التربية الإسلامية -علم القلوب - الدرس ( 15 - 54) : الحكمة11 ( العدالة الإلهية ).
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-03-08
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من سمع قصة من آخر فصل فليس مؤهلاً لأن يحكم عليها :

أيها الأخوة: أية قصة لها فصول؛ تبدأ بفصل أول, وتنتهي بفصل أخير, إن سمعت القصة من الفصل الأخير, لست مؤهلاً أن تحكم عليها, والذي يحدث أن كلاً منا سمع ألف قصة, من فصلها الأخير فقط, ولا يعلم فصلها الأول, وفي حياة كل واحد منا عدة قصص, يعرفها من أول فصل, حتى آخر فصل، فهذه القصة التي يعرفها من أول فصل حتى آخر فصل يرى فيها عدالة ما بعدها عدالة.
هناك قصة نموذجية, توضح هذه الفكرة, لعلي ذكرتها لكم، لكنه مناسبة جداً هنا: رجل استوقفني في الحريقة, وقال لي: أنت تخطب في مسجد؟ قلت له: نعم, قال لي: تعال, اسمع هذه القصة: رجل -هكذا قال لي- صالح, عنده محل في مدحت باشا, نزل في أحد الأيام ليفتح هذا المحل, ويكسب رزق أولاده, وهذا عمل مشروع, قلت له: عبادة أن تكسب رزق أولادك, لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما ورد عنه:

((طلب الحلال فريضة بعد الفريضة))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]

رجلان تشاجرا في مدحت باشا, أحدهما معه مسدس, فأطلق منه طلقة طائشة, أو طلقات, فصاحب هذا المحل, سمع إطلاق رصاص, مد رأسه ليرى ما الأمر، فإذا برصاصة تأتي في عموده الفقري, تصيبه بالشلل فوراً, فهذا الذي استوقفني, يريد أن يعترض على الله, قال لي: ما ذنبه؟ لم يرتكب ذنباً, إنما جاء ليكسب رزق أولاده, قلت: والله علمي كعلمك, لا أعلم؛ أنا أثق بعدل الله, أثق برحمة الله, وأثق بحكمة الله, أما لا يعلم تفاصيل ما جرى إلا الله, وانتهى الأمر, وانطوى.
بعد عشرين أو ثلاثين يوماً, لي أخ كريم من أخواننا في المسجد, له باع طويل في الدعوة - القصة قديمة جداً - أعتقد من عشرين سنة أو أكثر, هو كان شاباً صغيراً, مرة كان معي, من حديث لحديث, قال لي: والله لنا جار أكل أموال أولاد أخيه, مبلغ ضخم يساوي ثمن بيت, ولم يتركوا وسيلة, إلى أن توصل الأمر إلى أن شكوه إلى الشيخ حسين خطاب -رحمه الله تعالى-, الشيخ حسين دعاه, وسمع منه, فكان وقحاً جداً, قال له: لن أعطيهم شيئاً, وهذا الحاضر, التفت الشيخ -رحمه الله- قال لهم: يا بني! هذا عمكم, والعم كالأب, لا تشكوه إلى القضاء, اشكوه إلى الله, القصة الساعة الثامنة مساء, الساعة التاسعة صباحاً, كان هو نفسه الذي مدّ رأسه, وجاءت هذه الرصاصة, فجعلته مشلولاً, أما حينما سمعت التفاصيل, والله اقشعر بدني!!.
أخ ثان قال لي: لي عمة محامية, استطاعت أن تطردنا من بيت دفع والدي نصف ثمنه بالتمام والكمال, لكن لأن البيت باسم الأخت, لم يخطر في بال الأخ أن يأخذ وثيقة, كان ثمنه خمسمئة ألف, أصبح ثمنه ثمانية عشر مليوناً, قالت له: أعطيك مليوناً وتخرج؟ قال لها: يا أختي إلى أين أذهب؟ عنده أربعة عشر ولداً, أحد أولاده من أخواننا, اسمه (أيمن), فالأخ يحكي لي القصة بالتفاصيل, في النهاية أخرجته بطريقة ذكية جداً بعقد وهمي مع شخص متنفذ, فأخرج من البيت, قال لي: نصف أخواتي عند بيت جدي, والنصف الآخر عند بيت جدتي, والأغراض في المستودع, وتشردنا, أنا بحسب ما أعرف عن الله عز وجل, قلت له: والله يا بني! هناك عقاب أليم, لكن متى؟ لا أعلم, غاب ثلاثين يوماً, قال لي: عمتي معها سرطان في الأمعاء, إنها تعوي كالكلاب, قلت في نفسي: المرض قد يطول لمدة سنتين, قال لي: والله يا أستاذ بعد شهر ماتت, ممكن أن تأتي لتلقي كلمة في التعزية؟ ذهبت للبيت نفسه, وألقيت كلمة, وريثها الوحيد (أخوها), عاد إلى البيت بعد شهرين, هو وأولاده.

