التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام 1994- الدرس (21-51) : التربية الإجتماعية -8- غرس الآداب الإجتماعية عند الأطفال
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-09-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام مع الدرس الواحد والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام ولا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الاجتماعيّة.

المؤمن يتأدّب بآداب الإسلام بإحدى طريقين:

 ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب هذا القسم وهو غرس الآداب الاجتماعيّة عند الأطفال، والآداب الاجتماعيّة تشمل: آداب الطعام والشراب، وآداب السلام، وأدب الاستئذان، وأدب المجلس، وأدب الحديــث، وأدب المزاح، وأدب التهنئة، وأدب عيادة المريض، وأدب التعزية، وأدب العطاس والتثاؤب.

 نبدأ بأدب الطعام والشراب، الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تحيّرت عقولهم في هذا الأدب الرفيع الذي كان عليه الصلاة والسلام متحلّياً به، فسألوه: ما هذا الأدب يا رسول الله ؟!! فقال:

(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))

[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]

 أيّها الأخوة، قبل أن نمضي في الحديث عن آداب الطعام والشراب، وآداب السلام وما إلى ذلك، أريد أن أُوضّح لكم حقيقة كيف أنّ المؤمن يتأدّب بهذه الآداب ؟
 هناك طريقان:

1ـ طريق التعلم:

 الطريق الأول هو طريق التعلُّم، النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول لك:

(( يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))

[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]

2ـ الاتصال بالله عز وجل اتصالاً حقيقياً:

 يمكنك أن تتحلّى بهذه الآداب عن طريق التعلُّم، يوجد طريقٌ آخر أنّك إذا اتصلت بالله عزَّ وجلَّ اتصالاً حقيقياً، الكمال الإلهي قد سرى إلى نفسك، فمن دون أن تعرف الحكم تجد أنّك لا تفعل هذا ذوقاً، فإمّا أنّك لا تفعل هذا العمل معرفةً أنّه لا يجوز فهذا مستوى، والمستوى الثاني لا تفعله ذوقاً.
 الحقيقة والأكمل أن تجمع بينهما، أن تجمع بين اتصالك بالله وسريان هذا الكمال الإلهي إلى نفسك، وأن تجمع بين تعلُّم السنّة، فإذا اتصلت بالله حققت جوهر الأدب، وإذا قرأت السنّة حققت تفاصيل الأدب، فإذا جمعت بين جوهر الأدب وتفاصيله كنت أديباً متأدّباً بآداب الإسلام .

 

 المؤمن أدبه بيّن، لا تعرفه بصلاته وصيامه فقط، فلو كان بين الصلاتين، قاعدين في سهرة والعشاء قد أذّن له والكل قد صلّوا، أو لم تعرف من قد صلّى، يا ترى ألا تعرف المؤمن من حديثه فقط ؟ من حديثه، من نظراته، من طرقه للباب، لا يطرق الباب ويقف بوجهه نحو الباب، فإذا فتحت امرأةٌ الباب رآها كما هي !! لا، بل يدير ظهره للباب، وإذا كان جالساً عند صديقه لا ينظر، فإذا حدثت حركة خلف الجدار وكانت هناك نافذة فلا ينظر بل يدير وجهه، فالمؤمن لا تعرفه من صلاته وصيامه فقط، بل ينبغي أن تعرفه من آدابه، أدبه في المشي، أدبه في دخول البيت، أدبه في الجلوس، أدبه في تناول الطعام، أدبه في السلام.

الصبغة اصطباغ النفس بكمال الله من خلال الاتصال بالله:

 الحقيقة إن شاء الله لا أُبالغ أنّ هذا الفصل الذي بين أيدينا من أهمّ الفصول، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان أدبه ظاهراً، ما هذا الأدب ؟ قال:

(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))

[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]

 شيءٌ جميلٌ جداً أن تكون أنت أديباً وتعلّم أولادك الأدب، تعلّم أولادك أن لا يتكلّموا بكلمةٍ نابية، وألا تكون لهم نظرة غير لائقة، فقد قال تعالى:

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) ﴾

( سورة النجم: آية " 17 " )

 أحياناً البصر يطغى، تنظر إلى شيء لا يحلُّ لك، إذاً الأدب له طريقان، طريق التعلُّم والتقليد، وطريق الصبغة، فقد قال الله عزَّ وجلَّ:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ﴾

( سورة البقرة: آية " 138 " )

 الآية واضحة، فالفطرة صفحة بيضاء لا يوجد فيها خيرٌ أو شرٌ، لكنّ الصبغة هي اصطباغ النفس بكمال الله من خلال الاتصال بالله والدليل دقيق جداً يوجد دليل قرآني نبوي، فالدليل القرآني قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾

( سورة آل عمران)

