ندوات إذاعية - إذاعة دار الفتوى - الإعجاز العلمي - الحلقة 24 - 30 : التمر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-18
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

المذيع :
  أخوة الإيمان والإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
 إن موضع الحجة في القرآن الكريم هو إعجازه للخلق أجمعين ، وهذا الإعجاز قد يكون إعجازاً بيانياً ، و لكن لن يكون في متناول إلا الذين يحسنون العربية و يعرفونها ، أما صور الإعجاز العلمي فيمكن أن تصل إلى كل البشر في كل مكان ، طالما استخدموا نعمة العقل التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان في إنصاف ، وتجرد ، وفي صدق مع النفس ، ليصلوا إلى حقيقة أن الله سبحانه وتعالى إله واحد ، وأن دين الإسلام هو خاتم الرسالات ، وأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى .
 في حديثنا عن الإعجاز والتفكر ، معنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق ، والخطيب والمدرس الديني في مساجد دمشق أهلاً وسهلاً بكم .
الدكتور راتب :
 أهلاً وسهلاً بكم سيدي .
المذيع :
 في لقاء سابق ولقاءات سابقة قد تناولنا عدداً من الموضوعات التي تتصل بالإعجاز والتفكر في القرآن والسنة ، فضيلة الدكتور إذا ذهبنا إلى الجزيرة العربية نرى أنها غزيرة بالتمور المتنوعة ، وكما أن العرب من قبلنا وفي أحقاب زمنية متعددة تتركز أغذيتهم على التمور ، وخصوصاً زمن النبي عليه الصلاة والسلام ، فلابد أن للتمر من أهمية كبيرة ، السؤال أهمية التمر وتركيباته ؟

أهمية التمر وتركيباته :

الدكتور راتب :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا ، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ ؟ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ ، فَاسْتَحْيَيْتُ ، ثُمَّ قَالُوا : حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هِيَ النَّخْلَةُ ))

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 ومن ألطف ما قرأت في هذا الموضوع أن مؤتمراً عقد في بلد يصدر التمور ، ألقي فيه بحث تعلَّق بمشابهة النخل للإنسان ، فقيل : جذعها منتصب كالإنسان ، ومنها الذكر والأنثى ، ولا تثمر إلا إذا لقحت ، وإذا قطع رأسها ماتت ، وإذا تعرض قلبها لصدمة هلكت ، وإذا قطع سعفها لا تستطيع تعويضه كالإنسان تماماً ، هي مغشاة بالليف الشبيه بالشعر في الإنسان . أستاذ عبد الحليم ، جزاك الله خيراً ، في العالم ما يزيد على تسعين مليون نخلة ، ومرة قرأت أن النخل من الأشجار المعمرة ، قد تعيش ستة آلاف عام ، ففي العالم الآن ما يزيد على تسعين مليون نخلة ، تقدم الغذاء لبني البشر ، ولاسيما للصائمين في رمضان ، حيث فائدته أعظم .
 قال بعض العلماء : إن التمر الذي يتناوله الصائم مع الماء فيه خمسة وسبعون بالمئة من جزئه المأكول مواد سكرية أحادية ، سهلة الهضم ، سريعة التمثل ، إلى درجة أن السكر ينتقل من الفم إلى الدم في أقل من عشر دقائق ، فأسرع مادة غذائية يتمثلها الدم هو سكر الدم الأحادي ، وفي الحال يتنبه مركز الإحساس بالشبع في الجملة العصبية ، فيشعر الصائم بالاكتفاء ، فإذا أقبل على الطعام أقبل عليه باعتدال ، وكأنه في أيام الإفطار ، أما المواد الدسمة فيستغرق هضمها وامتصاصها أكثر من ثلاث ساعات ، لابد من توضيح هذه الفكرة .
 الإنسان متى يكفّ عن الطعام ؟ إذا وصل تنبيه إلى مركز الشبع في البصلة السيسائية ، أو إذا امتلأت المعدة ، إذا بدأ بالمواد الدسمة ، المواد الدسمة يستغرق هضمها ساعات ثلاث فلا يصل التنبيه إلى مركز الشبع إلا بعد ثلاث ساعات ، أما التمر فينتقل سكره الأحادي من الفم إلى الدم في عشر دقائق ، فالإنسان إذا تناول المواد الدسمة ، وبدأ بها فلا يمكن أن يحس بالشبع إلا بعد ثلاث ساعات ، إذاً متى يتوقف عن الطعام ؟ عند امتلاء المعدة، أما إذا بدأ بالتمر فإن سكر التمر الأحادي يصل إلى مركز تنبه الشبع في عشر دقائق ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يفطر على تمرات ثلاث ، ثم يصلي المغرب ، ثم يجلس إلى تناول طعام الإفطار .
 شيء آخر ؛ أنا أسمي الحقائق العلمية التي تطابقت تطابقاً عفوياً وتاماً مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمي هذه الظاهرة : دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، فمن هدي النبي أنه كان يفطر على تمرات ، وقد أكد العلم اليوم أن أفضل شيء للصائم أن يبدأ طعامه بالتمر ، لأن سكره الأحادي يصل إلى مركز تنبه الشبع في وقت لا يساوي أكثر من عشر دقائق .
المذيع :
 فضيلة الدكتور ، ما هي المواد التي يتركب منها التمر ؟

