العقيدة - العقيدة من مفهوم القران والسنة - الدرس ( 21-40) : مستلزمات التوحيد -1- الإخلاص لله تعالى
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-10-12
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما علة وجودنا على وجه الأرض؟ :

أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الحادي والعشرين من دروس العقيدة، كما هو معلوم لديكم: العبادة علة وجودنا على وجه الأرض:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾

[سورة البينة الآية: 5]

واللام لام التعليل، بل إن العبادة هي غاية الطاعة مع غاية الحب، من نتائجها سعادة يتميز بها المؤمن، لو وزعت على أهل بلد لكفتهم.

من لوازم العبودية لله :

1-الإخلاص لله :

هذه العبودية ما لوازمها؟ لوازم الغني: أنه معه ثمن الحاجة التي يشتريها، لأنه غني، فإذا قال لك: أنا غني، ولا أملك درهماً, فهذا الكلام فيه تناقض, إذا كنت غنياً, فهذا يعني أنك تملك ثمن هذه الحاجة، فالحقيقة: أن العبودية لله عز وجل من لوازمها الإخلاص لله، والحقيقة: أن الإخلاص ليس نصف الدين، ولكنه الدين كله، الدليل:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾

[سورة البينة الآية: 5]

الجوارح تعبد الله، العين تغض البصر، الأذن لا تستمع إلا للحق، اليد لا تبطش إلا بالحق، الرجل لا تمشي إلا إلى خير، فالجوارح محل العبادة الظاهرة، والقلب محل العبادة الباطنة، فإذا لم تصح العبادة الباطنة حبطت العبادة الظاهرة، فهل الإخلاص هو نصف الدين أم الدين كله؟ لك ظاهر ولك باطن، عبادة الظاهر الخضوع لله، عبادة الباطن الإخلاص له.

ما فحوى هذه الآية؟ :

اليوم كنت ألقي درسًا, فذكرت تقسيمات العلوم الإسلامية، قلت: هناك علم العقيدة، ويعني علم العقيدة: الإيمان بالله, والملائكة, والكتب, والرسل، وأنه واحد، وكامل، وموجود، وله أسماء حسنى, وصفات فضلى، والإيمان باليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، علم العقيدة، الآن علوم القرآن، وتفسير القرآن ثانياً، علوم الحديث، ومتن الحديث ثالثاً، أصول الفقه، الأحكام الفقهية، السيرة، تاريخ العقيدة، علوم الآلة، لو أن هناك مليون مليونَ كتاب في العلوم الإسلامية، كلها في كفة، والتطبيق في كفة ثانية، تماماً كأن تنطق بكلمة ألف مليون دولار، فرق كبير بين أن تنطق بها، وبين أن تملكها، كالفرق تماماً بين أن تتكلم عن أمور الدين، وبين أن تطبق الدين، أن تعلم، ثم أن تعمل بما تعلم، ثم أن تدعو لما تعلم، ثم أن تخلص في تعلمك، وفي عملك، ودعوتك، أربعة أركان للدين.
هذا فحوى قوله تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

[سورة العصر الآية: 1-3]

آمنوا وعملوا الصالحات، عملوا بما علموا، وتواصوا بالحق، دعوا لما عملوا، وتواصوا بالصبر، صبروا على مجاهدة النفس والهوى كي يتحقق الإخلاص، لأن الإخلاص سر العبادة ، والإخلاص ينفع معه كثر العمل وقليله، بينما عبادة من دون إخلاص لا قيمة لها، لا إن كانت كثيرة، ولا إن كانت قليلة.

ما موضوع درسنا اليوم؟ :

الدرس اليوم عن الإخلاص، لكن من وجهة نظر نصية قطعية، قال تعالى:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

[سورة البينة الآية: 5]

وما أمروا إلا ليعبدوا الله، يخضعون له مخلصين، عبادة الظاهر الخضوع، وعبادة الباطن الإخلاص.
آية ثانية:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

[سورة الكهف الآية: 110]

هذه الآية لخصت القرآن كله.

