التفسير المختصر - سورة فصلت (41) - الدرس (9-10) : تفسير الآية 44
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-01-02
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والأربعون من سورة فصّلت، وهي قوله تعالى :

﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

[سورة فصلت]

 هذه الآية دقيقة جدًّا في التعريف بِخَصائص القرآن، فالقرآن بِلِسانٍ عربيٍّ مبين، ولكن له خصيصة، هذه الخصيصة أنَّك إن لم تكن قريبًا من الله لا تفْهَمُ معانيه التي أرادها، فإذا كنتَ بعيدًا عن الله تعالى، فَهِمْتَهُ فهْمًا مَعْكوسًا.
شيءٌ دقيق جدًّا، فأيُّ نصٍّ آخر تجد له معنى تأخذهُ من ظاهره، ولكنّ كتاب الله عز وجل، إما أن يكون هُدًى وشِفاءً، وإما أن يكون عمى على الذين في قلوبهم مرض، فالكتاب نفسه والسورة نفسها، والآية نفسها والحكمة نفسها في كتاب الله ؛ تكون على إنسانٍ عَمًى، وعلى آخر هُدًى وشِفا ! العلَّة كما قال تعالى :

﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

[سورة فصلت]

 فالمعنى أنَّ الإنسان إذا كان من الله تعالى قريبًا نودِيَ للقرآن مِن مكانٍ قريب فَفَهِمَ المُراد، أما إن كان مِن مكانٍ بعيد نودِيَ من مكانٍ بعيد ففَهِمَ عكْس المُراد وفَهِمَ فهْمًا معْكوسًا، لذلك ورد في آية أخرى، قوله تعالى:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[سورة الإسراء]

 الشِّفاء عِلاج، والرَّحمة عَطاء، والشِّفاء تطهير والرحمة تَعطير، والشِّفاء تَخْلِيَة، والرحمة تَحْلِيَة، فالقرآن في أدَقِّ تعاريفِهِ هُدًى وشِفاء، فالذي معه مرض العُجْب والحَّيْرة، ويقرأ القرآن فَيُجيبُهُ القرآن عن كلّ سؤال ويحلّ له كلّ مشكلة فِكْريَّة ونفْسِيَّة، ثمَّ إنّ الإنسان إذا قرأ القرآن واتَّصَل بالواحِدِ الدَّيان اصطَبَغَ بِصِبْغة الله عز وجل فَبَعْدَ أن تطهَّر تعطَّر وبعد أن تخلَّى تحلَّى، وبعد أن شَفِيَ من أمراضِهِ استحلَّى بالكمالات الإنسان، فالقرآن هو هو، وآياتُهُ هي هي، تكون هُدًى وشِفاءً، وتكون عمًى.
الآن هناك علاقة ترابُطِيَّة، إن كنتَ بعيدًا لا تفْهم لاقرآن، وإن لم تكن تفهم القرآن فأنت حتْمًا بعيد ! مرَّةً ثانية، كما قال تعالى:

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً﴾

[سورة فصلت]

 بلُغَة فارسِيَّة لقالوا هذه ليْسَت لُغتنا قال تعالى:

﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ﴾

[سورة فصلت]

 وكان الجواب أيضًا يُقال: كيف اسْتفاد منه آخرون وتطهّروا به، وتحلَّت نُفوسهم وصَفَتْ، أَيُعْقل أن يكون شيءٌ واحد هُدًى وشِفاء من الله تعالى، وعمًى في الوقت نفسِهِ ؟! فالذي بعُدَ يكون عليه عمًى، فالذي لا يرى معانيه يُنادَى من مكانٍ بعيد، وهناك بِعَالم الزِّراعة ما يؤكِّد هذه الحقيقة، أنت بِعتَ ألف بذرة لِعَشرة مزارع، مُزارع أنبَتَتْ له هذه البذور ثمارًا يانعة، وآخر لم تُنبِت له ولا شيء، فإذا كان البِذْر واحِد، ففَلاَّح جنى مَحصولاً، وآخر جنى الكثير، فهل العلَّة في البذرة أم الفلاح ؟! في المزارع، فإهماله للبذرة وعدم الاعتِناء بها، فالفِكرة نفسُها قرآن واحد بِلِسان عربيٍّ مبين يقرؤُهُ أُناس فتطْهر قلوبهم، وتزكو نفوسهم، وتسعد أرواحهم، وأُناسٌ آخرون يفهمونه فهْمًا آخر ما أراده الله، فنقول العِلَّة لا في القرآن ولا في الذي أنزل القرآن، ولكن في الذي يتلقَّى القرآن فهذا الأخير إذا كان عاصِيًا للرحمن لا يفْهمُهُ على نَحْوٍ صحيح، يُؤيِّد هذا المعنى آية التالية.
يقول الله تعالى:

