ندوات إذاعية - إذاعة دار الفتوى - الإعجاز العلمي - الحلقة 19 - 30 : حليب الأبقار.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-13
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

السماء ، البرزخ ، النحل ، الأرض ، ظلمات الفضاء ، الكون ، النمل ، الكواكب ، دقة الإنسان ، التفكر في الخلق والكون ، حوارات مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي أحد علماء دمشق ، يجريها عبد الحليم قباني .
المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
إخوة الإيمان والإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، حلقة جديدة من هذا البرنامج الذي نتناول فيه في كل حلقة تأمّل وخاطر وتفكّر .
في أيّ حديث عن القرآن الكريم لا بد لنا من التأكيد على أنه كلام الله تعالى الموحى إلى إلى خاتم أنبيائه ورسوله ، والمحفوظ بين دفتي المصحف الشريف ، بنفس اللغة التي أوحى بها ، اللغة العربية محفوظاً حفظاً كاملاً ، كلمةً كلمة ، وحرفاً حرفا ، تحقيقاً للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا تبارك وتعالى على ذاته العلية ، فقال عز وجل مِن قائل :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

[ سورة الحجر ]

من هنا كان القرآن الكريم متميزاً عن كلام البشر ، بمعنى أن البشر يعجزون عن الإتيان بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ، وهذا هو المقصود بإعجاز القرآن .
معنا اليوم فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، والخطيب والأستاذ الديني في جوامع دمشق ، أهلاً وسهلاً بكم .
الأستاذ :
أهلاً وسهلاً بكم يا سيدي .

فوائد ومكونات حليب البقرة :

المذيع :
في هذه الحلقة نتأمل فيها ، ونرى عجائب صنعه ، من الأمور التي يستهلكها الإنسان منذ نعومة أظفاره الحليب ، فهناك بحوث صنفت ودرست ، ولكن أن يخرج هذا الحليب من الأبقار على هذا الشكل ، وعلى هذه الهيئة ، وهي تأكل الأعشاب فهو من العجب العجاب ، نتحدث في هذه الحلقة عن الحليب ومكوناته ، وكيفية خروجه .
الأستاذ :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى أله وصحبه أجمعين .
نحن حينما نصلي نقرأ في الفاتحة :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الفاتحة ]

من معاني كلمة رَبِّ الْعَالَمِينَ أنه الخالق والممدّ ، خلقنا ، وأمدنا بما نحتاج ، والحليب هو الغذاء الكامل ، وقد أمرنا أن نتفكر في أغذيتنا ، قال تعالى :

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[ سورة عبس ]

والأنعام خلقها لكم
أنا حينما أنظر إلى طعامي أعظّم خالقه ، وأرى أن الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين ، بل إن بعض العلماء الألمان سبب إيمانه بالله أنه رأى البقرة ، فإذا نتاجها يزيد عشرين ضعفاً عما يحتاجه وليدها ، إذاً هذا الحليب ليس لوليدها ، بل هو للإنسان ، خلق خصِّيصَاً له .
أنتم حين تدعون إنسانًا إلى طعام في البيت ، هو يسمى في العرف الاجتماعي ضيفَ الشرف ، فلو طرق الباب طارق تدعوه إلى الطعام أيضاً ، لكن هذا الإنسان الثاني ليس مدعواً كالأول ، الأول أقيمت هذه الوليمة على شرفه ، هذا المعنى يتضح جلياً في قوله تعالى :

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

[ سورة النحل الآية : 5 ]

خلقت خصِّيصاً لكم ، بل إن من أعجب ما في الموضوع أن هذه البقرة مذلّلة : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة يس الآية : 72 ]

العقرب غير مذلّل ، يخافه الإنسان ، الحية غير مذللة ، يخافها الإنسان ، لكن الطفل الصغير يمسك بالبقرة ، ويقودها ، ويحلبها دون أن يخشى شيئاً ، الجمل مذلّل ، الأنعام مذللة ، الدجاج مذلل , القطة مذللة ، لكن هناك حيوانات أخرى قد تكون صغيرة ، لكنها تملأ القلب رعباً ، إذاً الآية الأولى :

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

والآية الثانية :

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾

لي تلميذ في غوطة دمشق عنده بقرة توحشت , فقتلت أول إنسان ، وثاني إنسان ، فاضطر أن يطلق عليها النار ليقتلها ، وثمنها مئة ألف ، لو أن البقرة ليست مذلّلة لا ننتفع منها إطلاقاً ، إذاً نعمة أولى أنها تقدم لنا الغذاء الكامل الأول ، الحليب ومشتقاته هو الغذاء الأول ، وتوافق الحليب مع جسم الإنسان توافق عجيب .
تستنبط استنباطاً عجيباً أن الذي خلق الإنسان سخر له هذا الحيوان ، هذه حقيقة أولى .
يعدّ الحليب الذي نستهلكه غذاء كاملاً بشكل أو بآخر ، سواء كان لبناً ، أو حليباً ، أو جبناً ، أو سمناً ، أنا أسميها مشتقات الحليب ، وقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما أكل طعاماً إلا حمد الله عليه ، إلا الحليب .
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

