أحاديث رمضان 1427هـ - صلاح الأمة في علو الهمة - الدرس (23-60) : الشرك الخفي والشرك الجلي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-10-05
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

إشارة القراّن إلى الشرك الخفي:

 أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة، في هذه الليلة قُرأت آيتان تتصل أشد الاتصال بعلو الهمة، قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

1 – ليس في العالَم الإسلامي شرك جليٌّ:

 لذلك هذه الآية فيها إشارة إلى الشرك الخفي، ليس في العالم الإسلامي مكان للشرك الجلي، الشرك الجلي أن تعبد بوذا، مثلاً، هذا شرك جلي، أما أن تتعامل مع الناس الأقوياء، فتطيعهم وتعصي الله، وتتوهم أن بيدهم نفعك وضرك، وأن بيدهم رفعتك ورزقك، هذا الشيء الخطير في الدين.

2 – التوحيد ألاّ ترى مع الله أحدًا:

 المتدين الحقيقي هو الموحد الذي لا يرى مع الله أحدا الذي يرى أن أمره كله بيد الله، الذي يرى أن كل من في الكون ناصيته بيد الله، وأن علاقته مع الله وحده، وأنه إذا عمل لوجه واحد كفاه الله الوجوه كلها.
وأنه من مسلمات الإيمان أن ما يعلم أنه ما أصابه لم يكن لينصرف عنه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هذه الحقائق تسبغ على النفس الهدوء والسكينة والراحة، لذلك ينبغي أن نقلق حينما نقرأ قوله تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

 لأن فيها إشارة إلى الشرك الخفي.

3 – ما هو الشرك الخفي ؟

 الشرك الخفي: أن تطيع مخلوقاً، وأن تعصي خالقاً، الشرك الخفي: أن تتوهم أن مصلحتك بالمعصية، لا في الطاعة، الشرك الخفي: أن ترى أن في الأرض أقوياء مصير البشر بيدهم.

الأمراض النفسية سببها ضعف التوحيد :

 ونحن أيها الإخوة في امتحان صعب جداً، من امتحانات الله الصعبة أنه يقوي الكافر، وهذا الكافر يبدو للناس أنه يفعل ما يقول، وأن معظم مقدرات الأرض بيده، هذا مما يكون فتنة للمؤمنين.
فكلما قوي إيمانك رأيت أن يد الله وحدها تعمل، وكلما قوي إيمانك ابتعد عنك اليأس ابتعد عنك الإحباط، ابتعد عنك الخنوع.
لذلك ما من مرض يصيب نفس المؤمن إلا بسبب ضعف توحيده.

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

 فيا أيها الإخوة، حينما تتحرك لإرضاء جهة أرضية، أو تتحرك خوفاً من جهة أرضية، ولا تدخل في حساباتك أن الله بيده كل شيء، دون أن تشعر وقعت في الشرك الخفي، والشرك الخفي خطير جداً، لأنكم تعلمون أن كل ذنب يغفر إلا الشرك.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

( سورة النساء الآية: 48 )

 حينما أرى أن الأمر بيد غير يد الله فقد أصابني الإحباط، والكآبة.

لا لليأس والقنوط والخنوع:

 بالمناسبة، إذا صدّق الإنسانُ الأخبارَ فقد لا يحتمل قلبه سماعها، عدو قوي جداً ، ذكي جداً، بيده الثروات، والإعلام، والاقتصاد، ويملك فرضَ حصارٍ، ويبيد الشعوب ، ويحدث فوضى بناءة على حد زعمهم، هذا التصور وحده يسبّب كآبة لا تنتهي، نحن دواءنا الآن التوحيد، وهناك إله موجود.
 كنت أقول دائماً حينما تطرح تحليلات سوداوية مظلمة للمستقبل أقول: اقرأ الأخبار، أو استمع إليها، أو اقرأ التحليلات، واقبل بعضها، وارفض بعضها الآخر، ولكن لا تنسَ ثانيةً واحدة أن الله موجود، وأن الله بيده الموازين، وقد يقلب كل الموازين في وقت قصير.
لذلك لا تقنط من رحمة الله، لا تيأس من رحمة الله، تحتاج إلى توحيد.

