ندوات إذاعية - إذاعة دمشق - صور من حياة التابعين - الدرس 25 : التابعي محمد بن واسع الأزدي
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12-15
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الإخوة و الأخوات السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، أهلاً بكم و مرحباً مع بداية هذه الحلقة الجديدة و المتجددة من صور من حياة الصحابة و التابعين، يسعدنا أن نتابع الحديث مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق و خطيب جامع النابلسي بدمشق، دكتور السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
فضيلة الشيخ كنا أمس قد تكلمنا عن سيدنا التابعي محمد بن واسع الأزدي، و قد حديثاً جميلاً و رائعاً فيه من المزايا الحلوة و الرائعة التي تضفي ألقاً و جمالاً حول هذه الشخصية الإسلامية البديعة، كيف لنا أن نكمل الحديث و لنا متابعة كما وعدنا الإخوة المستمعين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، و لما، و لما وضعت المعارك أوزارها قال يزيد بن المهلب لخازنه: أحصِ لنا الغنائم حتى نعطي كل ذي حق حقه، فحاول الخازن و من معه أن يحصوها فعجزوا عن ذلك، فقسمت الغنائم بين الجند قسمة قائمة على التسامح، و قد وجد المسلمون في هذه الغنائم تاجاً مصوغاً من خالص الذهب، محلى بالدر و الجوهر، مزخرفاً بروائع النقوش، فتطاولت نحوه الرقاب و تسمرت على لآلئه العيون، فأخذه يزيد بيده و رفعه حتى يراه من لم يستطيع رؤيته من الجند ثم قال: أترون أنَّ أحداً يزهد في هذا التاج ؟ فقالوا: أصلح الله الأمير و من ذا الذي يزهد به، فقال: سترون أنه مازال في أمة محمد صلى الله عليه و سلم من يزهد به، و بملء الأرض من مثله، ثم التفت إلى حاجبه و قال التمس لنا محمد بن واسع الأزدي صاحب هذا اللقاء، فانطلق الحاجب يبحث عنه في كل جهة فألفاه قد انتحى مكاناً قصياً عن الناس و انتصب قائماً يتوسل و يدعو و يبتهل و يستغفر فأقبل عليه و قال: إن الأمير يدعوك للقائه و يسألك أن تمضي إليه الساعة، فمضى مع الحاجب حتى إذا صار عند الأمير حيَّ و جلس قريباً منه، فرد الأمير التحية بأحسن منها، ثم رفع التاج بيده و قال: يا أبا عبد الله إن جند المسلمين قد ظفروا بهذا التاج الثمين و قد رأيت أن أؤثرك به و أن أجعله من نصيبك، فطابت نفوس الجند بذلك، فقال تجعله من نصيبي أنا أيها الأمير مستفهماً ؟ قال: نعم من نصيبك أنت، فقال: لا حاجة لي به أيها الأمير و جزيت و إياهم عنا كل خير، فقال: أقسمت عليك بالله لتأخذنه، فلما وقع قسم الأمير أخذ محمد بن واسع التاج ثم استأذنه و انصرف، فقال بعض الذين لا يعرفون الشيخ: ها هو ذا قد استأثر بالتاج و مضى به، فأمر يزيد غلاماً من غلمانه أن يتبعه مستخفياً عنه و أن ينظر ماذا يصنع بالتاج، و أن يأتيه بالخبر، فتبعه الغلام و هو لا يدري، و مضى محمد بن واسع في طريقه و التاج في يده فعرض له رجل أشعث أغبر زري الهيئة فسأله قائلاً من مال الله، فنظر الشيخ عن يمينه و عن شماله، و من خلفه، فلما استيقن أن أحداً لا يراه دفع بالتاج إلى هذا السائل ثم انطلق فرحاً جزلاً كأنما ألقى عن كاهله عبئاً كاد يثقل ظهره، و أمسك الغلام بيد السائل و أتى به الأمير و قصّ عليه خبره، فأخذ الأمير التاج من السائل و عوض عليه بمال وفير حتى أرضاه ثم التفت إلى الجند و قال أما قلت لكم إنه مازال في أمة محمد عليه الصلاة و السلام من يزهد بهذا التاج و أمثاله.
 أستاذ جمال كان من أبرز من اتصل بهم محمد بن و اسع الأزدي والي البصرة بلال بن أبي بردة، و كان له مع هذا الوالي مواقف متداولة مشهورة و أخبار مروية مأثورة، من ذلك أنه دخل عليه ذات يوم و هو لابس مدرعة، و المدرعة جبة مشقوقة المقدم و جمعها مدارع دخل  عليه و هو لابس مدرعة خشنة من الصوف فقال له بلال الوالي: ما يدعوك إلى لبس هذا الكساء الخشن يا أبا عبد الله ؟ فتشاغل عنه الشيخ و لم يجبه، فنظر إليه و قال: ما لك لا تجيبني يا أبا عبد الله ؟ فقال أكره أن أقول جهداً فأزكي نفسي، و أكره أن أقول فقراً فأشكو ربي و أنا لا أريد هذا و لا ذاك، فقال له: ألك من حاجة فنقضيها يا أبا عبد الله ؟ فقال: أما أنا فمالي من حاجة أسألها أحداً من الناس.
دكتور هذا الكلام الجميل لسيدنا محمد بن واسع الأزدي يعطينا أن المؤمن ممكن أن يكون متوازناً، أي أن يكون معتدلاً، أن يكون وسطياً أموره.
 أستاذ جمال يروى أن أحد خلفاء المسلمين و لعله هارون الرشيد كان يحج بيت الله الحرام و هو في الحرم التقى بعالم جليل أراد أن يتقرب إلى الله بخدمته، قال: سلني حاجتك ؟ فقال هذا العالم الجليل: و الله إني لأستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، فلقيه خارج الحرم فقال: سلني حاجتك ؟ قال: و الله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ قال: ما حاجتك، قال: أريد دخول الجنة و النجاة من النار، قال: هذا ليس لي، قال: إذاً ليس لي عندك حاجة يقول عليه الصلاة و السلام:

(( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))

 و يقول أيضاً:

(( عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ))


[ الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]

 و قال أيضاً:

((من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

فعزة النفس من صفات المؤمن:
اجعل لربك كل عزك يستقر و يثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
إذاً نتابع حول سيدنا محمد بن واسع الأزدي هذا التابعي الجليل.
 قال له الوالي: ألك من حاجة فنقضيها يا أبا عبد الله ؟ فقال: أما أنا فمالي من حاجة أسألها أحداً من الناس، و إنما أتيتك في حاجة لأخي المسلم، فإن أذن الله في قضائها قضيتها و كنت محموداً، و إن لم يأذن في قضائها لم تقضها و كنت معذوراً، فقال: بل نقضيها بإذن الله ثم التفت إليه الوالي و قال: ما تقول في القضاء و القدر يا أبا عبد الله ؟ فقال: أيها الأمير إن الله عز وجل لا يسأل عباده يوم القيامة عن القضاء و القدر و إنما يسألهم عن أعمالهم، أي الصحابة الكرام و التابعون وضعوا أيديهم على جوهر الدين، أي كما قال عليه الصلاة و السلام:

(( سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، أحمد ]

 أعرابي أو راع للغنم لقيه عبد الله بن عمر قال: بعني هذه الشاة ؟ قال: ليست لي قال: خذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: خذ ثمنها، قال: و الله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها و لو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإن عنده صادق أمين و لكن أين الله ؟ أنا أعلق على هذا أنّ هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين، و قد يأتي إنسان و يحفظ و يدرس و ينال الشهادات و ليس مستقيماً على أمره، لم يضع يده على جوهر الدين، و قد قيل: كفاك علماً أن تخشى الله، و كفاك جهلاً أن تعصيه، فقال: ما تقول في القضاء و القدر يا أبا عبد الله ؟ فقال أيها الأمير إن الله عز وجل لا يسأل عباده يوم القيامة عن القضاء و القدر و إنما يسألهم عن أعمالهم، فاستحيا منه الوالي و لاذ بالصمت، و فيما هو جالس عنده حان موعد غدائه، فدعاه الوالي إلى طعامه فأبى ذلك، ألح عليه فجعل يتعلل بشتى العلل، فغضب الوالي و قال: أراك تكره أن تصيب شيئاً من طعامنا يا أبا عبد الله ؟ فقال: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين، فوالله إن خياركم معشر الأمراء لأحب إلينا من أبنائنا و خاصة أهلينا، و لقد دعي محمد بن واسع الأزدي لتولي منصب القضاء أكثر من مرة فأبى أشد الإباء و عرض نفسه بسبب إبائه للإيذاء، من ذلك أن محمد بن المنذر صاحب شرطة البصرة دعاه إليه و قال: إن أمير العراق طلب مني أن أدعوك لتولي القضاء، فقال: أعفوني من ذلك أعفاكم الله، فعاوده مثنى و ثلاث فأصر على إبائه فقال له: و الله لتتولين القضاء أو لأجلدنك ثلاثمئة جلدة، فقال له: إن تفعل فإنك مسلط، و إن معذب الدنيا خير من معذب الآخرة، فخجل منه و صرفه بالحسنى، و قد كان مجلس محمد بن واسع في مسجد البصرة موئلاً لطلاب العلم و منهلاً لشداة الحكمة و الموعظة و قد حفلت كتب التاريخ و السيرة بأخبار مجالسه هذه، منذلك أن أحدهم قال له: أوصني يا أبا عبد الله فقال أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا و الآخرة، فدهش السائل و قال: و كيف لي بذلك يا أبا عبد الله فقال: ازهد بعرض الدنيا تكن ملكاً هنا بالاستغناء عما في أيدي الناس، و ملكاً هناك بالفوز بما عند الله من حسن الثواب، و قال له آخر: إني لأحبك في الله يا أبا عبد الله، فقال: أحبك الله الذي أحببتني من أجله، ثم ولى و هو يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أُحبَّ فيك و أنت لي ماقت هذا يذكرني بأدعية قرأتها في كتاب تركت في نفسي أثراً بليغاً، من هذه الأدعية، اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني، و أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، فقال: إني أعوذ بك أن أُحبَّ فيك و أنت لي ماقت، و كان كلما سمع ثناء الناس عليه و إطراءهم لتقواه و عبادته يقول لهم: لو كان للذنوب رائحة تفوح لما استطاع أحد منكم أن يبلغ مني لما يصيبه من أذى رائحتي، تواضعاً هكذا، و قد كان محمد بن واسع لا يفتأ يحض طلابه على التزام كتاب الله عز وجل، و العيش في أكنافه و يقول: القرآن بستان المؤمن فأين ما حلّ منه نزل في روضة، كان كما يوصيهم بقلة الطعام فيقول: من قلّ طعامه فهم و أفهم و صفا و رق و إن كثرة الطعام لتثقل الرجل عن كثير مما يريد. رحمة الله عز وجل على روح التابعي الجليل محمد بن و اسع الأزدي و شكراً جزيلاً لضيفنا العزيز سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق و المدرس في مساجد دمشق و ما حولها و أيضاً خطيب مسجد العارف بالله عبد الغني النابلسي نشكركم فضيلة الشيخ
والحمد لله رب العالمين