السيرة – سيرة الصحابيات الجليلات – أمهات المؤمنين – السيدة عائشة – الدرس 2–5 : هجرة الرسول ولحاقها به بعد الهجرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-04-07
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

سؤال قد يرد :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الحادي عشر من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع أمهات المؤمنين، زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومع الزوجة الثالثة السيدة عائشة بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما .
أيها الأخوة الكرام, قد يسأل أحدكم: هذا الفارق الكبير في السن بين السيدة عائشة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, كيف تزوَّج النبي امرأةً في سن أمه, ثم كيف تزوج امرأةً في سن ابنته؟ الأمور التي لا يدلي الشرع فيها بحكمٍ ترجع إلى الأعراف .
فأنت إذا قلت: أنا أكلت اللحم, ماذا تقصد؟ لحم الضأن أو لحم البقر، لأنك إذا أكلت سمكاً تقول: أكلت سمكاً, فإذا إنسان حلف بالطلاق ألّا يأكل لحماً، فهل بإمكانه أن يأكل سمكاً؟ نعم بإمكانه، مع أن السمك لحم، لكن العرف هو أن اللحم هو لحم الضأن أو البقر, والسمك شيءٌ آخر، ففي الموضوعات التي لم يكن هناك حكمٌ شرعي, يعود الأمر إلى العرف .
حين لا يكون هناك حكم شرعي يعود الأمر إلى العرف
هذا موضوع طويل في أصول الفقه، بابٌ كبير، فأحد المصادر التشريعية العرف, فهو الذي يحكم القضايا التي ليس فيها حكم شرعي .
لو أن في زواج الرسول صلى الله عليه وسلَّم من السيدة عائشة أيُّ مأخذٍ في أعراف العرب وقتها, لأُخِذ على النبي صلى الله عليه وسلَّم هذا الزواج، بل إن البيئة وقتها تسمح بأن تأخذ امرأةً في سن أمك، وتسمح بأن تأخذ امرأةً في سن ابنتك, ولكن السيدة عائشة لها دور كبير جداً في موضوع الفقه .
فقال بعض العلماء:

((إن ربع الأحكام الشرعيَّة عُلِم منها))

إن ربع الأحكام الشرعية التي عرفناها من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, إنما عُرِفَت من أحاديث روتها السيدة عائشة رضي الله عنها، فامرأة النبي، زوجة النبي، أم المؤمنين, لها دورٌ خطيرٌ جداً في الدعوة؛ لأنها يمكن أن تختص بالنساء، تعلمون أن النساء يسألن النبي عليه الصلاة والسلام عن موضوعاتٍ تخصُّ حالَهن، وأفضل إنسانة تعبِّر عن الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمرأة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، إذاً: لها دورٌ في الدعوة .
زوجات النبي اختارهن الله له
ويقول العلماء أيضاً: ما رأوا أحداً أعلم بمعاني القرآن, وأحكام الحلال والحرام, من السيدة عائشة، وما رأى العلماء أحداً أعلم بالفرائض, والطب, والشعر, والنسب, من السيدة عائشة, مع أنها صغيرة, إلا أنها كانت شيئاً نادراً في الذكاء، وشيئاً نادراً في الحفظ، وشيئاً نادراً في الوفاء للنبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً: فليعلم القارئ حقاً ويطمئن, أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلَّم قد اختارهنّ الله جلَّ جلاله له، لما سيكون لهن من دورٍ في الدعوة مستقبلاً .
فهذا الذي يفكر أن النبي تزوج زوجةً في سن ابنته، أو امرأةً في سن أمه، هذا لا يعرف من هو النبي, فالنبي عليه الصلاة والسلام بقي مع السيدة خديجة, وهي في سن أمه, ربع قرنٍ، وكان بإمكانه أن يتزوَّج أجمل فتيات مكة، فهو بعيدٌ جداً عن هذا الذي يفكِّر فيه أعداء الإسلام .
أيها الأخوة الكرام, السيدة عائشة روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ألفي حديث ومئتين وعشرة أحاديث، وحفظت القرآن الكريم كلَّه في حياة النبي .
إذاً: من يقول: إن هناك فارقاً في السن, هذا الفارق في السن, كان مألوفاً في عصر النبي، ولو كان هناك مطعنٌ في هذا الموضوع, لما سكت أعداء النبي، ولجعلوا من هذه القضية قضيةً كبيرةً جداً .

