موضوعات متنوعة - مقدمات كتب : نظرات في الإسلام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-09-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد للّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، علَّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان. والصلاة والسلام على سيد الخلق، وحبيب الحق، سيد المربين، وإمام المعلمين، والمبعوث رحمةً للعالمين.
 وبعد... فلهذا الكتاب قصة، بدأت حينما دُعيت لتولي الخطابة والتدريس في جامع جدّي العارف باللّه الشيخ عبد الغني النابلسي( ا )، قبل عشرين عاماً. وقد تهيّبت ـ في حينه ـ قبول هذا العمل الجليل، لظني أني لا أملك كلَّ مؤهلاته، ولكنّي ـ في الوقت نفسه ـ رأيت أن شرفاً عظيماً، ومغنماً كبيراً، ومطمحاَ بعيداً يناله عبدٌ مفتقر، لفضل اللّه حين يأذن اللّه له في الدعوة إليه، ثم يوفقه فيها
( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين )
 وكم كنت حريصاً حرصاً لا حدود له، على أن أنزّه الدعوة عن كل مأخذ يجرحها، أو يُسقطها، فالذي يُدعى إلى اللّه بمضمون سطحي غير متماسك، مفتقر إلى الدليل النقلي، والعقلي، والفطري، والواقعي، وبأسلوب غير علمي، وغير تربوي، أو يُدعى بمضمون عميق ثم لا يرى المدعو المصداقية في سلوك الداعي.
 هذا المدعو بهذا المضمون، وبتلك الطريقة، وبهذه الازدواجية، لا يُعدُّ مبلَّغاً عند اللّه، ويقع إثمٌ تفلّته من منهج اللّه، على من دعاه بهذا الهبوط، لذلك يتحمل الدعاة إلى اللّه أعظم المسؤوليات، وأكبر التبعات.
 يقول الإمام الغزالي، رحمه اللّه: " لأن يرتكب العوام الكبائر أهون من أن يقولوا على اللّه ما لا يعلمون ".
ويقول الشافعي، رحمه اللّه: " لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين ".
 وقد جعلت من القواعد المستنبطة من الكتاب والسنة، منهجاً في الدعوة: التعريف بالآمر قبل الأمر، والأصول قبل الفروع، والقدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والترغيب قبل الترهيب، والتيسير لا التعسير، والتفهيم لا التلقين، والتربية لا التَعرية، والتدرج لا الطفرة، والمتفق عليه لا المُختلف عليه، ومخاطبة العقل والقلب معاً، واعتماد الدليل والتعليل، والتركيز على المبادئ لا على الأشخاص، وعلى المَضامين لا العناوين.
 وانطلاقاً من الحقيقة الثابتة وهي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم معصومٌ بمفرده، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها، كنت أتمنى على الدعاة، أن يتّبعوا لا أن يبتدعوا، وأن يتعاونوا لا أن يتنافسوا، وأن يعترف كلّ لأخيه بالفضل، لا أن يُنكر عليه، فالدعاة إلى اللّه يكمّل بعضهم بعضاً، ويغطي كلّ منهم شريحة من شرائح المجتمع، ولا تثريب عليهم إذا اتفقوا في الأصول، أن تتعدد وجهات نظرهم في الفروع والأساليب، عليهم أن يتعاونوا فيما اتفقوا، ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا.
* * *
 والدعوة إلى اللّه تأخذ عادة منحيين اثنين ؛ دعوة عن طريق تأليف القلوب، وهذه أعمق أثراً. ودعوة عن طريق تأليف الكتب، وهذه أقوى أمداً ؛ دعوة بالمشافهة، ودعوة بالمراسلة.
 وبما أن النفس توّاقة إلى مزيد من فضل اللّه تعالى، فقد رغبت أن أدلي بدلوٍ في المَنحى الثاني، منحى التأليف، ففي الحديث الصحيح:

(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ؛ صدقةٌ جارية، وعلم ينتفع بهِ، وولدٌ صالحٌ يدعو ))

 فبدأت بعملٍ متواضع، جاهز، وهو أني جمعت الخطب التي نقلتها إذاعة دمشق وصوت الشعب، بدءاً من عام 1986م وحتى عام 1993م، وكذلك الدروس الدينية التي بثها التلفزيون العربي السوري بدءاً من عام 1987م وحتى عام 1993م، وكذلك المقالات التي نشرت في مجلة " نهج الإسلام " التي تصدرها وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية بدءاً من العدد 27 وحتى العدد 52، وكذلك بعض الندوات الإذاعية التي شاركت فيها، جمعت هذا كله في مؤلف، وسميته " نظرات في الإسلام "، لأني إن أصبت في النظر فمن فضل اللّه وتوفيقه، وإن لم أصب فمن تقصيري، فما الكتاب إلا نظرات ليس غير.
