أحاديث رمضان 1425 هـ - ومضات ولقطات إيمانية - الدرس (07-64) : معنى الزهد
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2004-10-17
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من الحالات التي تلازم المؤمن :

كل شيء تملكه تخسره ساعة الموت
أيها الأخوة, من الحالات التي تلازم المؤمن حالة الزهد، هذا المفهوم مشوه في هذه الأيام، الله عز وجل حينما يقول:

﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾

[سورة النحل الآية:96]

كل شيء تملكه لا بد من أن تخسره ساعة الموت، فالذي يجمعه الإنسان في الدنيا من أموال منقولة وغير منقولة ومن عملات من كل الأنواع, يخسرها عندما يقف قلبه، ولا ينفعه في القبر إلا عمله الصالح، البطل هو الذي يترك الدنيا قبل أن تتركه، لذلك ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

((إن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح فيها -متاعب لا تنتهي؛ اجتماعية ونفسية وجسمية- فمن عرفها, لم يفرح لرخاء -هذا من الزهد- ولم يحزن لشقاء -أن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت- قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاَ، فيبتلي ليجزي))

تحت أي موضوع تندرج هذه الآيات؟ :

حينما يقول خالق السموات والأرض:

﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾

[سورة الحديد الآية: 20]

إنما: أداة قصر، الدنيا حصراً هي لعب ولهو وزينة:

﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾

[سورة الحديد الآية: 20]

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾

[سورة الكهف الآية: 45]

ثم إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء الآية: 77]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ﴾

[سورة التوبة الآية: 38]

الحياة الدنيا أعجبتكم! هل هي كافية كي تسعدوا بها؟:

﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة الآية: 38]

ماذا نستنتج من هذا المثال؟ :

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

[سورة طه الآية: 131]

للتقريب: خيرناك بين دارجة وأغلى مركبة، الدراجة تملك دائم، والمركبة الفخمة ربع ساعة، طبعاً تختار الدراجة لأنها أبقى، فما قولك لو خيرناك بين مركبة من أعلى مستوى تتملكها كلياً, وبين أن تركب هذه الدراجة عشر دقائق؟ الذي يختار الدراجة يحتاج إلى مستشفى الأمراض العقلية:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء الآية: 77]

﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾

[سورة الزخرف الآية: 33]

من تعريفات الزهد :

الورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة
أيها الأخوة، من أدق تعريفات الزهد: أطمئنكم بأن ليس معنى الزهد أن ترتدي ثياباً مرقعة، ولا تأكل طعاماً خشناً، قولاً واحداً، ليس هذا هو الزهد، ولكن من تعريفات الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، أما تعريف الورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة، إن تركت شيئاً يضر بآخرتك فأنت ورع، وإن تركت شيئاً لا تنتفع به في آخرتك فأنت زاهد.
وقال بعض العلماء: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا لبس البالي.
قصر الأمل، إنسان يخطط لعشرين سنة قادمة، وفي اليوم نفسه يوضع نعيه على الجدران !.

علام يدل عمل هذا الشخص؟ :

مرة قال أخ, كان ينتظر في مكان, سمع حوار بين رجلين، قال: هذا الإنسان كدنا نخرج من جلودنا منه، قال: لم؟ قال: بقينا ستة أشهر, هو يفكر التدفئة في البيت أيجعلها مخفية أم ظاهرة؟ يخاف أن يجعلها مخفية, بعد عشرين سنة تفسد, فيضطر لقلع البلاط، وإذا جعلها ظاهرة, لا تليق بأناقة البيت، فما الحل؟ قال: قرر أن يجعلها مخفية، فإذا فسدت بعد عشرين عاماً لا يكسر البلاط، بل بجعلها ظاهرة عندئذ لعشرين سنة قادمة!!.