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)﴾

[سورة الواقعة]

 الدِّقة البالغة في صِياغة الآية، لو قال: لا يمْسَسْهُ، إذا كان الله ينْهانا عن أنْ نمسَّ المصْحف إلا ونحن متوضئون يجب أن تكون بِحَسَب قواعِد اللُّغة لا يمْسَسْهُ، فالمضارع المُضَعَّف الآخر، وسبقَهُ حرف جزم يجب أن يُفكَّ التَّضعيف، تقول: يمسّ، لم يمْسَس، ويجرّ، لم يجْرر، ويشدّ لم يشْدُد فأيُّ فعْل مُضعَّف الآخر إن سبقه حرف جازِم يجب أن يفكّ التَّضعيف، أما إن سبقَهُ حرف نفْي فالتَّضعيف لا يُفَكّ، لأنَّ حرف النفي لا يعْمل عملاً نَحوِيًّا في الفعل، فإذا الفعل سبقه نهي يُجْزم، وإن سبقه نفي لا يُجْزم أما الآية يمسُّه، فاللام هنا نافية وليْسَت ناهِيَة، أي لا يستطيع أحدٌ متوضِّأ أو غير متوضأ أن يمسَّ معاني هذا الكتاب إن لم يكن قريبًا من الله تعالى فصار عندنا ثلاثة آيات ؛ قال تعالى:

﴿َأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

[سورة فصلت]

 فَشِدَّة قربِكَ من اله أحد أسباب فهْمك لِكلام الله، وبُعد الإنسان عن الله أحد أسباب انعكاس فهمه لكتاب الله، والآية الثانية:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[ سورة الإسراء ]

والثالثة قوله تعالى:

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)﴾

 الحديث الذي يؤكِّد كلامنا هذا قَوْل الصحابة الكرام: أوتينا الإيمان قبل أن نؤتى القرآن ! فأنت إذا عرفت الله من خلال خلقه، وحمَلْتَ نفْسَكَ على طاعتِهِ، وثمَّ قرأت القرآن تفْهمه على نحو راقٍ جدًّا، صدِّقوني أيُّها الإخوة وهذا كلام بيني وبينكم، الإنسان حينما يضْبط سُلوكه، وحينما يُحَرّر دَخلهُ وحينما يُقيم الإسلام في بيتِهِ، ويتَّجِهُ إلى الله تعالى مُخْلِصًا ؛ إذا قرأ القرآن يتفتَّق ذِهنُهُ عن معانٍ في هذا الكتاب، فمُلخَّص الآية:

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

[سورة فصلت]

 فالعِلَّة فيهم وليس في الكتاب، والوقر هو حبُّ الدنيا وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ * ))

[ رواه أبو داود ]

 وحبُّ الدنيا رأس كل خطيئة.
إذا رأيت فهْم الذين هم بعيدين عن كلام الله تعْجب أعْجَب العَجَب، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)﴾

[ سورة آل عمران ]

 فيفْهم أخونا أنَّك إن أكلت الربا غير أضعاف مُضاعفة جائِز ! ويقول لك:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾

[ سورة الصافات ]

 ولكن هذه الآية لها سياق، قال تعالى قبلها:

﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95)﴾

[ سورة الصافات ]

 فأنت اقرأ ما قبل الآية ثمَّ تكلَّم ؛ أي خلقكم وهذه الحجارة التي من الله لذلك الإنسان البعيد عن الله يفْهم الكلام مَعكوسًا ما أراده الله عز وجل يذكرون كلامَ حقٍّ أريد به باطل، وهذا الكتاب الكريم له خاصَّة، وهي أنَّ ليس كلّ من يقرؤُهُ يفْهمُهُ على النحو الذي أراده الله، فلِذلك الله عز وجل إما أن تعْرفه، وإما تعرف أمره، وإما أن تعرف خلْقه، فَمِن أجل أن تعرف أمرَهُ وخلقهُ تحتاج إلى دماغ فقط ! أما إذا أردت أن تعرفه سبحانه، فلا يمكن أن تعرفَهُ إلا إذا كنتَ مستقيمًا على أمر الله، لذا هناك معركة مُدارسة، ومعركة مشاهدة، فالمشاهدة جاهِدْ تُشاهِد، فإن أردْت أن تعرف الله فجاهِد نفْسَها وهواها، وإن أردْت أن تعرف أمره أو خلقه فاعْكِف على كتاب واقرأْهُ
والحمد لله رب العالمين