 ومع أن الكمال لله وحده، فقد حرصت على أن يَسْلم الكتاب من الهنات والزلاّت، ومع هذا لست راضياً عنه كلّ الرضى، فالإنسان في تطوّر مستمر.
 وأنا أدعو الإخوة القرّاء أن يقدموا لي أثمن هدية، وهي الملاحظات القيمة، والنقد الموضوعي البناء، فقد قال سيدنا عمر، رضي اللّه عنه: " أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي "، علماً بأنه ما من أحد أصغر من أن ينقُد، وما من أحدٍ أكبر من أن يُنقَد، إلا صاحب القبّة الخضراء صلى اللّه عليه وسلم، وليس الذي يقبل النصيحة المخلصة بأقل أجراً من الذي يُسديها تقرباً إلى اللّه. فالدين النصيحة.
ولا يسعني في نهاية المَطاف إلى أن أدعو وأقول:
 جزى اللّه عنا سيدنا محمداً صلى اللّه عليه وسلم، الذي أرسله اللّه رحمةً للعالمين، بشيراً ونذيراً، خيراً ما جزى نبياً عن أمته.
 وجزى اللّه عنا صحابته الكرام، وأهل بيته، الطيبين الطاهرين، والهادين المهدين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، ما هم أهله.
وجزى اللّه والدينا، ومشايخنا، ومن علّمنا، ومن له حقٌ علينا، خير الجزاء.
 ولا يسعني أيضاً إلا أن أشكر كل الذين ساهموا في إخراج هذا الكتاب، في كل مراحله، فهم شركاء في الفضل والأجر.
دمشق 9 / 9 / 1994 م
محمد راتب النابلسي
أستاذ محاضر في كلية التربية بجامعة دمشق
خطيب مسجد الشيخ عبد الغني النابلسي
مدرس ديني في مساجد دمشق
ـــــــــــــــــــ
 ( 1 ) الشيخ عبد الغني النابلسي، علم من أعلام الأمة، كان له تأثير كبير في عصره، وفي العصور التالية، فهو العالم الموسوعي، المتعدد الجوانب، الغزير المواهب، بَرَعَ في علم الحقيقة، والطريقة، وفي معقول الشريعة و منقولها، وعلم الحديث، روايةً ودرايةً، وكان فقيهاً متبحِّراً، غوَّاصاً في المسائل، خبيراً بطرائق الاستدلال، درَّس التفسير وروى فيه الآثار، وكان رحَّالاً ومؤرِّخاً، وأديباً وشاعراً، ومتقناً لبعض العلوم الكونية.
 أوتي مقدرة عجيبة في التأليف، من حيث التنّوع، والنوعية، والكثرة، ترك مصنَّفات كثيرة، ونافعة، ومتداولة في العقائد، وفي التصوّف، وفي الحديث، وفي الفقه، وفي الرحلات، وفي تفسير الأحلام، وفي الشعر الوجداني، تربو عن مثتين وثلاثين مؤلَّفاً، في المكتبة الظاهرية منها مائة وثمانون.
ارتضاه العلماء في عصره، وتتلمذوا على يديه، واستفتوه في المعضلات، فكان عندهم صادقاً مع الله قولاً وعملاً وحالاً.
 كان يحب الصالحين، وطلبة العلم، ويكرمهم، معرضاً عن الشهوات، لا يسعده إلا نشر العلم وكتابته، رَحْب الصدر، كثير السَخاء، أقبل الناس عليه وأحبّوه، ورأى من العزّ، والجاه، ورفعة القَدر، ما لا يوصف، متَّعه الله بقوَّته، وعقله، وسمعه وبصره، حتى نهاية عمره، فكان يصلي التراويح بالناس إماماً، ويقرأ الخط الدقيق، ويلبس الملابس الحسنة، وهو في التسعين من عمره، وكان ورعاً، شديد الصبر على من يؤذيه، وكان مصون اللسان عن اللغو، لا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يحقد على أحد، قضى حياته كلّها إماماً، متعبِّداً، ومدرِّساً، ومؤلّفاً، لذلك يُعَدّ الرجل الأول في عصره، وما زال تأثيره مستمراً حتى عصرنا الحاضر.
 من كتاب " التصوف الإسلامي في عصر النابلسي " تأليف عبد القادر أحمد عطا، دار الجيل، بيروت، ط: 1987م، ص: 77 وما بعدها.
* * *
والحمد لله رب العالمين