المفهوم السلبي للزهد :

الانسحاب ورفض كل شيء ليس زهدا
فالزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباءة، لكن يوجد معنى دقيق جداً:
أنك بإمكانك أن تطعم الفقراء، وتؤوي المشردين، وتزوج الشباب، وتنفقه في تعليم القرآن، وحل مشكلات الناس، فإذا زهدت بمال حلال يمكن أن يكون قوة لك في الآخرة, فأنت لست بزاهد، وإذا زهدت بمنصب يمكن أن تحق الحق فيه وتبطل الباطل ويكون نفعك عاماً, فأنت لست بزاهد، هذا المفهوم السقيم للزهد: كل شيء ترفضه، وتنسحب منه، ليس معك أعمال صالحة.
أحياناً: المال قوة, والعلم قوة, والمنصب قوة، هذه مراكز قوى كبيرة جداً، الذي مكن في الأرض, متاح له أن يعمل من الأعمال الصالحة ما لا يستطيع الآخرون أن يفعلوه، فحينما تزهد في شيء من نعم الله التي تنفعك في الآخرة، وبإمكانك أن تنتفع بها في الآخرة, أنت في هذه الحالة لست بزاهد، من أجمل ما في القرآن عن الزهد:

﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾

[سورة الحديد الآية: 23]

لا تأسفوا على مفقود، ولا تفرحوا لموجود.

ما قيل عن الزهد :

قالوا: الزهد يورث السخاء بالملك، والحب يورث السخاء بالروح، الحب يدفعك على الشهادة، والزهد يدفعك لأن تبذل ما تملك.
قال بعض العلماء: الزهد في الدنيا هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال.
الزهد عدم الفرح بإقبال الدنيا وعدم الحزن على إدبارها
يسكن في بيت فخم، لا بد من يوم أخرج منه في نعش، هذا الكلام هل فيه شك؟ تركب مركبة فارهة، لا بد من يوم يأخذها من بعدك، لك مقتنيات ثمينة، وعندك أموال طائلة، حينما ترى أن هذا الشيء لا يدوم فأنت زاهد، أما حينما تنسى الموت كلياً، وتشعر أنك مخلد في الدنيا هنا المشكلة؛ الزهد عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف، الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد، أنت لا يوجد عندك مركبة فارهة، كلما ألقيت نظرة على مركبة: هنيئاً لصاحبها، يا ليتني كنت مكانه، أنت لست بزاهد, الزاهد: إن رأى متاع الدنيا؛ بيت فخم, مركبة فارهة, كان عليه الصلاة والسلام يعلمنا.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِي اللَّه عَنْه- قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ, فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ))

من تعريفات الزهد: عدم الفرح بإقبال الدنيا وعدم الحزن على إدبارها.
قال أحدهم: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد, حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة، وقول بلا طمع، وعز بلا رياسة، وأحد ما يجسد الزهد: أن تؤثر الآخرين على ما في يدك:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[سورة الحشر الآية: 9]

تعريف الزهد في رأي الإمام أحمد بن حنبل :

الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- يقول: الزهد على ثلاثة أوجه: الأول: ترك الحرام، وهذا زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال الشيء الزائد عن الحد، تركته هذا من الزهد، وهذا زهد الخواص، لكن أعلى مرتبة في الزهد: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين.
ترك الحرام زهد العوام، ترك الفضول من الحلال زهد الخواص، ترك ما يشغل عن الله عز وجل هو زهد العارفين.
يوجد تعريف رائع، قال: الزهد سفر القلب من وطن الدنيا إلى الآخرة.

قرار المؤمن الصادق :

حدثني أحد الدعاة قال: دعيت لمؤتمر في أقصى الدنيا قبل الحادي عشر من أيلول بالهاتف، فوافقت، قال: ما إن وضعت سماعة الهاتف في مكانها حتى أصبحت هناك, بمعنى: يا ترى متى سأسافر؟ هل آخذ معي زوجتي؟ كم أقيم هناك؟ في أي مدينة سأقيم؟ هل أتنقل من مدينة إلى أخرى؟.
أقول لكم بصراحة: المؤمن الصادق يعيش الآخرة، لأن الدنيا زائلة لا بد من تركها، فالمؤمن الصادق دائماً يفكر: كيف تختم حياتي؟ هل تختم على الإيمان؟ هل أموت وأنا قريب من الله عز وجل؟ وأنا أؤدي طاعة لله عز وجل؟ عندما يكون الأخ الداعية أخذ قرار بتلبية الدعوة, قال: دون أن أشعر, ما إن وضعت سماعة الهاتف, حتى صرت في تلك البلاد نفسياً.
الإنسان أحياناً يأخذ قراراً بالذهاب إلى الحج, لما أخذ القرار، وأعطى موافقته، وبدأت الإجراءات الإدارية ليعطى جواز الحج, صار هناك: يا ترى المدينة أولاً أم مكة؟ أذهب مع من؟ مع أي فوج ألتحق؟ ماذا أفعل حينما أعود؟ لما أخذ قراراً بالسفر إلى الحج, صار هناك نفسياً.
أحياناً إنساناً بشكل مبسط ينوي السفر لمكان جميل في نهاية الصيف, عندما يأخذ قراراً: أين أنزل؟ وأين أسكن بالجبل أم في البحر؟ والمؤمن الصادق حينما يأخذ قراراً بالزهد, ينتقل من الدنيا إلى الآخرة.

