أحاديث رمضان 1435 – خواطر إيمانية - الدرس ( 05 ) : الحديث الشريف ( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ؛ كتاب الله وسنتي ... )
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-07-03
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

النبي الكريم معصوم من أن يخطئ بأقواله وأفعاله وإقراره وصفاته :

أيها الأخوة الكرام ، من الأحاديث النبوية الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ؛ كتاب الله وسنتي ....))

[الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

النبي معصوم من أن يخطئ بأقواله وأفعاله وإقراره وصفاته
الحقيقة النبي عليه الصلاة والسلام لأنه مشرع :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

إذاً هو معصوم ، معصوم من أن يخطئ بأقواله وأفعاله وإقراره وصفاته ، مثلاً أحد أصحابه توفاه الله ، فذهب إليه قبل أن يدفن فسمع امرأة تقول :

(( .... يا عثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ....))

[الحاكم عن أم العلاء الأنصارية ]

لو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً فقال عليه الصلاة والسلام :

(( .... وما يدريك أن الله أكرمه ؟ فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فمن يكرمه الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هو فقد جاءه اليقين فوالله إني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي ؟ ))

[الحاكم عن أم العلاء الأنصارية ]

وما ينطق عن الهوى
معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أقواله سنة ، والأدق من ذلك ما صح من أقواله سنة ، وأفعاله سنة ، وإقراره سنة ، وصفاته سنة ، هذا مقام النبي الكريم لأنه مشرع هو معصوم ، عصمه الله عز وجل ، ولكن قد يقول قائل لم قال الله عز وجل ؟

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾

[ سورة عبس: 1-2]

﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 43]

الجواب الدقيق أن الله جل جلاله لحكمة بالغة بالغة بالغة ترك للنبي هامشاً اجتهادياً ضيقاً جداً ، فإذا أصاب النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الهامش الاجتهادي الذي هو بالأصل :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 2-4]

وكان اجتهاده وفق ما ينبغي سكت الوحي ، وسكوت الوحي إقراره على اجتهاده ، فإذا لم يكن اجتهاد النبي كما ينبغي الوحي صححه فقال تعالى :

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾

[ سورة عبس: 1-2]

وقال تعالى :

﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 43]

فصار عندنا هذا الهامش الاجتهادي ، لماذا ؟ ليكون هناك فرق بين مقام الألوهية ومقام البشرية ، هذا الهامش يؤكد هذا الفرق .

كتاب الله و سنة رسوله منهج لكل إنسان في حياته :

إذاً : التمسك بالقرآن والسنة الصحيحة يحفظ الأمة من الضلال

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ؛ كتاب الله وسنتي ....))

[الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

هناك آية مكملة قال تعالى :

﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

من هم أولو الأمر برأي الإمام الشافعي ؟ هم الأمراء والعلماء ، أو العلماء والأمراء، العلماء بعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر ، الآية تقول :

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾

[ سورة النساء: 59]

مع من ؟

﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

ما سكت عنه الشرع لا نبحث فيه لأن في البحث تضييق
إن تنازعتم مع أولي الأمر وهم العلماء والأمراء :

﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾

[ سورة النساء: 59]

أحالنا الله على الكتاب والسنة ، وهل يعقل أن خالق الكون رب العالمين الإله العظيم يحيلنا إلى مصدرين ثم لا نجد فيهما ما نحتاجه من تشريع ؟ هذا مستحيل ، إذاً ما من شيء يؤثر في علاقتنا بالله تأثيراً إيجابياً ولو درجة واحدة إلا ذكره النبي ، وما من شيء يبعدنا عن الله ولو درجة إلا و ذكره النبي ، لذلك قالوا : النبي عليه الصلاة والسلام لا يؤخر البيان عن وقته أبداً ، معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره ، لكن لا يؤخر البيان عن وقته ، ما من قضية مهما بدت صغيرة ، لها أثر إيجابي أو سلبي في العلاقة بالله عز وجل إلا ذكرها النبي ، لكن أحياناً إنسان يرتدي ثياباً لا يوجد فيها زخرفة أو خطوط ، هذا شيء ليس له علاقة، هذا سكت عنه الوحي رحمة بنا ، هناك أشياء أمرنا بها ، و أشياء نهانا عنها ، و أشياء سكت عنها ، فالإنسان الشيء الذي سكت عنه الوحي الأولى ألا يبحث فيه ، إن بحث فيه جاء التضييق .

الدّين توقيفي لا يزاد عليه ولا يحذف منه :

لذلك مما يكمل هذا الحديث الشريف : الدين توقيفي وكامل لا يزاد عليه ولا يحذف منه

((فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ....))

