التربية الإسلامية - تربية الأولاد في الإسلام 2008 - الدرس (22-36) : التربية الاجتماعية -5- فن الحديث
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-11-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تعلم الابن فن الحديث من أبرز موضوعات التربية الاجتماعية:

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في التربية الاجتماعية، ومن أبرز موضوعات التربية الاجتماعية أن تُعلّم ابنك فن الحديث، لأن الإنسان كرمه الله بنعمة البيان، حينما قال الله عز وجل:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )

  والذي يلفت النظر أنه في دولة عظمى، في أقصى الغرب، في كل جامعاتها (عندها بضع آلاف من الجامعات ) مادة الخطابة تدرس في كل الفروع، وفي كل الكليات، وفي كل المستويات، وفي كل السنوات، فلما سألت إنساناً درس هناك، قال: هم ينطلقون من أن كل إنسان يدرس ويتعلم لابدّ من أن يلقي هذا العلم.
 إذاً فن الإلقاء جزء من العلم، فأحياناً تجد شاباً أكرمه الله بالذكاء، والذاكرة القوية، لكن لا يستطيع أن يقول كلمة.

جمال الرجل فصاحته والفصاحة من خصائص الإنسان المثقف:

  لذلك من ألوان التربية الاجتماعية أن تعلم ابنك فن الحديث، كيف يتكلم ؟ كيف يعبر عن آرائه ؟ كيف يتصرف ؟ وقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه: تعلموا العربية فإنها من الدين.
 يعني أنا أعجب أشد العجب من شاب يحمل شهادة عليا، إجازة، أو بكالوريوس، أو لسانس، لا يستطيع أن يقرأ صفحة من كتاب الله، من دون عشرات الأخطاء.
 كما يقولون: جمال الرجل فصاحته، والفصاحة من خصائص الإنسان المثقف، فلذلك حينما يهمل الأب أولاده من حيث لغتهم، وتعبيرهم، يستخدمون كلمات عامية، أو كلمات لا تليق، أو تعبيراً خشناً، أو أسلوباً قاسياً، أو أسلوباً عامياً، هذا الشاب فقد اعتباره من بين المثقفين، فلذلك الأب المؤمن و لأن القرآن عربي يعتني بلغته ولغة أولاده.

إرشاد الأولاد و الطلاب إلى استخدم لغة عربية بسيطة غير متقعرة وليست عامية:

 الموضوع اليوم: كيف توجه ابنك إلى حسن إلقاء الكلام ؟ نحن طبعاً هناك لغة عربية فصحى بسيطة، وهناك لغة عربية متقعرة، أنا أرفض أن تستخدم اللغة العربية المتقعرة، إنسان وقع من على دابته، فتحلق الأطفال حوله، فقال لهم: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكؤكم على ذي جِنَّة افرنقعوا عني، هذه لغة متقعرة.
 هناك لغة عامية ممجوجة، مرفوضة، وهناك لغة فصحة متقعرة مرفوضة، أنا حينما أتحدث أتحدث عن لغة فصيحة بسيطة وواضحة نستخدمها في حياتنا.
 ضرب له تلفون ! لا، اتصل بي هاتفياً، هناك كلمات لا تحتمل موغلة في العامية، فالإنسان مهما كان مثقفاً حينما تضعف لغته كثيراً يهبط مستوى ثقافته.
 إذاً لابدّ من أن أرشد أولادي، أو طلابي إلى استخدم لغة عربية بسيطة غير متقعرة وليست عامية هذه الحقيقة الأولى.

الكلام الفصيح البليغ يراعي مقتضى الحال:

 لكن هناك قاعدة في الكلام البليغ، الكلام الفصيح البليغ يراعي مقتضى الحال أوضح مثل:
 أنت حينما تكلف طفلاً صغيراً أن يشتري طابعاً بريدياً، وأن يضعه فوق رسالة، ويضعه في صدوق البريد، تقول له: اذهب إلى المكان الفلاني، واشترِ بليرة وربع طابعاً بريدياً، وبله بلعابك، وضعه فوق الظرف، واضغط عليه جيداً، واذهب به إلى صندوق البريد، وتأكد من إسقاطه في اللوحة، الآن تكلف إنساناً راشداً تعطيه الرسالة مع المبلغ تقول هذه من فضلك، الراشد لا يحتاج إلى هذه التفاصيل.
 أساس الخطاب ينبغي أن تراعي مقتضى الحال، إنسان سألك ما الساعة ؟ تقول له: والله العظيم الساعة الثامنة، هو ما كذبك أساساً، حينما تراه يكذبك تقسم بالله العظيم، فاستخدام القسم، استخدام التأكيد، التفصيل الممل، الإيجاز المخل، هذه كلها من عيوب الكلام، الإنسان أحياناً يتكلم عن تفاصيل لا قيمة لها إطلاقاً، قال لك: أنا قابلت الوزير انتظرت ساعتين، وجلست بغرفة الانتظار، وفلان تكلم كذا، أنا يعنيني حينما دخلت عليه ماذا قلت له ؟ يتكلم دقائق طويلة عن تفاصيل ليس لها علاقة بالموضوع إطلاقاً.

اللغة العربية لغة القرآن فعلى الإنسان أن يبتعد عن الأخطاء فيها:

 نحن الأب الواعي المثقف حينما يسمع حديث أولاده، يرشدهم، يا بني اختصر، هذه التفاصيل عبء على الموضوع، استخدم هذه الكلمة، يعني هناك أخطاء شائعة كثيرة جداً، مثلاً يقول لك أنا مولّع بكذا، ما معنى مولّع ؟ قال: الثور الأحمر، ينبغي أن يقول مُولَع الفرق كبير جداً بين مولع وبين مولّع.
 يقول لك مثلاً: أنا عندي تجارُب، التجارُب: العدوى بالجرب فقط، ينبغي أن يقول عندي تجارِب، يقول أخي طبيب أخصائي، يعطيها رنة، أخصائي يعني يخصي ينبغي أن يقول اختصاصي.
 فهناك أخطاء شائعة كثيرة، اللغة العربية لغة القرآن، لغة الإسلام، لغة هذه الأمة التي اختارها الله وسطاً بينه وبين عباده.

الفصاحة ترفع قيمة المثقف و تعلي شأنه:

 مرة ثانية سيدنا عمر يقول: تعلموا العربية فإنها من الدين، قد يقول أحدهم أنا لست أستاذ لغة عربية، ومن قال لك إنك أستاذ لغة عربية ؟ أنت مسلم، مؤمن، يجب أن تتقن العربية.
 فأنا أتمنى أن يكون في كل بيت بعض الكتب في الأدب، في النحو، يهتم الأب بلغة أولاده، الفصاحة ترفع قيمة المثقف.
 لكن مقتضى الحال كلام لطيف جداً، يوجد حوله بحوث في البلاغة كثيرة، أحياناً تجلس مع أشخاص بسطاء، هؤلاء لا يستطيعون أن يفهموا عليك قضية فكرية معقدة، يفهمون عليك قصة بسيطة، فأنت بإمكانك أن تعبر عن أفكارك من خلال قصة، وهناك قصص لها تأثير كبير جداً، فأحياناً يستخدم المتكلم أسلوب القصة، وأحياناً يستخدم أسلوب المثل.

من أتاه الله قوة البيان يستخدم ألوان التعبير كافة:

 أنا أقول النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

  أنا أقول لأخوتي الكرام طريق عريض جداً، عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، وأنت تركب مركبة على هذا الطريق، الصغيرة أن تحرف المقود سنتيمتر واحد لو ثبت هذا الانحراف لابدّ من أن تقع في الوادي، مع أنه سنتيمتر واحد، هذا السنتيمتر ينقل المركبة خلال دقائق من منتصف هذا الطريق، إلى قسمه الأيمن، إلى الوادي، أما لو حركت المقود تسعين درجة فجأة بإمكانك أن تعيده، وتبقى المركبة على الطريق، هذا مثل يوضح قول النبي الكريم:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ رواه ابن المنذر والديلمي عن ابن عباس ]