 هذه الرحمة التي تراحم بها الناس وتراحم بها المؤمنين، والبادية بشكلٍ صارخ من تصرُّفاتك، من لينك، من محبّتك، من شفقتك، من رأفتك، هذه الرحمة من الله كما ورد في السنّة:

(( إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً. ))

[الحكيم عن العلاء بن كثير]

الأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله لأن أساسها حنكةٌ وذكاء وهدفها رخيص:

 الخلق الحسن من الله، من خلال الاتصال بالله، لكن توجد عندنا حالة خاصّة يجب أن تعلموها وهذه الحالة أنّ الإنسان بحنكته وذكائه يقف موقفاً أخلاقيّاً، هو ليس أخلاقياً لكن هذا الموقف أخلاقي، فهذا الموقف موقف استعراضي، وهدفه تحقيق مصالح معيّنة، هذه الأخلاق برع بها الكفّار براعةً ما بعدها براعة.
 سيّارة عامة لم تقف لطفل، حقوق المواطن غالية جداً، أهل هذا الطفل أقاموا دعوى على الشركة بخمسين ألف جنيهاً إسترلينياً، المركبة العامّة لم تقف لهذا الطفل وقت الغروب.

 كن شعوباً بأكملها تموت فلا مانع، يفتعلون المشكلات في كل مناطق العالم، ما بين الهند والباكستان، لا يوجد دولتان متجاورتان إلا ولديهما مشكلة من فعل الغرب، وحروب، واعتداءات، وشراء أسلحة، وتدمير أسلحة، هم يفتعلون المشكلات ويسفكون دماء الشعوب وينهبون الثروات، وإذا لم تقف مركبة لطفل صغير تقام دعوى وتحصل من الشركة خمسون ألف جنيه في بلادهم، هذا الكلام قد قام بتلخيصه شاعرٌ ببيتٍ واحدٍ فقال:

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر           وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر

***

 إذاً قد يقف الإنسان موقفاً أخلاقياً وهو غير أخلاقي، وهذا الموقف موقف استعراضي، هدفه تحقيق مصلحة ماديّة، هذا الموقف لا قيمة له عند الله إطلاقاً، فقد قال تعالى:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ﴾

( سورة الكهف )

التحلي بأخلاق إسلامية أساسها الاتصال بالله لا الحنكة والذكاء:

 لذلك يوجد موقف أخلاقي ويوجد إنسانٌ أخلاقيٌ، ولدينا مثالٌ أوضح من ذلك: مثلاً عليك سند بادرت بدفعه فهل أنت صاحب أمانة ؟ لا، لا وبأعلى صوت لأنّ هذا سند والذي بيده السند يقيم عليك دعوى ويحجز عليك، ويعمل لك مشكلة ويفضحك بالسوق، فمبادرتك إلى تأدية الحق هذا سلوك مدني، أما الأمانة أن يعطيك إنسان مئة ألف لتشغلها له عندك، ويموت أمامك فجأةً، ولم يبلغ أحداً إطلاقاً، لا إبلاغ، ولا إيصال، ولا إعلام، ولست مُداناً أمام أحد، طرقت باب الورثة وقلت لهم: هذه أمانة أودعها أبوكم عندي قبل أن يموت، هذه هي الأمانة.
 يا أخواننا الكرام، الإنسان بذكائه وحنكته يستطيع أن ينتزع إعجاب الناس ولكن إلى حين، لكن وحشيته تظهر أحياناً بشكل يفضحه، فمثلاً بالخمسينات كان الناس مأخوذين بهذا العالم الغربي، بالعلم والحضارة والرقي والتقدُّم والقيم، الآن ابن الشارع، الطفل الصغير، عامّة الناس، الطبقة غير الواعية من المجتمع ترى وحشيّة الغرب، وازدواجيّته، وكيف أنّه يكيل بمكيالين، وكيف أنّه حاقد على الإسلام حقداً لا حدود له، أليس كذلك ؟ فالأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله، هي أخلاق أساسها حنكةٌ وذكاء هدفها رخيص، هدفها مكاسب دنيويّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر.
 عندنا مثل عربي معروف: أنّ أحد الناس رأى صيّاداً يذبح عصفوراً وقد سقطت من عينه دمعة، فقال: ما أشدَّ رحمته، فقال له الآخر: انظر إلى السكين، لا تنظر إلى هذه الدمعة ولكن انظر إلى السكين التي يذبح فيها هذا العصفور.
 أردت من هذا الكلام أن لا ينخدع الإنسان بألفاظ برّاقة، بكلمات يقولها الغرب مثل: حقوق الإنسان، حقوق الحيوان مقدّمةٌ عندهم على حقوق الإنسان، لأنّ ما يأكله الكلاب من لحوم في العالم الغربي أضعاف ما يأكله شعب الهند من اللحوم بأكمله، هذا شيء معروف.
 نحن نريد أخلاقاً إسلاميّة، آداباً إسلاميّة، آداباً أساسها الاتصال بالله لا أساسها الحنكة والذكاء.