ما قيمة العمل الصالح؟ :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[سورة الكهف الآية: 110]

قيمة هذا العمل ألا يخالطه شرك، أن تبتغي بعملك غير الله، إنسان داوم على صلاة الفجر في المسجد أربعين عاماً، وفي أحد الأيام غلبته نفسه فلم يستيقظ، فانتبه مذعوراً، وقال: ماذا يقول الناس عني هذا اليوم؟ شيء خطير, والله لولا أنه خطير لما خصصت هذا الدرس عن الإخلاص، هناك أعمال رائعة يجعلها الله هباء منثوراً، لولا أن هذا الموضوع يمس كل إنسان، ويشارك كل عمل, لما كان هذا الدرس حول الإخلاص.
لن ينال الله لحومها ولا دمائها, ولكن يناله التقوى منكم.
يناله أن يراكم مخلصين في هذه الطاعة.

من بنود هذه الآية :

﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة آل عمران الآية: 29]

إن أخفيت، أو لم تخف, فأنت مكشوف أمام الله، لا تخفى على الله خافية، فهو وحده يعلم، لك أن تقول كل شيء، وتبرر، وتعلل، وتفسر، ولكن تأكد أن كل شيء تفعله لا يخفى على الله عز وجل.

قف عند هذين الحديثين :

الحديث الصحيح المتواتر الشهير, الذي يعد أصلاً من أصول الدين، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يتزوجها, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))


[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]

حديث آخر: عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ, وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ, قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ, وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا, إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا, وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ, إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ, أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا, وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ, قَالَ: إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا, فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ, وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ, وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا, فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ, وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا, وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا, فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ, يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ, فَهُوَ بِنِيَّتِهِ, فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ, وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا, وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا, فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ, لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ, وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ, وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا, فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ, وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا, فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا, لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ, فَهُوَ بِنِيَّتِهِ, فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ))

علام يدور محور هذه الفقرة؟ :

أيها الأخوة، لو أن إنسان نوى نية طيبة، ولم يتح له أن يفعل هذا الذي نواه, كتب له عند الله هذا العمل كاملاً مكملاً، رزقه الله مالاً، لم يرزقه علماً, يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله حقاً, فهذا بأخبث المنازل، إنسان رزق مالاً، فعل به الخيرات، وإنسان آخر رزق المال, ففعل به السيئات، الذي آتاه الله علماً، ولم يؤته مالاً, قال: لو أنني أملك مالاً لفعلت كذا وكذا، فهو والذي أنفق ماله في سبيل الله سواء في الأجر، أما الرابع فعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً, فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته, فوزرهما سواء، لو معي أموال لسافرت للبلد الفلاني، وفعلت كذا، وانغمست بالملذة الفلانية, وسهرت حتى الفجر في الحانة الفلانية، لكن لا أملك, وكأنه فعل, كل هذه المعاصي.
فلذلك: من شهد معصية فأنكرها, كان كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فلم ينكرها، بل أرادها, كان كمن شهدها.

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))

هل يوجد فرق بين من هم بالسيئة فلم يعملها خوفاً من الله وبين من هم بالسيئة فلم يعملها لأنه لم يستطع؟ :

الله يضاعف الحسنات لمن هم بحسنة فعملها
إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك في كتابه، فمن همّ بحسنة فلم يعملها, كتبها الله عنده حسنة كاملة.
نيته طيبة، فإن هم بها فعملها, كتب الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها, كتبها الله عند حسنة كاملة، لكن لم يعملها، لأنه خشي الله، لا لأنه لم يستطع، فرق كبير بين من همّ بسيئة فلم يعملها خوفاً من الله، وبين من همّ بسيئة فلم يعملها، لأنه لم يستطع، ومن هم بسيئة فلم يعملها, كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هو هم بها فعملها, كتبها الله سيئة واحدة.
أيها الأخوة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((يَقُولُ اللَّهُ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً, فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا, فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا, وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي, فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً, وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا, فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً, فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]

ما هو العامل الحاسم في كل هذه الأحاديث؟ النية, ماذا تنوي؟ ماذا تريد؟.
قد يأتي إنسان إلى مسجد، يقول: أنا لي عمل، فإذا التحقت بهذا المسجد, يأتي أناس كثيرون, ليشتروا من عندي، حبط العمل، يجب أن تتجه إلى الله من دون قصد آخر:

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾

[سورة البينة الآية: 5]

حديث خطير :

حرر عملك من الشوائب واجعله خالصا لله
في حديث طويل: عن أبي هريرة َقَالَ:

((حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ, يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ, وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ, فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ, رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ, وَرَجُلٌ يَقْتَتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ, قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ, وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ, وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ, فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ, وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ, قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ, وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ, وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ, فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ, وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ, فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ, فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ, وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ, وَيَقُولُ اللَّهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ, فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ, ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي, فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ, أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

هل هناك حديث أخطر من هذا الحديث؟ صاحب أموال طائلة أنفقها في سبيل الله، وإنسان قتل في سبيل الله، والأول قرأ القرآن في سبيل الله, وهم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، هذا حديث خطير, لا يدعو على اليأس, ولكن يدعو إلى اليقظة، حرر عملك من الشوائب.

ما موقف معاوية بن أبي سفيان حينما أخبره الرجل بهذا الحديث الذي سبق ذكره؟ :

دخل رجل على معاوية بن أبي سفيان, فخبره بهذا الحديث، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا, فكيف بمن بقي من الناس؟.
-لا يوجد عنده أجهزة لهو, يسهر بعد الفجر، غارق بالملذات، لا يوجد في دخله حرام، لا يوجد مال ربا، ولا انحراف خلقي، ولا اعتداء على أموال الناس، هؤلاء أحدهم قتل في سبيل الله، والثاني قرأ القرآن، والثالث كان محسناً، لأنهم أرادوا لهذا السمعة والدنيا, كان هذا مصيرهم، في هذا الدرس وفي درس آخر كلها في الصحاح:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

[سورة النجم الآية: 3-4]

قال: فكيف بمن بقي من الناس؟ قال: فبكى معاوية بكاء شديداً, حتى ظننا أنه هالك، وكنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية، ومسح عن وجهه, وقال: صدق الله ورسوله:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[سورة هود الآية: 15-16]

ما مطلب هذه الأحاديث؟ :

الصلاة حيث لا يراك الناس تفضل صلاة العلن
لا زلنا في السنّة الصحيحة، عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ, فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ, إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ, وَكَانَ نَوْمُهُ عليه صَدَقَةً))

[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]

لأنه وضع رأسه على الوسادة، ونوى أن يصلي الليل فلم يستيقظ، غلبته عينه، كتبت له, وكأنه قام الليل.

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))

وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس, تعدل صلاته على أعين الناس خمساً وعشرين درجة))

ماذا يعلمنا هذا الحديث؟ :

أيها الأخوة الكرام, الذي تعرفونه جميعاً, حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ, فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ, فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ, فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ, إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ, وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا, فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا, فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا, فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا, فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ, وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا, فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا, حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ, فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ, فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا, لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ, كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ, فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا, فَامْتَنَعَتْ مِنِّي, حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ, فَجَاءَتْنِي, فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ, حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا, قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ, فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا, فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا, وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ, وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ, فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ, غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا, قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ, فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ, فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ, فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ, فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ, أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي, فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ, فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ, لَا تَسْتَهْزِئُ بِي, فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ, فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ, فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا, اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ, فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ, فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ, فَخَرَجُوا يَمْشُونَ))

هذا الحديث الرائع يعلمنا أنك إذا كنت في ضائقة، وفي شدة، وفي أزمة، وفي خطر, فادع الله بصالح عملك، وينبغي أن يكون لكل واحد منا عمل صالح, يبتغي به وجه الله الكريم.

اسمع قصة هذا التاجر :

