التربية الإسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس ( 005) :باب الزهد2 - إن صحت العقيدة صح العمل.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1989-08-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... لازلنا في باب هام من أبواب رياض الصالحين، ألا وهو فضل الزهد في الدنيا والحث على التقلل منها، والدنيا كما ذكرت لكم في الدرس الماضي، ثلث فلسفة الإسلام، لأن الفلسفة في الأصل هي تقديم تفسير دقيق لحقيقة الكون، ولحقيقة الدنيا، ولحقيقة الإنسان، فبقدر ما تملك التصوّر الصحيح، والإدراك العميق لحقيقة الكون، ولحقيقة الحياة، ولحقيقة الإنسان، تستطيع أن تتحرك التحرك الصحيح، فالتصور الصحيح يقودك إلى السلوك الصحيح، والسلوك الصحيح يقودك إلى الجنة وإلى سعادة الدنيا والآخرة. إذاً إذا صحَّت عقيدة المرء صح عمله، فسعد بهذا العمل الصالح، وإذا فسدت، فسد عمله، فشقي بهذا العمل الفاسد، فالقضية واضحة كالشمس.
 النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة صحيحة، يصف الدنيا، والدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام رأس كل خطيئة، والدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى مَن لا عقل له
 ولقد ذكرت لكم في الدرس الماضي كيف أن العلم يضيء لنا حقيقة الشيء، لو أن الإنسان وجد في أرضٍ في حفرةٌ وفيها أكمة، فيها أفعى وفيها طير، فيها ثمرة وفيها حَنْظَلة، فيها شجرة وفيها شوك، فيها وحشٌ مفترس، وفيها حملٌ وديع، فيها مياه صافية، وفيها مياه آسنة، فيها أشياء من كل شيء نوعان، نوع نافع ونوع ضار، فإذا كانت هذه الأرض يلفها الظلام الدامس، وأنت وسط هذا الظلام لا تدري ماذا تفعل، حيثما تحركت تقع في خطأ، حيثما تقدَّمت تقع في مطل، حيثما تناولت، قد يكون هذا الشيء ضاراً، فجأة أضيئت لك هذه الأرض، رأيت الحفرة فاجتنبتها، رأيت السهل فسرت فيه، رأيت الجبل فتجنَّبته، رأيت الفاكهة فأكلتها، رأيت الشيء المُر فتركته، رأيت العقرب فقتلتها، رأيت السمكة فشويتها، رأيت الماء الآسن فتجنبته، رأيت الماء العذب فشربته، إذاً العلم كشف، طبعاً هذا الكشف لا يكون إلا من عند الله، والدليل:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)﴾

( سورة الشعراء )

 من درس الجمعة، الذي خلقني فهو يهدي، أي الخالق وحده، الصانع وحده، هو وحده الذي يمكن أن يهديك سواء السبيل، لذلك أي هدىً يأتيك عن غير الله فهو ضلالٌ بشكلٍ قطعي. يبدو أن العلوم الحديثة تكشف بعض الحقائق، لكن لو جئنا بمصباح صغير، وأضأنا مسافة لا تزيد عن سنتيمتر مربع، أو مساحة لا تزيد عن ديسيمتر مرب، بالنسبة إلى حقل كبير فيه كل شيء، هذه الإضاءة ماذا تفعل ؟ أنت بحاجة إلى فكر شمولي، إلى عقيدة شاملة، تٌجْمِل لك الكون كله، والحياة كلها، والإنسان كله، أما إذا اكتفيت بعلم متخصص بحقل معين، هذا العلم قد ينفعك في دنياك، ولكن أنت بحاجة إلى شمول في العقيدة، إلى علم يشمل كل شيء.
 فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة حدَّثنا عن حقيقة الدنيا ونحن في الدنيا، نحن في الدنيا نتحرَّك، فإذا جاء التحرُّك وفق الهدف فهي السعادة، وإذا جاء التحرك على عكس الهدف، كطالب في عام دراسي، حركته اليومية إذا كانت باتجاه دراسته ومطالعته، وتذكر دروسه وكتابة وظائفه، ويرتاح ليدرس، ويأكل ليتنشَّط، إذا كان عمله هكذا، فتأتي حركته اليومية مطابقة لهدفه، يشعر بالطمأنينة، يشعر بحالة اسمها الإنجاز، فإذا أمضى وقته بشكل سخيف، إذا استهلك وقته استهلاكاً رخيصاً يشعر بقلق عميق.
 فالإنسان إذا تحرك باتجاه الهدف الذي خلقه الله له يشعر بطمأنينة، فإذا تحرك حركة مناقضةً لما أعدَّه الله له يشعر بقلق، وهذا معنى قول بعضهم: الإسلام دين الفطرة. أي لا ترتاح هذه النفس إلا إذا سارت في الاتجاه الصحيح الذي رسمه الله لها، ولا تشقى هذه النفس إلا إذا ابتعدت عن الهدف الذي رسمه الله لها، فالقضية قضية مصيرية، قضية سعادةٍ أو شقاء، قضية حياة أو موت، قضية مصير أبدي، قضية جنة إلى الأبد، أو نارٍ إلى الأبد، قضية توازن، قضية تماسك، قضية راحة، فالذي يبتغي السعادة، ولا أظن أن أحداً على وجه الأرض لا يبتغي السلامة والسعادة، فالإنسان فطر على حب البقاء، وعلى سلامة البقاء، وعلى كمال البقاء، وعلى الاستمرار في البقاء، أو خلود البقاء، وهذا كله لا يتحقق إلا إذا عرفت الله عز وجل.
هذا التمهيد تحدثنا عنه في الدرس الماضي بشكل مفصل، وقد أوجزته ليكون أيضاً تمهيداً لبعض الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، يقول عليه الصلاة والسلام: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ))

