ندوات إذاعية - إذاعة دار الفتوى - الإعجاز العلمي - الحلقة 25 - 30 : الخيل - الزرافة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-11-19
بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

( سورة الذاريات )

 السماء ، البرزخ ، النحل ، الأرض ، ظلمات الفضاء ، الكون ، النمل ، الكواكب ، دقة الإنسان.
التفكر في الخلق والكون
 التفكر في الخلق والكون ، حوارات مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أحد علماء دمشق ، يجريها عبد الحليم قباني.
المذيع:
اللهم صلِّ ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آلله وصحبه أجمعين.
 لقد دعانا القرآن الكريم في كثير من المواطن والمواضع إلى التفكر والتدبر في آياته ، ليصل الفكر بإمعان إلى الحقائق الكبرى ، فإعجاز ما هو إلى وسيلة لتتأكد ألوهية الله سبحانه وتعالى ووحدانيته ، ورسالة الإسلام رسالة السلام ، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن خلال الفكر نصل إلى وجدان كل شخص يتأمل في آيات الله الذي خلق هذا الكون ، ونزل هذا القرآن ، وقلنا: إنه عندما نجد فيما وصل إليه الإنسان من تطور علمي وحقائق مذهلة توصل إليها العلم ، ثم نجدها مسجلة في القرآن الكريم فإن ذلك يؤنس إيمان كل فرد.
إخوة الإيمان والإسلام ، في هذه الحلقة ، ومع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق ، والخطيب والأستاذ الديني في جوامع دمشق ، نرحب به أهلاً وسهلاً.
 إذاً في هذه الحلقة نتحدث عن أمر يهتم إليه العربي ، فالعلاقة قديمة بين الخيل والرجل العربي ، ولكن لابد من حكة لهذه العلاقة ، فكما ذكرتم فضيلة الدكتور في كتابكم أن الله جعل لحكمة أرادها في كل صفة مادية للإنسان حيواناً يفوقه بها ، فلننظرْ ما هي الأمور التي يفوق بها الخيل الإنسان ؟
الأستاذ:
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
 قبل أن نتحدث عن الخيل التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ، بل في صحيح البخاري ، من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

[متفق عليه]

 فالخيل حيوان أكرمنا الله به ، ولكن من ذلَّله لنا ؟ من جعله مذلَّلاً ؟ من جعله قريباً منا ؟ من جعلنا نألفه ونحبه ؟ إنه الله ، ففي كلمة:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهمْ ﴾

لولا أن الله طوّع هذه الحيوانات كالخيل والإبل ، وما إلى ذلك ، والبقرة ، والخروف ، لولا أنها مذلَّلة كيف ننتفع بها
 تعلمون أن بمرض جنون البقر اضطرت بريطانيا إلى إعدام 11 مليون بقرة ، قيمتها 33 مليار جنيه إسترليني ، لأنها توحشت ، فالتذليل من نعمِ الله الكبرى.
إنك تشعر أن الخيل مصممة لهذا الإنسان ، مسخرة له ، مذلّلة له ، فحينما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )

 لأنه قَبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول رتبةً ، ولأنه المخلوق الأول سخِّر له:

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

( سورة الجاثية الآية: 13 )

 فالخيل من المخلوقات التي سخرها الله للإنسان وذلّلها ، من عجيب خصائص هذا الحيوان الذي سخره الله للإنسان تكريماً له أنه قوي السمع ، فالخيل تسمع وقْع الخُطى قبل أن ترى الذي يمشي ، وتسمع وقع حوافر خيل أخرى قبل أن تتبدى لها في الأفق ، وتنبِّه صاحبها ، هذه خاصة تفوق ما عند الإنسان من خصائص ، والخيل لا تفقد قدرتها على التناسل إن تقدمت في السن ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

الخيل سريعة الشفاء من جروحها.
 الشاعر الجاهلي عنترة وصف فرسه فقال:

فازورّ من وقع القنا  بلبــــانه وشكا إلي بعبرة وتحمحـمِ
لو كان يدري ما المحاورة  اشكـتا و لكان لو علم الكلام مكلمِ