الصبغة هي الكمال و الفطرة حبُّ الكمال:

 التعلُّم مطلوب، أتمنّى أن يضاف التعلُّم إلى الاتصال بالله، الاتصال بالله يحقق صبغة، فهذان التعبيران في القرآن الكريم دقيقان، الفطرة صفحةٌ بيضاء، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾

( سورة الروم )

 فطرة الله التي فطر الناس عليها، الفطرة أيُّها الأخوة أن تحبَّ الخير دون أن تكون خيّراً، أن تحبَّ العدل دون أن تكون عادلاً، أن تحبَّ الإحسان دون أن تكون محسناً، أما الصبغة: أن تكون عادلاً عدلاً أصيلاً، وأن تكون محسناً إحساناً أصيلاً.
 فلان مصطبغ بصبغـة الله أي إنسان متصل بالله مع هذا الاتصال اكتسب كمالاً، هذا الكمال يمنعه أن يكذب، يمنعه أن ينظر إلى عورات المسلمين دون أن يعرف الحكم الشرعي، هذا الكمال يمنعه أن يستعلي، يمنعه أن يتكبّر، يمنعه أن يأخذ ما ليس له، هذه هي الصبغة:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ﴾

( سورة البقرة: آية " 138 " )

 الصبغة الكمال، أما الفطرة: حبُّ الكمال، فأنت مفطورٌ فطرةً عالية، أي أنّك تحبّ الكمال، تحبّ العدل، السارقون إذا سرقوا شيئاً يقسمونه فيما بينهم يقولون: اقسمه بالعدل، وكل العملية سرقة، محبّة العدل فطرة، فالسارقون لم يكونوا عادلين، أخذوا مالاً حراماً، أخذ المال المسروق هذا أكبر ظلم ولكنّهم بالعدل يريدون قسمته، لأنّ هذا فطرة، الفطرة محبّة العدل، الفطرة محبّة الرحمة، فقد يكون الأب فاسقاً لا يصلّي وليس فيه ديــنٌ إطلاقاً ولكنّه حريص أن يكون ابنه مربّى تربيةً إسلاميّة، فيضع ابنـه أو ابنته في مدرسة لها توجه إسلامي، لأنّ هذه من الفطرة، وهي موجودة في كلّ إنسان حتى في المجرم، حتى في المنحرف، حتى في الزاني، فإذا كان الإنسان له ماضٍ سيّئ وأراد الزواج يبحث عن امرأة شريفة، يقول لك: أنا أعرف كلّ شيء وأريد امرأة نظيفة، وهو في الأساس غير نظيف، فهذه فطرة والفطرة أن تحبّ الكمال.

الفرق بين الفطرة والصبغة:

 الفطرة أن تحبّ الكمال، أما الصبغة أن تكون كاملاً، الفطرة ليس لك فيها أجر هكذا فطرك الله، أما الصبغة كسبيّة، أساسها جهد واتصال بالله وعملٌ صالحٌ وضبطٌ للنفس والشهوات، فالفطرة فطريّة من اسمها، أما الصبغة كسبيّة، الفطرة أن تحبّ الشيء، أما الصبغة أن تكون كذلك، لذلك الأدب أعظم مصادره الصبغة، أن تتصل بالله فتصطبغ نفسك بالكمال.
 لن أكون مبالغاً بهذا الكلام: لو تصوّرنا إنساناً له صلة شديدة بالله ولم يقرأ أي حديث عن آداب الإسلام فأرجّح أنّه يفعل معظمها وهو لا يدري، عنده حياء من الله يمنعه أن يتواقح، أو أن يكذب، أو أن يسُبّ الناس بالألفاظ البشعة، عنده حياء يمنعه أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، هذا هو الحياء، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربّي، أي أنّ اتصالي بالله جعلني مؤدّباً.
 أيُّها الأخوة الكرام، الشيء الذي ينبغي أن يبدو منك كمؤمن هو أدبك، أدب الطعام، الشراب، السلام، الاستئذان، المجلس، الحديث، المزاح، التهنئة، عيادة المريض، التعزية، العطاس، التثاؤب.

