شرح الحديث الشريف - أحاديث متفرقة - الدرس (007 - 127 ) : شروط انعقاد البيع - الأهلية - التعدد.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-01-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... ذكرت لكم في الدرس السابق أن موضوع البيوع من الموضوعات التي يحتاج إلى معرفتها كل مسلم. فالعلماء يقولون: إنَّ هناك أشياء في العلم الشرعي يجب أن تعلم بالضرورة، ومعرفتها فرض عين وليس فرض كفاية. ربما كان التبحُّر في العلوم فرض كفاية، أما معرفة ما يجب أن يعلم بالضرورة هو فرض عين، وما دام المسلم لابدَّ من أن يبيع ويشتري ـ ولو لم يكن تاجراً ـ إذاً معرفة أحكام البيوع هي من الحقائق التي يجب أن تعلم بالضرورة، هذا الدافع هو الذي دفعني إلى اختيار موضوع البيوع بالذات، من بين آلاف الموضوعات الفقهية.
 فيا أيها الإخوة المؤمنون... بينت لكم في الدرس الماضي أن ركن البيع هو الرضا، ولا يصح البيع إلا إذا كان الشاري والبائع كلاهما راضياً بهذه الصَفْقة، فلو انتفى الرضا انهدم ركن البيع، وإذا انهدم ركن البيع فالبيع باطل.
 لكن معنى الرضا سوف يأتي معنا بشكلٍ موسع. والذي أريد أن أنوه به هو أن الرضا حالةٌ نفسية، شعور داخلي، اتفق الفقهاء على أن التعبير عنه بالإيجاب والقبول تعبيرٌ صحيح، أو أن التعبير عنه بالفعل، أي بالمعاطاة، بدفع ثمن المبيع وتسلُّم المبيع هذا أيضاً يعبر عن الرضا، يصعب أن تعرف حالة الإنسان من داخله، لكن الضوابط هو أن الإيجاب والقبول ؛ بعتك هذا الشيء، يقول الشاري: قبلت، ولا تجوز في النفيس. هذا كله ذكر بعضه مع بعض التفصيل في الدرس الماضي.

* * * * *

 ننتقل الآن إلى شروط البيع:
 شروط البيع كثيرة، بعضها يتعلق بانعقاد البيع، وبعضها يتعلق بصحة البيع، وبعضها يتعلق بنفاذ البيع، وبعضها يتعلق بلزوم البيع، هناك شروط انعقاد، وهناك شروط صحة، وهناك شروط نفاذ، وهناك شروط لزوم، إذا انعدم شرط الانعقاد فالبيع باطل، والباطل لا يصحح، إذا انعدم شرط الصحة فالبيع فاسد، والفاسد يصحح، إذا انعقد شرط النفاذ البيع صحيح، ولكنه متوقفٌ على تحقق شرط، وإذا تخلف شرط لزوم المبيع، فالبيع غير لازم، هذا كله سوف نأتي عليه.
 ويجب أن تطمئنوا إلى أنه ما من واحد منا إلا أنه في أمس الحاجة لهذا الموضوع، لأنه إذا أراد أن يلقى الله عزَّ وجل وهو مستقيمٌ على أمره، هذا أمره، فكم من بيعٍ باطل، وكم من بيعٍ غير منعقد، وكم من بيعٍ لم يتحقق فيه شرط الرضا، وكم من بيعٍ فيه غرر، وكم من بيعٍ فيه ربا، لذلك معرفة أحكام البيوع شرط مهمٌ جداً لاستقامة الإنسان على أمر ربه.
 شروط انعقاد البيع:
 البيع ينعقد أو لا ينعقد، إذا انعقد فالبيع صحيح، وإن لم ينعقد فالبيع باطل، من شروط انعقاد البيع ما يتعلَّق بالعاقدين، ومن شروط انعقاد البيع ما يتعلق بصيغة العقد، ومن شروط انعقاد البيع ما يتعلق بمكان العقد، ومن شروط انعقاد البيع ما يتعلق بالمعقود عليه، أي المبيع. إذاً هناك شروط متعلقة بالمتعاقدَيْن، وشروط متعلقة بصيغة العقد، وشروط متعلقة بالمعقود عليه.
 أما الشروط المتعلَّقة بالعاقدين فهناك شرطان أساسيان. الشرط الأول: الأهلية. أي يجب أن يكون البائع والشاري أهلاً للبيع والشراء، ولا يكون أهلاً إلا إذا كان بالغاً، فالصبي لا ينعقد بيعه، لكن العلماء ميَّزوا بين الصبي المُمَيِّز والصبي غير المميز، فالصبي غير المميز لا ينعقد بيعه أصلاً، لكن الصبي المميز ينعقد بيعه بإجازة وليِّه، إذا وافق وليه على هذا البيع ينعقد البيع.