يبدو أن هناك مشاركة وجدانية بين صاحب الخيل والخيل ، كائن له شعور أحياناً.
 إذاً هي سريعة الشفاء من جروحها وأمراضها سرعة غير معقولة ، فشفاؤها أسرع من شفاء الإنسان ، وتلتئم كسور عظامها بسرعة عجيبة جداً ، ويكفي الحصان علف قليل ليقوم بجري كثير ، يضاف إلى هذه الخصائص أن جهاز الحصان التنفسي قوي جداً ، فهو ذو قصبة هوائية واسعة جداًَ ، وقفص صدري واسع جداً يعينه على استنشاق أكبر كمية من الأوكسجين ، لتعينه هذه الكمية على الجري الطويل ، لأنه مهيؤٌ ليكون أداة نقل للإنسان.
من ألطف ما قرأت أن هذا الحصان أنه يقي أمراض القلب والكليتين والكبد ، وفي بحوث حديثة جداً تؤكد أن الإدمان على ركوب السيارة يجلب للإنسان أمراض القلب والكبد والكليتين.
 الحصان له قدرة عجيبة على تحمل المصاعب والمشاق ، يستطيع أن يحمل ربع وزنه ، فإذا كان وزنه 400 كغ فإنه يحمل 100 ويستطيع أن يعدو مسافات طويلة ، ولأمد طويل جداً من دون طعام ولا ماء ، ويتميز الحصان بذاكرة حادة جداً ، هذه الذاكرة تنصب على الأماكن التي يعيش فيها ، فبإمكانه إذا أصاب صاحبه مكروه أن يعيده إلى البيت بذاكرته ، بل إنه يستطيع أن يحفظ أدق الأماكن ، وأدق التفاصيل ، يعرف صوت صاحبه ، ولو لم يره ، بل إنه ليعرف صاحبه من طريقة ركوبه الفرس ، فيعرفه إما من صوته أو رائحته ، أو من طريقة ركوبه الفرس ، ويستجيب الحصان بردود فعل سريعة جداً لحركات فارسه ، وهو من أذكى الحيوانات ، ومن أشدها وفاء ، والشيء الذي يأخذ بالألباب كما ذكر في بعض البحوث العلمية أن ركوب الخيل يقي من أمراض القلب وأمراض والكبد والكليتين ، وأمراض جهاز الهضم ، بخلاف الإدمان على ركوب السيارة ، فإنه يجلب أمراض القلب وأمراض الكليتين وأمراض الكبد ، لذلك صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

المذيع:
 إذاً ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخيل ، وأن في نواصيها ، أي في مقدمة رأسها الخير إلى يوم القيامة ، وكما ذكرتم فضيلة الدكتور من بعض البحوث العلمية أن ركوب الخيل يقي من أمراض كثيرة ، كأمراض القلب وأمراض الكبد والكليتين.
الآن نريد أن نتحدث أيضاً عن حيوان آخر في هذه الحلقة ، فإن رأيناه رأيناه طويلاً جداً ، ألا وهو الزرافة.
الأستاذ:
أستاذ عبد الحليم ، حينما قال الله عز وجل:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )

 هذا يرشدنا إلى أن الإنسان أحياناً يصنع صنعة متقنة تسمى صناعيّة ، وقد يصنع صنعة أقلّ جودة تسمى تجارية ، لكن عند الله عز وجل :

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

( سورة الملك الآية: 3 )

 فأيّ شيء صنعه الله عز وجل بدقة بالغةٍ بالغة ، وبحكمةٍ بالغةٍ بالغة ، إذاً معنى قول الله تعالى:

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

لا تجد صنعة لله عز وجل في مستوى من الإتقان أقلّ من غيرها.
 الزرافة: هذا الحيوان الذي يعد من أطول قاطبة ، فطول الزرافة يزيد على ستة أمتار ، أي ارتفاع طابقين من الطوابق العالية ، الطابق في بعض بلادنا ثلاثة أمتار ، أما في بلاد أخرى فمتران ، فهذه الزرافة تعلو على طابقين من الطوابق العالية في بلادنا ، هذا الحيوان من أشد المخلوقات تيقظاً وخفة ، زودها الله بعينين جاحظتين تستطيعان أن تريا 360 درجة ، فعينها تغطي كل الجهات ، وهي واقفة رأسها كالبرج ، وعيناها تجوسان الأفق كله من كل الزوايا ، وتزن طناً واحداً ، وإذا عَدَتْ تجاوزت سرعتها 60 كم في الساعة.
ذكرت لكم سابقاً أنه ما من صفة في الإنسان على الإطلاق مادية إلا وفي الحيوان صفة أعلى منها ، لكن الإنسان ميزه الله بالعقل وبالإيمان ، وبمعرفة الله عز وجل ، وبالإقبال عليه ، فإذا تخلى الإنسان ما خلق له من معرفة بالله وطاعة له فأي حيوان يفوقه في مناح الحياة.
المذيع:
فضيلة الدكتور ، ولكن لا بد من حكمة من خلق الزرافة على هذا الطول والارتفاع.
الأستاذ:
 سنراها بعد قليل ، لها رغامى تعد من أطول رغامى في الكائنات التي خلقها الله عز وجل ، رغامتها تزيد على متر ونصف ـ أي الرقبة ؟ ـ القصبة الهوائية ، رأسها ضخم جداً ، هذا الموضوع أريد منه شيئاً واحداً ، هو أن هذا الرأس الضخم ، وهذه والرقبة الطويلة التي تزيد على مترين إذا أرادت أن تضع رأسها في الأرض لتأكل مما عليها ما الذي يحصل ؟ ينهمر الدم كله إلى رأسها ، فإذا تدفق الدم إلى رأسها احتقنت شرايين الدماغ ، فإذا رفعت رأسها فجأة فلابد من أن تصاب بالدوار.
 الإنسان ـ أستاذ عبد الحليم ـ قد يكون نائمًا ، فإذا وقف فجأة بالمنطق ينبغي أن يصاب بالدوار ، لأن الدم بحسب الجاذبية هبط ، ولكن الشيء الذي لا يصدق أن في الإنسان خصائص ، أن هذا الدم لا يرجع إذا وقف الإنسان فجأة ، مزود بآلية معقدة جداً تحميه من هبوط الدم إذا وقف فجأة ، لكن هذه المادة التي أودعا الله في الإنسان مع تقدمه تضعف ، لذلك المتقدمون في السن لا يستطيعون أن يقفوا فجأة ، يصابون بالدوار ،هذه الزرافة لو أنها وضعت رأسها على الأرض لتأكل ما على الأرض ، وارتفعت فجأة يجب أن تصاب بالدوار ، فلذلك جهز جسمها بآلية بالغة التعقيد تحميها من هذه الحالة التي قد يعيق حركتها ، إذا تدفق الدم إلى رأسها احتقن شرايين الدماغ ، فإذا رفعت رأسها فجأة فلابد من أن تصاب بالدوار والإغماء قطعاً ، لذلك جهزها الله بآيلة عجيبة حيرت العلماء.
 شرايين الرأس في الزرافة من طبيعة خاصة ، لهذه الشرايين عضلات ، إذا جاءها الدم تتسع بفعل ابنساطها حتى تستوعب جميع الدم الذي جاء إلى الرأس بفعل الجاذبية ، ولكن هذه الشرايين لها صمامات ، فحينما ترفع رأسها فجأة تغلق الصمامات كلها فتبقى هذه الكمية من الدم في رأسها ، ثم تفتح شيئاً فشيئاً ، عندها يعود الدم تدريجياً إلى بقية شرايين الجسم ، وآلية هذه الشرايين تلفت النظر ، إذا جاءها الدم كثيفاً توسعت ، واستوعبت ، فإذا رفعت الزرافة رأسها فجأة أغلقت الشرايين صماماتها محتبسة الدم فيها كي لا تصاب بالدوار والإغماء ، من جهزها بهذا الجهاز ؟ من جعل لها هذه الشرايين وهذه العضلات ؟ إنه الله جل جلاله ،

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

( سورة النمل الآية: 88 )

 أستاذ عبد الحليم ، هذا ينقلنا إلى أن الإنسان حينما يكون البرد قارصاً ، ويستنشق الهواء الذي تصل درجته إلى الصفر كيف يصبح هذا الهواء في درجة 37 بعد وصوله إلى الرئتين ؟ بآلية بالغة التعقيد ، أن الأنف فيه سطوح متداخلة ، وهذا الأنف مزود بأوعية دموية تتسع في البرد ، فتأتي كمية من الدم كبيرة تسخن الهواء بين هذه السطوح ، فإذا استنشق الإنسان هذا الهواء البارد إلى أن يصل إلى مقدمة الرغامى أو القصبة الهوائية تعود حرارته لتصل إلى 37 الطبيعية ، فأيضاً هذه آلية بالغة التعقيد ، لذلك تجد الإنسان يحمر أنفه في البرد الشديد ، لأن كمية الدم تأتي كبيرة جداً ، وهذه تسهم في رفع الحرارة فيما بين السطوح التي في الأنف ، وقد زودت هذه السطوح بمادة لزجة تعلق عليها المواد التي يحملها الهواء ، ثم إنه لو تصورنا أن ذرةً من هذه الذرات نجت من أن تلتصق بالسطوح ، وسارت في هذه التجاويف تأخذها الشعيرات التي في الأنف ، فهو جهاز تصفية وتسخين رائع جداً.
 كذلك الزرافة ، قد نتساءل: من زود هذه الزرافة بهذه الشرايين ، وتلك الصمامات ؟ إنه الله العليم الحكيم ، ما من مخلوق على وجه الأرض ، وما من مخلوق تحت الأرض ، وما من مخلوق إلا وخلقه الله أبدع خلق ، وصنعه أتقن صنعة ، إن قلب الزرافة يدفع في الدقيقة الواحدة 55 لتراً من الدم ، في الدقيقة الواحدة ، فأي شيء وقعت عينك عليه هو آية دالة على عظمة الله ، أي شيء تفحصته ، أي شيء درسته ، أي شيء دققت فيه إنما هو آية تدل على أنه الواحد الديان ، الواحد الأحد الفرد الصمد.
المذيع:
في حديثنا ، وفي هذه الحلقة فضيلة الدكتور نذكر الإخوة والأخوات أننا تحدثنا عن الخيل ، وذكرنا حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم:

(( الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

، كما تحدثنا عن الحكمة من طول الزرافة ، وهذا الصنع الذي أتقن بقدرة الله وعظمته.
 إخوة الإيمان والإسلام ، إلى حلقة قادمة من هذا البرنامج مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي نستودعكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
والحمد لله رب العالمين