ما قيل عن الزهد أيضاً :

أجمل ما قيل في الزهد: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك.
هذا من أجمع ما قيل في الزهد، أن تكون واثقاً بما عند الله زاهداً بما في يديك.
بعضهم قال: الزهد على ثلاث درجات؛ الزهد في الشبهة بعد ترك الحرام.
-ترك الحرام واجب وفرض، لكن حينما تأتي قضية تحير؛ من زاوية حرام, ومن زاوية حلال، عندي حلال لكن عندك قلق، فلذلك: أنت حينما تدع الشبهة في الحرام فأنت زاهد- والأنفة من المنقصة -تأنف نفسك أن تسقط من عين الله- وكراهة مشاركة الفساق.

نقطة مهمة :

يوجد احتفال ضخم بفندق خمس نجوم، ونساء كاسيات عاريات، وأنت تغض بصرك، طبعاً هذه الحفلة كلها أنت بغنى عنها، أنت لا أقول: تعصي الله، لا، لكن مشاركة الفساق ليس من الورع، من صحب الأراذل جرحت عدالته، الزاهد تأنف نفسه أن يسقط من عين الله لا من عين الناس، وسقوط الإنسان من السماء إلى الأرض، وتتحطم بهذا السقوط أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله، مشاركة الفساق هم يزدحمون على مواضع الرغبة من الدنيا.
تجد في مقصف جميل ازدحاماً شديداً, أو في المطعم الجيد, أو الفندق هناك ازدحام عليه، الزاهد نفسه تأبى أن يدخل هذا الخضم الذي لا يليق بالمؤمن.

من أدل دلالات الزهد :

من دلالات الزهد اغتنام الوقت فيما يقربك من الله
ومن أدل دلالات الزهد: أن تغتنم الوقت فيما يقربك إلى الله.
عندك وقت فراغ؛ ممكن أن تتسمع أخبار, ممكن أن تطالع مقالات بمجلات, اضطراب سعر النقد في العالم فرضاً, ممكن أن تقرأ موضوعات أن ليس حراماً أن تقرأها، لكن لا تنفعك.
النبي الكريم دخل إلى المسجد, رأى رجلاً تحلق الناس حوله, قال: من هذا؟ -هذا سؤال العارف- قالوا له: هو نسابة، قال: وما نسابة؟ قال: يا رسول الله, يعرف أنساب العرب, قال : ذلك علم لا ينفع من تعلمه، ولا يضر من جهل به.
فإذا وجد شيء ليس حراماً، وليس حلالاً، شيء من المباحات فأنت تركته، وملأت وقتك بما ينفعك عند الله، ملأت وقتك بزيارة أخ، ونصيحة أخ، عمل صالح، متابعة موضوع علمي، قراءة قرآن، خدمة تؤديها لإنسان، أنت حينما تدع المباحات, لا ذنب في أخذها، ولا ثواب في أخذها، وتلتفت إلى ما تملأ به وقتك من عمل طيب ينفعك في الآخرة فأنت زاهد.

الكلمة الأخيرة عن الزهد :

إياكم أن تفهموا أن الزاهد هو رث الهيئة
آخر شيء في الموضوع: يجب أن تزهد بزهدك، يا أخي تركت بعثة جاءتني في الفنون الجميلة إلى بلد غربي، وتركتها لله، هذا شيء لا يذكر أمام ما عند الله في الجنة.
إنسان منحك بيت ومركبة وزوجك, قال: مرة تركت شيئًا قيمته خمس ليرات من أجلك, هو ماذا أعطاه؟ أعطاه كل شيء، فالمؤمن عندما يكون أديباً مع الله, يستحي بزهده, تركت هذا الشيء من أجلك، الله عز وجل هو أهل التقوى والمغفرة، فقضية الزهد أولاً: إياكم أن تفهموا الزهد إنسان رث الهيئة.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:

((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَقَالَ لَنَا: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى أخْوَانِكُمْ, فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ, حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ))

الزهد أن تشتغل فيما خلقت من أجله.

والحمد لله رب العالمين