 وأما العقل والبلوغ، فالمجنون لا ينعقد بيعه أصلاً، لكن المعتوه ـ الأبله ـ ينعقد بيعه بشرط إجازة الولي. فالشروط المتعلقة بالعاقدين الأهلية أولاً، والأهلية متعلقةٌ بالعقل والسن، فالسن يجب أن يكون البائع والشاري بالغاً، والعقل يجب أن يكون البائع والشاري عاقلاً، فالصبي لا ينعقد بيعه، والمجنون لا ينعقد بيعه، لكن الصبي المميز ينعقد بيعه بإجازة الولي، والمجنون لا ينعقد بيعه، لكن الأبله المعتوه ينعقد بيعه بإجازة الولي، هذا الشرط متعلق بالأهلية.
  وأما التعدد. التعدد: كما قلت في الدرس الماضي لا يجوز أبداً أن يبيع الإنسان نفسه، وكثيراً ما يحدث هذا في التركات، وفي الهبات، وفي أكثر العقود يبيع الإنسان نفسه وهو لا يشعر أن هذا العقد باطلٌ في الأصل، لأن الإنسان إذا باع نفسه أغلب الظن سيحابيها، أغلب الظن سيعطي سعراً غير واقعي، على كلٍ التعدد شرطٌ ثانٍ لأهلية البائع والشاري، فلا يجوز أن تشتري أصالةً عن نفسك، وأن تبيع أصالةً عن نفسك. لا يجوز أن تبيع أصالةً عن نفسك وتشتري أصالةً عن نفسك، ولا يجوز أن تبيع وكالةً عن غيرك وتشتري أصالةً عن نفسك، ولا يجوز أن تبيع أصالةً عن نفسك وتشتري وكالةً عن غيرك، ولا يجوز أن تبيع وكالةً عن غيرك ولا أن تشتري وكالةً عن غيرك، وكالة مع وكالة لا يجوز، أصالة مع وكالة، وكالة مع أصالة، أصالة مع أصالة، هذه هي كل الحالات لابد من التعدد. ومعلومٌ لديكم أن عدم التعدد لن يكون معه الرضا، وإذا انتفى الرضا بطل البيع.
 وهذا الشرط ينسحب على أكثر العقود من بيعِ وغيره، ولا يستثنى منه إلا عقد الزواج، يجوز للموكل أن يزوج نيابةً عن شابٍ، وأن يكون ولياً عن الفتاة في وقتٍ واحد، لأن شروط الزواج متعلقةٌ بالزوجين في المستقبل.
 يجوز استثناءً من هذه القاعدة أن يبيع الأب مال ابنه القاصر من نفسه، ويجوز أيضاً أن يبيع القاضي وكالةً عن الصغير أو القاصر بنفسه لهذا القاصر، هذا استثناء للأب والقاضي.
 الآن، أما الشروط المتعلقة بركن البيع فشرطان أساسيان: توافق الإيجاب والقبول، ما هو الإيجاب وما هو القبول ؟ إذا قال الشاري للبائع: أتبيعني هذا الكتاب بمائة ليرة ؟ كلمة أتبيعني هذا الكتاب بمائة ليرة اسمه إيجاب، فإذا قال البائع: قبلت، أو بعتك هذا الكتاب بمائة ليرة. هذا هو القبول، إذاً قد يبدأ الشاري بعرض الثمن وقد يجيب البائع، فالبادئ هو الإيجاب، هو الموجب، والمثني هو القابل، لو عكسنا الآية، لو قال البائع: أتشتري هذا الكتاب بمائة ليرة ؟ هذا هو الإيجاب، فإذا قال الشاري: قبلت أو اشتريت، هذا هو القبول، الإيجاب كلمة البادئ بائعاً كان أو شارياً، والقبول كلمة الثاني بائعاً كان أو شارياً.
 الشرط في صيغة العقد توافق الإيجاب والقبول، مثلاً، فلو قال الموجب: بعت بخمسين، فقال القابل: اشتريت بعشرين، هل توافق الإيجاب والقبول ؟ ما توافق، فهذا البيع لا يصلح، لو قال الموجب: بعت بخمسين، فقال القابل: اشتريت نصفه بخمسٍ وعشرين. هو باعك الشيء كله، وأنت قبلت نصفه، أول خلاف كان بالثمن، ثاني خلاف كان بالكمية، لم ينعقد أيضاً، لو قال الموجب: بعت بخمسين معجلاً، فقال القابل: اشتريت بخمسين مؤجلاً. لا ينعقد البيع، لم يحدث إيجابٌ وقبول متطابقان، لم يتطابق الإيجاب والقبول، أول حالة بالثمن، ثاني حالة بالكمية، ثالث حالة بدفع الثمن عاجلاً أو آجلاً.