 لبيد أحد الشعراء الذين كانوا في الجاهلية، وأدركوا الإسلام، فالشاعر الذي يدرك الجاهلية والإسلام اسمه شاعرٌ مُخَضْرَم، قال عليه الصلاة والسلام: " أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد "
ماذا قال هذا الشاعر ؟ قال: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل.. البيت تتمَّته:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل  وكل نعيم لا محالة زائل
* * *

  لأن نعيم أهل الجنة لا يزول، النبي أعرض عن ذكر الشطر الثاني، قال:

(( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ))

 ما معنى باطل ؟ كلمة نفهمها جميعاً فهماً ضبابياً، ولكن إذا دققنا فيها: " ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل " الباطل الشيء الزائل، فلو تعلَّقت بزوجةٍ تعلقاً شديداً، ومن أجلها عصيت ربك، فهذه الزوجة لابد من أن تتركها شئت أم أبيت، أو لابد من أن تترك، يأتي الموت فيخطفها، أو يأتي الموت فيأخذ زوجها، إذاً الفراق لابد من أن يقع، هذا شيء باطل، لو تعلقت بالمال ؛ تأتي ساعةٌ لا ينفع مال ولا بنون، لو تعلقت بالجاه ؛ تأتي ساعة يزاح الإنسان عن هذا المنصب، لو تعلقت بالطعام والشراب ؛ تأتي ساعة لا تستطيع أن تأكل شيئاً، لو تعلقت لو تعلقت، كل شيء ما خلا الله باطل، لو تعلقت بالله عز وجل، لو التفت إليه، لو أقبلت عليه، لو أخلصت له، هذا كله يستمر، هذا كله زادك في الدار الآخرة، إذاً:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل  وكل نعيم لا محالة زائل
* * *

 الشاعر لبيد يقصد نعيم أهل الدنيا، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لأنه يعلم علم اليقين أن نعيم أهل الجنة لا يزول..

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾

( سورة الأحزاب: من آية " " )

﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)﴾

( سورة الحجر )

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً (13)﴾

(سورة الإنسان )

 إنك لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، ولا تظمأ فيها ولا تضحى، فهذا النعيم المقيم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: وكل نعيم لا محالة زائل، ألا كل شيء ما خلا الله باطل فهنا في نقطة مهمة جداً: أن الحقيقة الأولى في الكون هي الله عز وجل، فأي شيءٍ يقربك إليه، أو يزيدك تعريفاً به، أو يحملك على طاعته، فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه، أو يحملك على معصيته، أو يبعدك عن معرفته فهو باطل، فلذلك القرآن الكريم لما ربنا عز وجل قال:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 يا ترى أنواع الحديد القرآن ذكرها ؟ لا لم يذكرها، ذكر بعض الحيوانات، ولكن لم يذكر حيوانات أخرى، ذكر بعض الفواكه ولكن لم يذكر فواكه أخرى، فالإنسان يحتار، كيف قال الله عز وجل:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 في عندنا مليون نوع من السمك قال:

﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾

( سورة النحل: من آية " 14 " )

 ما تكلَّم عن أنواع السمك، لم يتكلَّم عن أنواع الطيور، لم يتكلم عن أنواع المعادن، لم يتكلم عن الذرة بشكل تفصيلي، لم يتكلم عن النيترون، والبروتون، لم يتكلم عن القنابل الحديثة، فكيف الله قال:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 الحقيقة أن القرآن ليس كتاب فيزياء، ولا كيمياء، ولا رياضيات، ولا كتاب تشريح، ولا طبيعة، بل كتاب هداية، فأي شيءٍ يؤثِّر في علاقتك بالله تأثيراً إيجابياً أو سلبياً ذكره القرآن، فالحقيقة الأولى والأخيرة، الحقيقة الوحيدة هي الله عز وجل، فأي شيءٍ يؤثر في معرفتك بالله تأثيراً إيجابياً أو سلبياً، أي شيءٍ يقربك من الله، أو أي شيءٍ يبعدك عنه، أو أي شيءٍ يحملك على طاعته، أو يحملك على معصيته، ذكره الله تعالى..

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 يقربك من الله عز وجل، فموضوع النظرة إلى النساء، فهذه لها علاقةٌ بالاتصال بالله عز وجل، موضوع كسب المال له علاقة بالاتصال بالله عز وجل، موضوع إنفاق المال له علاقة بالاتصال بالله عز وجل، موضوع العلاقة الأسرية له علاقةٌ بالاتصال بالله عز وجل، علاقتك بزوجتك، بأولادك، بزبائنك، بمرءوسيك، علاقتك بصحتك، علاقتك بنفسك، علاقتك بربك، فأيَّة علاقةٍ القرآن تحدَّث عن أسباب إيجابيتها وعن أسباب سلبيتها، فلذلك هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 فأهم ما في المدرسة أن تؤدي الامتحان بنجاح، أهم شيءٍ في المدرسة، فلذلك أي شيءٍ يحملك على الدراسة الصحيحة ذُكِر، أي شيء يبعدك عنها ذكر، ولكن نوع الخشب في المقعد لم يذكروه، بالنظام الداخلي، ولم يتحدث عنه الأستاذ، هذا شيء خاص بالنجار، أنت عليك أن تجلس على مقعد، أما موضوع نوع الخشب وكيف صنع هذا شيء لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة للطالب، هذا معنى:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 حتى إذا واحد قال لك: هذه الله لم يذكرها، وهذه لم تُذْكَر، من أجل أن تعرف كيف تجيبه، هذا كتاب هداية، هذا كتاب يحدد علاقة الإنسان بربه، فأي شيء في حياته اليومية متعلِّق بهذه العلاقة، يزيدها أو يضعفها، ذكره الله عز وجل..