أين تجد التوحيد:

 قد يقول أحدهم: أين أجد التوحيد ؟ التوحيد تجده في التفكر، تجده في التدبر، تجده في الطاعات، تجده في القربات، إذا بلغت حداً أدنى من التوحيد فهذا الحد الأدنى يجعلك بعيداً عن أمراض الناس، عن يأسهم، عن كآبتهم، عن الإحساس بالإحباط.
هذه الآية دعوها في أذهانكم:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

 لمجرد أن تطيع مخلوقاً، وأن تعصي خالقاً، ففي هذه الحالة شرك خفي كيف ؟ لمجرد أن تغش المسلمين، من أين انطلقت ؟ أن هذا المبلغ الكبير الذي سوف ينضم إلى أرباحك عن طريق الغش هو أكبر عندك من طاعة الله، وأنه لا سبيل إلى أن ترتزق إلا بهذه الطريقة، هذا أكبر شرك، لكن والله إن لم نَقْْسُ على أنفسنا في هذا الموضوع فلن ننجو من عذاب الله.

لا تــعلق مـن سواه أملا  إنما يسقيك مـن قد زرعك
كن مع الله تــر الله معك  واترك الكل و حاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنــعه  ثم من يعطي إذا ما مـنعك
***

 إذاً: نحن في صدد أن نتجنب الشرك الخفي:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

 قد نتجنبه بآية ثانية:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 27 )

 إخواننا الكرام، قال الله عز وجل:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1 )


القراّن كتاب ناطق، والكون كتاب صامت:

 السماوات والأرض مصطلح قرآني، والكون ما سوى الله.
آية ثانية:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية: 1 )

 الكون كله في كفة والكتاب في كفة ثانية، الكتاب يقول لك: الأمر بيد الله، الكتاب يقول لك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 36 )

 الكتاب يقول لك:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

 الكتاب يقول لك:

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

( سورة الأنفال الآية: 17 )

 الكتاب يقول لك:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية:84 )

 الكتاب ينبئك بأن الله مع المؤمنين، وأن الله مع التائبين، ومع الصادقين، وأن الذي آمن، وعمل صالحاً فإن له حياة طيبة، وأن الأمر كله بيد الله، هذه الآيات في القرآن حينما تقرأها هي التي تثبتك.

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 27 )

علاج الشرك التثبت والتشبث بكلام الله:

 فلذلك أيها الإخوة، الخطر الأول الشرك الخفي، والعلاج الأول أن تتثبت بقول الله عز وجل، قال بعض العلماء: " فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خَلقه ".

كيف يشهد الله القراّن كلامه ؟!

 أيها الإخوة، أحياناً يشهد الله لك أن هذا القرآن كلامه، كيف ذلك ؟
بالحسابات الدقيقة القرض الربوي أكثر ربحاً، أقرضت ألفا رُدت إليك 1200، لكن حينما ترى أن الله سبحانه وتعالى يدمر مال المرابي، فتدمير مال المرابي هو شهادة الله للعباد أن هذا القرآن كلامه، بتعبير آخر وقوع الوعد والوعيد يُعدّ شهادة الله لك أن هذا القرآن كلامه.
 والله أعرف إنسانا عنده بيت يقترب من 300 متر، في أرقى الأحياء في عاصمة عربية، وعنده محل تجاري، من أوسع المحلات، ومستودع، ومكتب، وبيت لابنه، وبعد قرض ربوي باع البيت، وبيت ابنه، والمحل، والمكتب، والمستودع، ولم تفِ أثمان هذه الممتلكات لسداد القرض الربوي بعد الفوائد المركبة.
الله عز وجل يوقع وعده ووعيده، ووقوعُ الوعد والوعيد شهادة الله لك أيها المؤمن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل هذا القرآن، نريد أن نشفى من الشرك الخفي، ونريد أن نتثب، وأن نوقن بهذا الكتاب الذي أخبرنا عن كل شيء.

متى تتوازن في زمن الاختلالات ؟!

 لذلك إخواننا الكرام، كلما قرأت القرآن توازنت، أنا أشعر أن هناك خللاً كبيراً في نفس الذي لا يقرأ القرآن، لأن ثمة ضخًّا إعلاميا مستمرا، الضخ أساسه الشرك، الضخ لصالح الأقوياء، الضخ لصالح الفساد، الضخ لصالح الانبطاح، الضخ لصالح الاستسلام ، هذا الضخ الإعلامي المستمر يشكّل رأيا عامًّا، يشكل قناعات، هذه القناعات تتناقض مع الإسلام، لذلك متى تتوازن ؟ حينما تعود إلى كلام الله، وحينما تثق أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وحينما تتعامل مع الله مباشرة، أنت مع كون يشهد بعظمة الله، ومع كتاب معجز يشهد أنه كلام الله، هذه تعليمات الصانع، أنت حينما تقرأ القرآن، وتصدقه تتصرف بطريقة نابعة من قناعاتك به، وهناك دائماً قوانين مستنبطة من حركة الحياة، وهناك قوانين اسمها قوانين العناية الإلهية، هذه لا تعرفها أنت، ولا تراها .