عدالة الله مطلقة في كل شيء :

هناك قصة تعرفها من أول فصل لآخر فصل, ترى فيها عدلاً مطلقاً, وقد سمعت مليون قصة, لكن آخر فصل؛ هذا دهس, هذا دمر أمواله, وهذا انتحر, وهذا أملاكه صودرت, فأصيب بالشلل...هذا حادث, ممكن أن تسمع مليون قصة من آخر فصل, أنصحك وأنصح نفسي ألا تحكم على قصة لا تعرف كل فصولها.
مرة كنت في زيارة ابن عمي في العيد, -توفي رحمه الله- قال لي: والله لنا جار, تزوج لكن متأخراً, له زوجة أولى, لعلها ماتت, أو طلقها, لا أذكر, قال لي: تزوج امرأة ثانية, يحبها حباً جماً, ما زالت تحمله على أن يكتب المعمل باسمها -معمل غسالات- حتى فعل, تقول له: ليس لي أحد غيرك, وأنا أخاف من أولادك غداً، وما زالت تحمله حتى كتب البيت الذي تسكنه باسمها, ثم فوجئ أنها طردته من البيت, تحب شاباً غيره, فلما تمكنت من المعمل والبيت طردته.
فلما ابن عمي ذكر القصة, قلت له: القصة هذه لها فصول أولى, لعلك لا تعلمها, الله عادل, قال لي فجأة والله أذكر أن هذا كان أكبر أخوته, استولى على ثروة والده كلها, وحرم أخوته منها, فجاءت امرأة ضحكت عليه, وخلصته كل ثروته.
أخواننا الكرام, تسمع مليون قصة من آخر فصل, أنصحك ألا تحكم عليها حتى تسمع كل الفصول, وكل واحد منا بحسب معارفه قد سمع خمس أو ست قصص لكن من أول فصل لآخر فصل, يرى فيها عدالة الله المطلقة.

الإنسان لا يستطيع أن يثبت عدالة الله بعقله إلا أن يكون لك علم كعلم الله :

الآن أطمئنك, المليون قصة التي تعلم آخر فصل فيها هي كالخمس قصص التي تعلم كل فصولها, لكن لا تعلم نصها, لن تستطيع أن تثبت عدالة الله بعقلك, إلا أن يكون لك علم, كعلم الله.
هناك قصة رمزية: شوحة سألت سيدنا سليمان:

((اسأل ربك: هل هو مهول أم عجول؟ فإذا كان مهولاً, حتى نتصرف و نأخذ حريتنا, فسأل ربه قال له: قل لها: إنني مهول, ولست عجولاً, ارتاحت, خطفت لحمة ومعلق في اللحمة شعلة من النار, فلما وضعت هذا اللحم في عشها, أحرق العش, رجعت إليه, قالت: ألم تقل أن ربك مهول, ها هو ذا عجول!؟ فلما سأل ربه -القصة طبعاً رمزية- قال له: قل لها: هذا حساب قديم))

الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه
مرة إنسان أيضاً خرج من محله التجاري, وهو حانق جداً, واستوقفني، قال: أنا ضابط أموري بشكل مذهل في المحل؛ كل بضاعتي نظامية, وفواتير, وأسعار, لا يوجد عندي ولا مخالفة, البارحة جاء موظف, استطاع أن يصل إلى أن هناك ثوباً واحداً, هو يبيع أقمشة قمصان، التسعيرة قد سقطت على الأرض, قال لي: كتب لي مخالفة, وتحتاج إلى شهرين في عدرا، ماذا فعلنا يا أخي؟ أين عدل الله؟ أين الله؟ وصل هو لله، قلت له: أنا قناعتي أن الله لا يتعامل بحساب السندات, يتعامل بحساب جار, قال لي: كيف؟ لم أفهم, قلت له: الحساب الجاري تكون أنت جالس في البيت في سهرة مختلطة مثلاً, خالفت فيها الشرع, أتيت إلى المحل, وفعلاً محلك كله نظامي, الله يحاسبك على السهرة البارحة.
عنده حساب جار؛ أين سافرت؟ أين ذهبت؟ أين أتيت؟ كل المخالفات مجموعة في صفحة واحدة, قد تكون في محل, لا يوجد عندك ولا مخالفة؛ لكن هذا الحساب ليس على المحل, على السهرة البارحة.
هذه قاعدة ثانية: الله عز وجل يحاسب عباده حساباً مجملاً, يكون فعلاً هناك جهة بريء مئة في المئة.
سائق سيارة أجرة, ضرب والدته, وذهب ليعمل, استوقفه شخص و عندما توقف قتله, قال له: ما ذنبي؟ أنا وقفت لك!! هو ضارب والدته, فسلط الله عليه شخصاً ضربه ضرباً مبرحاً، الظالم سوط الله ينتقم به, ثم ينتقم منه.

الإنسان يجب أن يؤمن بعدالة الله المطلقة :

كلما بالغت باتهام نفسك ارتقيت عند الله
الحياة طافحة بالقصص, الله عز وجل:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

[سورة النساء الآية:147]

فالكلام الطبيعي والثابت أن الإنسان يجب أن يؤمن بعدالة الله المطلقة, ودائماً الإنسان يتهم نفسه, وكلما بالغت في اتهام نفسك كلما ارتقيت عند الله عز وجل؛ الله عز وجل عدل في خلقه, وعدل في أمره, وعدل في أفعاله, والله عز وجل أكبر, وأجل, وأعظم من أن يظلمك؛ الذي يظلم هو الضعيف, الخائف يظلم, الجبان ضربته قاسية جداً, الضعيف ضربته قاسية, أما الله عز وجل فقوي.
الآن: الدول العظمى تقول: غداً سأقصف هذه المدينة, هي تقول الصدق لأنها قوية, أما إذا ضربت و هربت فهي دولة ضعيفة, فالذي يحتال هو الضعيف, الذي يظلم هو الضعيف, الذي يخاف هو الضعيف, الله عز وجل قوي, لماذا يظلمك؟
الآن: أنت إذا رأيت بطل سوريا في الملاكمة, جاء طفل عمره سنة ونصف, ضربه كف, أزال رأسه, هل يكون بطلاً؟ لا، يكون بطلاً على شخص من مستواه, من نفس وزنه.

الله عز وجل إله ليس له ند :

الله عز وجل إله ليس له ند, ليس ظالماً إلا في حكمة:

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾

[سورة الكهف الآية:59]

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

[سورة هود الآية:117]

﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾

[سورة العنكبوت الآية:40]

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾

[سورة سبا الآية:17]

معقول!!

الآيات التالية تدل على عدالة الله عز وجل المطلقة :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة الآيات :7-8 ]

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

[سورة النساء الآية:77]

و:

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

[سورة غافر الآية:17]

لا قطميراً، ولا نقيراً، ولا فتيلاً, و:

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

[سورة غافر الآية:17]

و:

﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[سورة التوبة الآية:70]

هذه الآيات, وهذه الأحداث الواقعة.
فيا أيها الأخوة الكرام, يجب أن تؤمنوا بعدالة الله, فإذا آمنتم بعدالته تستقيموا, أما إذا عملت عملاً خاطئاً ونفدت فمعنى ذلك أن الله ليس عادلاً؛ الله عدله مطلق, لكنه يُمهل ولا يهمل.

والحمد لله رب العالمين