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 38 " )

 يؤكد هذا قول الله عز وجل:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

( سورة المائدة: من آية " 3 " )

 معنى ( أكملت لكم دينكم ): الكمال متعلِّقٌ بالنوعية، والتمام متعلقٌ بالكمية، لو أنك أعطيت إنسان عشر ليرات ذهبية، تقول له: بالتمام والكمال، ما معنى بالتمام والكمال، أي عشرة كاملة، عشرة، أما بالكمال ليرات جديدة، حروفها حادة، هذا الكمال، أما التمام عشرة، فلما ربنا عز وجل قال:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾

 أي أن أي موضوع طرقه القرآن الكريم عالجه معالجةً واسعةً شاملةً كاملة، أما الموضوعات التي طرقها القرآن الكريم فهي موضوعات تامَّة تغطي كل حاجات الإنسان، فالموضوعات التي عرضها القرآن الكريم من حيث العدد، ومن حيث النوع تامةٌ وكاملة، تامة للعدد، وكاملة للنوع..

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾

 لذلك قال بعض علماء الأصول: إن أية قضية يواجهها الإنسان في حياته، لابد من أن يكون لها تشريعاً مستنبطاً من كتاب الله بشكل قطعيٍ أو ظني، يعني أية قضية تواجه الناس لابد من أن يكون لها أصل في القرآن الكريم، وإذا لم نهتد بهذا الأصل فهذا تقصير من العلماء المجتهدين.
 إذاً، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ))

 لذلك إذا ذكرت الله فأنت الرابح، وإذا ذكرت سواه فأنت الخاسر، إذا أحببت الله فأنت الرابح، إذا أحببت غير الله فأنت الخاسر، لأن الله باقٍ، وأن ما سواه باطل أي زائل، الحق هو الشيء الثابت والهادف، والباطل هو الشيء الطارئ والزائل، الطارئ والزائل، والثابت والهادف، الزائل والعابث، من معاني الباطل، سابقاً في موضوع قبل سنوات طرقته من معاني الحق، أنه شيء ثابت، لقول الله عز وجل:

﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾

( سورة الأحقاف: من آية " 3 " )

 لكن في آية ثانية قال:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾

(سورة الأنبياء )

 صار الحق عكس اللعب، وفي آية ثالثة:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

( سورة المؤمنون: من آية " 115 " )

 والعبث أيضاً عكس الشيء الجاد، فصار الحق الشيء الثابت والهادف، والباطل الشيء الزائل والعابث، العبث هو عمل لا جدوى منه، وهو موقت، زائل، فالآن صار معنى أي تعلقٍ بالحق فهو تعلق ثابت ودائم، وأي تعلق بالباطل ؛ إن كان نظرية، وإن كان شخص مبطل، وإن كان بدعة، أي شيء باطل على مستوى الأفكار، على مستوى السلوك على مستوى الأعمال، هذا الذي يفرِّق الحق عن الباطل، إذاً

(("أصدق كلمة قالها شاعر كلمة: لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل ))

 في ضوء هذا الحديث الشريف ممكن أن تمتحن عملك أثناء النهار، أنت الآن تبيع وتشتري، تبيع وتشتري لتكسب رزقك، وهذا شيء جميل، إذاً هذا العمل عبادة، لكن هل وفَّرت له الشرط ؟ هل تبتغي بكسب هذا الرزق أن تتقرب إلى الله بهذا المال، وأن تصون عرضك، كما قال أبو ذر:

(( حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي ))

هذا أول شرط.
 هل تفعل هذا العمل وفق الشرع الشريف، فهل هناك علاقات ربوية، في مخالفات في الشراء أو في المبيع ؟ الشيء الثالث ؟ هل تبتغي نفع المسلمين ؟ الشيء الرابع هي يصرفك هذا العمل عن طاعةٍ، عن مجلس علم، عن مجلس ذكر، عن أداء صلاة ؟ فيجب أن تكون هذه الشروط متوافرة، حتى يصبح عملك عبادة تؤجر عليها.
 الآن، جلست مع أهل بيتك، هل في هذا الجلوس معصية ؟ إذا كان هناك حديث عن الله، أو استماع لما تقول تطييباً لخاطرها، أو توجيه لأطفالك ؟ الجلوس في البيت أيضاً عبادة ولكن يحتاج توجيه صحيح، وإدخال الأنس على قلب الأهل، على قلوب الأولاد، وعلى قلب الزوجة، هذا كذلك عمل صالح.
 الآن، أنت تشتري بها ثياب جميلة، تبتغي بها ماذا ؟ تبتغي بها أن تظهر بمظهر مقبولاً عند الناس، أنت مسلم تمثل هذا الدين الصحيح، إذاً شراء الملابس بنية أن يكون لك مظهر مقبول هذا عبادة أيضاً، فأي حركة وأي سكنة إذا ابتغيت بها وجه الله فهي عبادة، فالأصل أن تعرف الله، وأن تعرف لماذا أنت هنا في الدنيا، عندئذٍ يصبح عملك كله عبادة خالصة لوجه الله عز وجل.
* * * * *
حديث آخر متعلق بالدنيا:
 عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ))

 أي لو أن ذئبين جائعين أدخلا على قطيع غنم، هذان الذئبان أكلا من هذا الغنم ما طاب لهما الأكل، قتلا هذه الغنمة، وأكلا جزءً من هذه الغنمة، أي أفسدا هذا القطيع إفساداً لا حدود له، النبي عليه الصلاة والسلام شبَّه كيف أن الحرص على المال والحرص على الشرف، أي الجاه، الحرص على المال والحرص على الجاه، كيف أن هذين الشيئين يفسدان الدين كما يفسد الذئب إذا أرسل في قطيع الغنم. فأحياناً الإنسان بدافع من حرصه على المال يتواني عن أداء فريضة الزكاة، حرصه على المال حمله عن ترك الزكاة، وترك الزكاة يسوق إلى إتلاف المال، لذلك هذه المصادرات، وهذه الفيضانات، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ))