إليكم بعض الصفات التي كانت تتمتع بها السيدة عائشة كما ذكرها الذاكرون :

من صفات هذه الزوجة الطاهرة على صغر سنها: أنّها كانت ناميةً ذلك النمو السريع الذي تنموه نساء العرب، وكانت متوقِّدة الذهن، نيِّرة الفكر، شديدة الملاحظة، وهي وإن كانت صغيرة السن, لكنّها كبيرة العقل .
نحن تعلَّمنا في الجامعة أن للإنسان عمرين؛ عمر زمني، وعمر عقلي، وقد يبتعدان عن بعضهما، قد تجد إنساناً عمره الزمني عشر سنوات، أما عمره العقلي فخمسة عشر عاماً، وقد تجد إنساناً عمره الزمني عشرون عاماً؛ وعمره العقلي خمسة عشر عاماً، فالعقل لا ينمو مع نمو الجسم, بل له نموّه الخاص .
العمر العقلي قد يسبق العمر الزمني
فالسيدة عائشة رضي الله عنها على صغر سنها, نمت نمواً سريعاً, وعلى صغر سنها, كانت متوقِّدة الذهن، نيرة الفكر، شديدة الملاحظة، فهي وإن كانت صغيرة السن, لكنها كبيرة العقل، أي لها دور في الدعوة الاًسلامية .
تروي كتب السيرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج امرأةً فيما بعد، قال لها ضرَّاتها: إذا التقيت بالنبي فقولي له: أعوذ بالله منك, فلما دخل عليها النبي, قالت: أعوذ بالله منك, فماذا قال لها؟ قال:

((الْحَقِي بِأَهْلِكِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

رفضها، هل يعقل أن تكون زوجة رسول الله بهذا الإدراك؟ فهي مبلِّغة عن رسول الله ، تبلِّغ عنه الشرع، شيءٌ خطيرٌ جداً أن تكون زوجة النبي عليه الصلاة والسلام محدودة التفكير، لأنها تنقل عنه، وربما نقلت عنه الشيء الذي ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً: هناك حكمةٌ إلهيةٌ بالغة من أن الله سبحانه وتعالى هيَّأ لرسوله الكريم هذه الزوجة العاقلة، المتقدة في الذهن, والذكاء, والفطنة، كثيرة الملاحظة، ذات النفسيَّة الطيِّبة .
يقولون: ولو لم تكن السيدة عائشة رضي الله عنها في تلك السن التي صحبت بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهي السن التي يكون فيه الإنسان أفرغ بالاً، وأشد استعداداً لتلقي العلم، لما تهيَّأ لها ذلك .
فالعلم شيءٌ أساسيٌ في حياة المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام كل شيءٍ يقوله ينبغي أن ينقل عنه، وأفضل امرأةٍ تنقل عنه زوجته، إذاً: فلنطمئن أنّ الله سبحانه وتعالى اختارها على علمٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم.

أقوال العلماء التي جمعت عن هذه السيدة الجليلة :

قال الإمام الزُهري:

((لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء, لكان علم عائشة أفضل))

والحقيقة: أن الشيء الذي يدهش العقول، أو الشيء الذي يلفت النظر, أن تكون المرأة على درجة عالية جداً؛ من الفهم, والعلم, والفقه، فالمرأة عند الناس امرأة، لكن المرأة التي تتمتَّع بعقلٍ راجح، وإدراكٍ عميق، وفهمٍ دقيق، وحفظٍ شديد, هذه امرأةٌ نادرةٌ جداً، وامرأةٌ مؤهَّلةٌ لأن تكون زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
عطاء بن أبي رباح يقول:

((كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة))