المواد التي يتركب منها التمر :

الدكتور راتب :
 هذا سؤال لطيف ، التمر يمكن أن تقول هو صيدلية ، يمكن أن تقول فيه مواد أساسية لغذاء الإنسان ، فتتركب التمور من المواد البروتينية المرممة للأنسجة ، ومن نسب ضئيلة من الدهن ، ويحوي التمر خمسة أنواع من الفيتامينات الأساسية التي يحتاجها الجسم ، كما يحتوي التمر على ثمانية معادن أساسية ، ومئة غرام من التمر يومياً فيها من نصف إلى خُمس حاجة الجسم من المعادن ، الجسم بحاجة ماسة إلى المعادن ، فإذا أكل الإنسان مئة غرام من التمر يومياً يكون قد حقق من نصف إلى خُمس حاجة الجسم من المعادن .
 يحتوي التمر أيضاً على اثني عشر حمضاً أمينياً ، وفيه مواد ملينة ، وفيه مواد مهدئة ، وهناك خمسون مرضاً يسببها الإمساك ، والتمر يقي من الإمساك .
 وله آثار إيجابية في الوقاية من فقر الدم ، ومن ارتفاع الضغط ، ويعين على التئام الكسور ، وهو ملين ومهدئ ، وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن التمر لا يتلوث بالجراثيم إطلاقاً ، لأن تركيز السكر العالي يمتص ماء الجرثوم ، وهذه الخيرات كلها ، وقد عدّها بعض العلماء سبعة وأربعين عنصراً ممثَّلة في تمرة تأكلها ، ولا تدري ماذا ينتفع الجسم بها ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ، يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ، أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ ، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ))

[ مسلم عن عائشة]

 قال بعض الأطباء : إن أفضل الدواء ما كان غذاء ، وإن أفضل الغذاء ما كان دواء ، ولابن القيم رحمه الله تعالى قول في التمر ، قال : " هو من أكثر الثمار تغذية للبدن بما فيه من الجوهر الحار الرطب ، وأكله على الريق يقتل الدود ، فإنه مع حرارته فيه قوة ترياقية ، فإذا أديم استعماله على الريق خفف مادة الدود ، وأضعفه ، وقلّله ، أو قتله ، وهو فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى .
المذيع :
 لاشك فضيلة الدكتور أن الأطباء تحدثوا عن التمر وفوائده ، وإن كان يقي من بعض الأمراض ؟

وقاية التمر الإنسان من بعض الأمراض :

الدكتور راتب :
 نحن حينما قلّدنا الغربيين في غذائنا وقعنا في مشكلة كبيرة .
 هذا الغذاء المصفى أو العصير هو غذاء يعد رقيًّا اجتماعياً ، لكن الحقيقة أن أصل تصميم هذه الفاكهة وهذه الخضراوات ينبغي أن نأكلها كما خلقها الله عز وجل ، والسبب هو أن هذه الفواكه والخضراوات فيها ألياف ، هذه الألياف لها دور كبير جداً في الجهاز الهضمي ، هذه أولاً : مواد مالئة ، وثانياً : مواد تعين على حركة الأمعاء ، وثالثاً : هي مواد تمتص الكوليسترول الضار في الإنسان ، ورابعاً : هي مواد لا تعين على زيادة الوزن .
 فالأطباء في حيرة شديدة من ارتفاع نسب الأمراض الخبيثة والوبيلة والمستعصية في هذه السنوات الأخيرة ، أغلب الظن أن هذا يعزى إلى تغيير في خلق الله عز وجل ، فحينما نعود إلى الحياة الطبيعية التي أمرنا الله بها ، والتي رسمها لنا ، والتي خلقها من أجل أن نعيش حياة تملؤها الصحة والسعادة ينبغي أن نعود إلى أصل التصميم ، تمرات نأكلها أفضل ألف مرة من شراب نشربه ليس فيه مادة طبيعية ، مواد كيميائية صرفة ، لكن نؤخذ نحن بالإعلانات وبترويج هذه البضائع .
 إن هناك أمراضاً وبيلة وخطيرة تعاني منها المجتمعات الغربية ، التي أساس غذائها الغذاء المصفى ، أكبر نسب أمراض سرطان القولون في اليابان ، يعتمدون على الغذاء المصفى .
 نحن بحسب بيئتنا نأكل التفاح بينما هناك يشرب عصير التفاح ، الذي يلقى في المهملات هذه المواد السيللوزية التي تحدثت عنها قبل قليل مواد مالئة ، محرضة لحركة الأمعاء، مواد تمتص الكوليسترول الضار ، هذه كلها نضعها نحن في سلة المهملات ، ونشرب المادة المصفاة .