( من الجامع الصغير: عن " عمر " )

 فصار الحرص على المال مرض والله سبحانه وتعالى يقول: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون "
 يوق شح، فالشح مرض، فالحرص على المال مريض خطير، يفسد الدين، قد يتاح لك أعمال صالحة كثيرة، خوفك من أن تنفق المال يحجمك عن هذه الأعمال الصالحة، لا يوجد عمل صالح، إذاً لا يوجد إقبال، إذاً ما في سعادة، يصبح الدين معلومات، ثقافات، مشاعر، عواطف، يقول لك: فلان ألقى خطبة ناجحة، والله قرأت مقالة رائعة، واكتشفوا حقيقة علمية جديدة، عبارة تعاطف فكري مع المسلمين، من دون أن يكون هناك سعادة حقيقة، إذا ما في بذل، ما في إقبال، ما في سعادة، الحرص على المال يبعدك عن العمل الصالح، يبعدك عن أداء فرض الزكاة، يبعدك عن العمل الصالح، لذلك الحرص على المال يفسد الدين كما يفسد الذئب إذا أرسل في قطيع الغنم، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ))

 فأحياناً مكانته الاجتماعية، وحرصه على شيء يخيَّل له، يمنعه من حضور مجالس العلم، أحياناً تماديه في الباطل ولئلا يقال تراجع، وأعلن عن خطئه، يدفعه إلى أن يركب رأسه وتأخذه العزة في الإثم، حرصه على مكانته، لأنه قال كذا لا يتراجع، لأنه هدد ابنه أن يفعل معه كذا وكذا، إن هو لم يظهر امرأته على إخوته، لا يتراجع، يأتيه عالم يقنعه أن هذا لا يجوز، يقول: لا، هذا الذي تأخذه العزة بالإثم، هذا الذي يتوهَّم أن مكانته الاجتماعية تهتز إذا رجع إلى الحق، هذا يفسد دينه وهو لا يشعر.
 لذلك، سيدنا عمر كان وقَّافاً عند كتاب الله، كان يخطب، فذكَّرته امرأة بآية متعلقة بالمهر، فقال عمر رضي الله عنه على رؤوس الأشهاد: " أصابت امرأة وأخطأ عمر " وما تضعضعت مكانته أبداً، ومرة أحدهم قال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، فحدَّق فيهم واحداً واحداً وكاد يأكلهم بنظراته، إلى أن قال أحدهم:
ـ لا والله لقد رأينا مَن هو خيراً منك هو.
ـ قال: ومَن هو ؟
ـ قالوا: أبو بكر.
ـ فقال رضي الله عنه: كذبتم جميعاً وصدق. وعد سكوتهم كذباً.
ـ وقال: كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وكنت أنا أضل من بعيري.
 ما منعته مكانته، ذات مرة وهو يخطب، قال: " يا ابن الخطاب كنت ترعى الغنم على قراريط لأبناء خالتك ". فما علاقة هذا الكلام بالخطبة ؟ خطبة رائعة، هو أمير المؤمنين، فسأله أحد أصحابه فقال له:
ـ يا أمير المؤمنين لمَ قلت هذا الكلام ؟ ماذا تعني به ؟
 ـ فقال له: حدثتني نفسي وأنا أخطب الناس أنه أنت أمير المؤمنين، وليس بينك وبين الله أحد ـ أنت أعلى واحد ـ وأنت وأنت، فأردت أن أعرفها قدرها أمام الناس.
 والواحد لا يقول: أنا لي جاه، جاهك اجعله عند الله، فإذا في كان خطأ تراجع، التراجع فضيلة، كان وقَّافاً عند كتاب الله، النبي عليه الصلاة والسلام، كان يسأل فيسكت إلى أن يأتي الوحي، لهذا قال الله عنه:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

( سورة النجم )

 فأنت أيضاً لو سئلت قل: لا أعرف، كلمة لا أعرف وسام شرف، نصف العلم لا أدري، تجد بعضهم لازم يحكي، لازم يجيب عن أي مسألة، فلذلك تراه يهرف بما لا يعرف، كلما تكلم كلام يلقي قنابل بدلاً من أن يلقي كلمات، لأنه يخبص، فقل: لا أعرف. هذا أسلم لك، ولمكانتك، ولدينك، ولمسئوليتك أمام الله عز وجل، إما أن تكون متأكداً، وإما أن تقول: لا أعلم، ونصف العلم لا أدري، لذلك من صفات العالم المتواضع، يقول سيدنا الشافعي: " كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي " وربنا عز وجل قال:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

( سورة الإسراء )

 هذا العالم الشاب الذي جاءه رجل يريد أن يحجِّمه أمام تلاميذه فقال له:
ـ يا هذا هذا الكلام ما سمعنا به.
ـ قال له: أو حصَّلت العلم كله ؟
ـ قال له: لا.
ـ قال له: ماذا حصَّلت منه ؟
ـ قال له: شطره.
ـ فقال له: هذا الكلام الذي قلته من الشطر الذي لا تعرفه. النصف الثاني هذا، لا تعرفه
 لا يوجد إنسان لم يحط بالعلم كله، فلذلك التواضع من صفات العالم، فهذا الجاه خطير جداً، له مكانة، تكلم كلمة خطأ لا يتراجع عنها، هذا أفسد دينك، فسَّرت آية خطأ لا يتراجع، هذا الشيء يتلف دينك، لذلك:

(( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ))