 لو قال الموجب: بعت بخمسين، فقال القابل: اشتريت بستين، قال جاز البيع، هذا خلاف شكلي، صاحب الحاجة طلب بها خمسين، فقال الشاري: اشتريتها بستين، هذه علَّةٌ مقبولة، لاشك أنه حينما قال اشتريت بستين فهو راضٍ بهذا، ولا شك أن البائع كان يجزئه الخمسين، فلو جاء القبول زائداً على الإيجاب، صح البيع وانعقد البيع.
 الآن، لو قال البائع: بعت بخمسين، فقال القابل: اشتريت بأربعين، فقال البائع مرة ثانية: قبلت بأربعين صحَّ البيع، صار إيجابٌ وقبولٌ جديدان..
 لكن في حالة لو كان هناك أشياء متماثلة، أي في عندنا صاعان من القمح من نوع واحد، فقال البائع: بعت هذين الصاعين بمائة ليرة، فقال الشاري: بل أشتري أحدهما بخمسين. صح البيع، أما لو كان هناك قطعتا قماش متفاوتتان في اللون، والنوع، والجودة، وقال البائع: بعتك هاتين القطعتين بمائة ليرة، فقال الشاري: اشتريت إحداهما بخمسين. لا يصح البيع، أية واحدةٍ هذه ؟! هناك جهالة، في عندنا قاعدة في الفقه: "الجهالة تفضي إلى المنازعة دائماً " فإذا أردت ألا تنازع أحداً في بيعك وشرائك فابتعد عن الجهالة.
 طلب بالقطعتين مائة ليرة، فقال الشاري: بل أشتري إحداهما بخمسين. القطعتين غير متماثلتين، أما القمح متماثل، في أشياء يسمونها مثلية أي يشبه بعضها بعضاً، لكن في أشياء غير مثلية، لو كان هناك غنمتان غنمة سمينة وغنمة هزيلة، فلو قال لك البائع: بعتك هاتين الغنمتين بأربعة آلاف ليرة، فقال: بل أشتري واحدةً منها بألفين. البيع غير صحيح لوجود الجهالة، أما لو قال الشاري: أشتري هذه السمينة بألفين، فقال البائع: بعتك. صح البيع، إذاً توافق الإيجاب والقبول شرطٌ أساسيٌ في صحة العقد، في انعقاد البيع، الانعقاد منه ما هو متعلقٌ بالعاقدين، والعاقدان يجب أن يكونا متمتعين بالأهلية وبالتعدد، والأهلية ـ كما تعرفون ـ البلوغ وصحة العقد. والشروط المتعلقة بصيغة العقد توافق الإيجاب والقبول.
 والشرط الثاني أن يكون الإيجاب والقبول بلفظي الجزم والقطع، فلأن الركن الحقيقي في العقد إنما هو الإرادة الباطنة لقوله تعالى:

﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾

( سورة النساء: من آية " 29 " )

  ولكنها لتعذُّر ظهورها ألغيت وأنيط الحكم بما هو مظنةٌ لها، ألغي الرضا لصعوبة ضبطه، وناب عنه الإيجاب والقبول، فيجب أن يكون الإيجاب والقبول بصيغة القطع والجزم، ولا صيغة أقرب إلى القطع والجزم من صيغة الماضي، لذلك البيع الشرعي تقول له: بعتك هذا البيت بمائة ألف، فيقول: اشتريت. صيغة الماضي صيغةٌ تعني الجزم والقطع، لذلك ربنا عزَّ وجل كثيراً ما يعبِّر عن المستقبل بالفعل الماضي، لأن الفعل الماضي يعني تحقق الوقوع.