لما أوشك على الهلاك مع قطيعه دعا بصالح عمله فنجاه الله
حدثني تاجر كبير من تجار الغنم, أنه ضل في الصحراء هو والغنم التي اشتراها، وكاد هو والغنم يموتون عطشاً، فصلى ركعتين، وذكر أن له عملاً صالحاً قبل سنوات، أنه كان في البادية، وجاءت امرأة تريده فدفعها، وقال: يا رب إن كنت دفعتها خوفاً منك ففرج عنا، وقد ساق الله لهم أناساً يعرفون مكان الماء، ودلوهم على الماء، وأنقذ الله حياتهم من الموت المحقق, فهذا من السنة, إذا كنت في شدة, أو ضائقة, أو محنة, أو مصيبة, أو خطر, فادع الله بصالح عملك كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها الأخوة, هذه الآيات والأحاديث، ما تكلمت إلا بآية, أو آيات, وأحاديث شريفة صحيحة، وهذا توجيه الله، وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام، والموضوع خطير، الإخلاص هو صلب الدين، بل هو الدين كله، فحينما يشك الإنسان في إخلاصه, بإمكانه أن يفعل شيئاً دون أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه، هل يستطيع الشيطان أن يأتيه, ليقول له: أنك لست مخلصاً ! الإخلاص هو لب العبادات
لو أنك صمت يوماً في سبيل الله، ولم تقل هذا لأحد، أحياناً يصوم الإنسان يوم نفل يطبق الدنيا، كلما التقى بإنسان: ألست صائم اليوم؟ يريد أن يقول لكل من يلتقي بهم: إنه صائم، نعوذ بالله من النفاق والرياء، لك أن تصوم، ولا تذكر كلمة أنك صائم، ولك أن تنفق، ولا تذكر كلمة أنك منفق، ولك أن تغض البصر, من يعلم هذه العبادة إلا الله؟.
أنت حينما تجلس في غرفتك, تفتح نافذة جارتك، وتطل من النافذة, فإذا غضضت عنها البصر, هل في الأرض كلها إنسان, يمكن أن يحاسبك, أو يعلم ماذا فعلت؟ هذا هو الإخلاص، إذا كنت في البيت في أيام رمضان الحارة، والصنبور أمامك، وليس في البيت أحد ، ولك أن تشرب وتشرب حتى ترتوي، ولا أحد يعلم، لا كبير ولا صغير، ما الذي يمنعك أن تشرب؟ خوف الله عز وجل، فكلما أكثرت من العبادات, التي تؤكد أنك مخلص, تشعر مع حين أنك مخلص، أنفق ولا تتكلم كلمة واحدة، صم ولا تتكلم، صلِّ الليل ولا تتكلم، وافعل ما تريد تقرباً لله عز وجل ولا تتكلم، ومع ذلك: فالله عز وجل يلقي في روعك أنك مخلص.

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))

واقعة :

أحد ملاك الأراضي الكبار, بلغه أنه إذا تبرع بمساحة كافية لمسجد, لا بد من أن تنظم هذه الأراضي من قبل البلديات، وإذا نظمت على محاضر, ارتفع ثمنها أضعافاً مضاعفة، فجاء هذا الإنسان، وتبرع بخمسة دونمات, لينشئ عليها مسجدًا، والناس يتحدثون عن إحسانه, وفضله, ومحبته لله، ومحبته للمساجد، وكيف أن له مقعد صدق عند مليك مقتدر؟ وكيف أن له مكانًا في الفردوس الأعلى؟ لأنه قدم لله أرضاً لتكون مسجداً، وهو حينما قدم هذه الأرض, ما خطر في باله لحظة, أن يتقرب فيها إلى الله، لكن الذي خطر في باله: أن ترتفع أسعار الأراضي التي يملكها في هذا المكان، هل تريد من الله أن يعطيه مكانًا في الجنة, لأنه أراد أن يعطيه هذه الأرض؟ عمله قيمته هذه النية، النية المادية.
لو قد مت لإنسان شرابًا سائغاً، وتعلم أن له قرحة في المعدة، وأن هذا الشراب الحامض, ربما يؤذي معدته فيتفاقم مرضه، فلما قدمت له هذا الكأس، ورحبت به، وأردت أن تكرمه في الظاهر، واشرب فهو شراب طيب، تحاسب على أنك مسيء، ولو أنك قدمت لإنسان شيئًا فأودى بحياته، وفي نيتك أن تتقرب إلى الله بخدمته، لكن أجله قد انتهى, قد ترقى عند الله بعمل لم يكن كما تتمنى، أليس كذلك؟.

خاتمة القول :

((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))

فعلينا أن نحرر نوايانا، وأن ندقق فيما نفعل، لأن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية:

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

[سورة الفجر الآية: 14]

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾

[سورة غافر الآية: 19]

والله يعلم ما تعلن وما تخفي، ويعلم سرك وما خفي عنك، فقد تخفي وقد يخفى عنك أشياء كثيرة، هو الذي يعلمها، أنت مكشوف أمام الله عز وجل، تكلم ما شئت، لكن الله سيحاسبك على نواياك.
لا بد من تحليل النية، ولابد من مراقبة الله عز وجل، وأن يكون العمل إن شاء الله خالصاً لوجه الله، والحمد لله رب العالمين.

والحمد لله رب العالمين