 أي ما شيئان يفسدان دين الإنسان كأن يحرص على المال وعلى الشرف، هنا الشرف بمعنى على جاهه، على سمعته، فأحياناً يكون الأب من عادته أن يكون عنده اختلاط بالبيت، يكون عند ابن شاب ذكي الله يكرمه بمجلس العلم، بابا هذه الجلسة لا تجوز، فيعنفه، يبهدله، أحضر له آية، آية صريحة، جاب له حديث شريف، جاب له قول عالم شهير، جاب له كتاب، وقال له: تفضل، فلا يتراجع، لأنه لا يغلط، الشعور أن الأب لا يغلط وهذا ابنه يعلمه ؟! هذا شعور مرضي، هذا الجاه، يتراجع أمام ابنه، يعترف لابنه بالخطأ، يا ابني الله يرضى عليك والله نبَّهتني، الله يجزيك الخير يا بني، والله لازم أتراجع، حدثني شخص طبيب له صهر مقيم بدولة من دول الخليج، فجاء في الصيف لزيارة الأهل، فقال لي: في سهرة من السهرات، أخبره أنه يضع ماله في البنوك بفائدة ربوية في الخليج، فقال له: هذه العملية فيها مخالفة للشرع، فيها مخالفة، لا ما فيها مخالفة، ما الدليل ؟ الآية، الحديث، تفسير الآية، الكتاب، ظل النقاش حامياً إلى الساعة الثانية عشر ليلاً، يبدو أن هذا الشخص المقيم في دول الخليج حوصر بالحجة، وجاء بالدليل القطعة، الآية، الحديث، تفسير الآية، فقال له: لازم أنا أخبر وأسحب أموالي من هذه الشركة، يقولون: أنه خبر أول يوم صباحاً فلم يتم الاتصال، مساءاً أخبر، لم يتمكن، ثاني يوم صباحاً، ثاني يوم مساءً، ثالث يوم صباحاً، ثالث يوم مساءً، ست محاولات، قال: ماذا حصل، بعد شهر أسحب أموالي، أقام شهر بالشام وسافر للبلد الخليجي، استقبله بالمطار شريكه قال له: الشركة أفلست، له فيها مليون دينار، فانهارت أعصابه ووقع مغمياً عليه، فيقول له: قم ما نفد غيرك، قال له كيف؟ قال له: رأيتك في المنام، قبل شهر تقول لي: بع أسهمي برأس مالها، ما صدَّقت، رأيتك مرة ثانية، ما صدقت، رأيتك مرة ثالثة في نفس الليلة، على الثالثة خشيت أن يكون هذا المنام حق، فذهبت وبعت لك هذه الأسهم برأس مالها، فلم ينج غيرك من هذه، الله رب النوايا، هذا الشخص نوى وهو في الشام أن يسحب أمواله من هذه الشركة، فالله عز وجل تولى أن يُعْلِم شريكه أن يبيع هذه الأسهم برأس مالها، فلما عرضت، قبل إعلان الإفلاس بأسبوع أو بأسبوعين، لم يكن ريحة إفلاس فبيعت رأساً برأس مالها ونجى، لما يتراجع الإنسان، فهذا الشخص تراجع، لما قال له: الآية والحديث القطعي والنقلي وتفسير الآية، أن هذا العمل فيه عملية ربا، فتراجع، فعندما تراجع فالله عز وجل تولى حفظ ماله، فالله رب النوايا.
 أحياناً الإنسان مكانته الاجتماعية تمنعه من الحق، أحياناً يكون الذي يعلم الناس أقل منه بالسن، هذه ليست لها علاقة، خذ الحكمة ولا يهمك من أي مكان خرجت، ولو يكون أصغر منك بالسن، خليه يكون أقل منك رتبة اجتماعية، أنت مدير عام شركة، وعندك موظف، والله عز وجل فتح عليه، تعلم منه، إذا كان الله غالي عليك، تعلم من الناس كلهم، فأحياناً المكانة الاجتماعية خطرة، تمنعك من الحق، تمنعك أن تعترف بالحق، تمنعك من أن تنصاع للحق، هذه مكانةٌ اجتماعية مرضية، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها ـ للغنم ـ من حرص المرء على المال والشرف لدينه))

 أي أن أعظم شيء يفسد الدين أن تحرص على المال، هذا المال عارية مستردة، جعله الله بين يديك كي تصون عرضك، وكي تتقرَّب إلى ربك، فإذا جمَّعته، وكنزْته، وحرصت عليه، وخبأته للأيام السوداء، تأتي هذه الأيام قبل أوانها، تأتي وقد لا تكفي هذه الأموال لهذه الأيام السوداء، ولكن إذا أنفقته في سبيل الله، وأرضيت الله عز وجل، أغلب الظن أن الأيام القادمة كلها بيضاء وليست سوداء، لأن الله عز وجل شاكر عليم، يشكر لك صنيعك، وربنا عز وجل قال:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

( سورة التوبة : من آية " 103 " )

 إذاً معنى الشرف هنا الحرص على المكانة الاجتماعية، فلا يتراجع، قال كلمة ولا يتراجع، أن يأبى الإنسان أن يتعلم ممن هو دونه في السن، أو دونه في القدر، أو دونه في المرتبة الاجتماعية، هذا شيء خطير، وهذه العلة أحياناً تصيب الآباء، هو الأب لم يتعلم، ألف عادات وتقاليد غير صحيحة، غير إسلامية، له ابن الله أكرمه بالعلم، يا بابا هذه هكذا جوابها، الآية هكذا تقول، إطلاق البصر حرام، هذه الطريقة في البيع حرام، سعرين حرام، حسم السند حرام، زيادة الثمن حرام، كتمان العيب بالبيع حرام، فيرد الأب عيه: أنت ستعلمني ؟! فسكت الابن، هذا الشرف، أب يتعلم من ابنه !! أما المؤمن يتعلم، يقول له: يا بني جزاك الله عني كل خير، الله يكرمك كما أكرمتني بهذا العلم، خذني معك إلى هذا الجامع لأتعلم، يا ترى هذا الشيء شرف، والنبي علمنا اللهم صلي وسلم عليه التواضع، قال:

(( تواضعوا لمن تعلمون منه وتواضعوا لمن تعلمونه "))

( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

 أي إذا كان جاءك شخص أكبر منك بالسن احترمه احترام بالغ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنزلوا الناس منازلهم ))

 وقره، اجعله يشعر أنه معزز مكرم، هذا المؤمن، العلم في أحياناً منزلقات خطيرة، يصير فيه تجبر أحياناً، إذا واحد سأل سؤال، فيصير في سخرية، أو: لا تعرف الجواب إلى الآن، لا يعرف الجواب، لو كان يعرف لما كان قدم إليك، أنا في لي كلمة أعدها شعار في التعامل مع الناس: ليس العار أن تكون جاهلاً، ولكن العار أن تبقى جاهلاً. اسأل ما بدا لك، وإذا أنت كنت معلم ناجح، إياك أن تسخر من سؤال، ولو كان سخيفاً، ولو كان بديهياً، إنك إن سخرت من سؤال سخيف حطَّمت السائل وأربكته، وألجمته، وحملته على أن يسكت طوال حياته، ولكن لو كان السؤال واضح، أو سؤال بديهي، أو سؤال سخيف، فبشكل جاد وبشكل أديب قل له الجواب.
 فكما أن الإنسان مأمور ما يمنعه جاهه عن أن يتعلم، أيضاً العالم مأمور لا يستخدم سلطانه العلمي في تصغير الناس وفي تحجيمهم، لا، هو سأل وأنت أجب بأدبٍ جم، كما سألك بأدب جم، أجبه بأدب جم، لذلك الحديث الشريف:

(( تواضعوا لمن تعلمون منه وتواضعوا لمن تعلمونه ))

( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

 فهذا الذي يتعلم منك له فضل عليك، كيف ؟ لو لا ما أحب يسمع لك، لا يوجد عندك أحد، وثق من علمك، وطرق بابك، وأحب أن يسألك، فمعنى ذلك أنه يعرف قدرك، فله فضل عليه، هكذا انظر، هذا الذي جاءك يسأل، لولا أنه واثق من علمك ما سألك، فيشكر على هذه الثقة، سألك لك بالذات، معناها واثق من علمك وورعك، فلولا أنه سألك ما كسبت أنت الأجر، هو كان سبب أن تكسب الأجر، إذا هذا الجاه لا يمنع الإنسان يتعلم، المتكلم أصغر مني، المتكلم من أسرة أقل مني، المتكلم معه شهادة أقل مني، أنا أحمل دكتوراه، هو معه ليسانس أو ماجستير، أنا مختص بهذا الفرع الفلاني، هو غير مختص، أنا أغنى منه، أنا أقوى منه، أنا رتبتي أعلى منه، هذا كله كلام فارغ، العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، ورتبة العلم أعلى الرتب، والحقيقة الله عز وجل قال:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

( سورة المائدة: من آية " 2 " )

 لم يقل تسلَّطوا على الناس، تعاونوا، انظر التعاون البر والتقوى، البر صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، الله عز وجل وجههنا نتعاون، وليس نترأَّس على بعضنا، أنت واحد من الناس، دخل عليه فأصابته رعدة قال:

(( ما أنا إلا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ))

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " جرير " )

 هذا حجمي، هكذا قال النبي، وذات مرة كان جالساً مع مسكين، فمر عليهما رجل قال من أنتما ؟ قال:

(( مسكين يجلس بين مساكين ))

( من شرح الجامع الصغير )

 هكذا تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، كان بنزهة فقال: وعلي جمع الحطب، واحد منهم قال: وعلي ذبحها، والثاني علي سلخها، قال:

(( وعلي جمع الحطب ))

 كان بمعركة كل ثلاثة على راحلة، قال:

(( وأنا وعلي وفلان على راحلة، جاء دوره في المشي، قيل له: ابق راكباً، قال: لا، ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))

 طلعت مع إخوانك لمشوار، يجب أن يكون لك دور مثلهم، تدفع مثلهم، إذا كنت حولك كم أخ توجههم، عامل حالك واحد منهم، هكذا قال سيدنا عمر، قال: " أريد أميراً إن كان أميراً على قوم بدا وكأنهم واحد منهم ـ لتواضعه ـ وإن لم يكن أمير عليهم، بدا وكأنه أميرهم ـ لحرصه عليهم ـ " ما هو بأمير عليهم، بدا وكأنه أمير بدافع الحرص والرحمة والمحبة، الآن هو أمير وبدا وكأنه واحدً منهم.
 هذه الدعوة إلى الله شيء مقدس، لا تتحمل نفوس، ما فيها ست نفوس، ما فيها أنا أعلى من فلان، ما فيها شعور بالاستعلاء أبداً، بل شعور بالخدمة، شعور بالتواضع، فكلما كان علمك أعمق ينعكس هذا على أخلاقك، وأنت لا تقدر تجذب الناس بالكلام المنطقي فقط، لكن بالتواضع، باللطف، بخدمتهم، بالعطف عليهم، بأن تعيش مشكلتهم، بأن تكون واحداً منهم، بأن تحس بما يحسون، بأن تغضب لما يغضبون، بأن تُسَر لما يسرهم، يجب أن ترتاح لراحتهم، أن تسعد لسعادتهم، وأن تتألم لألمهم، إذا ما في مشاركة وجدانية صعب تعاونهم، لذلك:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

( سورة المائدة: من آية " 2 " )

 تعاونوا، فإذا عز أخوك فهن أنت، تعاون معه، فهذا الذي عنده طموح لله عز وجل الدعوة لها أخلاق، الله عز وجل ذكر ببعض الآيات بعض الصفات، قال:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا﴾

( سورة السجدة: من آية " 24 " )

 الإنسان يمتحن أحياناً، يمتحن بالفقر، يمتحن بالمرض، يمتحن بمشكلة اجتماعية، يمتحن بمشكلة نفسية، فإذا كان امتحن وبالامتحان رسب، فهذا ليس أهلاً أن يدعو إلى الله عز وجل، يرسب..