  مرة حدثني أخ، قال لي: امرأة تزوجت (طبعاً زوجها من الصالحين)، ففي الشهر الخامس كان حملها في التاسع، معنى ذلك أنها أخطأت، بإمكانه أن يفضحها، بإمكانه أن يسحقها، بإمكانه أن يطلقها لأن القانون معه، والشرع معه، والمجتمع معه، وأهلها معه، لكن هذا الإنسان الصالح أراد أن يحملها على التوبة، فجاء لها بقابلة، وولدها، وأخذ الغلام، ووضعه تحت العباءة، ودخل المسجد بعد أن نوى الإمام الفرض، وضع الغلام وراء الباب والتحق بالمصلين، بعد انتهاء الصلاة، بكى الغلام، توجه المصلون حوله، وتحلقوا حوله ودهشوا من وضعه هنا ؟ هو تأخر حتى وصل إليهم، قال: ما القضية ؟! قالوا: غلام، قال: أنا أكفله أعطِني إياه، أخذه أمام أهل الحي على أنه لقيط، وتكفل بتربيته، ودفعه إلى أمه، هو بقال، تتمة القصة أن خطيب هذا المسجد رأى النبي عليه الصلاة والسلام بالرؤيا، قال له النبي الكريم: قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.
 أنا أي إنسان يشكو لي شكه بزوجته، أسوق له هذه القصة.
 أحياناً القصة بليغة جداً، في مثل، في قصة، في حكمة، في قول مأثور، في أبيات من الشعر، في سرد، في حكاية، فالإنسان إذا أتاه الله قوة بيان يستخدم ألوان التعبير بدءاً من حكمة، إلى قصة، إلى مثل، إلى دليل، إلى شاهد، إلى حكاية، يستخدمها كإطار لكلامه.

اللغة العربية واسعة المعاني علينا إتقانها لأنها لغة القرآن:

 أنا أتمنى عليكم أن تعتنوا باللغة ولو كنت مهندساً، ولو كنت طبيباً، هذه اللغة لغة القرآن، لغة العبادة، إنسان في هذه اللغة العظيمة أخطأ بحركة واحد ينتقل من الجنة إلى النار، قال بعض الصحابة قبل أن يقتل (خُبيب بن عدي): ولست أُبالي حين أُقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي، لو شخص قرأ هذا البيت خطأ، ولست أُبالي حين أَقتل مسلماً، إلى جهنم وبئس المصير، حركة واحدة في اللغة تنقل الإنسان من الجنة إلى النار.
 والله أيها الأخوة، نحن أكرمنا الله بلغة فيها عجائب، مثلاً، فعل نظر واضح لكن حدج: نظر مع المحبة، يضاف إلى النظر المحبة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم ))

[ فقه اللغة عن ابن مسعود]

  رنا:نظر إلى بحر، إلى سهل أخضر، رنا يعني نظر مع المتعة، استمتع بهذا المنظر الجميل، شخص: نظر مع الخوف.

﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 97 )

  الآن حدج، نظر، رنا، شخص، الآن لاح، لاح: السماء فيها غيوم وبين الغيمتين لاحت طائرة، لاح: شيء ظهر واختفى، أما لمح: إنسان يمشي في الطريق، هناك باب مفتوح نظر فإذا امرأة غير محجبة، مؤمن غضّ بصره، نقول لمح، لاح لها معنى ولمح لها معنى، نظر مع التمطي، يراقب بقاعة امتحان هناك طالب خفض من رأسه يبدو معه ورقة فالمراقب تمطى، النظر مع التمطي اسمه استشرف، أعطيت إنساناً قميصاً، قال لك: هذا صوف طبيعي، هذه استشف.
 هناك استشف، وهناك استشرف، وهناك لاح، و لمح، و حدج، و رنا، و نظر، الآن حدق: نظر باهتمام بالغ حتى اتسعت حدقة العين، أما حملق: نظر بدهشة بالغة حتى بدا باطن العين، باطن العين أحمر اللون، أي ظهر حملاق عينه، وهناك رأى، رؤية قلبية، رأيت العلم نافعاً، رؤية قلبية، صار في رأى، و نظر، و بحلق، و حملق، و حدج، و رنا، و شخص، هذه اللغة لغة القرآن، لغة سيد الأنام، يليق بكل مسلم أن يتقن هذه اللغة.

الاعتزاز بالابن الفصيح اللسان القوي الحجة:

 أنا أعجب الإنسان بوقت فراغه ماذا يفعل ؟ يطالع كتاباً في اللغة، في الأدب، لو أصغى للغة الفصحى، لو قرأ القرآن بصوت مرتفع ضبط حركات الكلمات، أمامه نشاط كبير يرقى بلغته.
 وحينما ترى شاباً فصيح اللسان، سيدنا عمر بن عبد العزيز دخل عليه وفد الحجازيين، تقدمهم غلام صغير فانزعج، قال له: أيها الغلام اجلس، وليقم من هو أكبر منك سناً (طفل صغير)، فقال هذا الغلام الصغير: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من أحق منك بهذا المجلس، فدُهش سيدنا عمر من فصاحته.
 دخل على عبد الملك بن مروان وفد آخر، تقدمهم غلام فغضب أيضاً، وقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علينا إلا دخل حتى دخل الصبيان ؟ فقال هذا الصبي الصغير الذي تقدم الوفد: أيها الأمير إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني، قال له: أصابتنا سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، على الآخر، ومعكم فضول أموال، أنتم معكم أموال طائلة، فإن كانت لله تصدقوا بها علينا، فإن الله يجزي المتصدقين، وإن كانت لنا فعلامَ تحبسوها عنا، وإن كانت لكم أعطونا إياها، يقول هذا الخليفة: والله هذا الغلام ما ترك لنا في واحدة عذراً.
 سيدنا عمر يمشي في الطريق، وجد بضعة غلمان يلعبون، لما رأوه تفرقوا من هيبته إلا واحداً بقي واقفاً بأدب، فقال له عمر: أيها الغلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال له: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
 أنت حينما ترى ابنك فصيح اللسان، قوي الحجة، متكلم، تعتز به أيما اعتزاز لكن يحتاج إلى أن يتقن هذه اللغة.

مراعاة مقتضى الحال عند مخاطبة الآخرين:

 أنت مثلاً مراعاة مقتضى الحال، تخاطب إنساناً غير مسلم، تقول له قال الله تعالى، وقال عليه الصلاة والسلام، هو القرآن كله ليس مؤمناً به، إنسان غير مسلم لكنه مثقف مراعاة مقتضى الحال أن تسوق له أدلة علمية فقط، أما إنسان مسلم تسوق له أدلة قرآنية ونبوية، هذا أيضاً من مقتضى الحال.
مرة أنا تصفحت كتاباً للصف السابع، لفت نظري أن فيه قصيدة رائعة جداً في رثاء زوجة، يا ترى طالب الصف السابع هل يعلم ما شعور الزوج تجاه زوجته ؟ لا، لأنه ما تزوج، لو رثاء أم ممكن، رثاء أخ ممكن، أم رثاء زوجة ؟ هذا الموضوع جملة وتفصيلاً لا يعنيه إطلاقاً، لأنه ما تزوج، مثل هذه القصيدة في هذا الكتاب لم يراعِ المؤلف مقتضى الحال، أنت تخاطب طفلاً في الصف السابع، يعرف أمه، أخته، أخاه، والده، لكن ما تزوج ليعرف شعور الزوج تجاه زوجته.
 أحياناً لا تكون الكلمات مناسبة للجو العام، مرة مرّ معنا بالجامعة أبيات من الشعر تعني في خطأ باختيار الكلمات، قال الشاعر:

إن سلمى خُلقت من قصب          قصب السكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منهــا بصلاً             غلب المسك على ريح البصل

* * *

  هذا غزل مطبخي، في بصل، وفي عظم جمل، قالوا: هذه الكلمات لا تناسب مقتضى الحال.
 أنا أتمنى أن تتنامى أذواق الناس في اللغة، يعني يقرأ بيت شعر، يعجب به، يسجله عنده، يقرأ حكمة، يقرأ عبارة رائعة، الإنسان ما لم يقرأ النصوص قراءة أسلوبية يختار منها بعض العبارات، بعض الشواهد، بعض الأشعار، بعض الحكم، بعض التعليقات بعض الكلمات الرائعة، لا تنمو لغته.

أي كلام يُفهم دون أن تذكره ينبغي ألا تذكره:

 أيها الأخوة، بالكلام يوجد كلام يسمى حشواً، كلام تفهمه لو لم تذكره، وأي كلام يفهم من دون أن يذكر ينبغي ألا تذكره، دققوا في هذه الآيات:

﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 43 )

  قال أحدهم:

﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾

( سورة يوسف )

  فالملك أرسله، وهذا الرسول وصل إلى السجن، ودخل على السجناء، والتقى بسيدنا يوسف، هذا كلام لو لم تذكره مفهوم،

﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾

﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا ﴾

( سورة يوسف الآية: 46 )

  كل الكلام بين العبارتين حشو، القرآن أغفله، وأنت بحديثك أحياناً تستخدم كلمات كثيرة مفهومة، لذلك أي كلام يفهم دون أن تذكره ينبغي ألا تذكره.
 لذلك ورد عن سيدنا الصديق رضي الله عنه أنه قال: نضر الله وجه من أوجز في كلامه، واقتصر على حاجته.
 هناك كلام حشو، ممل، تفصيل ممل، وهناك إيجاز مخل، والبلاغة بين التفصيل الممل، وبين الإيجاز المخل.

الكلام المنظم يُعين صاحبه على الحفظ و التعبير:

 مرة سألوا رئيس دولة عظمى، كم تعد لخطاب يستغرق خمس دقائق ؟ قال: أياماً ثلاثة، فلما سُئل كم تعد لخطاب يستغرق ساعة، قال ساعة، قال: كم تعد لخطاب يستغرق ثلاث ساعات ؟ قال لا أعد له أبداً، ثلاث ساعات خواطر.
 دخل شخص على مسجد يوم الجمعة، أقسم لي بالله أن الخطيب طرح تسعة و عشرين عنواناً كتبهم عنده، ما عالج ولا موضوع لأنه غير محضر، أي خاطر يأتيه يذكره، لكن لم يعالج ولا موضوع.
 فالإنسان من دون تحضير، ولو كان فصيحاً، من دون تحضير، من دون أفكار متسلسلة، من دون مقدمات، عرض فقرات، أفكار، شواهد متسلسلة تسلسلاً تاريخياً أو تسلسلاً موضوعياً، أو تسلسلاً شخصياً، أحياناً ينتقل من شعر لشاعر، أو من فترة لفترة، أو من موضوع لموضوع، في محور انتقال واضح، محور تاريخي، محور شخصي، محور موضوعي، المقدمة، وعرض الفكرة، والتأكيد عليها بشاهد، وربطها بالفكرة القادمة، والانتقال وفق موضوعات معينة، أو أشخاص معينين، أو تسلسل تاريخي معين.
 هذا كلام منظم، لذلك يُحفظ، هذه أشياء دقيقة جداً في التعبير.

من كثرت كلماته دقّ أسلوبه:

 أحياناً الطالب يقرأ كثيراً، بالامتحان يأخذ علامات قليلة، السبب ما تدرب على الكتابة أثناء العام الدراسي، معه كم كبير من الكلمات، يعرفها إذا رآها، لكن لا يستطيع أن يستخدمها، أو أن يستحضرها إذا غابت عنه، فتجد ذخيرته بالكلمات التعرفية كبير جداً، أما ذخيرته بالكلمات الاسترجاعية قليل جداً، أما التدريب هذا يعين على قوة الأسلوب، الأسلوب يحتاج إلى كلمات كثيرة.
 أنت تصور أعطيتك أبيض وأسود، وأنت أمام منظر جميل فيه نبات أخضر، فيه ورد أحمر، فيه بيت رائع، قرميد أخضر، فيه ساقية زرقاء، معك لونين فقط، مهما كنت ذواقاً اللونان لا يكفيان لنقل هذه الصورة الجميلة، إذا معك مئة لون، في عندك أخضر فاتح، أخضر غامق، هذا يقاس على الكلمات، كلما كثرت كلماتك دقّ أسلوبك.
 لذلك وضعوا مسجلة بعنق إنسان غير متعلم، وضعوها تقريباً أسبوع، وفرغوها على ورق، وألغو الكلمات المتكررة، فالنتيجة كانت ثلاثمئة كلمة فقط، يعيش إنسان أيام عمره كله على ثلاثمئة كلمة، وضعوها بصدر إنسان مثقف يحمل دكتوراه وجدوهم 2500 كلمة، يستخدم في حياته اليومية مع زوجته، مع أولاده، في حركته، في إلقاء كلماته عدد كبير.

العاقل من وعظ الناس بشكل موجز و ليس بشكل ممل:

 كلما كثرت الكلمات التي تستخدمها دقّ أسلوبك، شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: يا رسول الله عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

 فقال: كُُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل، أصبح فقيهاً.
 يوجد كلام موجز، لأنك مثلاً إذا قرأت قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

( سورة النساء )

 تكفي هذه الآية.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

( سورة الفجر )

الكلام البليغ بين الإيجاز المخل والإطناب الممل:

 هناك آيات لو لم يكن في كتاب الله إلا آية واحدة لكفت، واتفقنا قبل قليل أن الكلام البليغ بين الإيجاز المخل، وبين الإطناب الممل، هناك إيجاز مخل، وهناك إطناب مخل، وهناك إيجاز بليغ جداً، مثلاً:

﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾

( سورة النجم )

  هناك إيجاز غني، يغشاها من التجليات، من الأنوار، من السكينة، من الطمأنينة، من السعادة

﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

( سورة النجم )

  وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول بعض الصحابة في الصحيحين: يذكرنا كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددنا أنك تذكرنا كل يوم، فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن تملون.
 لذلك كان عليه الصلاة والسلام يتخول أصحابه بالموعظة، دع كلامك معتدل، كثرة النصائح، وكثرة الكلام تدعو إلى الملل والضجر، وقلة الكلام مشكلة كبيرة، فالإنسان ينبغي أن يعتدل.
 مرة حدثني أخ قال لي: جاءني خاطب لابنتي خاطب ممتاز، قال لي: اتصاله الهاتفي ثلاث عشرة ساعة مع خطيبته، بعد سنتين تسحب منه الكلمة سحباً، بين الإيجاز المخل والسكوت، وبين الإطناب الملل.