 إذاً من شروط انعقاد البيع فضلاً عن توافق الإيجاب والقبول أن يكون الإيجاب والقبول بلفظي الجزم والقطع، إذاً اشترط الفقهاء أن يكون الإيجاب والقبول بلفظي الجزم والقطع، أي يدلان على إرادة البيع دلالةً حقيقيةً قوية، ولا صيغة أكثر دلالةً على الجزم والقطع من صيغة الفعل الماضي، لذلك أحل صيغة في البيع والشراء صيغة الفعل الماضي، يقول البائع: بعت، يقول الشاري: اشتريت. وقد سمح الفقهاء أن يكون أحدهما بلفظ المضارع إذا شهدت له نيةٌ أو قرينة حالٍ على القطع والجزم، يمكن: أتشتري هذا البيت بمائة ألف ؟ يقول له: اشتريت. يمكن أن تجمع بين صيغة المضارع وبين صيغة الماضي بشرط أن تكون صيغة المضارع دالةً على الجزم والقطع، لأن صيغة المضارع من معانيها الاستقبال. أتمنى أن أنجح، فالنجاح في المستقبل، فالفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال، فإذا دل المضارع على الجزم والقطع بقرينةٍ أو بحالٍ، جاز في الإيجاب والقبول أن يجمع بين المضارع والماضي، يقول البائع: أبيع لك هذه السلعة، فيقول المشتري: أشتري، وأجاز الفقهاء أيضاً أن يكون البيع والشراء بصيغتي المضارع، لكن مع دلالة الحال بأنهما يفيدان القطع والجزم.
 إذا جاءت صيغة المضارع في الإيجاب والقبول، وكانت الحال دالةً على البيع، كأن يكونا في متجر، المتجر مكان البيع والشراء، أو يكونا متقابضين بالأيدي، أو غير ذلك من دلالات الحال صح لفظ المضارع، لكن إذا قال البائع: سأبيعك هذا البيت بمائة ألف، مادام دخل حرف السين على المضارع، فصار هذا الفعل دالاً على المستقبل، ومادام الفعل المضارع دالاً على المستقبل، فلا يعني صيغة الجزم والقطع، إذاً في صيغة البيع خدشٌ وخللٌ مما يُبعد صحة هذا البيع.
 لكن هناك فعلٌ للمستقبل، فعل أمر يصح به البيع، كأن يقول: اشترِ مني هذا البيت بمائتين، فيقول: أشتريه بمائتين. قد يأتي الإيجاب بلفظ الأمر، ويصح البيع بهذا اللفظ لأنه يدل على القطع والجزم أيضاً.
 بالمناسبة لا يتحتم في الإيجاب والقبول لفظٌ معيَّن، أي لفظٍ دالٍ على البيع والشراء بصيغة الجزم والقطع جائزٌ في البيوع، أعطيتك، ملَّكتك وغير ذلك، القاعدة الشهيرة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ".
 الآن: بيع المعاطاة ليس فيه إيجابٌ ولا فيه قبول، هل هناك شروطٌ دقيقة لصحته ؟ بيع المعاطاة دفع الثمن وتسلُّم المبيع ـ الحاجة ـ الدفع والتسلُّم بلا كلام هذا بيعٌ بالمعاطاة، من أجل أن يكون هذا البيع صحيحاً اشترط الفقهاء عدة شروطٍ لصحة هذا البيع، أول شرط: علم المتعاقدين بالبيع والشراء.
 إنسان يكون صاحب محل تجاري يتحادث مع شاري، يأتي شاري آخر في طرف لا يراه البائع، يضع ثمن حاجة ويأخذها، فهذا لا يجوز، لعل هذه الحاجة ليس هذا ثمنها، أو لعل هذا الثمن ليس لهذه الحاجة، أو لعل هذا الثمن لحاجةٍ من نوعٍ آخر، أو ليس لهذه الكمية، فكيف عرف الشاري أن هذه الحاجة ثمنها كذا ؟ عرفها بقرينة، بلافتة، بكلمة، بسعر، لكن قد يكون هذا السعر للبنطال فقط مثلاً، أو للمعطف فقط، فهو حمل المعطف والبنطال ودفع الخمسمائة ليرة ومشى، فلا يجوز بيع المعاطاة إلا بعلم العاقدَيْن، يجب أن تنبه الشاري: سآخذ هذه الحاجة وهذا ثمنها، ما في حاجة لبعتك واشتريت، لكن إذا علم الشاري وعلم البائع معاً فأول شرطٍ لصحة بيع المعاطاة علم المتعاقدين بالبيع والشراء، فإذا أخذ الشاري السلعة ووضع الثمن دون علم البائع، لا ينعقد البيع، هذه نقطة مهمة جداً، أحياناً يكون الخضري مثلاً، واضع خضار من أنواع مختلفة، يحمل الحاجة ويدفع ثمنها ثم يمشي، قد يكون الثمن لنوع من الدرجة الثانية، يجب أن يعلم البائع لأنه من دون علم لا يجوز.
