التفسير المختصر - سورة الزخرف (43) - الدرس (03-10) : تفسير الآيتان 31 - 32
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-01-22
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والثلاثون، والآية الثانية والثلاثون من سورة الزخرف، وهي قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)﴾

[ سورة الزخرف ]

 يبْدو من هذه الآية أنّ هناك مقاييس للتَّفوُّق عند أهل الدنيا، ولعلّ من هذه المقاييس الغِنى، ولعلّ من هذه المقاييس القوَّة فالعظيم عندهم هو القويّ والعظيم عندهم هو الغنيّ، والعظيم عندهم هو الذي له أثرٌ قويّ، يقول الله عز وجل ناقلاً لنا عمَّا يقوله هؤلاء، كيف يُنَزِّل الله هذه الرِّسالة على إنسانٍ يتيم ؟ كأنَّ اليُتْم والفقْر يُقَلِّلان من قيمة الإنسان ! المشكلة الدقيقة في هذه الآية أنَّ للبشر مقاييس، ولِرَبِّ البشر مقاييس فإذا كنتَ على مقاييس ربِّ البشر مُتَفَوِّقًا فأنت الفائز، أما إذن كنتَ على مقاييس البشر مُتَفَوِّقًا فهذا التَّفَوُّق ينتهي عند الموت، فالتَّفوُّق الذي على مقاييس رب البشر يبدأ بعد الموت، ومن هنا قال الله عز وجل:

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[ سورة الواقعة ]

 فالذي كان بمقياس البشر عظيماً و كان مسيئاً و منحرفًا و كان عاصيا صار في الآخرة إلى أسفل سافلين، و الذي كان بمقياس الله عاليا متفوِّقا على الرغم من أنه كان في الدنيا ضعيفَ الشأن في الظِّل و التعتيم صار يوم القيامة في أعلى علِّيِّين، فالبطولةُ أن تكون عظيما على مقاييس مَن ؟ على مقاييس البشر لا قيمة لها، يقول عليه الصلاة و السلام: رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين...." هؤلاء العظماء في مقياس البشر يقول الله عنهم يوم القيامة:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)﴾

[ سورة الكهف ]

 هؤلاء العظماء في مقياس البشر يقول الله عنهم:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

[ سورة الفرقان ]

 العظيم عند البشر هو الغنيُّ، والعظيم عند البشر هو القوي، ولكنَّ العظيم عند الله تعالى هو القويّ والوليّ، والمُطيعُ والمُحِبّ، والمخلص، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[ سورة الزخرف ]

 هل هم آلهة حتَّى يقسمون رحمة الله تعالى ؟ قال تعالى:

﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32﴾

[ سورة الزخرف ]

 هناك طبيب، وهنا مُمَرِّض، وهناك معلِّم ثانوي، وهناك أستاذ في الجامعة، وهناك مُجَنَّد، وهناك رئيس أركان، وبائع مُتَجَوِّل، ورئيس غرفة تِجارة، فالدنيا مراتب، أهُم يقسِمون رحمة ربِّك ؟ فَحَتَّى مراتب الدنيا بِمِقياس البشر هي بقِسمة الله عز وجل ؛ نحن الذين قَسَمناها بينهم فهذا الذي قُسِمَت منزلتهُ في الدنيا أهُوَ الذي سيَحْكم على هذا النبي ؟ قال تعالى:

﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32﴾

[ سورة الزخرف ]