من متع الحياة أن يكون من يعيش معك ذكي على شاكلتك
والحقيقة: مِن مُتَع الحياة أن تعيش مع الذكي، ومن البلاء الشديد أن تعيش مع المحدود, تكاد تخرج من جلدك، سمعتم مرةً مني أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه, بينما كان يلقي درساً على أخوانه حول صلاة الفجر، وفيما قرأت كانت رجله تؤلمه، وبينه وبين تلاميذه مُباسطة، ليس هناك كلفة، ولعذرٍ فيه كان يمد رجله، دخل رجل طويل القامة، عريض المنكبين، حسن الهيئة، يرتدي عمامةً وجُبةً، وجلس في مجلس هذا الإمام العظيم .
فأبو حنيفة رضي الله عنه, ظنَّه عالماً كبيراً، فاستحيا منه ورفع رجله، أي أن بينه وبين أخوانه ليس هناك كلفة، أما هذا فضيف غريب لعلَّه ينتقده، فلما انتهى الدرس, سأله هذا الرجل: يا إمام, كيف نصلي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟ فقال له: عندئذٍ يمد أبو حنيفة رجله .
لذلك فأنا أرى أن من إكرام الله لرسول الله, أنه قيَّض له أصحاباً على مستوى عالٍ من الفطنة، والوفاء، والذكاء، والحُب، والتضحية، والإخلاص، وكلَّما ارتقى مقامك عند الله, هيَّأ الله لك أُناساً قريبين منك، كلَّما ارتقى مقامك عند الله, هيَّأ الله لك أُناساً يفهمون عليك، يفهمون عليك بالإشارة، يقدِّرون ما أنت فيه، يعرفون قدرك حق المعرفة، يعرفون أهدافك النبيلة .
وقال أبو موسى الأشعري:

((ما أشكل علينا أمرٌ, فسألنا عنه عائشة، إلا وجدنا عندها فيه علماً))

وقال مسروق:

((رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الأكابر يسألونها عن الفرائض))

وقال عروة:

((ما رأيت أحداً أعلم بفقهٍ ولا طبٍ ولا بشعرٍ من عائشة))

وقال أبو الزناد:

((ما كان ينزل بها شيءٌ إلا أنشدت فيه شعراً))

أيها الأخوة, أردت من هذه المقدمة أن تعلموا أن عائشة أم المؤمنين، اختارها الله عزَّ وجل لنبيِّه الكريم، لتكون زوجته, وأمينة سرِّه, وراويةً عنه .

متى دخل النبي على السيدة عائشة ؟

كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام عقد عليها, وهو في مكة قبل الهجرة، ثم هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، واستقبله الأنصار، وهم محيطون به، متقلِّدي سيوفهم ، وهنا حدِّث ولا حرج, عن سرور أهل المدينة، فكان يوم تحوِّله إليهم يوماً سعيداً، لم ُيرَوْا فرحين فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
فكلكم تحضرون عقود قران، وموالد بمناسبة ذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام، ونشيد طلع البدر علينا, يمكن ألا يكون واحد من الأخوة الحاضرين, إلّا سمعه مئات المرَّات, إن لم نقل أكثر .
والعبد الفقير لما كنت في المدينة المنورة في إحدى العُمرات، وقفت قبالة مسجد قِباء ، فهناك ميدان في وسطه نُصب تذكاري، مكتوب عليه: طلع البدر علينا، أيْ في هذا المكان, في مكان مسجد قباء، وقباء في ظاهر المدينة, خرج الأنصار من المدينة، ليستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وفي هذا المكان بالذات أنشدوا: طلع البدر علينا, كأنني أسمع هذا النشيد لأول مرة، وله وقعٌ في هذا المكان لا يوصف، في المكان الذي وقف فيه الأنصار, ينتظرون النبي عليه الصلاة والسلام، وحينما أطل عليهم, قالوا:
طلع البدر علينا من ثنيِّات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وفي الصحيحين: عن أبي بكرٍ رضي الله عنه في حديث الهجرة، قال:

((وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق, وعلى البيوت، والغِلمان, والخدم, يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، وكان الأنصار قد اجتمعوا, فمشوا حول ناقته صلى الله عليه وسلَّم، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شُحَّاً على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً له، وكلَّما مرَّ بدارٍ من دور الأنصار, دعوه إلى المنزل، فيقول عليه الصلاة والسلام: دعوها فإنها مأمورة, فإنما أنزل حيث أنزلني الله, ونزلت في بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه))