 يجب ألا يصدر عن المتعاقدين أو أحدهما ما يدل على عدم الرضا بالبيع والشراء، يعني أحياناً يصدر عن الشاري أو عن البائع حالة عدم الرضا في بيع المعاطاة، فإذا كان هناك حالة عدم رضا فالبيع لا يجوز، فلو دفع المشتري الثمن، وأخذ السلعة أمام البائع، فقال البائع: لا أبيع بهذا الثمن، أو لا أرضى. فإنه لا يصح، لأن المعاطاة اعتبِرت عندما جعلت على الرضا دليلاً، فإذا انعدم الرضا فلا صحة لهذا البيع.
 إذاً يجب أن يكون البائع والشاري في المعاطاة على علمٍ بهذا البيع، ويجب ألا يصدر عنهما ما ينبئ بعدم الرضا. إذاً نحن الآن في شروط انعقاد البيع، وشروط انعقاد البيع منها ما يتعلق بالعاقدَيْن، ومنها ما يتعلق بصيغة العقد، ومن شروط صيغة العقد توافق الإيجاب والقبول، وأن تدل هذه الصيغة على القطع والجزم، وأفضل صيغةٍ للقطع والجزم هو الفعل الماضي.
 أما الشروط المتعلقة بانعقاد المبيع، المتعلقة بالمكان فعبَّر عنها العلماء بقولهم: اتحاد المجلس. والمراد بالمجلس هنا المجلس المعنوي لا الحسي، لو الشاري والبائع بمكان، بدكان، وخرجا من الدكان، وهما يتحادثان في موضوع البيت، ووصلا إلى بيت وجلسا به قليلاً، ثم تابعا المسير، مادام الموضوع متعلقٌ بهذا البيت فهذا المجلس كله مجلسٌ واحد، ليست العبرة باتحاد المجلس، اتحاد المكان بل اتحاد الموضوع، يجب أن يستمر الموضوع، فالمجلس واحدٌ مهما طال الزمن، ومهما تعدد المكان مادام الموضوع مستمراً.
 أما إذا انتقل المتحدثان المتبايعان إلى موضوعٍ آخر، ولم يحدث إيجابٌ وقبول، فقد انقطع المجلس، ولم يصح البيع لو أنه أجاب بعد انقطاع الحديث. فلو أوجب البائع البيع ولم يقبل المشتري، حتى استدار الحديث عن البيع إلى غيره ثم قبل، لم يصلح، وإن قصر الزمن، أتشتري هذا البيت بمائة ألف ؟  قال له: غالي. اليوم ثلج ؟ قال له: ثلج، كم الحرارة ؟ قال له: صفر، بعد هذا قال له: اشتريت، مادام دخل موضوع الثلج والحرارة بين الإيجاب والقبول فالبيع لم يصح، فإذا استمر الحديث عن البيع طويلاً، ثم قبل في النهاية صح مهما طال الزمن.
 في عندنا شيء مهم: للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل قبول القابض، يعني أتشتري هذا البيت بمائة ألف ؟ بقي ساكتاً، أقول له: أنا لن أبيع بهذا السعر، ما دام الشاري بقي ساكتاً، للبائع أن يتراجع عن هذا السعر، ما دام المشتري ساكتاً، فإذا قبل القابل انعقد البيع ولزم البيع، أتشتري هذا البيت بمائة ألف ؟ قال له: اشتريت. انعقد البيع ولزم البيع.
 وكذلك فإن القابل مخيرٌ ما لم يقبل أو يرجع الموجب عن إيجابه، يعني ما دام ساكتاً لا يلزم البيع، لو عاد الموجب عن إيجابه لا يلزم البيع، في نقطة مهمة عرضه بمائة ألف.
 وعدم نفي الثمن، ومالية الثمن، وهذا إن شاء الله نأخذه بتفصيلٍ في الدرس القادم.

* * * * *

 مع الإمام عليٍ كرَّم الله وجهه .
 ولكن كنت أعد في هذا اليوم موضوعاً حول العفو، واضطررت أن أطالع بعض القصص المتعلقة بهذا الموضوع، فعثرت على قصةٍ كنت قد أسمعتها للإخوة الأكارم قبل أربع أو خمس سنوات في أحد أيام العيد، وكان المجتمعون قلَّة، ونظراً لما تنطوي عليه هذه القصة من معانٍ دقيقة متعلقة بالوفاء، وبالعفو، وبأن البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، أردت أن أقطع تسلسل قصة سيدنا عليٍ كرم الله وجهه وأقرأ لكم هذه القصة ونعود إلى قصة سيدنا علي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
 عنوان هذه القصة ( لقد أمكنك الله من الوفاء ) قال صاحب شرطة المأمون، وهو يشبه اليوم وزير الداخلية، يعني هو المسؤول عن استتباب الأمن والنظام في بلاد المسلمين: دخلت يوماً مجلس أمير المؤمنين ببغداد، وبين يديه رجلٌ مكبَّلٌ بالحديد، فلما رآني قال لي:
 ـيا عباس. اسم صاحب الشرطة عباس.
 قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
 ـقال: خذ هذا إليك ـ رجل مكبل بالحديد، جالسٌ بين يدي أمير المؤمنين ـ واحتفظ به، وبكِّر به إليَّ في الغد. خذه إلى بيتك واحتفظ به وبكر به إلي في الغد.
 فدعوت جماعةً فحملوه، ولم يقدر أن يتحرك، فقلت في نفسي: مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به، يجب أن يكون معي في بيتي، لشدة حرص أمير المؤمنين يجب أن يكون هذا الإنسان معي في بيتي، فأمرتهم فتركوه في مجلسٍ لي في داري، يعني أخذه إلى بيته، صاحب الشرطة أخذ هذا الإنسان إلى بيته. قال:
  ثم أخذت أسأله عن قضيته وعن حاله، ومن أين ؟
 ـفقال: أنا من دمشق.
 فقلت ـ صاحب الشرطة: جزى الله دمشق وأهلها خيراً فمن أنت ؟ فمن أنت من أهلها؟
 ـقال: وعمن تسأل ؟
 ـقلت: أتعرف فلاناً ؟
  ـقال: ومن أين تعرف ذلك الرجل ؟
  قلت: وقعت لي معه قضية.
  ـقال: ما كنت بالذي أُعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه. يعني من حديث لحديث قال: أنا من دمشق، من أي مكان ؟ مَن تكون أنت ؟ ما اسمك ؟ قال: من تعرف من دمشق ؟ قال: أعرف فلان الفلاني، فقال له: عرفني عن خبره أولاً حتى أقول لك من أنا ثانياً.
 فقال صاحب الشرطة: كنت مع بعض الولاة بدمشق ـ أي أنه كان معاوناً لبعض الولاة ـ فبغى أهلها، وخرجوا علينا حتى إن الوالي تدلى من نافذة قصره وهرب هو وأصحابه، وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هاربٌ في بعض الدروب إذا بجماعةٍ يعدون خلفي ـ يركضون خلفي ـ فمازلت أعدو أمامهم حتى فُتُّهم ـ غابوا عني ـ فمررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك وهو جالسٌ على باب داره فقلت: أغثني أغاثك الله. فقال هذا الرجل: لا بأس عليك، ادخل الدار. فدخلت، فأدخلني في بيته إلى مقصورة ـ يعني غرفة في أقصى الدار ـ فدخلتها ووقف الرجل على الباب فما شعرت إلا وقد دخل والرجال معه يقولون:
  هو والله عندك، هذا عندك.
  ـفقال: دونكم الدار، فتشوها، ففتشوها غُرفةً غرفةً حتى لم يبقَ سوى تلك المقصورة.
 فقالوا: هو هنا.
  ـفقال: هنا امرأتي.
 وصاحت امرأةٌ في هذه المقصورة فتوقف هؤلاء الرجال عن البحث وعادوا أدراجهم، وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعةً، وأنا قائمٌ أرتجف، ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقالت امرأته: اجلس لا بأس عليك.
 فجلست فلم ألبس حتى دخل الرجل فقال: لا تخف قد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الأمن والدعة، اطمئن. فقلت له: جزاك الله خيراً، ثم مازال يعاشرني أحسن معاشرةٍ وأجملها، وأفرد لي مكاناً في داره، لم يفتر عن تفقُّد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أرغد عيشٍ، وأهناه، إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني، فلعلي أقف منهم على خبر ؟ فأخذ عليَّ المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت فطلبت غلماني فلم أرَ لهم أثراً، فرجعت إليه وأعلمته الخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني ولا يسألني، ولا يعرف اسمي، ولا يخاطبني إلا بالكُنية. ثم قال:
  علامَ تعزم ؟
 قلت: عزمت على التوجه إلى بغداد.
 فقال: القافلة بعد ثلاثة أيام وها أنا ذا قد أعلمتك.
  فقلت له: إنك تفضلت علي هذه المدة، ولك علي عهدٌ ألا أنسى لك هذا الفضل، ولأكافئَنَّك ما استطعت.