 السُّخريَة هنا ليْسَت من السّخريَة، ولكن مِن السُّخْرة، أيْ لولا أنَّ إنسانًا مُعيَّنًا بِمَلكات مُعيَّنَة ما قبلَ عملاً، يُروَى أنّ ملِكًا كان يجوب ممْلكَتَهُ فدَخَل إلى بستانٍ، فرأى حِصانًا يدور على بئر، وقد عصب البستانيّ عَيْنيه ووضَع الخنجر في عنقه، فقال هذا الملك للبستاني: لِمَ عصَبتَ عَينَيه؟ فقال البستاني لأن لا يُصاب بالدُّوار، ولما وضَعت ذاك في عنقِه ؟ فقال: كي إذا وقف أعرف أنَّه وقف، فكَّر الملِك وقال: فإذا وقف وهزَّ رأسَهُ فقال: وهل له عقلٌ كَعَقلِك ؟! أحيانًا بعض الإخوة التُّجار يريدُ نم هذا الصانِع المبتدئ أن يكون في فهْمِهِ وذكائِهِ وحِكمتهِ ! لو كان يا أخي في فهمِكَ وذكائِك وحِكمتكَ ما قبِلَ أن يعمل عندك، ولَعَملتَ عنده أنت !! فهناك من له وسامة،وهناك من له ذكاء، وهناك من له حِدَّة في الذكاء، وآخر ذاكرة قوِيَّة، وإنسانٌ مهاراته حركِيَّة، وآخر مهاراتُه عَقليَّة، فهناك تنوّع وليس معنى هذا أنّ الأقلّ هو الأقلّ عند الله تعالى ! أبدًا قال تعالى: ليتَّخِذ بعضهم بعضًا سخريًّا.." كي تنتظِم الحياة، ولو أنَّ الناس جميعًا في مستوى عَقْليٍّ واحِدٍ ما خدم أحدٌ آخر، فالمرأة لو كانت بِعَقل الرَّجل لما رضِيَت أن تكون له زوْجة ! لكن طبيعتها وعَقْليَّتُها، ونفْسِيَّتها، وبُنيتُها مُهيَّأة لِتَكون زوجة ؛ تطبخ وتخدم وتكْنس، وتحبّ زوجها وأولادها، وتتفانى في خِدمتهم، فهذه الآية دقيقة جدًّا، قال تعالى:

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾

[ سورة الزخرف ]

 أيْ أَهُم يُعَلِّمون الله كيف يُوَزِّع النبوَّة على عباده، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)﴾

[ سورة الزخرف ]

 فمرتبتهم في الحياة الدنيا هي مِن تقدير الله عز وجل، ويتنطَّعون لِيُملوا على الله عز وجل على مَن يُنْزِلُ رسالته، فهذه مراتب الدنيا من تقدير الله تعالى، فكيف مراتب الآخرة ؟!
لكنَّ الله سبحانه وتعالى في آيةٍ دقيقة دقيقة يقول:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[ سورة الزخرف ]

 فالذين تركوا ألف مليون وماتوا، وهناك واحد بأمريكا لِشَركة مايكروسوفت يملك ثلاثة وعشرون مليار دولار، ولكنَّه سيموت، ورحمة ربِّك خير مما يجمعون، فمهما جمعت من أموال الدنيا ؛ هذه تبقى في الدنيا، وتنقلب إلى الله عز وجل صِفر اليدين إلا مِن عملٍ صالحٍ، إذًا الدنيا لها مراتب والآخرة لها مراتب، فمراتب الآخرة بِحَسب طاعة الله والإخلاص له، والتوحيد، والحبّ له تعالى، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ(55)﴾

[ سورة القمر ]

 أما مراتب الدنيا فَقِوامها المال والقوَّة، والوسامة والذَّكاء، والنسَّب والحسب، والشَّكل والهندام، والبيت والزوجة متاع الحياة الدنيا، فهم يعترضون على الله عز وجل لما أرسلَ هذا الإنسان اليتيم الفقير !! فها أنتم لا تملكون مراتب الدنيا، وهي مقدَّرةٌ عليكم فكيف تتنطَّعون للبحث عن مراتب الآخرة، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[ سورة الزخرف ]

 قرأتُ مرَّةً كتابا عن قِصص العرب، بعد أن نْهَيْتُهُ وجَدْتُ أنَّ القويّ مات والضَّعيف مات، والذكِيّ مات، والأحمق مات، والغني مات، والفقير مات، والوسيم مات، والذميم مات والصحيح مات، والمريض مات كلُّهم إلى الموت، وكلّ مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلى ذو العزَّة والجبروت قال الشاعر:

الليل مهما طال فلا  بدّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال ف لابدّ من نزول القبر
وكا ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوما على آلة حدباء محمول
فإذا حملتَ إلى القبور جنــازةً  فاعلَم بأنَّك بعدها مَحمـول

 فشِعار المؤمن، قوله تعالى:

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[ سورة الزخرف ]

 فالدنيا زائلة، والعِبرة أن يكون لك عند الله رصيد كبير، والعبرة أن تكون في ظلّ الله تعالى، والعبرة أن تكون في رعاية الله، والعاقبة للمتقين، والأمور تدور وتدور ولا تستقيم إلا على إكرام التقيّ، وإهلاك البغيّ.
والحمد لله رب العالمين