قوانين العناية الإلهية:

 مثلاً: ينما تغش تربح أكثر، طبعاً، حينما تنافق يقوى مركزك أكثر، وهناك مجموعة قوانين خطيرة جداً مستنبطة من حركة الحياة، المؤمن أمام امتحان صعب، حينما لا يعبأ بهذه القوانين الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وحينما يتمسك بأمر الله وأمر نبيه، المتوقع أن يخسر، لكن الذي يحصل أن الله سبحانه وتعالى يخضعه لقوانين العناية الإلهية، وعلى هذا آلاف القصص:
صفقة رابحة جداً، والبيع نقداً، والربح كبير، والبضاعة محرمة، أو فيها شبهة، فلو أنك امتنعت التعامل مع هذه البضاعة فاتك ربح كثير، هذه القوانين المستنبطة من حركة الحياة، عندئذٍ الله عز وجل حينما تمتنع، وتقول: معاذ الله، الله الغني، لا أفعل هذا ، حينما تمتنع يخضعك الله لقوانين العناية الإلهية، بطريقة أو بأخرى يضاعف الذي فقدته أضعافاً كثيرة، عندئذٍ تتيقن أن الله شهد لك أن هذا القرآن كلامه.

﴿ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾

( سورة الرعد )

الله عز وجل تأتي أفعاله مطابقة لكلامه، تأتي أفعاله لتؤكّد كلامه، تأتي أفعاله لتكون شهادة للإنسان على أن كلام الله حق.
مرة طبيب في الجامعة، هو يعتقد اعتقاداً جازماً أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام حق صِرّف، فمن توجيهات النبي أن الإنسان إذا أكل ثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه وثلثا لنفسه، والحديث صحيح، الأطباء في كلية الطب من ثلاثين سنة ماضية يؤكدون لطلابهم أن شرب الماء مع الطعام ضار، لأنه يمدد العصارة الهاضمة، فينصحون أن يمتنع الإنسان عن الشرب في أثناء الطعام، بعد ثلاث ساعات يشرب، هذا الطبيب لا يزال حي يرزق، هو على خصومة مع زملائه في هذا الموضوع، هو لا يعتمد إلا على حديث رسول الله ، وهو يعتقد أن هذا الحديث ليس من اجتهاده، وليس من ثقافته، وليس من تأملاته، وليس من معطيات البيئة، هذا وحي، لقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم )

 والأيام مضت، هو متمسك بموقفه، والأطباء يوجهون الطلاب توجيهاً آخر ، إلى أن اكتشف أنه مهما شربت الماء مع الطعام فهو أولى، لأنه اكتشفوا أن الماء إذا كان كثيراً تخلخلت بالعصارة الهاضمة في كل ذرات الطعام، بدل أن تكون قطع الطعام متماسكة فالماء يحلها، ويسهل وصول حمض الكلور، لذلك:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

 نحن نريد أن تتثبت أن كل حرف، وكل حركة في هذا الكتاب هي نابعة من الحق الصِرّف، القضية أن تؤمن أن هذا الكتاب حق لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.

قراءة القراّن بالتدبر:

 أيها الإخوة، قال تعالى، الآن درجة ثالثة:

﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 170 )

 المؤمن الصادق له مهمة دعوية، هو يتقي الشرك الخفي، أول نقطة، ثم يثبت قناعاته ونفسه بالقول الثابت وهو القرآن، ثم يسعى إلى تمسيك الناس بالقرآن،

﴿ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ ﴾

، وقد أثنى الله عليهم.

قراءة القراّن بالتدبر:

 فلذلك أيها الإخوة، نحن في رمضان وهو شهر القرآن، مرة ثانية: حبذا لو تقرؤون القرآن قراءة تدبر، ولا يعنيك الكم إطلاقاً، آية، وأن تقيس نفسك بها، أين أنت منها ؟ هذا الذي يرفع الهمة، وبه صلاح الأمة إن شاء الله، أن تخشى الشرك الخفي، وأن تعالجه بالقول الثابت، ثم أن تنطلق إلى تمسيك الناس بالكتاب لتكون داعية إلى الصواب، وليكون كل عمل الذين دعوته إلى الحق في صحيفتك.
أيها الإخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الحقائق إلى قناعات، وإلى راحة نفسية.
والحمد لله رب العالمين