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾

( سورة البقرة: من آية " 124 " )

 متى قال

((: إني جاعلك للناس إماماً ))

 حينما ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن، هذه علامة ثانية
 العلامة الثالثة قال:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾

( سورة يس )

 لا يريد شيئاً ؛ لا أبيض، ولا أصفر، ولا ورق، ولا شيء معنوي، ولا شيء أدبي، لا يريد شيئاً، علامة إخلاص الدعوة أن يترفع الداعي عن كل مطلب مادي، هذه علامة ثالثة.

بعد ذلك الله عز وجل قال:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 39 " )

 هذا الإخلاص لله عز وجل، في مجموعة آيات بهذا المعنى..

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 18 " )

 أن تقوم بالقسط.
 في توجيه آخر يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

(سورة يوسف: من آية " 108 " )

 يجب أن تكون الدعوة على بصيرة، ويجب أن تكون هناك جرأة في ألا تأخذك في الله لومة لائم، ويجب أن تترفع عن كل مكسب من هذه الدعوة، ويجب أن تمتحن فتنجح في الامتحان، وأن تصبر على حكم الله عز وجل، فهذه بعض الصفات التي يجب توافرها، فلما الإنسان تأخذه العزة في الإثم هذا ليس أهلاً أن يتعلم شيئاً، العلم يحتاج إلى تواضع، من المتعلِّم ومن المعَلِّم، تواضع لمن تعلِّم، وتواضع لمن تتعلَّم منه، إذاً:

(( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ))

) رواه الترمذي )

 فالحرص على المال عقبة كؤود، والحرص على الجاه عقبة كؤود في طلب العلم، وعقبة كؤود في طريق الإيمان، وآفة كبيرة في الدين، هذان الحديثان نكتفي بهما في هذا الدرس الحديث الأول:

(( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل ))


 والحديث الثاني:

(( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ))

* * * * *
 الآن في عندنا فقرة قصيرة من السيرة، كل مرة أتمنى أن تكون فقرة السيرة طويلة، لكن الاسترسال في شرح الحديث يأكل شيئاً من وقت السيرة.
 كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يوحى إليه، والوحي أصل الدين، فهذا الدين الحنيف، هذا الشرع الشريف، هذا القرآن الكريم، هذا الحديث الشريف، هذا كله وحيٌ من عند الله عز وجل، في عندنا وحي متلو هو القرآن الكريم، وفي عندنا غير متلو هو الحديث الشريف لقول الله عز وجل:

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

( سورة النجم )

 المشكلة أن الوحي له تعريف دقيق، الأجانب أعداء الدين، المستشرقون فسروا الوحي تفسير بعيد عن حقيقته، قالوا: الوحي حديث نفسي، تأملات، خلوات طويلة قام بها النبي عليه الصلاة والسلام، هذه التأملات، وهذه الخلوات أوصلته إلى أن يرى طريقاً لإنقاذ أمته العربية مما هي فيه. هذا تفسير لبعض العلماء الغرب.
 هناك تفسير آخر: أن الوحي عملية إشراق نفسي، أي ساعة من ساعات التألق النفسي، ساعة من ساعات الإشراق الروحي، فكان هذا الدين من إبداع النبي عليه الصلاة والسلام. طبعاً هذا كلام باطل.
وهناك عالم له تفسير لا يليق بنا أن نذكره إطلاقاً: أنه هذه حالات من الصرع تصيب النبي عليه الصلاة والسلام.
 ولكن التعريف الدقيق للوحي: أنه حقيقةٌ خارجة عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام، لا يملك جذبها ولا ردَّها، حقيقة خارجة عن كيان النبي، لو قلنا أن الوحي تأمل نفسي، ضمن كيانه، لو قلنا أن الوحي إشراق روحي، ضمن كيانه، لكن الوحي حقيقة خارجة عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك جذبها إليه ولا دفعها عنه، تمثَّلت في إخبارٍ عن الله عز وجل بواسطة جبريل، فالدين كله إخبار عن الله، وليس قضية أرضية، وليس من البشر، ليس الدين تراثاً، القضية سماوية من عند الله عز وجل، إخباراً عن الله.
 لذلك في ضوء هذا التعريف نفهم لماذا ضم جبريل النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث ضمَّات أجهدته، حينما قال له: اقرأ، قال: لست بقارئ، قال: اقرأ. قال: لست بقارئ، قال: اقرأ. هذه الضمَّات الثلاث لتؤكد أن هذا الوحي جاءه وهو يقظ وليس في النوم، كأن الله عز وجل يعلم ما سيكون، سيأتي أناس يصفون الوحي بأنه حالة رؤيا في المنام، هذه الضمَّات الثلاث التي ضمَّها سيدنا جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام تؤكِّد أنه كان في اليقظة، كان في أتم حالات اليقظة، هذه واحدة. وتؤكد أيضاً أن الذي خاطبه كان مستقلاً عنه، ليس حديث داخلي، ليس إشراق روحي، الذي خاطبه كان مستقلاً عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا الاضطراب والرعب الذي أصاب النبي عليه الصلاة والسلام يؤكد أيضاً أن الوحي حقيقة خارجة عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام، وانقطاع الوحي ثلاث سنوات، يؤكد أن الوحي حقيقةٌ خارجةٌ عن كيان النبي ؛ انقطاع الوحي..