[المستدرك على الصحيحين عن العرباض بن سارية ]

البدعة في التشريع ، لكن أحياناً نسمع كلاماً لطيفاً : التجديد في الدين ، الدين لا يجدد ، الدين توقيفي لو أضفت عليه شيئاً إنك تتهمه ضمناً بالنقص ، ولو حذفت منه شيئاً إنك أيضاً تتهمه بالنقص ، الدين توقيفي لا يزاد عليه ولا يحذف منه ، لكن من أروع ما مرّ بي في موضوع التجديد في الدين أن ننزع عن الدين كل ما علق فيه مما ليس منه ، هذا تجديد ، هناك خرافات و شطحات و بدع ، كل ما علق بالدين مما ليس منه ، التجديد بالدين يقتضي أن تنزع عنه هذه الأشياء التي ليس منه ، تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها ، الأمور واضحة جداً :

((...فإن كل بدعة ضلالة ....))

[المستدرك على الصحيحينعن العرباض بن سارية ]

حينما تفكر أن تضيف على الدين شيئاً أنت ضمناً تتهمه بالنقص ، وحينما تفكر أن تحذف منه شيئاً إنما نتهم الدين بالنقص ، ولكن حينما أضفنا على الدين ما ليس منه صرنا شيعاً وأحزاباً وتقاتلنا ، وحينما حذفنا منه ما هو ضروري كالجهاد ضعفنا ، بالإضافة نتقاتل وبالحذف نضعف ، أما إذا طبقنا هذا الدين كما جاء من دون أن نزيد عليه ومن دون أن نحذف منه وصلنا إلى ثماره الجماعية والفردية .

عظمة هذا الدين أنه دين جماعي ودين فردي :

ولكن أنا أخاطب أفراد المسلمين لا مجموعهم لو أن الأمة لم تطبق الدين وأنت أردت أن تنجو بحياتك من أن تعصي الله طبقه وحدك عظمة الدين أنه دين جماعي وفردي ومن يطبقه يقطف ثماره
إن طبقته وحدك تقطف ثماره الفردية ، فعظمة هذا الدين هو دين جماعي ودين فردي ، تطبقه الأمة فتنتصر :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

هذا وعد إلهي وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

قانون :

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

لكن هناك ملمحاً دقيقاً بالآية ، أي دين وعد بتمكينه ؟ الدين الذي يرتضيه الله ، هناك دين أساسه فلكلور ، أساسه احتفالات ، أساسه لقاءات ، أساسه تباه ، هذا الدين الذي لم يرتضيه الله لنا لا يمكّن ، لا يمكّن إلا الدين الذي ارتضاه لنا .
الآن بربكم إن لم نكن مستخلفين ، ولم نكن ممكنين ، ولم نكن آمنين ، العلة عندنا لأن آخر الآية :

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

فإذا أخلّ الطرف الآخر بما كلفه الله به من عبادة فالله عز وجل في حلّ من وعوده الثلاثة .

من طبق سنة النبي فهو في مأمن من عذاب الله :

الآن الآية الدقيقة جداً قبل أن أذكرها عندنا صيغة باللغة العربية اسمها نفي الشأن ، هناك نفي الحدث ونفي الشأن ، مثلاً تسأل إنساناً : هل أنت جائع ؟ يقول لك : لا ، انتهى ، لكن لو سألت إنساناً محترماً جداً هل أنت سارق ؟ معقول أن يقول لك فقط لا ؟ لن تعذب أمة الإسلام مادام رسول الله فيهم وماداموا يستغفرون
يقول : ما كان لي أن أسرق ، أي هذا مستحيل وألف ألف مستحيل ، لا أقبل به ، ولا أسكت عنه ، ولا أرضاه، عدّ علماء النحو عشرة معاني من نفي الشأن :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن نعذبهم وأنت فيهم ، طبعاً في حياته موضوع ثان، بعد انتقاله للرفيق الأعلى وأنت فيهم أي :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

أي وسنتك قائمة في حياتهم ، إذا طبقنا سنة النبي مستحيل وألف ألف مستحيل أن نعذب ، الآية :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

المعنى أن الله عز وجل أعطانا بحبوحتين الأول تطبيق سنة النبي إن طبقناها فنحن في مأمن من عذاب الله ، لو زلت قدمنا واستغفرنا ، نحن أيضاً بعد الاستغفار في مأمن من عذاب الله ، هذا كلام دقيق للأمة :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

أي سنتك مطبقة في حياتهم .