 نبدأ بآداب الطعام، بالطبع الآن نتعلّم الآداب تعلُّماً بيانيّاً، وكما قلت سابقاً أنّ الأَولى أن نتعلّمها بيانياً أي شرحاً، وأن نتصل بالله حتى تشتق النفوس هذا الكمال الإلهي بحيث لا تفعل هذا الشيء لا لأنّه حرام ولكن نفسك تأبى أن تفعله، مثلاً أحد الأشخاص عند سفره إلى أحد المحافظات فتح سائق السيّارة العامّة إحدى الأغاني التي يحبُّها فيترنّم تماماً ولكنّه غير محاسب، هو لا يستمع ولكنّه سمع، والنبي قال: من استمع، لكن هذا الإنسان ذاته بعد أن تتعمّق صلته بالله، وبعد أن تطهر نفسه، بعد أن يرقى إلى الله، بعد سنة لو استمع إلى الأغنية نفسها يتمزّق، يقول في نفسه: ما هذا الانحطاط، ما هذه العبارات البذيئة مثلاً، ولكنّه لم يكن كذلك، ففي المرحلة الأولى كان منصاعاً لأمر الله، ولكن نفسه لم تصطبغ بالكمال، لكن بعد أن اصطبغت نفسه بالكمال يتأبّى هذه المعصية.
 الفطرة أن تحب العدل، أما الصبغة أن تكون عادلاً، الفطرة ليس لك فيها أجر لأنّ الله خلقك هكذا، أما الصبغة لك فيها أجر لأنّها كسبيّة فقد بنيت على أساس إيماني واتصالٍ بالله وعمل صالح واستقامة وضبطٍ للجوارح وغير ذلك.

آداب الطعام:

 الآن آداب الطعام، هذا الأدب سهلٌ جداً ففي اليوم الواحد لدينا ثلاث وجبات، يمكن أن تنفذوها على عشاء اليوم أولاً.

1ـ بركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم والوضوء بعده:

 الأدب الأول:

(( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ))

[رواه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه]

 هل تصدّقون فقد ذكرت في إحدى الخطب أنّ ثلاثمئة مليون إنسان يصاب في العالم كلّ يوم بسبب عدم تنظيف اليدين عقب قضاء الحاجة وعقب الطعام والشراب، وتحت اسم أمراض القذارة أصدرت منظمة الصحّة العالميّة التابعة للأمم المتحدة نشرة بذلك.
 وضوء الطعام ليس وضوء الصلاة وضوء الطعام غسل اليدين والفم فقط، فإذا أمسكت بشيء في يدك سابقاً، أو خلعت حذاءك، أو وضعت يدك على حائط قد يكون قذراً، أو قد يكون طفلاً لم ينظّف نفسه ووضع يده على الحائط، أو مسكت شيئاً غير نظيف، أثناء النهار يجوز أن يكون الفم مفتوحاً ويوجد غبار أو أشياء لا ترى، فبركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم، والوضوء بعده. هذه واحدة.
 قال أحد الصحابة سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول:

(( من أحبَّ أن يكثر الله خير بيته فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع ))

[ رواه ابن ماجة والبيهقي عن أنسٍ رضي الله عنه ]

 الآن يقولون عن تفشّي مرض الحمّى المالطيّة، حمّى البحر المتوسّط، بسبب عدم غلي الحليــب أو الأجبان، وأمراض العدوى معروفة عندكم، فغسل اليدين قبل الطعام تعتبر تقريباً حرزاً للإنسان من أن تنتقل له بعض الأمراض عن طريق اللمس، فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع، قبل الطعام وبعد الطعام، هذا أول أدب

2ـ التسمية في أوّل الطعام والحمد في آخره:

 التسمية في أوّله والحمد في آخره، الأدب الثاني:

(( إذا أكل أحدُكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوّله فليقل: بسم الله في أوّله وآخره ))

[رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها ]

 معنى التسميّة: بسم الله أشرب هذا الماء، أنّ هذا الماء من نعم الله، وللتسمية معنيان: الأول أن تذكر أنّ هذه نعمة من الله، أن تذكّرك بفضل الله عليك، والثاني أن تشرب وفق السنّة، أن تذكّرك بسنّة رسول الله في الشرب، تذكُّر النعمة، وتطبيق السنّة، هذه معنى التسمية، بسم الله أشرب يعني أشرب ماءً هو من نعمة الله، وأشرب ماءً وفق ما أمر الله، هذه معنى التسمية.
 كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل وشرب يقول:

(( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

 عند زيارتي لبعض المياتم في شهر رمضان وجدت شيئاً جميلاً جداً، أنّ الأطفال جميعاً وبصوت واحد يبدؤُون بالتسميّة فإذا انتهى الطعام يقولون:

(( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ))

[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]

 هكذا علموهم، قال لي أحد الأخوة: وضعت ابني في مدرسة فيها توجيه إسلامي جيد، ذات مرّة صحا من نومه متأخراً فقلت له: يا بني خذ معك هذا الطعام، وكُلْه في الطريق، فقال لي: يا أبتِ قال عليه الصلاة والسلام:
الأكل في الطريق دناءة.
 شيء جميل أن يتعلّم الطفل وهو صغير الآداب، كيف يأكل ؟ وكيف يشرب ؟

3ـ ألا يعيب طعاماً قدّم إليه ولا يمدحه:

 الأدب الثالث: ألا يعيب طعاماً قدّم إليه، كما قالت السيدة عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ما ذمّ طعاماً قط.))

