أحاديث رمضان 1435 – خواطر إيمانية - الدرس ( 09 ) : الحديث الشريف ( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ.....)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2014-07-07
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

كلمة رجل في القرآن والسنة لا تعني أنه ذكر تعني أنه بطل :


أيها الأخوة الكرام ، قبل أن أقرأ الحديث الشريف حديث اليوم ، هناك مقولة دقيقة تلقي ضوءاً على بعض كلمات هذا الحديث ، كل رجل ذكر ، لكن ما كل ذكر رجل ، لماذا ؟ لأن كلمة رجل في القرآن والسنة لا تعني أنه ذكر تعني أنه بطل ، فلذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص هذا الصحابي الجليل الذي فداه النبي بأمه وأبيه ولم يفد أحداً من أصحابه إلا سعد بن أبي وقاص ، في المعركة قال له :

(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))

[ أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب ]

وما دخل سعد على رسول الله إلا قال عليه الصلاة والسلام :

(( هذا خالي، فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خالَه ))

[الحاكم في المستدرك عن جابر]

كلمة رجل في القرآن تصف من هو بطل
له مكانة كبيرة جداً ، لكن كتعليق سريع سيدنا عمر يقول له بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى : " يا سعد لا يغرَّنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له "

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

هذا الصحابي الجليل الذي قال عنه النبي الكريم :

(( هذا خالي، فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خالَه ))

[الحاكم في المستدرك عن جابر]

هذا الصحابي يقول : " ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، ما صليت صلاةً وشغلت نفسي حتى أقضيها ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها "
هناك ملمح دقيق إذا إنسان مشى وراء جنازة هذه الجنازة تقول له : - هذا يسمونه لسان الحال - كبير ، صغير ، غني مليونير ، يحتل منصباً رفيعاً جداً ، الآن في النعش ، يقال لهذا الميت : أن عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت .
هذا الصحابي الجليل يقول : " ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، ما صليت صلاةً وشغلت نفسي حتى أقضيها ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها - الشاهد بالثالثة - وما سمعت حديثاً من رسول الله حتى علمت أنه حق من الله تعالى ".

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

حديث اليوم :

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

و :

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]

و :

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير من الدنيا وما فيها
إذا سمح الله لك أن تكون سبباً في هداية إنسان واحد خير لك من الدنيا وما فيها، في الدنيا أموال طائلة ، شركات عملاقة ، أموال لا يعلمها إلا الله ، أماكن جميلة ، قصور ، مزارع ، خير لك من الدنيا وما فيها ، طبعاً حمر النعم الناقة الحمراء وهي من أغلى الأنواع في العالم العربي قبل الإسلامي ، أغلى شيء وأثمن مال الناقة الحمراء ، سماها النبي حمر النعم ، خير لك من الدنيا وما فيها ، وخير لك مما طلعت عليه الشمس ، تبين من هذا الحديث أن الدعوة إلى الله - وهذا الكلام دقيق - وأنا قبل أن أذكره لو سألت أخاً كريماً لماذا تصلي ؟ الجواب بديهي لأن الصلاة فرض ، هذا كلام صحيح لكن هل تصدقون أن الدعوة إلى الله فرض عين ، على كل واحد ، لكن يقول لك : أنا لست دارساً ، أنت ما سمعت الحديث الشريف اليوم، ما سمعت تفسير آية ، لم أصلِّ وراء إمام وأتأثر بقراءته ؟ هذا الذي تأثرت به فقط انقله للآخرين:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

انقل ما تعلمته لمن حولك وهذه هي دعوتك إلى الله
أحياناً إنسان يحضر مجلس علم ويأتي إلى البيت والزوجة جالسة والأولاد والأصهار، اعمل ملخصاً بما سمعت تكون قد نقلت للآخرين ما سمعت :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

الدعوة إلى الله - والكلام دقيق جداً- في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط فرض عين ، ترتقي الدعوة إلى الله إلى أن تكون فرضاً ، وكل واحد من أخواننا الكرام يسمع خطبة جمعة ، يتابع ندوة على الشاشة ، ندوة فيها علماء وفيها أدلة وآيات وأحاديث ، فإذا أنت تأثرت بشرح ، بتفسير ، بآية ، بلمحة ، بموقف صحابي جليل ، كتبته على دفتر صغير ، جالس مع أولادك ، وأصهارك ، مع شركائك بالعمل ، في سهرة أسبوعية ، هذا الكلام الذي سمعته انقله هذا معنى قول النبي :

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

وهذا معنى الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم .

أدلة على أن الدعوة إلى الله فرض عين :

نريد أدلة دقيقة ، أنا أقول إن الدعوة إلى الله فرض عين ، أنا أقول كلمة وهي نصيحة لا تقبل شيئاً من دون دليل ، ولا ترفض شيئاً من دون دليل ، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء ، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ، ابن عمر دينك ، دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا .
الآية كفرض عين :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

الذي لا يدعو إلى الله على بصيرة من خلال هذه الآية الواضحة الصريحة القاطعة الجامعة ليس متبعاً لرسول الله ، والآية تقول :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

لاتقبل شيئا إلا بدليل
أنا أقول : الدعوة فرض عين في حدود ما تعلم فقط ومع من تعرف ، ما كلفت أن تصعد منبراً ، وأن تلقي خطبة ، أنت قاعد مع بناتك ، مع أصهارك ، مع شركائك بسهرة أسبوعية ، سمعت من الخطيب ملمحاً لطيفاً بآية ، سمعت قصة مؤثرة اروها ، أنا أذكر أحد علماء الشام توفي رحمه الله ذكر قصة جامع من جوامع دمشق العريقة ، صعد الخطيب المنبر وقد رأى رسول الله في المنام ، هو خطيب ودارس وقرآن وتجويد وشريعة وأدلة له جار بقال يبيع الخضر و الفواكه ، رأى رسول الله في المنام ، قال له النبي في الرؤيا : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة ، هذا الخطيب والإمام دارس ومتعلم وداعية والبشارة لهذا البقال من رسول الله ، هو في الحقيقة استغرب لكن هذه أمانة ، طرق بابه ، قال له : لك عندي بشارة من رسول الله ، لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ فامتنع ، فبعد إلحاح شديد شديد ، ذكر له قال له : تزوجت إنسانة ، بالشهر الخامس من زواجي كان حملها في الشهر التاسع - فهمكم كفاية - قال له : بإمكاني أن أسحقها ، وأن أفضحها ، وأن أطلقها، والشرع معي، وأهلها معي ، وأهلي معي ، والمجتمع معي، والقانون معي ، لكن أردت أن أعينها على التوبة ، ولدت ، حمل الجنين المولود تحت عباءته ، وتوجه إلى جامع الورد بحي سوق ساروجة في الشام ، وبقي واقفاً أمام الباب حتى نوى الإمام الصلاة ، قال : الله أكبر ، دخل ووضعه وراء الباب والتحق بالمصلين ، فلما انتهت الصلاة بكى هذا الصغير ، تحلق المصلون حوله ، وتأخر هو حتى يكتمل تحلق المصلين حوله ، ثم اقترب ، قال : ما القصة ؟ قال : تعال انظر ! جنين مولود لقيط ، قال : أنا أكفله ، فأخذه ، ودفعه إلى أمه من أجل أن تربيه وسترها .
الإحسان يسبق العدل
أنا أقول دائماً لا تظن البطولة دائماً بالعدل ، البطولة بالإحسان إن الله عز وجل يقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل: 90]

لو طلقها عدل ، أو فضحها عدل ، لكن الله أمره بالإحسان فرد هذا الابن إلى أمه وهو عند أهل الحي هذا ابن لقيط وهو كفله ، لذلك قال له النبي في الرؤيا : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة .
هناك أعمال عظيمة جداً لا يندفع الإنسان اندفاعاً أعمى لعمل شيء عنيف قبل أن يفكر ، هو لو فضحها انتهت ، وقد تنتهي حياتها كمومس ، ممكن ، يئست ، أما هو سترها فأبواب الخير مفتوحة بشكل كبير .
هذا الصحابي يقول : " ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، ما صليت صلاةً وشغلت نفسي حتى أقضيها ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ، وما سمعت حديثاً من رسول الله حتى علمت أنه حق من الله تعالى" .
الدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط ، لكنها فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل ، هذه تحتاج إلى تبحر وتعمق وتفرغ ، هذا شأن الدعاة إلى الله ، هناك إنسان داعية في موضوع صغير فرض عين ، أما أن تختص في الشريعة ، تحمل دكتوراه، يكون عملك دعوة إلى الله ، فهذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل .

القدوة قبل الدعوة :

لكن بالمناسبة هناك بعض الحقائق إن شاء الله نتابعها في وقت آخر لكن من هذه الحقائق الأفعال أقوى من الأقوال
- هذا الكلام موجه للآباء والأمهات والأساتذة في كل مراحل التعليم وإلى القادة - القدوة قبل الدعوة ، أن تكون مستقيماً وصادقاً وأميناً أبلغ من ألف محاضرة في الصدق والأمانة والاستقامة ، أن تكون أنت صادقاً ، أحياناً الأب لا يتكلم ولا كلمة لأن الأب صادق والابن ما سمع كلمة فاحشة في البيت ، ولا سباباً منحطاً ، ولا شاهد مواقف عنيفة ، شاهد أباً هادئاً وأباً عاقلاً وأباً محترماً وأباً رحيماً ، السلوك أحياناً دعوة ، الأمانة وحدها دعوة ، والصدق دعوة، والعفة دعوة ، فلذلك سيدنا جعفر وقف أمام النجاشي قال له حدثني عن الإسلام ؟ قال له :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ....))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

أربع كلمات إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، وفوق كل شيء النسب تاج يوضع على رأس المؤمن .

(( ... فدعانا إلى الله لتوحيده ، ولنعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان - العبادة التعاملية ...- وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

هذه الكلمات العبادة التعاملية ، والعبادة الشعائرية الصوم ، والحج ، والزكاة.

العبادات الشعائرية لا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

بكلام بليغ وسريع : العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها أو لا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية : لا تقطف ثمار العبادات الشعائرية حتى تصح العبادات التعاملية

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

هذه الصلاة .

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

وهذا الصيام ، بقي الحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك ))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

بقي الزكاة :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 53 ]

العبادة الشعائرية الصوم والحج والزكاة و النطق بالشهادة ، هذه لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية .

والحمد لله رب العالمين