 ثم دعا غلاماً له وقال له: أسرج هذا الفرس، ثم جهز آلة السفر، فقلت في نفسي: ما أظن إلا أنه يريد أن يخرج إلى ضيعةٍ أو ناحيةٍ من النواحي، فأقاموا يومهم في كدٍ وتعب ـ أي أن الغلمان يجهدون في إعداد آلات السفر ـ ولما حان يوم الخروج ـ خروج القافلة ـ جاءني السحر ـ في وقت السحر ـ وقال لي: قم فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها، فقلت في نفسي: كيف أصنع وليس معي ما أتزود به ؟ ولا ما أشتري به مركوباً، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان أفخر الملابس وخفين جديدين، وآلة السفر، ثم جاءني بسيف ومنطقة، فشدهما في وسطي، ثم قد بغلاً فحمل عليه صندوقين وفوقهما فرشٌ، وقدم إلي فرساً وقال: اركب وهذا الغلام يخدمك ويسوس مركبك. وأقبل يعتذر إليَّ من التقصير في أمري، وركب معي يشيعني. وانصرفت إلى بغداد وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافأته، واشتغلت مع أمير المؤمنين، فلم أتفرغ أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلهذا أسأل عنه، هذا هو.
 فلما سمع الرجل الحديث قال:
 قد أمكنك الله من الوفاء له، ومكافأته على فعله، ومجازاته على صنيعه بلا كلفةٍ عليك، ولا مؤونةٍ تلزمك.
 فقلت: وكيف ذلك ؟!
  قال: أنا ذلك الرجل ـ أنا بنفسي ـ وإنما الضر الذي أنا فيه غيَّر عليك حالي، وما تعرفني به.
 فما تمالكت إلا أن قمت وقبلت رأسه، ثم قلت له:
 فما الذي أصارك إلى ما أرى ؟
 قال: هاجت فتنةٌ بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك، فنسب بعضها إلي، وبعث أمير المؤمنين بجيوشٍ فأصلحوا البلد، وأُخذت أنا، وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقُيِّدت، وبعث بي إلى أمير المؤمنين، وأمري عنده عظيم، وخطبي لديه جسيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من غلماني من ينصرف إلى أهلي بخبري، وهو نازلٌ عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة، وقمت لي بوفاء عهدك ـ يعني أقصى ما كان يرجو أن يبعث بمن يحضر له غلمانه ليوصيهم بأهله لأنه مقتولٌ لا محالة ـ
 فقال صاحب الشرطة:
 يصنع الله خيراً. ثم أحضر حداداً في الليل، فكَّ قيودي، وأزال ما كان فيها من الأنكال، وأدخله حمام الدار، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سيَّر مَن أحضر إليه غلمانه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي بالأفراس والهدايا، ثم أمره أن يشيعه إلى حد الأنبار، قال له:  انطلق، اذهب.
  ـفقال له: إن ذنبي عند الأمير عظيم، وخطبي جسيم، وإن أنت احتججت بأني هربت، بعث في طلبي كل من على بابه فأردَّ وأقتل.
 فقال العباس: انجُ بنفسك ودعني أدبر أمري.
 فقال: والله لا أبرح بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت، كان مترفقاً به.
  ـفقال العباس: إن كان الأمر على ما تقول فلتكن في موضع كذا، فإن أنا سلمت في غداةٍ أعلمتك، وإن أنا قتلت فقد وقيتك بنفسي كما وقيتني ـ واحدة بواحدة ـ ثم تفرغ العباس لنفسه وتحنَّط وجهز له كفناً ـ لأن العلقة صعبة ـ فقال العباس: فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا ورُسُل المأمون في طلبي وهم يقولون: هات الرجل معك وقم، الرجل راح، فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين فإذا هو جالسٌ ينتظر فقال: أين الرجل ؟ فسكتت، فقال:
 ويحك أين الرجل ؟
 قلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني.
 فقال: لله عليَّ عهدٌ لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك.
 فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ما هرب، ولكن اسمع حديثي وحديثه، ثم شأنك وما تريد أن تفعله في أمري.
 قال: قل.
   قلت: يا أمير المؤمنين كان من حديثي معه كيت وكيت ـ حكى له القصة ـ وقصصت عليه القصة جميعها، وعرفته أني أريد أن أفي له، وأكافئه على فعله معي، وقلت: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين إما أن يصفح عني فأكون قد وفيت وكافأت، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي، وقد تحنَّطت، وها هو ذا كفني يا أمير المؤمنين، ما في حل ثالث، فلما سمع المأمون الحديث قال:
 ويلك، لا جزاك الله عن نفسك خيراً، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة، وتكافئه بعد المعرفة بهذا ؟! لم تكن موفياً لحقه، هلا عرفتني خبره فكنا نكافئه عنك ولا نقصر في وفائه لك؟
 فقلت: يا أمير المؤمنين إنه هاهنا موجود ببغداد، وقد حلف ألا يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر.
