أحاديث رمضان 1427هـ - صلاح الأمة في علو الهمة - الدرس (12-60) : من علامات علو الهمة العناية بالصلاة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-09-29
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

خلاصة النشاط التجاري: الربح:

العبرة في كل شيء تحقيق الهدف منه
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة، والموضوع اليوم تطبيق عملي لموضوع الصلاة، فكما تعلمون كيف أن التجارة لها نشاطات لا تعد ولا نحصى، بدءاً من شراء الأرض، وبناء المحل أو المعمل، والمستودعات والمكاتب، وتعيين الموظفين، واستقدام المندوبين، وعقد الصفقات، وبيع البضاعة، وجمع ثمنها، والدعاية، والإعلان، والمحاسبة، عشرات، بل مئات، بل ألوف النشاطات تجمعها كلمة التجارة، لكنه يمكن أن تضغط كلها في كلمة واحدة، "هي الربح "، فإن لم تربح فلست بتاجر.
الآن تصور إنسانا يحمل أعلى شهادة في إدارة الأعمال، وفي التسويق من أرقى بلد في العالم، وخسارته مستمرة، وإنسان أمي لا يقرأ، ولا يكتب أرباحه طائلة، من هو التاجر ؟ العبرة أن تحقق الهدف، هذا تمهيد.

خلاصة النشاط الديني: الصلاة:

الصلاة هي خلاصة النشاط الديني
الدين كم نشاطا فيه ؟ حضور دروس علم، قراءة كتب، دعوة، إلقاء محاضرات، إلقاء خطب، تأسيس جمعيات، إنشاء ميتم، إنشاء مستشفى، إنشاء مستوصف، نشر كتب قديمة، تحقيق، أكثر من مليون نشاط يجمعها الدين، ومع ذلك يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة، هي الصلاة، لأنها الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، وأول ما يحاسب الإنسان من عمله عن صلاته، فإذا صحت صح عمله.

من علامات الهمة العناية بالصلاة:

الصلاة هي خلاصة النشاط الديني
فلذلك أيها الإخوة، من علامات علو الهمة العناية بالصلاة، وذكرت أن الإنسان بإمكانه أن يقوم إلى الصلاة، وأن يتوضأ، وأن يقف، وأن يقرأ، وأن يركع، وأن يسجد لكنه لن يستطيع أن يتصل بالله إلا إذا استقام على أمره، كل بني آدم خطّاء، أما الإنسان المقيم على مخالفة، وهو يعلم أنها مخالفة، ويصلي ؟! هذا مستحيل ! ذلك من أجل أن تنعقد الصلاة لا بد من التوبة النصوح، لا بد من استقامة على أمر الله حتى تنعقد الصلاة.

ضوابط لتفادي الغلو في العبادات:

الآن لئلا نقع في التطرف، أو في الغلو أضع بين أيديكم مجموعة قواعد تضبط المؤمن من أن يغالي في عباداته، ومن أن يقصر في عباداته.

الضابط الأول: ألا يحصل للمؤمن ملل يفقده لذة العبادة:

ألا يحصل للمؤمن ملل يفقده لذة العبادة، من مبالغته في العبادة يفقده لذة العبادة، بدليل قول النبي الكريم:

(( ليصل أحدكم نشاطه ))

[ متفق عليه ]

ما دمت نشيطاً صلِّ، أما إذا تعبت، وأصبحت الصلاة عبأ عليك، ولا تستطيع متابعتها، وقد ألزمت نفسك ما لا يلزم فالأولى أن تكف عن متابعة الصلاة النافلة.
إذاً: أنت تصلي طبعاً الفرائض، والسنن الراتبة لا علاقة لها بالموضوع إطلاقاً ، الحديث عن النوافل، عن أن علو الهمة يحتاج إلى إتقانٍ للعبادات، أول شيء ألا يحصل ملل يفقد المؤمن لذة العبادة بدليل:

(( ليصل أحدكم نشاطه ))

التوبة النصوح تهدم ما كان قبلها
بعضهم يؤثر التشدد في أن من تاب، وقد فاته أعوام مديدة من الصلاة يلزمونه أن يصلي كل الصلوات التي فاتته، وقد يكون هذا فوق طاقته، وقد يكره الناس بالتوبة، أنت حينما تتوب إلى الله توبة نصوحًا فلا شيء عليك.

(( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه ]

(( من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

والتوبة النصوح تهدم ما كان قبلها.

(( فمن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وجوارحه، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ))

[ أخرجه أبو العباس بن تركان الهمذاني عن أبي الجون ]

إذاً: ينبغي أن تصلي الفرائض والسنن والنوافل، من دون أن تحملك النوافل على أن تكره الصلاة، أو أن تملها، أو أن تسأمها، هذا أول شرط: أن يكثر بحسب طاقته، والدليل:

(( عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ))

[ رواه شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَائِشَةَ ]

لا تكلف نفسك ما لا تطيق، هناك أقوال صدقوا ليس لها أصل، أن أحد العلماء صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين عاما، صدقوا هذا ليس له أصل، ولا يحتمله أحد من بني البشر، وحينما تضع حالات قديمة فوق طاقات البشر تُيئّس الناس من التزام أمر الله عز وجل، كن واقعياً، فسنة النبي متكاملة، متوازنة، يمكن أن تحقق بها أعلى الدرجات، أما أن تترنم بقصص لا أصل لها من أجل أن ترى نفسك لا شيء أمام هؤلاء هذا شيء فيه مبالغات

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾

( سورة المائدة الآية: 77 )

وهذه تنسحب علينا أيضاً.

الضابط الثاني: ألاّ يفوت ما هو أهم:

لايمكن القبول بتفويت صلاة الفجر من أجل نافلة الليل
ألا يفوت ما هو أهم، أحياناً من أجل قيام الليل تفوتنا صلاة الفجر في وقتها، وقيام الليل سنة، صلى، وتعب، ونام، واستيقظ بعد الشمس، لا، لا يجوز، الفرض أولى، ألا تفوت ما هو أهم من هذه النافلة، يقول سيدنا عمر:
<< لأن أشهد الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلاً >>
هناك فرائض وسنن، ألا يضيع حقاً شرعياً، الزوجة حينما تمضي الليل كله في صلاة قيام الليل، وتهمل أولادها صبحاً، وتهمل زوجها، وتهمل حاجة زوجها إليها هي أدت نافلة، لكن على حساب واجب تركته، والإنسان ينبغي أن يعبد الله فيما أقامه.

الضابط الثالث: ألا تبطل نافلة العبادات رخصة شرعية:

ألا تبطل نافلة العبادات رخصة شرعية، كما ظن الرهط الذين تقالّوا عملَ النبي في بيته، وقول أحدهم: أنا لا أتزوج النساء، هذه رهبانية، والإسلام ليس فيه رهبانية، قال عليه الصلاة والسلام:

(( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

الضابط الرابع: ألاّ يوجب على نفسه ما ليس بواجب:

ألا يوجب على نفسه ما ليس بواجب، ابن مظعون كان في النهار صواماً، وفي الليل قواماً، فضيع حق زوجته.
وأنا أقول لكم: هناك عبادات تبنى على إيذاء الآخرين، النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يصلي إماماً بأصحابه كان أخف الناس صلاةً في تمام، والذي صلى وقرأ الواقعة عاتبه النبي، وقال: يا معاذ:

(( أفتَّانٌ أنْت ))

[ متفق عليه ]

كان إذا صلى كان أخفّ الناس صلاة، لكن دققوا فيما سأقول: أما لما صلى وحده اقتدى به أحد الصحابة دون أن يعلم النبي، قرأ البقرة قال: لعله يركع، قرأ آل عمران قال: لعله يركع، قرأ النساء، وصف دقيق جداً لصلاة النبي وحده، شيء عجيب، كان غارقاً في محبة الله، أمضى معظم الليل في صلاة، فإذا أردت أن تصلي وحدك صلِ ما شئت، أما إذا أردت أن تأم الناس ينبغي أن تصلي بشكل لا يؤذيهم، وأحيانا هناك عدوان في الدعاء، الإطالة في الدعاء عدوان، لذلك إن صليت إماماً فينبغي ألا تفتن الناس، الذي قرأ الواقعة قال له:

(( أفتان أنت يا معاذ ))

أحد الصحابة انسحب من الصلاة، والعتاب كان للإمام لا للمؤتم، فلذلك إن صليت إماماً فكن أخف الناس صلاةً، أما إذا صليت وحدك فقلِّد النبي صلِ ما شئت.

الضابط الخامس: أن يأتي بالعبادة بتمامها:

لابد من أن تعي وتفهم ما تقرأه من القرآن
أن يأتي بالعبادة بتمامها، بدليل:

(( لا يَفْقَهُ مَنْ قَرأ القُرآنَ فِي أقَلّ مِنْ ثَلاثٍ ))

[ رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ]

قصص من نسج الخيال والمبالغة: كثير من القصص أنه كان يختم في ليلة واحدة، 600 صفحة، نحن ساعة وربع تقريباً نقرأ جزءا، وهناك ثلاثون جزءا، ثلاثون في ساعة افرض ثلاثين بساعة ثلاثين ساعة ، كيف يختم القرآن بليلة ؟ ماذا قرأ، مستحيل ! إذا كانت القراءة لا تؤدي إلى فهم المعنى وإلى عقل المعنى، وإلى التفاعل مع المعنى، فهذه ليست قراءة.
مرة حدثني أخ، قال لي: هناك نوع من الحج يقوم به بعض الحجاج، قال لي: يصلي العصر في جدة، ويركب مركبته إلى مكة، الطريق فارغ، والكعبة ليس فيها أحد ، كل الحجاج في عرفات، يصلي العصر في جدة يوم عرفة، وينقل إلى مكة، والطريق فارغ، يدخل إلى بيت الله الحرام، هناك أشخاص معدودون، يطوف في خمس دقائق حول الكعبة تماماً، ويسعى، ويتوجه إلى عرفات، يجلس في أول عرفات، تغيب الشمس يرجع تواً أول واحد ماشيا، وقد جاء آخر واحد، ورجع أول واحد، يرمي الجمرات، ويتحلل، ويوكّل في الرمي أشخاصا، حجته كلها أربع ساعات، فأنا علقت على هذه الحجة: أن إنسانا دُعي إلى طعام نفيس، جاء إلى بيت الداعي، وكتب: لقد حضرت، وانسحب، ما أكل شيئًا، أثبت وجوده فقط.
فلذلك أنت حينما تبالغ قد تضيع شيئًا آخر.

الضابط السادس: المداومة على العبادات:

أن تداوم على هذه العبادات، لأن:

(( أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قلّ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ]

حضرت درس جمعة فداوم عليه، درس الفجر داوم عليه، عملت عملا صالحا تابعه، لأن في الدوام تراكما، ومع التراكم تكون الثمار الطيبة.
لكن إنساناً أحياناً يتوجه توجها رائعا جداً لفترة محدودة، ثم يختفي، هذا خطأ كبير، حاول أن تتدرج ببطء وثبات، وكل عبادة ارتحت لها تابعها، وداوم عليها.

الضابط السابع: ألا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره:

ألا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره، المتكلم لا يشعر بالتعب، ولا بالجوع، ولا بالعطش، ولا بالحر، ولا بالقر، أما المستمع يكون الوقت ثقيلا جداً عليه، يجب أن تراعي حاجة الناس.
فلذلك اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وقم عنه وأنت تشتهيه، وكذلك في التدريس، وفي الصلوات، إن كنت تؤمّ الناس فاجعل الصلاة محببة للناس.

الضابط الثامن: ألا تعتقد أن هذا المؤمن أنه أفضل عملاً من النبي:

ألا تعتقد أن هذا المؤمن أنه أفضل عملاً مما كان النبي عليه الصلاة والسلام .
النقطة الدقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر من مكة إلى المدينة هاجر خفية وتسللاً، وفي جنح الظلام، واتجه مساحلاً، وقبع في غار ثور ثلاثة أيام، سيدنا عمر هاجر نهاراً جهاراً فمَن الأشجع ؟ النبي مشرّع، سيدنا عمر ليس مشرّعاً، لو هاجر سيدنا رسول الله كما هاجر عمر لعدّ اقتحام الأخطار واجباً، ولعد أخذ الحيطة حراماً، لهلكت أمته من بعده، فالنبي لما صلى صلوات معتدلة، ولم يثقل على أصحابه لأنه مشرّع، فإذا صليت صلاة أطول فإياك أن تتوهم أنك سبقت رسول الله، لأنه مشرّع قدم لك الحد الأدنى، لكن أنت أحياناً قد تصلي أكثر مما صلى النبي الكريم، إياك أن تتوهم أنك أفضل عمل مما فعله النبي عليه الصلاة والسلام.

أربع نقط يجب مراعاتها في علاقات المسلم:

الإسلام وسطي ومعتدل
دائماً الإسلام وسطي، والإسلام معتدل، كنت أقول لكم دائماً: أنه لا بد من أن تراعي أربع نقاط في حياتك:
النقطة الأولى: علاقتك بالله.
النقطة الثانية: علاقتك بأهلك وأولادك.
النقطة الثالثة: علاقتك بعملك.
النقطة الرابعة: علاقتك بصحتك.
فما لم تعتنِ بهذه الكتل الأربع فأيّ خلل في واحدة منها ينسحب على بقية مناحي حياتك، فهذا أيضاً أيها الإخوة من الوسطية والاعتدال.

(( الصلاة عماد الدين ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]


الخلاصة الوافية للصلاة:

الصلاة معراج المؤمن والفرض الذي لا يسقط بحال
وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، والصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، وأول ما يحاسب عنه المرء يوم القيامة صلاته، وإذا صلت إماماً فكن خفيف الظل، لا تثقل على من وراءك، أما إذا صليت وحدك فقلد النبي عليه الصلاة والسلام، صلِ ما شئت، لكن الكلمة الفيصلة، الكلمة الدقيقة في هذا المقام: أعظم شيء في الصلاة أن تعدّ لها، أن تعدّ لها الاستقامة، فإن استقمت كان الطريق إلى الله سالكاً، وبينك بين الله كما يقال خط ساخن، أما إذا لم تستقم عندك هاتف غالٍ، لكن ليس فيه خط، مهما يكن الهاتف غالي الثمن بلا خط، بلا حرارة، فلا قيمة له أبداً.
فلذلك اعتنِ بالخط الساخن بين وبين الله، وهذا الخط الساخن يبقى ساخناً ما دمت مستقيماً، فإن خرقت الاستقامة، انقطع الخط وبقي الجهاز لا يغني، ويسمن من جوع.
والحمد لله رب العالمين