[مسلم عن أبي أيوب]

 بعض الأشخاص يشمئزون ويُشمَئز منهم، فلا بدّ من أن يعلّق على ما يقدّم له من الطعام، هذه قليلة الملح، أو لم تعقد كفاية، أو اللحم قاسي، لا بد من أن يعلّق، أما النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يعب طعاماً قط، قال:

(( ما ذمّ طعاماً قط لكن إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه.))

[مسلم عن أبي أيوب]

 هذا الأدب الثالث، مرَّ معي أدبٌ رابعٌ غير مذكور هنا وهو: ما عاب طعاماً ولا مدحه.
 كأن يقول: أكلة رائعة، طعمها كالقشطة، مثل كذا وكذا، أكلت فقم بشكر الله فقط، المبالغة في المدح أيضاً ليست من أخلاق المؤمن، فمعنى ذلك أنّه عبد بطنه، وقد قال النبي:

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

4ـ أن يأكل بيمينه ومما يليه:

 الأدب الرابع: أن يأكل بيمينه ومما يليه.
 لما روى مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال:

(( كنت غلاماً في حجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))

[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]

 تطيش: أي تتحرّك في الإناء، حضرت طعاماً ووجدت طفلاً صغيراً، وكان الطعام كباباً هندياً، والطفل يأكل بأصابعه دون خبز وأبوه ساكت ولا يتكلّم، فشيء لا يحتمل أنّ ابنه سيأكل نصف الموجود من اللحم دون خبز ويترك الآخرين وأبوه لا يتحرّك وكأن لا مشكلة في ذلك أبداً.
 لا بد أن تربّي ابنك وتقول له: كل مما يليك يا بني، أو كل مثل الناس مع الخبز مثلاً، أما أن يأكل الابن كيفما أراد فهذا لا يجوز، لا بد أن يكون له أب ليربّيه.
 النبيّ لم يسكت عندما رأى يد الطفل تطيش في الإناء بل قال له:

(( يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))

[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]

5ـ ألا يأكل متّكِئاً:ا

 لأدب الخامس: ألا يأكل متّكِئاً لما فيه من الضرر الصحّي، وظواهر الكبر، بالطبع إلا المرضى في المستشفيات، أما غير المريض يجب أن يأكل وهو جالسٌ جلسة نظاميّة.

(( لا آكُلُ متّكِئاً ))

[رواه البخاري عن أبي جحيفة ]

 الاتكاء يتنافى مع الأدب أمام شخص عظيم، فسيّدنا زيد الخيل كان رجلاً من وجهاء الجاهليّـة، فلمّا أسلم سمّاه النبيّ زيد الخير، ورحّب به وقال له: يا زيد ما رأيت رجلاً وكان قد وصف لي إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد، لله درُّك، وقد دعاه النبي إلى بيته وأعطاه متَّكَأً يتكئ عليه، سيّد الخلق ويجلس أمامه متّكئاً !! أسلم قبل ساعة فقال له: والله يا رسول الله لا أتّكئ في حضرتك.
 هذا هو الأدب، رأيت مرّتين أو ثلاثاً في غير هذا الجامع أثناء الدرس من يجلس جلسةً لا أدب فيها على الإطلاق، إن كان معذوراً فلا يحق لي أن أتكلّم، أمّا إذا كان بلا عذرٍ وهكذا رجلاه ومرتاحاً على التمام فعليه أن يعلم أن هذا بيت الله، فو الله لو جلس هذه الجلسة أمام إنسانٍ كبيرٍ وله مكانته لطرده،

 أنت في بيتٍ من بيوت الله، أما المعذور معذور ولا أتحدّث عنه أبداً، بعض الأشخاص مرضى بتصلُّب في المفاصل فهذا الله عزَّ وجلَّ يعذره ولا يحاسبه، لكن من دون سبب ؟! يجب أن نتأدّب بآداب الإسلام.