(( كُنْتُ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَجَاءُوا بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ عَلَى ثُمَامَتَيْنِ ، فَتَبَزَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ خَالِدٌ : إِخَالُكَ تَقْذُرُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَجَلْ ، ثُمَّ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَبَنٍ ، فَشَرِبَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ ، وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ ، وَزِدْنَا مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ ))

[ الترمذي ، أبو داود ، أحمد ]

الحليب غذاء متكامل
في الحليب مثلاً كبحث علمي فيه نسب من الماء تتراوح بين 87 % إلى 91 % ، كما يحوي الحليب الدسم المواد الدسمة ، والسكريات ، والبروتينات ، والمعادن ، والفيتامينات ، وغازات منحلة ، فهو غذاء كامل ، فيه غازات منحلة كغاز الفحم ، والأوكسجين ، والنشادر .
- وفيه فيتامينات C ، A ، B ، و C ، و D .
- ومن المعادن : الكالسيوم ، والفوسفور ، ومن البروتينات : الكاترين ، والألبومين ، وما شاكل ذلك - ومن السكريات : سكر العنب ، والدسم والماء .
تقول أنت : حليب ، فيه معادن ، فيه فيتامينات ، فيه مواد دسمة ، فيه مواد سكرية ، فيه مواد غازات منحلة ، تركيبه معقد جداً الحليب ، ومتوافق مع الإنسان توافقاً عجيباً ، لذلك لما قال تعالى :

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

[ سورة عبس ]

هذا الطعام يدلك على الله ، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال مرةً :

(( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ))

[ الحاكم عن ابن عباس ]

كيفية تكون الحليب :

المذيع :
العجيب في الأمر فضيلة دكتور كما ذكرت أن الحليب , ومكونات هذا الحليب من الفيتامينات والمعادن ، وإلى ما هنالك ، ولكن خروجه من البقرة بهذا الشكل ، وبهذا الصفاء هذا هو أمر عجيب .
الأستاذ :
أحدث البحوث العلمية توصلت إلى أن في البقرة غدة ثديية على شكل قبة ، هذه الغدة الثديية مقسمة إلى فصوص ، وهذه الفصوص مقسمة إلى فصيفصات ، وهذه الفصيفصات مقسمة إلى أجواف صغيرة ، هي الأسناخ ، محاطة بغشاء من الخلايا ، حول هذه الخلايا شعريات دموية تأخذ الخلايا من الدم ما تحتاج إليه ، هنا الشاهد .
إذاً الغدة الثديية في البقرة عبارة عن قبة فيها فصوص ، وأجزاء الفصوص ، هذه الفصوص محاطة بخلايا ، هذه الخلايا محاطة بأوعية دموية ، الشيء العجيب أن أربعمئة حجم من الدم يجول حول هذه الغدة من أجل تصنيع حجم حليب واحد ، وكل لتر من الحليب يسهم في صنعه أربعمئة حجم من الدم ، لكن ما الذي يحصل ؟ أن هذه الغدة الثديية التي تجاور الوعاء الدموي تأخذ من الدم ما يناسبها ، تأخذ هذه الغازات المنحلة ، تأخذ البروتينات ، المواد النشوية ، السكرية ، تأخذ المعادن ، تأخذ كل شيء بما يناسبها ، والله عز وجل يقول :

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾

[ سورة النحل الآية : 66 ]

الفرث معروف ، هو فضلات الجهاز الهضمي ، لكن قال بعض العلماء : هناك فرث غازي ، نفرزه من أنوفنا ، غاز الفحم ، من نتائج الاحتراق ، وهناك فرث سائل في الدم ، حمض البولة ، وهناك فرث آخر يخرج من الجهاز الهضمي ، فهذا الدم يجري في مواد سامة ، هناك حمض البولة ، هناك مواد ضارة هناك مواد نافعة ، هناك فيتامينات ، هناك معادن ، هناك أشباه معادن ، هناك غازات منحلة ، هناك مواد بروتينية ، مواد سكرية ، هل هذه الخلية عاقلة حيث تأخذ من هذا الدم ما تحتاجه لتكوين هذا الغذاء الأول في حياة الإنسان ؟ هنا الشيء الدقيق واللطيف .
الشيء الدقيق أنه حتى هذه الساعة لا أحد يعرف طبيعة عمل هذه الخلية ، تحدثنا من قبل عن الغشاء العاقل فيما أذكر ، وهذه الخلية الثديية أيضاً عاقلة ، تقوم بعمل يعجز عنه العلماء ، طبعاً ذكرت قوله تعالى :