المؤمن لا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت :


الآن الآية الكريمة :

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 38 ]

المؤمن لا يخاف ولا يحزن
كلمة لا خوف عليهم تغطي جميع الأزمنة ، لا خوف عليهم من المستقبل ، ولا هم يحزنون على الماضي ، غطت المستقبل والماضي وحيثما وردت هذه الكلمة :

﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 38 ]

لا تندم على ما فات ولا تخشى مما هو آت ، لذلك قال تعالى :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

والفرق كبير باللغة بين لنا وبين علينا ، الآية ليست علينا ، الآية :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

أي المؤمن يجب أن يصدق خبر الله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت: 20 ]

لا تخافوا مما سيأتي ، لا يأتي إلا الخير ، ولا تحزنوا على ما فات ، من أروع ما قرأت عن سيدنا الصديق رضي الله عنه أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط أبداً ، مؤمن بالتوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، لذلك :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

إلزام الله ذاته العلية بهداية خلقه :

الله عز وجل تولى بذاته العلية هداية خلقه :

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12 ]

ألزم الله ذاته العلية أن يهدي من يبتغي الهداية
وحيث وردت كلمة على مع لفظ الجلالة تعني أن الله جل جلاله ألزم ذاته العلية بهداية خلقه ، للتقريب إنسان بألسكا رأى الشمس والقمر فقال : يا ترى هذا الكون أليس له إله ؟ ما تعلم شيئاً بحياته ، ما سمع كلمة حق بحياته ، ما التقى بعالم بحياته من جميع الأديان ، هذا الإنسان يبحث عن وظيفة وجد وظيفة في أمريكا أو في كندا ، هذه الوظيفة تقتضي السفر إلى الخليج مثلاً بالخليج جاره مسلم ، لأنه قال : يا ترى هل يوجد إله أم لا ؟

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12 ]

الله ألزم ذاته العلية بهداية خلقه ، هناك آية ثانية :

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 23]

لا تقلق على العباد ، أنا أقول دائماً وأبداً : لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله ، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له فقط ، إذاً :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾

[سورة التوبة: 52]

أي الشهادة أو النصر ، لذلك الحرب بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، كما أنك لا يمكن أن ترسم مستقيمين بين نقطتين مختلفين عن بعضهما يأتي الثاني فوق الأول ، لابد أن تنطبق مئات الخطوط المستقيمة بين نقطتين على بعضها ، إذاً هناك خط واحد ، فالحق لا يتعدد ، الحرب بين حقين لا تكون ، و بين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق ، و الحرب بين باطلين لا تنتهي ، العملية طويلة جداً ، يوجد خلل بالطرفين :

﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾

[سورة التوبة: 52]

الإنسان المستقيم يطمئن لوعد الله و يصدقه :

أخواننا الكرام بربكم ، الرسول الكريم في أثناء الهجرة تبعه سراقة قال له كلمة فكر فيها بعمق ، شيء مدهش ما دام الإنسان مستقيما يجب أن يطمئن لوعد الله
النبي ملاحق أثناء الهجرة ، ومئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، قال له النبي الكريم : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ إنسان مهدور دمه ، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، والذي حصل ، معنى كلامه أنا سأصل إلى المدينة سالماً ، وسأنشئ دولة ، وسأنشئ جيشاً ، وسأحارب أكبر دولتين في العالم ، وسأنتصر عليهما ، وسوف تأتي إلى المدينة غنائم كسرى ، و لك يا سراقة سوار كسرى ، هذه ثقة النبي بنصر الله ، هذا مقام النبوة ، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ وفي عهد سيدنا عمر جاءت كنوز الفرس ، يقول بعض الرواة : إن صحابياً وقف وأمسك رمحه و رفعه إلى أقصى درجة ممكنة ، وطوله متران، ما رأى رمح الطرف الآخر ، كلها أموال و ذهب وما شاكل ذلك فقال : إن الذي أدى هذا لأمين ، كنوز بالمليارات أتت من بلاد الفرس إلى المدينة فقال سيدنا علي رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانتهم لقد عففت فعفوا ، ولو رتعت لرتعوا ، كلام واضح كالشمس، على كل بحث عن سراقة وألبسه سوار كسرى ، هذا الدين ، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، لذلك :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة: 51 ]

أريد من هذا الشرح أن الواحد ما دام مستقيماً يجب أن يطمئن لوعد الله ، الطمأنينية تعني التصديق لوعد الله :

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء : 87]

بطولة الإنسان الاستقامة على أمر الله والتحرك وفق منهجه :

لذلك الآية الدقيقة جداً :

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة القلم: 35-36 ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص: 61]

مستحيل .
لذلك أخواننا الكرام هناك وعود في القرآن زوال الكون أهون على الله من ألا تحقق ، فبطولتنا أن نستقيم على أمر الله ، وأن نتحرك وفق منهج الله ، وبعد ذلك ننتظر كل خير ، الآية تقول :

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر : 66]

بل حرف إضراب تلغي ما قبلها .

والحمد لله رب العالمين