6ـ يستحبّ التحدُّث على الطعام:

 قالوا: يستحبّ التحدُّث على الطعام، البعض يتحدثون بكلام ليس له معنى، فالنبي كان يتحدّث على الطعام، الحقيقة أعرف أسراً كثيرة أغبطها، الطعام عندهم متعة، الأولاد كلّهم يجلسون إلى مائدة الطعام ويتحدّثون، فالأب يحدثهم ويستمع إلى أولاده، بموعظة، بقصّة، بطرفة مثلاً، وقد يكون أحد أطفال العائلة في المدرسة فيقول: هكذا تكلمت المعلّمة، فهذا شيء جميل مع الطعام، فمن السنّة التحدُّث مع الطعام، أما كل واحد من الجالسين عينه على القصعة ويأكل بِنَهَم وكأنّهم في مسابقة، فهذا ليس طعاماً بل طعام الشياطين، لما روى مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه أنّ:

(( النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سأل أهله الأُدم فقالوا: ما عندنا إلا خل. فقال: فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل.))

[مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه]

 قد صحّ عنه أنّه كان يتحدّث إلى أصحابه وهو يأكل على المائدة في أكثر من مناسبة.
 قال لي أحد الشباب عن والده: من عشرين سنة نأكل طعام الغداء مع رنين الساعة الثانيـة ظهراً، هكذا نظامه ولا يمكن أن لا نكون مجتمعين على الطاولة جميعاً في هذا الوقت، فهذا وقتٌ مقدّسٌ يجلسون ويأكلون مجتمعين.
 هناك بيوتٌ مليئة بالفوضى كل ولد له وجبة طعام له وحده، فأولاً تذهب بركة الطعام، وثانياً تحدث مشقةٌ كبيرةٌ جداً، فإذا أمكن اجتماع الأهل كلّهم ودفعةً واحدة على الطعام، ويتحدّثون بحديثٍ ممتعٍ ومؤنسٍ ولطيفٍ فهذا من السنّة وهكذا النبي علّمنا.

7ـ الدعوة للمضيف:


 يستحبُّ أن يدعو الضيف لمضيفه إذا فرغ من الطعام، فتجد البعض إذا انتهى من طعامه يطلب الذهاب، فأين يذهب ؟ ادعُ لصاحب الطعام بأن تقول له:

(( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة.))

أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]

 قد دعاك وتكلّف فادعُ له كأن تقول له: اللهمّ بارك هذا البيت وبارك أهل هذا البيت، اللهمّ أعطهم ولا تحرمهم، ادعُ دعاءً لهم.
 روى أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ وزيت فأكل ثمّ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام:

(( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة.))

أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]

 هذه من السنّة، التسميـة في أوّله والحمد في آخره، وغسل اليدين قبل الطعام، والحديث على الطعام، وعدم الأكل متّكئاً، أن تأكل بيمينك ومما يليك، والدعاء للمضيف، وألا تعيب طعاماً قط وألا تمدحه.

آداب أخرى للطعام:

 إذا سألك المضيف عن الأكل وجودته، فيجب أن تمدح له، فقد أراد أن يتقرّب منك وصنع لك طعاماً وقد بذل فيه جهداً، وسألك عن الأكلة وهل أحببتها ؟ فقل له: نعم جزاك الله الخير على هذا الطعام الطيّب، أكلة نفيسة، إذا سألك عن الأكل هل أعجبك ؟ فمدحه له جبراً لخاطره.
 زارنا أخ له دعوته مع طلاّبه، مما لفت نظري أنّه لا يمكن أن يأكل أحد لقمة من الطعام قبل أن يأكل أكبر من في المجلس، هذا شيء جميل، أحياناً نكون في نزهة وثلاثة أو أربعة من الأصدقاء لم يحضروا بعد فقد كانوا في خدمة المجموع، وليس لهم مكان في غرفة الطعام، فتجد أن نصف الطعام قد أُكِل، أمير الجلسة يجب أن لا يأكل ولا لقمة من الطعام حتى يكون الكل مجتمعين، ليعد حتى الخمسة عشر مثلاً فإذا كان الكل حاضراً يبدأ بسم الله.
 الصغار لا يأكلون قبل أن يأكل أكبر إنسان في الجلسة، والآن يُعمَل بهذا في المآدب الرسميّة، فإذا بدأ بالأكل أعلى شخصيّة بالمأدبة الكل بعده يأكل، هكذا السنّة، فإذا وجد أولاد يجلسون مع أبيهم، أو طلاّب مع أستاذهم بنزهة، ووضع الطعام، فالطالب ليس له الحق في أن يأكل قبل أن يأكل أستاذه، فإذا

 ناول قطعة من الطعام فهذا خلاف للسنّة، فلا يأكل الكل إلا بعد أن يمدّ يده رئيس هذه الجلسة أو أمير هذه الجماعة ويأكل أول لقمة، وليس للأمير ـ أمير المائدة أو أمير النزهة ـ ليس له الحقّ في أن يبدأ الطعام إلا بعد أن يحضر كلّ من معه ويتأكّد من ذلك، فالكل بمكانه، والطعام موزّعٌ توزيعاً جيّداً، ثم يبدأ بالطعام وعازماً عليهم بأن يتفضلوا الطعام، وهم ليس من حقّهم أن يبدؤوا قبله فهذا من دقّة النظام.
 تعلموا ذلك، كذلك بعض الناس لا يحلو له عمل الشاي أو غسل أسنانه أو قراءة شيء ما إلا والناس مجموعون حول المائدة، ويطلب منهم أن ينتظروه، هذا شيء صعب إذ لا بدّ أن تراعي كلّ النواحي، فإذا وضع الطعام فيجب أن يقبل عليه الجميع، والأب يجب ألا يبدأ حتى يكون الكل موجودين، والأولاد يجب ألا يبدؤوا بالطعام حتى يبدأ أبوهم.
 روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، هذه السنّة.
 الحديث الأخير:

(( كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل طعاماً لَعِقَ أصابعه الثلاث ))

[رواه مسلمٌ عن أنسٍ رضي الله عنه ]

 متى يستطيع أن يلعق أحد أصابعه ؟ إذا غسل يديه قبل الأكل وإلا فلن يستطيع الإنسان أن يلعقهم، فإذا كان التغسيل جيداً وبأصابعه دسمٌ فهذه نعمة، وقال:

(( إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان))

[رواه مسلمٌ والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر]

 أحياناً تقع على الأرض لقمة فتعلق عليها بعض الغبرة فنغسلها قبل أن نأكلها هذا من السنّة.

حفظ النعمة وعدم الاستهتار بها:

 أخواننا الكرام، من الاستهتار بالنعمة أن تجد بالقمامة بعض الطعام، فالمؤمن الكامل لو رأى في القمامة بقايا من الطعام لاقشعرّ جلده، أحياناً يترك في وعاء الطبخ بقايا رز ويُوضع في المجلى ويذهب ما في الوعاء من الرز إلى القمامة، وأحياناً تجد كسرات من الخبز هذه تأكلها الطيور فقم ببلها بالماء وضعها على السطح فتؤكل كلّها، أو بقايا فتّة كذلك تأكلها الطيور، فإذا وجد شيء عافت نفسك أن تأكله يوجد من يأكله وبِنَهَم ولك فيه أجر، فكل شيء فيه طعام يجب أن لا ترمي به ـ ولو ذرة ـ إلى القمامة، فالطير يأكله، أرى بعيني كثيراً من الخبز يلقى فوق سطح البيت فلا تبقي منه الطيور شيئاً، الطير يأكل بقايا الخبز أو الفتّة أو الطبخ بنهم ولك أجر، فحاول أن لا تلقي ولو بذرّة واحدة إلى القمامة.
 لكن ترى أحياناً أفخر الطعام ـ لطف الله بنا ـ يلقى في القمامة، فقد سمعت أنه في بعض البلاد يصنعون وليمة من الطعام بها جملٌ صغيرٌ مكتّفٌ ـ وهي من أنفس الأكلات ـ ضيف الشرف يأكل منه فقط نصف الأوقيّة، ولكن من التقاليد والعادات أن لا يأكل أحد بعد الضيف أبداً والباقي يلقى على القمامة.
 أشعر أنّ الإنسان المؤمن إذا رأى طعاماً ملقى على القمامة يهتزّ من أعماقه، فقد قال رسول الله: يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود.
 دُعيت مرّة إلى عقد قران وكان فيه الكثير من الطعام النفيس وبكميات كبيرة، لاحظت أنّه لم يؤكل منه خمسه، فاحترت، والداعي رجلٌ مؤمنٌ فسألته مستفسراً في اليوم الثاني، فقال لي: والله يا أستاذ ما ضاعت منه رزة واحدة، كل الطعام وضع في أكياس ووضع في البرّادات وأخذ إلى المآتم وأكل منه لمدة عشرة أيام، أراد أن يكرم الناس بذلك ولم يؤكل سوى خمس الأكل وقام على الفور بتوزيع الباقي.
 كذلك ذات مرّة أقام أحد الأخوة وليمة، فقلت له: أين الأكل ؟ قال لي: قمت بتوزيعه كلّه، فبعض الناس يكون جائعاً والطعام جيّد ونفيس فيوزّع، وكذلك الثياب توزّع.

آداب الشرب:

 أيها الأخوة الكرام، هذه الدروس دروسٌ أساسية، فإذا ضبط الإنسان سلوكه، ضبط طعامه وشرابه، حفظ نعمة الله هذه النعمة لن تفقدها أبداً، أما إذا كان هناك استهتارٌ فالله كبير وسيحاسبك.
 الآن آداب الشرب.

1ـ استحباب التسميـة والحمد والشرب ثلاثاً:

 استحباب التسميـة والحمد والشرب ثلاثاً لما روى الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(( لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم.))

[الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]

 قدّموا له زبديّة من شراب الليمون فشربها دفعة واحدة، فقالوا: السنّة أن تشربها على ثلاث دفعات !! فقال: هذه واحدة فأين الاثنتان الأخريان ؟
 لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث، فالأدب الأول أن تسمّي وتحمد الله عزَّ وجلَّ، وتشرب الكأس على ثلاث مرّات.

2ـ نهى الرسول الكريم عن الشرب من فِيْ القرب:

 الأدب الثاني، نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يشرب من فِيْ السقاء أو القُرب.
 أي من فمها، من فم الزجاجة، أو الإبريق مباشرة، فقد نهى النبي أن يكون الشرب هكذا.

3ـ كراهية النفخ في الشراب:

 الأدب الثالث، كراهية النفخ في الشراب، فمثلاً شرب أحد الناس ثلاثاً حسب السنّة ولكن في المرّة الثانية ترك الإناء على فمه وتنفّس بداخله، فأحياناً الزفير يحمل بعض الأمراض، فالسنّة ما بين الشربتين أبعِد القدح عن فيك، لذلك نهى النبيّ الكريم أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه لما في ذلك من الأمراض الصحيّة، والمنافاة للآداب الاجتماعيّة.

4ـ استحباب الشرب والأكل جالساً:

الأدب الرابع، استحباب الشرب والأكل في حال الجلوس.
 الآن درجت موضة الأكل والشرب واقفاً، سفرة بوفيه، وهذا خلافاً للسنّة، فإذا لم تجد لديك عدد كافٍ من الكراسي فلا مانع من ذلك، فيسكب الضيف الطعام ويعود لمكانه السابق الذي كان يجلس فيه لأنّ الأكل واقفاً منهيٌ عنه.
 نهى عليه الصلاة والسلام أن يشرب الرجل قائماً قال قتادة: فقلنا لأنس: الأكل ؟ قال: ذلك أشرّ.
 إذا كنت منهياً عن أن تشرب واقفاً فالنهي عن الأكل واقفاً أشدُّ نهياً.
 وفي رواية أنّه قال:

(( لا يشربنّ أحدٌ منكم قائماً ))

[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 لكن النبي شرب قائماً، لماذا شرب قائماً ؟ في بعض الحالات، إذا كنت ماشياً في الطريق، والطريق مزدحم، وكنت عطشان، ووقفت على سبيل ماء فمن غير المعقول أن تقرفص لتشرب والناس يقفون أعلى منك، هذه حالة صعبة، فمثلاً إذا كنت في الكعبة ـ زادها الله شرفاً ـ والازدحام شديد فإذا أردت أن تشرب قاعداً فستجد الناس فوقك، فاشرب واقفاً، النبيّ الكريم شرب ماء زمزم واقفاً ـ وهي حالات قليلة ـ الأولى فيها أن تشرب قاعداً، فالنبي شرب قائماً لئلا يوجد حرجٌ عند الحالات الضروريّة.

5ـ النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة:

 الأدب الخامس، النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة، ففي الحكم الشرعي حرامٌ أن تستعمل الآنية المصنوعة من الذهب الخالص أو الفضّة الخالصة، أما المُذهّب والمفضض ففيه إجازة.
 فإذا كان مطلياً بالذهب شيء لا يذكر، فالمذهّب شيء والذهب شيء آخر، وأيضاً المفضض شيء والفضّة شيء:

(( من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه من نار جهنم))

[مسلم عن أم سلمة]

 أي أصبح فيه من الترف والاستعلاء والبذخ وتجميـد للمال كبير، فلينفع الناس بهذه الأواني من الذهب الخالص، فالآن تجد صنابير من الذهب الخالص، ومقابض للأبواب من الذهب الخالص، سمعت عن أحد الملوك أنّ مرحاض طائرته من الذهب الخالص.

6ـ النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب:

 الأدب السادس، النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب.

(( ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدّ فاعلاً، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه ))

[رواه الإمام أحمد والترمذي عن المقدام بن معد يكرب]

 هذه هي آداب الطعام والشراب، تنفيذها سهلٌ جداً، علّمها لأولادك وقم أنت بتطبيقها، وإذا دُعيت إلى طعام نفذها أمام أخوانك فتصبح جزءاً من حياتك.
 إن شاء الله في درسٍ قادم ننتقل إلى آداب السلام، والموضوعات كما يلي:
 أدب الطعام والشراب، أدب السلام، أدب الاستئذان، أدب المجلس، أدب الحديث، أدب المزاح، أدب التهنئة، أدب عيادة المريض، أدب التعزية، أدب العطاس والتثاؤب.

والحمد لله رب العالمين