﴿وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)﴾

( سورة الضحى )

 لماذا انقطع الوحي ؟ بعضهم قال ثلاث سنوات، وبعضهم قال ستة أشهر، على كلٍ هناك انقطاع، انقطاع الوحي يؤكد أن النبي لا يملك جذبه ولا دفعه، هذه فكرة مهمة جداً، كان في أتم حالات اليقظة، والذي يخاطبه كان مستقل عنه، ورعبه واضطرابه صلى الله عليه وسلم يؤكد أن هذا الوحي شيء خارج عنه، وانقطاع الوحي أيضاً يؤكد أن الوحي لا يملك النبي جذبه ولا دفعه، هذا الذي حصل في بداية الوحي له دلالات خطيرة جداً، هذا الذي حصل يؤكِّد تعريف الوحي أنه حقيقة وليس وهم، خيال، رؤيا، منام، إشراق، تأمل، لا، بل حقيقة خارجة عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك جذبها ولا دفعها، تمثلت في إخبار عن الله عن طريق سيدنا جبريل عليه السلام.
 أدق ما في الموضوع: أن انقطاع الوحي يؤكد أن الوحي شيء خارج عن كيان النبي، الاضطراب الذي أصاب النبي الله عز وجل قادر أن يلقي على قلب النبي السكينة والهدوء، ولكن هذا الاضطراب يؤكِّد أن هذا الوحي شيء خارج عن كيان النبي، وليس قضية وهم، ولا تخيل، ولا حلم، ولا تأمل، ولا إشراق، ولا حديث النفس، ولا تصور، هذا الذي يزعمه الأجانب، لا، فالوحي حقيقة صارخة خارجة عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك جذبها، ما الدليل ؟ انقطاع الوحي، انقطع ثلاثة سنوات أو ستة أشهر، لا يملك جذبها ولا دفعها، تمثَّلت في إخبارٍ عن الله عز وجل عن طريق سيدنا جبريل.
 الآن، الوحي شيء والحديث شيء، فهناك تمايز واضح بين القرآن والحديث، الحديث الشريف له أسلوب، والقرآن له أسلوب، لذلك القرآن وحيٌ متلو معنىً ولفظاً، والسنة وحي غير متلو، معنىً فقط، بينما اللفظ من عند النبي عليه الصلاة والسلام، فتمييز القرآن عن الوحي شيء يؤكد أن الوحي خارج عن كيان النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً يسأل فلا يجيب، متى يجيب ؟ بعد أن يأتي الوحي، يسألونه عن شيء، فلا يجيب، إلى أن يأتي الوحي بالجواب..

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾

( سورة البقرة: من آية " 189 " )

 عن ماذا ينفقون ؟ قل العفو. في آيات كثيرة بهذا المعنى، الشيء الآخر النبي عليه الصلاة والسلام كان يتصرف باتجاه، ويأتي الوحي ليوجِّهه في اتجاهٍ آخر، هذا يؤكد أن الوحي خارجٌ عنه..

﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾

( سورة التوبة : من آية " 43 " )

 تصرف كامل ولكن باتجاه، والوحي جاء باتجاه آخر، فإذاً الوحي شيء خارج عنه، لو كان الوحي من عنده لما كان في هذه الآيات، آيات التوجيه المغاير.
 شيء آخر: النبي كان أمي، ومعنى أنه أمي، أن الله سبحانه وتعالى أن الله سبحانه وتعالى منعه عن كل ثقافة عصره، ليكون كلامه كله وحي من عند الله عز وجل، لو أنه اطَّلع على ثقافة عصره واستوعبها ثم تكلم، الأمر صار مختلط، ولقيل له: يا رسول الله هذه من عندك، من ثقافتك، من دراستك، من اطلاعك، أم من عند الله ؟ لا..

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)﴾

( سورة العنكبوت )

 من عظمة النبي عليه الصلاة والسلام أنه أمي، فكل هذا الذي تكلم به من عند الله.
 شيء آخر: أنه كان يسمى بالصادق الأمين، فما كان لهذا النبي العظيم أن يدع الكذب عن الخلق ويكذب على الله عز وجل، إذاً كل هذه الأدلة تؤكد أن الوحي شيء مستقل عن رسول الله، فإخبار السماء للأرض، شيء خارجي، وليس شيئاً جاء من عند النبي، جاء إليه من السماء ولم ينبع من كيان النبي، لأن القرآن أساسه الوحي، والسنة أساسها الوحي، ديننا كله مبني على الوحي، أي إلقاء السماء إلى الأرض، إخبار السماء للأرض، في شيء آخر: ثقافة النبي واطلاعه لا تسمح له بالحديث عن سيدنا موسى، وعن سيدنا يوسف، وعن سيدنا آدم، وعن سيدنا إبراهيم، هذه القصص التي جاءت في القرآن والتي أخبر بها القرآن هذه ما عرفها النبي..

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)﴾

( سورة العنكبوت )

﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 44 " )

 أنت لم تكن معهم، ففي آيات كثيرة... ما كنت لديهم، ما كنت بجانب الطور إذ أوحينا إلى موسى، فهذه كلها أخبار من عند الله عز وجل، فالمسلم يجب أن يكون متمكن من عقيدته، لو أن إنسان ضال مضل، أراد أن يلقي في نفسه الشُبَه، فيقول له: أخي هذا الوحي عملية حديث نفسي متراكم، فالنبي تصور أن هذا المنهج أو أن هذا الدين يصلح أمته العربية، الوحي إشراق، حالة من حالات الإشراق، الوحي تصور، لا، لا، فالوحي شيء خارج عن كيان رسول الله جاءه من السماء، لذلك كلام العباقرة، والمصلحين، والفلاسفة، والمفكرين شيء، وكلام الأنبياء شيء آخر، كلام الأنبياء نقلوه عن الله جل وعلا بمنتهى الأمانة، أما كلام المصلحين كلام من عند أنفسهم، يصيبون أو يخطئون، لذلك الوحي قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، حق محض، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم فكلامه كله حق، فهذا أيضاً يبث في نفس المؤمن الطمأنينة، فالوحي شيء مهم جداً، وشيء بني عليه الدين كله.

والحمد لله رب العالمين