المرح من صفات العظماء:

 لذلك اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وقم عنه وأنت تشتهيه، تكلم إذا كان الناس مشتاقون إلى كلامك، واسكت والناس مشتاقون إلى متابعة الحديث، هذه بطولة، إن كان أباً، إن كان أماً، إن كان معلماً، تكلم والناس مشتاقون لحديثك، واصمت والناس أيضاً مشتاقون إلى حديثك.
 وقال بعضهم: أنت كأب، مواعظ، مواعظ، مواعظ، توجيهات، بعد ذلك الأطفال يضجرون، المواعظ كالملح في الطعام، إذا زاد انقلب إلى ضده.
 سيدنا علي يقول: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها من الطرائف.
 لذلك صدقوني الأب الناجح جداً في البيت مرح، يدلي بطرف جميلة، يضحك أولاده، زوجته، المرح من صفات العظماء.
 وهناك طرف رائعة جداً، والطرفة أحياناً كالكاريكاتير، أي رسم رائع تستهلكه في ثوانٍ، وقد يعبر عنه بمئتي كلمة.
 مرة دخل ملك على بستان رأى حصاناً قد عصب صاحبه عينيه، وفي عنقه جلجل (جرس)، يدور حول بئر، لسحب الماء، هذا الملك عاقل وذكي، سأل صاحب البستان لِمَ عصبت عينيه ؟ قال له: لئلا يصاب بالدوار (أي يدوخ)، قال له: وهذا الجلجل لماذا، قال له: إذا وقف أعلم أنه وقف، مادام في طنطنة معناها يدور، فالملك ذكي جداً، قال له: فإذا وقف هذا الحصان وهزّ رأسه ؟ قال له: وهل له عقل كعقلك ؟.
 أحياناً شخص يريد صانعاً، يحتاجه ذكياً، وحكيماً، وثقافته عالية، ويعطيه خمسة آلاف، أنا أقول له: لو كان بالمستوى المطلوب كان فتح معملاً مثلك، فلا تطلب كل الناس أن يكونوا مثلك.
 شخص فقير خطب فتاة، بيته أجرة، أو مع أهله، لما كبر وصار معه مال، يأتي خاطب لابنته يريد بيتاً في الشام، طول بالك، أنت لما زوجوك أعطوك لبيت أهلك، لم يكن عندك بيت، بعد ما أصبحت قوياً وصار عندك مال لم تعد تقبل من الخاطب إلا بيتاً مستقلاً بالشام.

العاقل من لاعب أولاده و ضاحكهم لا من قهرهم و شتمهم:

 كان عليه الصلاة والسلام يمزح ولا يقول إلا حقاً.
 مرة عبرت عن أسفي أحياناً لوجود أخوة في المساجد لا ينتبهون للدرس، فمرة داعية يحدث أخوانه عن فساد المجتمع، قال: البنت تأتي الساعة الثانية بالليل، أين كانت ؟ عند الحبيب، الكل صلوا على الحبيب، معناها لم يفهم القصة إطلاقاً، أين كانت ؟ عند الحبيب، عند عشيقها، فالكل صلى على الحبيب.
 أحياناً طرفة تجدد النشاط، أنت ببيتك، أنا أخاطب الأب الآن والأم، البيت كله قهر، ومشاجرة، وصخب، وشتائم، وأنت حمار، وأنت لا تفهم، ما هذا الكلام ادخل للبيت، تكلم مع أولادك، ضاحكهم، داعبهم، دع دخولك للبيت عيداً، أما في آباء خروجه عيد، العيد عند خروجه، لا عند دخوله، والأمر بيدكم يا أخوان، خلِّ بيتك جنة، خلِّ الأولاد ينتظرون مجيئك بفارغ الصبر، الأمر بيدك.
 الموضوع طويل إن شاء الله نتابعه في درس قادم.

والحمد لله رب العالمين