 فقال المأمون: وهذه منةٌ أعظم من الأولى، اذهب إليه الآن فطيِّب نفسه، وسكِّن روعه، وائتني به حتى أتولى أنا مكافأته.
 فأتيت إليه وقلت له:
 ليزل خوفك إن أمير المؤمنين تكلم كذا وكذا.
 فقال: الحمد لله الذي لا يُحمد على السراء والضراء سواه، ثم قام وركب، فلما مَثَل بين يدي أمير المؤمنين، أقبل عليه وأدناه من مجلسه وحدَّثه حتى حضر الغداء، فأكل معه، وخلع عليه، وعرض عليه أعمال دمشق، أن يكون والياً على دمشق، فاستعفى، فأمر له بصلةٍ وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به.
 أحياناً الإنسان يتزوج امرأة، يكون فقير، تصبر على فقره، يغنيه الله سبحانه وتعالى، فيتنكر لها، إذا انعدم الوفاء انعدم الإيمان، شريكان، زوجان، صاحبان، صديقان، جاران، أخان في الله، هذا الإنسان يعني ضَّحى بكل ما يملك من أجل أن يوفِّي لهذا الصديق الذي كان معه في ساعة الشدة، يعني الوفاء صفةٌ أساسيةٌ من صفات المؤمنين، الإنسان غير الوفي يلقى الله والله عليه غضبان، فإذا أردت أن تلقى الله وهو راضٍ عنك، فكن وفياً لمن أسدى لك معروفاً، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إن الله سأل العبد عن صحبة ساعة))

( من كشف الخفاء: عن " ابن جرير " )

((من أسدى إليكم معروفاً فكافؤه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ))

 يعني لا يمكن أن يُقبل مؤمن غير وفي، غير وفي لأهله، غير وفي لإخوانه، غير وفي لجيرانه، غير وفي لشركائه، الوفاء عنوان الإيمان. هذا الذي يدخل مع شريك فلما قوي هذا الشريك الأول، وكان الشريك الثاني ضعيفاً أطاح به، ويصلي، والله هذه الصلاة لا تقبل منه، هذا الذي يتزوج امرأةً يعني يكون فقيراً تتحمله، وتصبر عليه، فإذا أغناه الله سبحانه وتعالى تنكَّر لها، ونهر بها، وأساء معاملتها، والله ما هذا هو الوفاء، فهذا بوفائه سلَّمه الله.
 القول الشهير:

((البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان))

  النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة فاتحاً، له بيت، هذا البيت اغتصب بعد هجرته إلى المدينة، فلما قيل له: أتحب أن تحل في بيتك ؟ قال:

((لا، انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة ))

  وفاءً لها. ما نام أول ليلةٍ من ليالي الفتح إلا في خيمةٍ إلى جنب قبر خديجة.
 كانت السيدة عائشة ترى أنه يَهُشُّ لبعض الزائرات، تقول له: من هذه ؟ قال: هذه كانت تغشانا أيام خديجة. يعني لو قرأت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما وجدت إنساناً أوفى ولا أوصل منه، لذلك قال أبو سفيان حينما دخل النبي مكة، قال: فداك أبي وأمي يا رسول الله ؛ ما أرحمك، وما أوصلك، وما أحكمك، وما أحلمك. فجوهر الدين الأخلاق.
 فكل واحد مع أهله، مع أقرباؤه، مع جيرانه، مع إخوانه، مع رفقاؤه، مع شركاؤه لا يتنكر للجميل، لا ينسى المعروف، لا ينسى الفضل عندئذٍ يخرج من إيمانه، لأن الله عزَّ وجل لا يرضى عن الخائن، ولا يرضى عن الجحود، ولا يرضى عن المتنكر الذي يتنكر للفضل.
 يعني هذه القصة تبيِّن كيف أن هذا العمل الطيب ما ضاع سدى، إنسان منقطع أكرمته، إنسان فقير عاونته، امرأة أرملة أعنتها بالمال، أختٌ لك في مكان بعيد وصلتها " البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت .
 إن شاء الله تعالى في الدرس القادم نعود إلى سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا.
 اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا.
 ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا.
 اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مباركاً مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوما، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروما، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين