السيرة - شمائل الرسول 1995 - الدرس (24-32) : وقاره العظيم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-04-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس الرابع والعشرين من دروس الشمائل المحمديَّة، التي كان عليه الصلاة السلام يتحلَّى بها، وقد وصلنا في الدرس السابق إلى وقاره العظيم.
 أيها الإخوة ؛ الوقار شيءٌ يُحسُّه الإنسان، ولكن لا يرى له آثاراً ماديَّة، فرجلٌ تهابه، ورجلٌ لا تهابه، رجلٌ تشعر، وأنت في حضرته بسعادةٍ غامرة، ورجلٌ لا تلقي له بالاً، هذا الوقار، أو هذه الهَيْبَة، أو هذه المكانة العلية التي يهبها الله للإنسان، ما سرها؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان من أشد الناس وقاراً، وكان من أعظمهم أدباً، وكان أرفعهم فخامةً وكرماً، لكن قبل أن نمضي في الحديث عن وقاره صلى الله عليه وسلَّم، لنستمِعْ إلى هذا الحديث الشريف:

((من خاف الله خوف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء))

( من أحاديث الإحياء: عن " أبي هريرة )

 إما أن يهابك الناس ؛ وإما أن تهاب الناس، فبقدر طاعتك لله يلبسك الله سبحانه وتعالى ثوب مهابة.
 روى أبو داود في مراسيله، عن خارجة بن زيد الأنصاري رضي الله عنه قال:

((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يُخرج شيئاً من أطرافه))

 أحياناً تجلس في مجلس تشعر بسعادة، هذا الذي تجلس معه تأنس به، إذا رأيته تذكر الله عزَّ وجل، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه الحقيقة، قال:

((أولياء أمتي إذا رؤوا ذُكِرَ الله بهم))

 إذا رأيت ولياً لله عزَّ وجل يذكِّرك بالله، يذكرك بطاعته، يذكرك بالآخرة.
 فلذلك أيها الإخوة مرَّةً ثانية أقول هذا الكلام: إذا شكوتَ تفلُّتَ نفسك من منهج الله، فلعلَّ تركَن إلى أُناسٍ بعيدين عن الله عزَّ وجل، إذا صاحبت من ينهض بك إلى الله حاله، ويدلُّك على الله مقاله، إذا صاحبت المؤمنين المتفوِّقين، إذا غيَّرت هؤلاء الذين كنت تعرفهم قبل أن تعرف الله عزَّ وجل، إذا غيَّرت كل هؤلاء، وأقمت علاقاتٍ مع إخوةٍ كرامٍ يفوقونك في معرفتهم بالله، وفي طاعتهم له، هم يأخذون بيدك إلى الله، لا تنسَ أن البذرة مهما تكن جيدة، إذا كانت التربة ملوثة فإنها لا تنبت، وإذا نبتت أصيبت بالأمراض، هذه حقيقةٌ يعرفها المشتغلون بالزراعة، إذًا لابدَّ من تربةٍ معقَّمة، لابدَّ من تربةٍ غنيةٍ بالمواد النافعة، لابدَّ من تربةٍ مفعمةٍ بالماء كي ينبُت النَبْت، وأنت لك تربة.
 فلذلك كان عليه الصلاة والسلام أوقر الناس في مجلسه، وقد يُروى عنه أنه:

((من رآه بديهةً هابه، ومن عامله أحبَّه))

 وروى ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلَأْنَا الْبَيْتَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ لِجَنْبِهِ فَلَمَّا رَآنَا قَبَضَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ قَالَ فَأَدْرَكْنَا وَاللَّهِ أَقْوَامًا مَا رَحَّبُوا بِنَا وَلَا حَيَّوْنَا وَلَا عَلَّمُونَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَذْهَبُ إِلَيْهِمْ فَيَجْفُونَا))

 نحن نتعلَّم أدب الصحابة الكرام مع رسولهم، لكن ربنا عزَّ وجل قال في القرآن - ودقِّق النظر في قول الله عزَّ وجل أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخفض جناحه للمؤمنين - قال:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

( سورة الشعراء )

 بل أمره أن يخفض جناحه لكل المؤمنين..