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

[ سورة النحل ]

عطاء ربنا جل جلاله يتسم أنه مستساغ ، ومفيد ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يأكل يدعو ويقول : الحليب سائغ للشاربين

(( الحَمْدُ لِلَّه الَّذي أذَاقَنِي لَذَّتَهُ ، وأبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ ، وَدَفَعَ عَنِّي أَذَاهُ ))

[ رواه ابن السني والطبراني عن عائشة رضي الله عنها ]

هذا الغذاء فيه مواد نافعة استقرت في الجسم ، ومواد ضارة خرجت فضلات ، وله طعم طيب ، فتنعم النبي بطعم الطعام ، وبقيت في جسمه مواده الأولية ، وخرج منه المواد التي لا تنفعه .

(( الحَمْدُ لِلَّه الَّذي أذَاقَنِي لَذَّتَهُ ، وأبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ ، وَدَفَعَ عَنِّي أَذَاهُ ))

فضيلة الدكتور ، ذكرت أن البقرة الواحدة تنتج ما يزيد على حاجة وليدها ، ولكن كم تنتج البقرة الواحدة تقريباً ؟
الأستاذ :
تبدأ من عشرين لترًا إلى أربعين لترًا في اليوم الواحد ، إن ضرع البقرة طبعاً بعد تشريحه وجد فيه جداران متعاكسان ، لو أن أربعة إخوة يملكون بقرة واحدة فضرع البقرة أربع حلم ، كل حلمة تستقل بربع إنتاجها بالضبط ، ذلك أن ضرع البقرة جدار من العضلات الملساء ، لكن هذا الجدار قد يتمزق بهذا الوزن ، فمن الذي يحميه من التمزق ، مدعم من وسطه بجدار يقسمه إلى قسمين ، وجدار آخر يقسم القسمين إلى قسمين ، فصارت أربعة أجواف ، كل جوف محاط بجدارين تقريباً ، وينتهي بحلمة ، فهذا من دقة صنع الله عز وجل .
المذيع :
طبعاً هناك تنسيق ، ونظم معين لكيفية درّ الحليب من ثدي البقرة .
الأستاذ :
نعم ، الأوعية الشعرية في الجهة الوحشية من الخلية الثديية ، والخلية الثديية لها جوف يرشح بنقاط الحليب ، فهذه الخلية الثديية تقوم بعمل في منتهى الدقة والحكمة ، تختار من هذا الدم الذي فيه كل شيء ، حتى حمض البول الضار ، حتى المواد السامة ، حتى بقايا احتراق الطعام ، تختار المواد النافعة ، وكأنها كائن عاقل ، تختار ، ويرشح هذا الحليب من جوف الغدة الثديية إلى الضرع الذي هو مكان تجميع الحليب ، ثم سحبه من قبل المستهلك .

أسباب مرض جنون البقر :

