولتي لا أن أختار قصة من هذه المكتبة وأقرأها ، يجب أن أختار الكتاب المقرر .
لا بد من أن تصطفي ما تقرأ ، ما تشاهد ، لا بد من أن تصطفي الصديق الذي تنتفع به ، لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله ، ويدلك على الله مقاله ، صاحب إنساناً تنتفع بعلمه أو بأخلاقه ، العمر قصير ، والأمد دقيق ، والمهمة كبيرة جداً ، فهذا الإنسان حينما يعلم قيمة الوقت يفلح .

الربح في الدنيا أن أهتم بكل شيء ينفعني :

ينجو من الخسارة من ينتفع بكل لحظة من عمره
عندنا علم اسمه إدارة الوقت ، الوقت يدار إدارة ذكية ننتفع بكل ثانية ، وإدارة غبية، فهذا الوقت ينفق استهلاكاً ، أو ينفق استثماراً :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

جواب القسم خاسر لأن مضي الزمن يستهلكه ، لكنه ينجو من هذه الخسارة :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر:3]

هذا الكلام لكل واحد من الأخوة الحاضرين وأنا معكم : أي عمل أفعله ، أي نشاط أمارسه ، أي موضوع أهتم به ، يجب أن يكون ضمن الخطة التي أرادها الله عز وجل ، فلا بد من أن أكون رابحاً في الدنيا ، الربح في الدنيا أن أهتم بموضوع ينفعني ، أن أهتم بالكتاب المقرر لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه
إنه القرآن الكريم ، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، القرآن كون ناطق ، والنبي قرآن يمشي ، والكون قرآن صامت ، هذا الكتاب منهجنا ، هذا الكتاب طريقنا ، هذا الكتاب من عند الخالق ، فيه تعليمات التشغيل والصيانة ، كل واحد منكم لو اشترى آلة بالغة التعقيد غالية الثمن عظيمة النفع ، مثلاً الآن هناك أجهزة لتحليل الدم تأخذ نقطة دم من المريض توضع في الجهاز بضغطة على الزر يعطيك اثني عشر تحليلاً بثانية ، إذا كان عندك مئتا مريض باليوم ، وكل مريض ألف ، وكل ألف كبسة زر ، هذا الجهاز مهم جداً ، لو أن الشركة أرسلت لك هذا الجهاز ولم ترسل تعليمات التشغيل فهناك مشكلة كبيرة إن شغلته من دون تعليمات أفسدته ، وإن خفت عليه جمدت ثمنه ، أليست هذه التعليمات أهم من الجهاز ؟ دقق في قوله تعالى :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-3]

أيعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ مستحيل ، العلماء قالوا : هذا ترتيب رتبي لا ترتيب زمني ، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه ، هذا المنهج من عند الصانع ، والجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة الوحيدة :

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

من حرص على سلامته و سعادته اتبع تعليمات الصانع :

سامحومني بهذه الكلمة انطلاقاً من أنانية الإنسان ، من حبه لذاته ، من حرصه على سلامته وسعادته يحصل المرء السعادة عندما يتيقن بأن الشرع هو ضمان لسلامته
ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع ، ليس موضوع أنا عبدت الله ، أنا استقمت ، أنا عملت ، أنت أغلى آلة في الأرض ، أعقد آلة في الكون ، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع عظيم ، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة ، فانطلاقاً وأكرر مرة ثانية من أنانيتك ، من حبك لذاتك ، من حبك لسلامتك ولسعادتك ، ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع ، بربكم إنسان يمشي بفلاة وجد لوحة كتب عليها : حقل ألغام ممنوع التجاوز ، هل تعد هذه اللوحة حداً لحرية هذا الإنسان أم ضماناً لسلامته ؟ في اللحظة التي تتيقن فيها أن هذا الشرع ضمان لسلامتك ، ضمان لسعادتك ، ضمان لاستقرارك ، ضمان للتوفيق ، ضمان للنجاح ، يا أخوان النجاح مسعد جداً ، وهذه الدنيا كما قال الله عز وجل : الدنيا رائعة عندما تكون في طاعة الله

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

بعض علماء التفسير قالوا : جنة في الدنيا وجنة في الآخرة . أقول لكل أخ كريم : إذا طبقت منهج الله إن لم تقل : أنا أسعد إنسان على وجه الأرض إلا أن يكون أحد هؤلاء البشر أتقى مني ففي إيمانك خلل ، أنا أسعد إنسان ، الدنيا جنة ، رائعة في طاعة الله ، شاب ضبط نفسه قبل الزواج ، الله رزقه زوجة صالحة ، كنت مرة في تركيا وأوصلني أخ كريم إلى المطار ، الذي أوصلني سائق السيارة صديقه لا يتكلم العربية قلت له : اسأل صديقك هل هو متزوج ؟ سأله قال : لست متزوجاً ، قلت له : قل لصديقك : الشيخ يدعو لك بزوجة صالحة تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها ، فقال له : أتمنى أن أوصله إلى الشام لا إلى المطار .
إذا إنسان وفق بزواجه أنا أتكلم مع الشباب :

(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))

[النسائي عن عمرو بن العاص ]

فإذا غض الإنسان بصره ، و ضبط نفسه - أنا أخاطب الشباب - أكبر مكافأة له زوجة صالحة ، يسعد بها وتسعد به .

بطولة الإنسان أن يبحث عن الحقيقة في وقت مبكر :

فيا أيها الأخوة الكرام ، نحن نتمنى أن هذا العمر المحدود أن نشغله بالشيء النافع بعد الموت البطولة أن تبحث عن الحقيقة في وقت مبكر
أنا أمشي بطريق ، أنا أستهلك الزمن إنفاقاً استهلاكياً كشأن معظم الناس ، نأكل ونشرب ونسمر ليلاً وننام ، و نفعل ذلك أيضاً في اليوم الثاني إلى أن نفاجأ بعرض صحي طارئ ينتهي بالموت ، ماذا يوجد في المطارات ؟ بوابات خروج ، وكل واحد منا له بوابة خروج يخرج منها ، فالبطولة أن نعيش هذا الحدث الخطير ، النقلة من فوق الأرض إلى تحت الأرض، النقلة إلى الدار الآخرة ، هذه تحتاج إلى إعداد ، والإعداد ضمن إمكانيتك :

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

ما من شهوة - والكلام للشباب - أودعها الله فيك ، إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، ما من شهوة أودعها الله بالإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، فالبطولة أن تبحث عن الحقيقة في وقت مبكر ، أي ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب نشأ في طاعة الله .
أول حياتك أنت الآن تخطط لحياتك قد يكون زواجك إسلامياً ، فيه سعادة ، فيه طهر ، فيه راحة نفسية ، تخطط لعمل ينفع الناس ، هناك أعمال تؤذي الناس لا تنفعهم ، وهناك أعمال تنفعهم ، وأنا أقول لك كلمتين أيها الشاب : ألصق شيء بحياتك زوجتك وحرفتك ، فإذا أحسنت اختيار الزوجة والحرفة نجحت في الدنيا ، والنجاح في الدنيا ضمن منهج الله أحد أسباب النجاح في الآخرة .

والحمد لله رب العالمين