ولقد كنت في تركيا قبل سنة تقريباً، وصلَّيت الجمعة في مسجد أبي أيوب الأنصاري في مدينة استانبول، هذا الصحابي الجليل أين مات؟ مات في أقصى الشمال، وله مسجدٌ والله منوَّر, تشعر فيه بروحانية عجيبة، فلما انتهت الصلاة, زرت مقام هذا الصحابي الجليل وقرأت الفاتحة، وتأثرت تأثراً كبيراً، ولكن الذي أدهشني أن كل زوَّار المقام, حينما يخرجون من هذا المقام, لا يديرون ظهورهم إليه، تأدُّباً معه، فهذا الصحابي الجليل الذي أكرمه الله بأن يكون مُضيف النبي عليه الصلاة والسلام، له قصصٌ رائعةٌ جداً .
مقام أبو أيوب الأنصاري في اسطنبول
فهو لم يستطع أن ينام في الدور الذي فوق رسول الله، فبيته طابقان، والنبي عليه الصلاة والسلام, رأى في الطابق الأرضي, أسهل لزوَّاره, ومن يأتيه، وسمح لأبي أيوب أن ينام في الطابق العلوي، من شدة أدب هذا الصحابي الجليل, لم يستطع أن ينام في الطابق الذي فوق رسول الله، وكان في حرجٍ شديد، ومرةً قدر الماء انكسر، فخاف أن ينزل على النبي قطرةُ ماء، فجاء باللحاف الذي لا يملك غيره في الشتاء، فوضعه فوق الماء، كي يمنع نزول الماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري, الذي حظي بضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
ولما استقر عليه الصلاة والسلام في المدينة، أين كانت عائشة؟ كانت في مكة، ولما يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
يجب أن نعلم علماً دقيقاً: أن العقد على عائشة سبق الدخول بسنوات، فإذا قلنا: صغيرة، وبينها وبين النبي فرقٌ كبير، فإن العقد شيء والدخول شيءٌ آخر، عقد عليها بمكة، ولم يدخل بها إلا في المدينة، ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة, ليأتيا بمن خلَّف من أهله، وأرسل معهما عبد الله بن أريقط, يدلهما على الطريق، فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة زوجِه، وأم أيمن حاضنته في صغره، وابنها أسامة بن زيد، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع، وخرج مع الجميع عبد الله بن أبي بكر بأم عائشة زوج أبيه، وأختيه عائشة وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملاً بابنها عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود للمهاجرين في المدينة، وصحبهم من مكة طلحة بن عُبيد الله .
وبعد أن استقر النبي بالمدينة، وانتهى ضجيج الهجرة، وانتهت المطاردة، أرسل هؤلاء الصحابة ليأتوا بأهله؛ أتوا بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة، وأم أيمن، وابنها أسامة بن زيد ، أما زينب فمنعها زوجها من الهجرة .
والنبي عليه الصلاة والسلام يهيِّئ الدور لزوجته سودة, ولزوجته عائشة, ليستقبل فيها أهله .
وفي أيامنا هذه: تجد شخصاً عادياً جداً, يسألك عن مكان سكنى ابنته المخطوبة، أين ستسكنها؟ غرفةٌ صغيرةٌ جداً ملحقةٌ بالمسجد, هذه الغرفة بيت عائشة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكانت هذه الغرفة الصغيرة التي لا تتسع لصلاته ونوم زوجته معاً، إما أن يصلي فتنزاح جانباً، وإما أن يناما معاً، أما أن يصلي هو وتنام هي, فالغرفة لا تتسع لهما، هذا بيت رسول الله .
وصلت هذه السيدة الجليلة إلى المدينة مع أمها أم رومان، وأختها أسماء، وأخيها عبد الله، واستقروا في دار الوالد الصديق رضي الله عنه، ولم تمضِ أشهر معدودات, حتى تكلَّم الصديق رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام في إتمام الزواج الذي عقده بمكة .
فالنبي عقد بمكة قبل سنوات من الهجرة، وبعد الهجرة بأمد طويل استقدم أهله، وبعد هذا الاستقدام, بقيت في بيت أبيها، فلما كلَّم الصديق رسول الله في شأن إتمام الزواج، سارع النبي عليه الصلاة والسلام، وسارعت نساء الأنصار إلى منزل الصديق, لتهيئة هذه العروس الشابَّة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم .

ما هو الموقف الذي سجله التاريخ لأم عائشة ؟

الزواج المبارك هو المبني على طاعة الله
أجمل موقف وقفته أم السيدة عائشة رضي الله عنها، حينما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلَّم، ومعها ابنتها العروس السيدة عائشة, بعد أن هُيئت له، دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم, وهو في دار أبي بكر, وقالت:

((يا رسول الله هؤلاء أهلك، بارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك))

وهذا أجمل دعاءٍ يُلقى في عقود القِران .
والزواج المبارك هو الذي يكون مبنياً على طاعة الله، وعلى تطبيق منهج رسول الله ، والله عزَّ وجل يلقي الحب بين الزوجين، والألفة والمودَّة، وينجب من هذين الزوجين الذرِّية الطيبة الصالحة، فالزواج شيء جميل جداً، والزواج له ثمرة؛ وثمرته أولاد أبرار، والإنسان حينما يموت ينقطع عمله، أما إن كان له ولد صالح، فهذا الولد الصالح ينفع الناس من بعده، وكل أعماله في صحيفة أبيه .

إليكم بنية البيت الذي أسكن النبي زوجه عائشة :

أيها الأخوة, وتنقضي ليلة الزفاف المباركة في دار أبي بكرٍ رضي الله عنه، ثم يتحوَّل النبي عليه الصلاة والسلام بأهله إلى البيت الجديد، ما كان هذا البيت سوى حجرةٍ من الحُجرات, التي شُيِّدت حول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من اللبن, وسعف النخيل، وقد فُرش بحصير، ووضع فيه فراشٌ، وبعض ملحقاته، وأوانٍ بسيطة للشراب والطعام، وهذا كلُّ بيت رسول الله .
وفي هذا البيت المتواضع, بدأت حياة العروس الكريمة عائشة رضي الله عنها، وبدأت الحياة الزوجية الحافلة بالمكرُمات والخيرات، مكرُمات النبوة, وخيرات الرسالة .
وأنا أعلم أن هناك بيوتاً فخمةً جداً لكن لا سعادة فيها، وهناك بيوت متواضعة جداً فيها سعادة زوجية تامة، السعادة الزوجية أساسها طاعة الله، والشقاء الزوجي أساسه معصية الله عزَّ وجل .

الخاتمة :

أيها الأخوة, هذه العروس الصغيرة على صغر سنها, إلا أنها احتلَّت مكانها المرموق في بيت النبوة، وحياة رسول الله، وتاريخ الدعوة، والتاريخ الإسلامي .
الحقيقة التي لا ريب فيها: أنه يُشهد لهذه الزوجة, أنها كانت في أعلى مستوى من العلـم والمعرفة في شؤون الدين، وعلى جانبٍ عظيم من الدراية لأسرار الأحكام الشرعية، ولها منزلة رفيعة من التقوى والورع، بالإضافة إلى معرفتها بالأمور الاجتماعيَّة والسياسية، لذلك فاعلم أخي الكريم: الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا, المرأة الصالحة .
وحينما قال الله عز وجل: حسنة الدنيا هي المرأة الصالحة

﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[سورة البقرة الآية: 201 ]

قال العلماء: حسنة الدنيا هي المرأة الصالحة .
وأنا أرجو الله سبحانه وتعالى لكل أخوتنا الشباب، الذين لم يقدموا على الزواج بعد، فماذا يمنعهم أن يكون دعاؤهم لله عزَّ وجل: اللهمَّ ارزقنا زوجة صالحة, الزوجة الصالحة أحد أسباب النجاح في الحياة، فحينما تطلب امرأة صالحة، تتوافر فيها الشروط، تكون قد حققت أحد جوانب السعادة في حياتك الدنيا .
في درسٍ آخر إن شاء الله, ننتقل إلى هذه الزوجة الطاهرة مع ضرَّاتها، وكيف أن الحياة الزوجية جزءٌ من حياة الإنسان الطيبة؟ قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل الآية: 97]

والمرأة الصالحة جزءٌ من الحياة الطيبة .

والحمد لله رب العالمين