المذيع :
طالما فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، تحدثنا عن حليب الأبقار والأبقار بشكل خاص ، فقد أتت إلى عالمنا أو إلى بلادنا بعض الأمراض منها جنون البقر كما سمعتم وسمعنا ، فنريد أن نعرف بهذا المرض ، ونذكر ماذا حدث لهذا البقر ليصاب بهذا المرض ؟
الأستاذ :
الذي حدث أنني أسمي دائماً صنعة الله عز وجل بأصل التصميم ، فالذي حصل أن الله سبحانه وتعالى خلقه كامل كمالاً مطلقاً ، ولكل مخلق صمَّم له طعاماً خاصاً ، فالبقر كائن يعيش على النبات ، فالإنسان حينما جمح عقله ، واعتدى بنفسه ، وألّه نفسه في الأرض ، الإنسان الغربي متألّه ، فوجد أنه لو أطعمه طحين الجيف لكان أقوى له على إنتاج الحليب ، فماذا فعل هذا الإنسان ؟
البقر الذي جنّ أُطعِم المشيمات من مستشفيات التوليد ، وجفِّفت هذه المشيمات ، وطُحِنت ، وقدِّمت غذاء له ، ثم عظام الخنزير جفّفت ، طبعاً غليت ، وجففت ، وطحنت , وقدمت غذاء له ، والجيف أيضاً عُملت في مراجل ، ثم جففت ، ثم طحنت ، وقدمت غذاء له ، هذا البقر صممه الله على طعام نباتي ، فأطعموه طحين الجيف ، لذلك نشأ مرض سماه العلماء الاعتلال الدماغي ، هذا الاعتلال الدماغي سبب جنون البقر ، الحقيقة أن الذين فعلوا هذا ، ولاسيما في بريطانيا اضطروا إلى إحراق 11 مليون بقرة ، ثمنها 33 مليارًا من الجنيهات الإسترلينية ، أنا أقول : ما جنون البقر إلا من جنون البشر .
دعوا البقر يأكل ما خصصه الله له
الإنسان حينما يستهين بأصل التصميم ، ويحاول أن يغير خلق الله ، بل إن الإنسان المتأله يجمح إلى تغيير خلق الله عز وجل ، وقد وصف الله الغافلين والشاردين بأنهم يغيرون خلق الله ، هذا المرض كما قلت قبل قليل : اسمه الاعتلال الدماغي الإسفنجي ، مسببات هذا المرض كائنات بالغة الصغر ، لم تعرف حتى الآن ، ذات دور حضانة طويل جداً ، يمتد إلى ثماني سنوات ، وفي الإنسان يمتد إلى عشرين سنة ، وليس لهذا المرض الخطير مظهر التهابي ، ولا مظهر مناعي ، واكتشف أخيراً أن هذا المرض يصيب البقر ، ويصيب البشر ، بل إن البشر إذا لأكلوا من لحم هذا البقر أصيبوا بمرض مشابه لمرض البقر .
إنّ أعراض هذا المرض في البقرة تكلف في المشي ، رفع القوائم عالياً ، فرط الإدراك الحسي ، الحك ، فقدُ الشهية ، فرط اللعق ، ثم الموت ، وعدم التحكم العصبي ، واقتران هذا كله بسلوك عدواني .
وماذا يفعل هذا المرض في الإنسان الشارد ؟ هذا المرض أيضاً إذا أصاب الإنسان فعل فيه أعراضاً كثيرة .
الشكل البشري لهذا المرض فقدان الذاكرة ، فقدُ التناسق العضلي ، فقد التوازن ، العمى ، فقدُ النطق ، وتحدث الوفاة بين ثلاثة أشهر وعام من بداية ظهور الأعراض ، يرافق هذا قلق واكتئاب وتغيرات سلوكية ، واضطراب في نشاط الدماغ الكهربائي .
هذا المرض يصيب البقر ، ويصيب البشر ، بل يصيب البشر الذين يأكلون من لحوم هذه الأبقار التي اختلت صحتها ، واعتلت ، فكان كما قلت قبل قليل : جنون البقر من جنون البشر .
المذيع :
فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، لا بد لنا أن نأخذ من خلال هذه الكلمات ، وهذه الحلقة الحكمة من هذا المرض الذي أصيب به البقر ، ويصيب أيضاً البشر .
الأستاذ :
الحكمة قد تكون إيمانية ، أن الإنسان إذا تطاول على الذات الإلهية ، وأراد أن يغير خلق الله عز وجل يدفع الثمن باهظاً ، هذه الأغلاط البشرية التي ارتكبت تؤكد أصل التصميم ، القاعدة دائماً يجب أن تكون مؤكّدة ، فإذا خرجنا عن القاعدة ، ودفعنا الثمن باهظاً ، فهذا تأكيد لهذه القاعدة .
أستاذ عبد الحليم يحظر أكل واستعمال لحوم البقر ، وأكل منتجاتها ، ودهونها ، وأحشائها ، ومخلفاتها ، والأعلاف التي مصنوعة منها ، ومنتجات التجميد المصنعة منها ، ولحوم العلب ، وأنواع الحليب ومشتقاته ، وأنواع الحلويات التي تستخدم هذه الدهون ، بل ربما أصاب هذا المرض الإنسان إذا تناول هذه المشتقات .
على كلٍّ ، الغريب أن هذا اللحم المصاب باعتلال الدماغي لو طبخ وارتفعت الدرجة إلى مئة فالعناصر المسببة للمرض لا تموت بهذه الحرارة ، إنه مرض خطير جداً ، وهذا من حكمة الله عز وجل ، وكما قلت قبل قليل : اضطرت بريطانيا إلى حرق 11 مليون بقرة ، وثمن هذه الأبقار 33 مليارًا من الجنيهات الإسترلينية .
فلما يؤمن الإنسان بالله ، ويحترم أصل التصميم ، ويتكيف مع أصل التصميم عندئذٍ يكون قد حقّق ذاته ، وحقق سلامته وسعادته .
المذيع :
إخوة الإيمان والإسلام ، طبعاً نشكر فضيلة الدكتور الذي عرف لنا هذا الطعام الجيد ، والجيد جداً للإنسان ، ألا وهو الحليب ، وأعطانا الكثير من الشواهد من القرآن ، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد قال ربنا تبارك وتعالى :

﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

[ سورة النحل ]

صدق الله العظيم .
إذاً أيها الإخوة ، هذه آيات عظمة دالة على عظمته سبحانه وتعالى .
أيها الإخوة ، سنتابع مع هذا التفكر والتأمل مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، وإلى حلقة قادمة بإذن الله تبارك وتعالى ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

والحمد لله رب العالمين