العودة إلى الغذاء الطبيعي الذي خلقه الله لنا :

 أستاذ عبد الحليم ، جزاك الله خيراً ، إذا خلا غذاء الإنسان من الألياف فلن يكون طعامه مفيداً ، يجب أن يأكل الإنسان في اليوم ثلاثين غراماً فما فوق من الألياف ، وفي مئة غرام من التمر ثمانية غرامات ونصف من الألياف ، هذه الألياف تقاوم الإمساك ، والإمساك عرضٌ لخمسين مرضاً ، وهذه الألياف تقاوم الدهون التي قد تسد الشريان التاجي ، الذي هو مرض العصر الأول ، فالتمر له فائدة كبيرة في الوقاية من هذه الأمراض ، التمر فقير جداً إلى الصوديوم ، إن مئة غرام فيها خمسة ميليغرامات من الصوديوم ، ولكنه غني بالبوتاسيوم والمغنيزيوم ، وفي المئة غرام من التمر نصف حاجة الجسم من البوتاسيوم ، وثلث حاجة الجسم من المغنيزيوم ، إذاً هو فقير إلى العنصر الذي يسبب ارتفاع ضغط الدم الذي يسبب الخثرة في الدماغ ، والجلطة في الدم ، ومع انخفاض ضغط الدم يتمتع الإنسان بصحة جيدة .
 في المئة غرام من التمر واحد إلى ستة ميليغرامات من الحديد ، والإنسان في أمسّ الحاجة إلى هذا العنصر ، وله أثر كبير في الدم ، وفي بعض النشاطات الحيوية في الجسم يحتاج الإنسان إلى هذا الحديد ، وفي المئة غرام من التمر ثلث حاجة الإنسان من الفيتامين ب3 ، وهذا الفيتامين أساسي جداً في بعض المعادلات الحيوية في الجسم ، والشيء الذي يلفت النظر أن التمر كما قلت قبل قليل : لا يقبل التلوث ، لأنه لا تعيش فيه الجراثيم ، وقد ورد في الحديث الشريف في وصف التمر أنه يذهب الداء ولا داء فيه .
 أنا أتمنى على الإخوة المستمعين أن يعودوا إلى الغذاء الطبيعي الذي خلقه الله لهم ، وأن نبتعد عن صرعات الإعلانات المتعلقة بالأغذية التي يمكن أن تسبب لنا شعوراً بأننا عصريون ، ولكنها تضر بأجسامنا ، ولا تقدم لنا المادة الأساسية التي نحتاجها .
المذيع :
 إذاً فضيلة الدكتور حثّنا النبي عليه الصلاة والسلام على أن نتغذى من التمر ليس فقط لأن الجزيرة العربية كانت غنية بهذا النوع من الغذاء ، بل لأن له فوائد كبيرة .

صيام رمضان دورة وقائية سنوية ودورة علاجية :

الدكتور راتب :
 نحن مادام الحديث عن التمر وعن الصيام ، هناك بعض الحكم من الصيام ، وكيف أن التمر له دور في هذا الشهر الكريم .
 قال بعض العلماء : إن الصيام يخفف العبء عن جهاز الدوران ، والقلب ، والأوعية ، حيث تهبط نسب الدسم والحموض في الدم إلى أدنى مستوى ، الأمر الذي يقي من تصلب الشرايين ، وآلام المفاصل ، ويريح الصيام الكليتين ، وجهاز الإبراز ، حيث تقلّ نواتج استقلاب الأغذية ، ويتحرك سكر الكبد ، ويحرك معه الدهن المخزون تحت الجلد ، ويحرك معه بروتين العضلات .
 إذاً صيام رمضان يعد دورة وقائية سنوية تقي من كثير من الأمراض ، ودورة علاجية أيضاً بالنسبة لبعض الأمراض ، إضافة إلى أنه يقي من أمراض الشيخوخة التي تنجم عن الإفراط في إرهاق العضوية ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن :

(( صوموا تصحوا ))

[ الطبراني عن أبي هريرة]

 لكن هذا لا يعني أن الإنسان ينبغي أن يصوم من أجل الصحة ، الصيام عبادة ينبغي أن يؤدى كعبادة ، ولكن أمر الله عز وجل فيه فوائد كثيرة ، فأنت إذا أديت هذه العبادة أكرمك الله أيضاً بوقاية وعلاج لما يحتاجه الإنسان في هذا الشهر الكريم .

خاتمة و توديع :

المذيع :
 إذاً أخوة الإيمان والإسلام في هذه الحلقة حدثنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي عن التمر ، وهو الغذاء المحبب للعربي منذ القدم ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حثنا على أن نفطر على هذا الغذاء ، و هو التمر ، فعَنْ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ ))

[ الترمذي فعَنْ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ]

 إذاً يكفينا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن هذا الغذاء ، وذكر بأنه بركة ، وقال للسيدة عائشة :

(( يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ، يَا عَائِشَةُ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ ، أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ ، قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ))

[ مسلم عن عائشة]

 اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
 نتابع الحديث عن آيات الله في هذا الكون ، وفي القرآن الكريم ، فقد ذكر القرآن الكريم الآيات الكثيرة الدالة على عظيم خلقه ، ونتحدث مع فضيلة الدكتور عن هذه الآيات في حلقات قادمة ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

والحمد لله رب العالمين