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

( سورة الحجر )

 ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))

 وفي حديث آخر:

((تواضعوا لمن تعلِّمون))

( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة )

 تواضعوا لمن تُعلِّمونه، فهو يتواضع لأصحابه، ويخدمهم بنفسه، ويسوِّي أنفسهم معه، والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نوقِّره، وأن نعزَّره، وأن نبجِّله، وأن نحبه، فكما أمرنا أن نحبَّ رسولَه وأن نوقره..

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 40 )

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾

( سورة الحجرات: من آية " 3 )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾

( سورة الحجرات: من آية " 2 )

 لا تقولوا: يا محمد، قولوا: يا رسول الله، هل تصدقون أيها الإخوة أن الله جلَّ جلاله في عليائه ما خاطب النبي في القرآن الكريم كله بلفظ محمد ؟! جاءت كلمة محمد خبرًا أو مبتدأً.

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾

( سورة الفتح: من آية " 29 )

 أما عند الخطاب:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 28 )

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

( سورة المائدة: من آية " 67)

 إذا كان الله في عليائه يخاطب النبي بمقامه - مقام النبوة، ومقام الرسالة - ولم يخاطبه باسمه فكيف بنا نحن ؟ لذلك الله عزَّ وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾

( سورة الحجرات: من آية " 2 )

((إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ))

 وبعدُ ؛ فالآية الكريمة التالية تعرفونها جميعاً:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159 )

 هذه الآية قانون، هذا القانون جاء من حرف الباء، الباء باء السببية، والقانون في العلم هو وصف علاقةٍ بين متغيِّرين ـ علاقة رياضيَّة ـ الله عزَّ وجل يقول:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾

 أي بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك يا محمد من خلال اتصالك بالله، هذه الرحمة بسببها لنت لهم، فأحبوك، والتفوا حولك، وفدوكَ بأرواحهم.
 لكن لو كنت منقطعاً عن الله، فلن تستقر هذه الرحمة في قلبك، ولكنتَ إذاً فظاً غليظاً، وإذا كنت فظاً غليظاً انفضَّ الناسُ مِن حولك.
 هذا قانون، هذا القانون يسري على كل مؤمن، إنْ تتصلْ تستقرْ الرحمة في قلبك، وتلن، ويلتف الناس حولك، وإنْ تنقطع يقسُ قلبُك، وتكن فظاً غليظاً، وينفض الناس من حولك، هذا الكلام موجَّه للأب، للمعلِّم، للداعية، لرئيس الدائرة، لمدير المدرسة، لمدير المستشفى، لك صلة بالله ففي قلبك رحمة، هذه الرحمة ولَّدت اللين، واللين ولد المحبَّة، فالتفَّ الناس حولك.
 ومِن ثَمَّ ها نحن ندخل في المهابة، الإنسان الرحيم له هيبة، القاسي ليس له هيبة، أنت لاحظ أحياناً الإنسان من خلال معاملته، واتزانه، وإنصافه، وإكرامه يصير محبوبًا، والناس تلهج ألسنتهم بالثناء عليه في غيبته كما هو في حضرته ؛ لكن الإنسان القوي يخافه الناس في حضرته، ويكيلون له كل أنواع الشتائم والسخرية في غيبته، فالعبرة ليست بما يقال في حضرتك، بل العبرة فيما يقال في غيبتك، لكن هذا الكلام كلام النبي عليه الصلاة والسلام مؤثِّرٌ، ويجب أن يتخذه كل مؤمنٍ منهجاً له..

((إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ مِنْ بَعْدِي يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَرَحِّبُوا بِهِمْ وَحَيُّوهُمْ وَعَلِّمُوهُمْ))

 وكل واحد منكم، بل ما مِن إنسان إلاّ وله أهل، له أقرباء، له مجتمع، له إخوة وأخوات، وأولاد إخوة وأخوات، جيران، زملاء بالعمل، أقارب، هؤلاء إذا آنست من أحدهم طلباً للعلم رحِّب به، أكرمه، استقبله، عاونه، بهذا اللين يميلون إليك، هذا هو القانون، وبهذا القانون تصبح ذا هيبة.
 طبعاً قد تعجبون من هذا الدرس ـ درس شمائل النبي ـ فيقول قائل: لكن ماذا نستفيد نحن إذا عرفنا أن النبي ذو هيبة ؟ نريد أن نكون نحن أيضاً أصحاب هيبة، طبعاً تكون لنا هيبة بقدر إيماننا، بقدر إقبالنا على الله، بقدر إخلاصنا، أنت إذا اتصلت بالله استقرَّت الرحمة في قلبك، ومتى استقرَّت لِنت لهم، فإذا لنت لهم أحبوك، وهابوك، وقدَّسوك.
 كلمة شيء مقدس هذه الكلمة تَرِدُ على الألسنة كثيراً، ما معنى بيت مقدس ؟ هذا الإنسان مقدَّس ؟ أي مستقيم، الشيء المقدس الطاهر النقي من الشوائب، فكلَّما حرصت على ألا تزلّ قدمك، وألا يزلّ لسانك، وألا تزلّ أعضاؤك، وألا تزلّ خواطرك كنت مقدَّسًا.
 أخي هذا البيت مقدَّس، أيْ أن هذا البيت كان فيه مجالس علم، كان فيه ذكر لله عزَّ وجل، لم تُرتكب معصية، لم تكشف عورة، لم يتكلَّم أحدٌ فيه بكلمةٍ قاسية، نقول: فلان مقدَّس، أي مستقيم.

* * * * *

 الآن من شمائل النبي عليه الصلاة والسلام..

تقديمه كبير القوم في الكلام

 الملاحظ ـ والعياذ بالله ـ في المجتمعات الغربية، الإنسان ما دام في شبابه، وعلى رأس عمله، له مكانته، فإذا تقدَّمت به السن هُمِّش، أصبح على الهامش، أي أن أهله ينصرفون عنه، والشيء المعروف في تلك المجتمعاتِ أن الأب المتقدِّم بالسن لا يحظى بزيارة أولاده إلا في العام مرَّة على أحسن تقدير، وكثيراً ما يعتذرُ الأبناء عن زيارة آبائهم، أجل: في العام مرَّةً واحدة، إذاً في المجتمعات الماديَّة الإنسان إذا تقدمت به السن هُمِّش، خرج من بؤرة الاهتمام إلى زوايا الإهمال ؛ نبذ من أسرته، من أبنائه، من أقربائه، لكن في الإسلام عندنا شيء آخر، التقدُّم في السن وحده يلزمنا أن نوقِّره، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))

( من مسند أحمد: عن " عبادة بن الصامت )

 و:

((مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ))

( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك )

 الحقيقة أنّ الإنسان يكون قدَّم شيئًا، بل أشياء، وبعدما كبر بالسن من حقه أن يجنيَ الخير، أدَّى ما عليه وبقي ما له ؛ له الاحترام، له العناية الفائقة، له الخدمة، هذا حال المجتمع الإسلامي.
 لذلك كلما قرأت هذا الحديث أيها الإخوة اقشعَرَّ جلدي..

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )

 أنت إذا رأيت إنسانًا عمره بالستين، بالخامسة والستين، بالسبعين، كل حياته في طاعة الله، إذا أكرمت هذا الإنسان لا لشيء إلا لأنه مسلم، وتقدَّمت به السن، فإكرامك له إكرامٌ لله تعالى..

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )

 التقدم بالسن شيء ثمين في الإسلام، حتى إنه في بعض الأحاديث القدسيَّة:

((عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فاستحيِ مني فأنا أستحيِ منك))

 والنبي عليه الصلاة والسلام - دقِّقوا النظر - إذا قال: " ليس منا " أي أن هذا الشيء من الكبائر..

((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا...))

( من مسند أحمد: عن " عبادة بن الصامت )

 الإنسان المتقدم بالسن تستهزئ به، تقلده، تشد نظرك إليه، تستخف به، تجلس جلسة غير أديبة أمامه، لا تقوم له، لا توقِّر-دقِّق-

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )

 فكان عليه الصلاة والسلام يقدِّم كبير القوم في الكلام والسؤال، وذلك من باب التكريم وحفظ المراتب، وتنزيله الناس منازلهم، النبي الكريم قال:

((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ))

( من سنن أبي داود: عن " السيدة عائشة )

 هذه سفَّانةُ بنت حاتم الطائي حينما وقعت أسيرة، رآها النبي عليه الصلاة والسلام فوقفت وقالت: "يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك "، سألها: " من الذي غاب ؟ " قالت: " عدي بن حاتم "، فقال عليه الصلاة والسلام: "الفار من الله ورسوله ؟ "، في اليوم التالي مرَّ أمامها فوقفت وقالت: " يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد فامنن عليَّ منَّ الله عليك "، قال: " من الذي غاب ؟ "، قالت: " عدي بن حاتم "، قال: " الفار من الله ورسوله ؟ " ومشى.
 في اليوم الثالث لم تقف، فأوعز إليها أحدهم أن قفي واسأليه مرةً ثالثة، قالت: " يا رسول الله إن أبي كان من كرماء قومه، كان يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويطعم الفقير - كلمات لطيفة رقيقة - ويفك الأسير، ويحمل الكَل، ويعين على نوائب الدهر، أنا بنت حاتم طي"، فقال عليه الصلاة والسلام: " يا جارية إن هذه أخلاق المؤمنين، إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق"، فعفا عنها إكراماً لأبيها، وعفا عن قومها كلهم.
 فقالت له: " يا رسول الله أتأذن لي بالدعاء ؟ "، قال: " نعم - فاسمعوا أيها الإخوة وعوا - قالت هذه الفتاة النجيبة: " أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيمٍ حاجة، وإذا سلب نعمةً عن قومٍ جعلك ممن يعود بها إليهم - بهذا المعنى - فالنبيُّ أنزل هذه الفتاة منزلتها ـ بنت حاتم طي ـ ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( أكرموا عزيز قومٍ ذلّ، وغنياً افتقر، وعالِماً ضاع بين الجُّهال ))

 أكرموا، فإذا كنت إنسانًا لهذا منصب سابقاً، ولك مكانة سابقاً، فلا بدّ مِن تكريمك، لذلك في أحكام الزكاة أنا سأسألكم هذا السؤال: هل يجوز أن نعطي الزكاة لإنسانٍ قوي ؟ لا يجوز، لا تعطى الزكاة لا لغني، ولا لذي مِرَّةٍ قوي، إلا في حالة واحدة، إذا كان غنيًا وافتقر، هذا الإنسان لا نكلفه أن يكسب قوته بعضلاته، أنشغِّله مثلاً، حفاظاً على مكانته السابقة نعطيه ما يقيم به صلبه من مال الزكاة، هذا هو الحكم الشرعي.
 روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ:

((انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ))

 أي ليتكلَّم أكبركم.
 وفي روايةٍ لمسلم:

((لِيَبْدَأِ الأَكْبَرُ))

 وفي رواية الإمام أحمد:

((الكِبَرَ،َالكِبَر))

 وفي روايةٍ البخاري أيضا:

((كَبِّرْ، كَبِّرْ))

 يريد السن.
 وفي مسند أحمد وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ الْكَبِيرَ وَيَرْحَمْ الصَّغِيرَ وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ))

 لذلك ممّا يؤلمني أشد الألم أنْ أرى أطفالاً في الطريق يستهزئون بإنسان متقدِّم في السن، يضحكون من مشيته مثلاً، يحاكونه في حركاته، أقول: هؤلاء الصغار أليس لهم آباءٌ يهذِّبونهم، يربونهم التربية اللائقة بهذه السُنَّة النبوية المطهرة ؟.
 إذاً ذو الشيبة المسلم إكرامه من إكرام الله عزَّ وجل، فإذا أكرمت ذا الشيبة المسلم فكأنما أكرمت الله عزَّ وجل، فما الذي يمنع أحدَنا إذا وجد شيخًا سنُّه متقدِّمة، ويحمل أغراضًا، وأحدنا شاب في ريعان الشباب أنْ تعينه بحملها، ولو كنتَ لا تعرفه، هل مِن شيء يمنع ذلك ؟ وما يمنع إذا كنت راكبًا سيارتك، وإنسان كبير في السن يحمل أغراضًا أن تقول له: تفضل لأوصلك ؟.
 أذكر مرة في أحد أيام البراد القارس ـ كانت درجة الحرارة خمسًا أو ستًّا تحت الصفر ـ وجدت شابًا وزوجته إلى جانبه يحملان طفلاً صغيرًا، لكنهما خائفين عليه من البرد خوفاً واضحاً في معالم وجه الأب، لفُّوه، ويكاد يختنق هذا الصغير من شدة البرد، فأنا قلت: والله سأوصله بسيارتي إلى مكانه، كان بيته بالجادات العُليا، سبحان الله، أنا ما خطر في بالي أن هذا الإنسان من خلال هذا العمل سيلتزم الدروس كلها، طبعاً سألني أجبته، وحدَّثته عن بعض الدروس، وفي الدرس التالي التحق بنا، وصار مِن الملازمين لحضور الدروس كلها.
 إذا كان الشخصُ يقود مركبة، وهو شاب في مقتبل العمُر، ورأى شخصًا كبيرًا في السن فأكرمه، وحمل له أغراضه، فهذا من السُنة، هذا من شرع الله عزَّ وجل، لكنّ الناس في زماننا تكبروا، فتجد طفلاً جالسًا في مركبة عامة، وإنسان في التسعين يكاد يقع من اضطراب المركبة، والطفل جالس، وأبوه إلى جانبه، وكأنه لا يبصر شيئًا.

* * * * *

تكريمه صلى الله عليه وسلم أهل الفضل

 عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه أنه قال:

((البركة مع أكابركم))

 وفي روايةٍ:

((الخير مع أكابركم))

 والمعنى: كلمة أكابر أعتقد في هذا العصر لها مفهوم آخر ما أراده النبي، الأكابر الآن الأغنياء، أما الأكابر الذين ورد ذكرهم في الحديث الشريف هم أهل الفضل، أهل العلم وأهل الدين، الوجهاء، الأتقياء، الورعون، الذين يخدمون الناس، هذا معنى أكابر..

((سيد القوم خادمهم))

( من الجامع الصغير: عن " ابن عبَّاس )

 والحديث الشريف:

((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))

( من مسند أحمد: عن " عبادة بن الصامت )

 قضية توقير العلماء هذه قضية لها معنى دقيق، العلم يقدَّم بلا مقابل، فهذا الإنسان الذي يعلمك لا يريد شيئاً، لا مكافأة مادية ولا معنوية، إلا أن المودَّة تثلج صدره، والمودة تنسيه تعبه، هناك آباء أصلحهم الله أحياناً يذكر أمامه اسم معلِّم ابنه فيسبه، لا تسبَّه، هذا يعلم ابنك، والمفروض أنْ يكون عندك محترمًا، ولو أخطأ، وقسا على ابنك، فالمفروض أنْ يكون المعلم في مكان عالٍ موقَّر.

إن المعلم والطبيب كلاهما لا  ينصحان إذا هما لم يُكرما
* * *

 لكنْ قد تجد آباء عقلاء في منتهى الأدب، فأحدهم يكرم معلم ابنه، ويحترمه، أحياناً يخدمه، لأن ابنه عنده، وبعض الآباء لجهلٍ بأصول التربية إذا أخطأ المعلم خطيئة يكيلون له الصاع صاعَين، عندئذٍ ينتقم هذا المعلم من ابنهم طوال العام، إذًا ليس من الحكمة أن تُجَرِّح المعلِّم، ولا أن تصغِّره، ولا أن تؤذيه لا بلسانك ولا بفعلك.
 من ذلك التكريم إكرامُ النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس".
 الشيء الدقيق أن الله عزَّ وجل لحكمةٍ أرادها أنْ كان له عم له - طبعاً عمُّه هذا عاصر النبي - فكان عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني بسندٍ حسنٍ عن ابن عبَّاس، عن أمه أم الفضل أن العباس أتى النبي صلى الله عليه وسلَّم، فلما رآه - انظر - فلما رأى عمه العباس قام إليه وقبَّل ما بين عينيه، ثم أقعده عن يمينه، ثم قال:

((هذا عمي فمن شاء فليباهِ بعمه))

 فقال العباس:

((نعم القول يا رسول الله))

 نبيٌ يقف، ويستقبل عمه، ويقبله، ويجلسه عن يمينه ويقول:

((هذا عمي فمن شاء فليباهِ بعمه))

 وروى الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: استسقى عمر عام الرماد ـ أي عام القحط ـ بالعباس، فقال:

((اللهمَّ هذا عم نبيك نتوجَّه إليك به فاسقنا))

 فما برحوا حتى سُقوا، فخطب عمر فقال: (يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده...).
 بالمناسبة العم والد، والخالة والدة، فالذي له خالة أو له عم ينبغي أن يصلهما، وأن يوقرهما، وأن يبرهما كما لو كان هذا الإنسان أباه، أو كما لو كانت هذه الخالة أمه. فيقول سيدنا عمر: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يرى للعباس ما يرى الولد لوالده يعظمه، ويفخمه، ويبرُّ قسمه، فاقتدوا برسول الله في عمه العبَّاس، واتخذوه وسيلةً إلى الله فيما نزل بكم)، وبعض هذا الحديث في صحيح البخاري.
 وكان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يعظِّمون العباس ويكرِّمونه اتباعاً للنبي، فقد روى الحافظ بن عبد البر عن ابن شهاب أنه قال: (كان الصحابة يعرفون للعباس فضله فيقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه).
 روي أيضاً عن أبي الزناد أنه قال ـ دقِّقوا ـ: (لم يمر العباس بعمر وعثمان ـ رضي الله عنهما ـ وهما راكبان إلا نزلا عن دابتهما، حتى يجوز العباس إجلالاً له ويقولان: عمّ رسول الله).
 الدين كله أدب.
 قال: من لطائف أدب العباس ـ عم النبي صلى الله عليه وسلم ـ مع النبي، ما رواه ابن أبي عاصم عن أبي رزين والبغوي في معجمه، عن ابن عمر أنه قيل للعباس: (أأنت أكبر أم النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟ فقال: " هو أكبر مني وأنا ولدت قبله)، انظر كتاب الإصابة في هذه الرواية.
 وفي كتاب الإصابة أيضاً نقلاً عن الشعبي أنه قال: (ذهب زيد بن ثابت رضي الله عنه ليركب، فأمسك ابن عباسٍ رضي الله عنهما بالركاب ـ أي ركاب الدابة ـ فقال: تنحَّ يا ابن عم رسول الله، قال: لا، أُمِرْنا أنْ نفعل هكذا بالعلماء والكبراء).
 وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ومعه أبو بكرٍ وعمر وأبو عبيدة بن الجرَّاح في نفرٍ من أصحابه، إذ أُتي بقدحٍ فيه شرابٌ، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أبا عبيدة، فقال أبو عبيدة:

((أنت أولى مني يا نبي الله. قال: خذ. فأخذ أبو عبيدة القدح وقال قبل أن يشرب: خذ يا نبي الله، قال صلى الله عليه وسلَّم: " اشرب - قدَّمه على نفسه اللهمَّ صلِّ عليه - فإن البركة مع أكابرنا، فمن لم يرحم صغيرنا ويجل كبيرنا فليس منا))

 طبعاً أكرم النبي الكريم أبا عبيدة لأنه أمره أن يشرب قبله، وهذا ورد في الحديث الذي ذكرته قبل قليل..
 وروى أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال:

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )

 لا مغالاة ولا مجافاة، الذي يحمل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، مَن هجر القرآن، فهذا الجافي عنه، بالغ ؛ تجاوز الحد المعقول في تفسيره، وأوله تأويلاً ما أنزل الله به من سلطان، فهذا مبتدع، أما إذا لم يكن لديه غلو ولا مجافاة، فإكرام حامل القرآن من إكرام الله تعالى.
 ذات مرَّة لقيتُ رجلاً أصغر مني بكثير، لكن أعرف أنه يحفظ كتاب الله، فأوصلته وما ودَّعته إلا واقفاً، نزلت وودعته واقفاً لأنه يحمل كلام الله، فإذا كان الإنسان حافظًا يجب أن تحترمه، وإذا كان ابنك حافظَ القرآن الكريم فإيَّاك أن تضربه، وإذا كان عندك طالب في الصف يقرأ القرآن الكريم فإياك أن تهينه، من إكرام الله تعالى أن تكرمه.
 من هو الثالث ؟

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )

 أي إذا كان في (قائم مقام) أخلاقه عالية، وشريف، ويده نظيفة فاحترمه وهذا هو الصواب، إذا كان الإنسان ذو المنصب مستقيمًا، معروفًا بالعدل، نظيفًا، يخدم الناس، فإكرامه من إجلال الله عزَّ وجل، إكرام السلطان المُقسط من إجلال الله عزَّ وجل.
 ذو الشيبة المسلم ليست شيبة نشأت بالمعصية، الحديث دقيق..

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ...))

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى الأشعري )

 لكنّك أحياناً تجد شخصًا بالسبعين لا يصلي، بالسبعين مراهق، بالسبعين وللساعة الثانية ليلاً يلعب بالطاولة، بالسبعين يسافر سفرًا، والله أعلم ماذا يقصد من هذا السفر، فهذا الشخصُ ليس مقصودًا بهذا الحديث،

((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))

 وكان عليه الصلاة والسلام يُحَسِّن الأمر الحسن، ويمدح على ذلك تكريماً لمن أحسن فيه، وتنشيطاً لهمَّته، ويقبِّح الأمر القبيح ويردُّه.
 هناك أشخاص لهم طباع عجيبة، فمن حولهم مهما تفوَّقوا، مهما أبدعوا، مهما تقرَّبوا، فلا يُحسِّن حسنهم، ولا يُثني على أفعالِهم، هذا مما يسبب تثبيط همَّتهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحسِّن الحسن، فمثلاً حولك إنسان قدَّم اقتراحًا لم يخطُر في بال أحد، فتجد شخصًا يسمع فقط، فيطبقه، ويستفيد منه، من دون أنْ يتكلَّم كلمة واحدة، بينما تجد شخصًا آخر يقول له: الله يجزيك الخير، والله هذه النقطة كانت غائبة عني، فأحسَنَ اللهُ إليك، لقد أكرمتني بهذا الاقتراح، فهذا التشجيع شيءٌ جميل، إذًا فمَن قدَّم لك اقتراحًا، نصحك نصيحة، لَفَتَ نظرك إلى شيء، تفوَّق أمامك، خدمك، فاشكُرْهُ، وكرِّر الشكر، أحياناً يكون الموظف في محل تجاري بقي مع صاحب المحل ساعتين بعد الدوام، فكأنه ما عمل شيئًا، لكن لو قال له: لقد أخرناك، وجزاك الله خيرًا، خجلنا منك، فقد حصلتْ مودة، وقد ترى شخصًا مهما أبدع الناس، فالذين حوله في أعمالهم، مهما تفوقوا، مهما أتقنوا، مهما أخلصوا، مهما ضحوا لا يتكلم بكلمة ثناء عليهم، وهذا مما يثبطهم في أعمالهم، بالإضافة إلى بخسهم حقَّهم.
 إخواننا الكرام ؛ هذه نقطة مهمة في تربية الأولاد، فلو كان لابنك موقفَ أمانةٍ فاشكُرْه على أمانته، عندك موظَّف دوامه جيِّد، من حين لآخر قل له: أنا مسرور من دوامك، فيشعر الذين حولك أنك تقدر الجميل، فالنبي كان يحسِّن الحسن، ويمدح صاحبه، لا تضن بكلمةٍ ثناء، لا تضن بكلمة مدح، لا تضن بكلمة تقدير لزوجتك، لأولادك، لموظَّف عندك بالمحل، صانع صغير بعثته لحاجة فقضاها بسرعة، فقل له: ما شاء الله لم تتأخّر، أحسنتَ، والله شيء جميل، بكلمة تجده انطلق وضاعف جهوده، بينما هناك شخص مهما أحسنت، ومهما تفوقت، وبذلت، و ضحيت تجده لا ينبس بكلمة، ولا بشكر، ولا ثناء كأنك لم تفعل شيئاً.
 صحابي دخل ليلحق ركعة مع رسول الله فأحدث جلبة وضجيجًا، وشوَّش على الصحابة صلاتهم، فلما انتهى النبي من صلاته، توجَّه إليه وقال له:

((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))

( من صحيح البخاري: عن " أبي بكرة )

 وفيما يتعلَّق بإدارة البيت، فإنْ كان الأكل طيبًا، والبيت نظيفًا، الأولاد لابسين مهندمين، فقل لزوجتك: الله يعطيك العافية، والله شيء جميل، ابنك أخذ علامات جيدة فأثنِ عليه، امدحه فلا مانع، شجِّع الناس، هذه من خصائص النبوَّة، أو من شمائل النبي اللهمَّ صلِّ عليه..

((كان يحسِّن الأمر الحسن، ويمدح صاحبه تكريماً لمن أحسن))

 روى الإمام أحمد عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ:

((دَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالُوا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثِينَا عَنْ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ كَانَ سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ سَوَاءً ثُمَّ نَدِمْتُ فَقُلْتُ أَفْشَيْتُ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ فَلَمَّا دَخَلَ أَخْبَرَتْهُ فَقَالَ أَحْسَنْتِ))

 روى ابن حبان في صحيحه عن طلق بن علي الحنفي قال:

((بنيت المسجد مع رسول الله، فأخذت المسحات بمخلطة الطين فكأنه أعجبه فقال: دع الحنفي والطين فإنه أضبطكم للطين))

 رجل قدَّم لك حاجة قد صنعها بنفسه، فقل له: شيء جميل، والله متقنة، الله يعطيك العافية، القصد أنك عندما تثني على المحسن، وتقدر المتقن، وتعرف قدر التضحية التي قُدمت لك، هذا مما يشجع على فعل الخير.
 ولدينا قصة معروفة لا بأس من ذكرها، رجل من لصوص الخيل في الصحراء، وإنسان يركب فرسه فرأى الفارس فقيرًا، ينتعل رمال الصحراء المحرقة، فرقَّ له ودعاه لركوب فرسِه خلفه، ما إن تمكَّن اللص من ركوب مطية الفارس وراء صاحبها حتى دفعه وسوَّاهُ بالأرض، وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: " يا هذا لقد وهبت لك الفرس ولن أسال عنها بعد اليوم، ولكن إيَّاك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها".
 فإذا خدمك شخصٌ فاثنِ عليه، وإنْ تَفَوَّق فكافِئْه، أو قدَّم لك خدمة فاشكره، وإنْ أحسن ابنك فامدحه، حتى نشجع العمل الطيب، هذا من شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
 آخر حديث ؛ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:

((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))

 ذات مرَّة أحد الصحابة حفر قبرًا لصحابي قد توفي، ولما سوى القبر لم يسوِّهِ كما ينبغي، فقال النبي الكريم:

((إن هذا لا يؤذي الميت ولكنه يؤذي الحي))

 فلا بدّ مِنْ إتقان العمل، فكان عليه الصلاة والسلام يحسِّن الحسن ويصوبه، ويمدح صاحبه تشجيعاً له، وكان يقبِّح القبيح ويوهِّنه، وإذا عمِل شخصٌ عملاً سيئًا فلا تقل له: أحسنت، بمعنى أنه إنسان جيِّد، فهذا كلام خطير، يجب أن تقبِّح القبيح وأن توهِّنه وأن تنصح صاحبه.

والحمد لله رب العالمين