الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 17 - 25 ): الحج - سورة آل عمران 96 - 97
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-03-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

آية الحج :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من: "آيات الأحكام"، وآية اليوم آية الحج وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 96-97 ]

 أيها الأخوة الكرام، بين يدي هذه الآية الحج رحلةٌ إلى الله، الله جلّ جلاله في كل مكان وفي كل زمان، ولكن شاءت حكمته أن يتخذ في الأرض بيتاً، ليكون الذي يأتيه معبراً عن أن تلبية دعوة الله لزيارة بيته أغلى عنده من بيته وأولاده وعمله وماله.
 لأن الحج أيها الأخوة عبادةٌ متميزة فيها تفرغٌ وتفريغ، تؤدي الصلاة وأنت في بلدك، تصوم وأنت في بلدك، تؤدي الزكاة وأنت في بلدك، إلا الحج فلا يؤدى إلا في مكانٍ مخصوص، وفي وقتٍ مخصوص، لابد من أن تترك بيتك، وزوجتك، وأولادك، وعملك، وكل المظاهر الدنيوية التي تحيط نفسك بها، لابد من أن تخلع كل الأقنعة التي تشوه الإنسان.
 فالحج أيها الأخوة في العمق من أرقى العبادات، بل هو عبادة العمر، الصلاة شحنة روحية تشحن بها في اليوم خمس مرات، وكأن هذه الشحنة تكفيك للفرض الثاني، ولكن صلاة الجمعة شحنةٌ أسبوعية، وكأن هذه الشحنة الروحية تكفيك للأسبوع القادم، ورمضان شحنةٌ سنوية، وكأن هذه الشحنة تكفيك لرمضان القادم، لكن عبادة العمر، الشحنة التي ينبغي أن تؤدى في العمر مرة واحدة، والتي يمكن أن تلقي الله بها، هي شحنة الحج.

الله عز وجل جعل الحج الرحلة قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة :

 الإنسان أيها الأخوة ينمو، ينمو في جسمه، ينمو في ماله، ينمو في علمه، ينمو في أتباعه، ينمو في مكانته، هذا النمو يزداد ويزداد إلى أن يأتي ملك الموت لينتزع منه كل شيءٍ حصَّله في ثانية واحدة، فلا زوجة، ولا ولد، ولا عمل، ولا مال، ولا مكانة، ولا مُتَع، إنما هي مساحةٌ ضيقة يحشر فيها الإنسان عند موته، فهذه هي الرحلة الأخيرة، وسيشيع إلى مثواه الأخير، بيوتنا مثوىً مؤقَّت، لابد من يومٍ جميعاً نخرج من البيت بشكلٍ أفقي ولا نعود، مغادرة بلا عودة، هذه الرحلة الأخيرة، وجعل الله الحج الرحلة قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة.
 انظر إلى حجاج بيت الله الحرام، مهما علا شأنك، مهما كثر مالك، لابد من إزارٍ ورداء ترتديهما، ولابد من أن تطوف مع عامة المسلمين، فليست هناك مرتبة أبداً، ممكن أن تحجز في أكبر فندق، ممكن أن تكلفك الحجة خمسمئة ألف، ولكن لابد من أن تطوف حول الكعبة مع عامة المسلمين، ولا بد من أن تقف في عرفات، ولابد من أن تعاني الازدحام، ولابد من أن تخلع عنك كل أقنعة الدنيا.
 الإنسان في الدنيا يرتدي ثياباً تتناسب مع مكانته، ومع أذواقه، ومع دخله، فالثياب جزء من الدنيا، والإنسان أحياناً يتعطَّر، ويغتسل، ويقلِّم، ويحلق، هذا نعيم الدنيا، ولكنك في الحج لا تستطيع لا أن تتعطر، ولا أن تقلِّم، ولا أن تحلق، ولا أن ترتدي بدلةً أنيقةً، بل إنك إن حججت بيت الله الحرام، وارتديت ثياب الإحرام، عرفت نعمة الثياب المخيطة، عرفت ما معنى أنك ترتدي ثوباً مخيطاً محيطاً، لا مخيط ولا محيط في الحج، إذاً أراد الله عز وجل أن تنزع عنك الأقنعة التي تشوِّه حقيقتك ورسالتك في الحياة، رحلةٌ قبل الأخيرة.

تناسب العطاء مع الداعي :

 شيءٌ آخر: هل في الأرض إنسان يدعوك إلى بيته دون أن يعطيك شيئاً، دون أن يقدِّم لك شيئاً، إلهٌ عظيم يدعوك إلى زيارة بيته في مكة المكرمة، فالعطاء يتناسب مع الداعي، إذا دعاك ملك لتناول طعام الغداء، ماذا ستأكل؟ فلافل؟ مستحيل، لابد من أن تأكل أثمن الطعام، وأطيب الطعام، إذا قدم لك ملكٌ هدية، ماذا يقدم لك؟ قلم رصاص أم بيت؟ فهو بيت الله في بلدك.
 إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر، ورد في الأحاديث القدسية أن:

((إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في رزقه، لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم))

[كنز العمال عن أبي هريرة]

الله عز وجل في الحج يعطي الإنسان عاملاً روحياً :

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾

[ سورة البقرة: 125 ]

 معنى مثابةً؟ مثابة مصدر ميمي من ثاب، ثاب بمعنى رجع، وشاءت حكمة الله البالغة أن يكون هذا البيت في منطقة حارّة، وفي منطقة لا نبات فيها، الجمال هناك صفر، صحراء، جبال سوداء، جو حار، ازدحام لا يحتمل، ومع ذلك إن ذهبت إلى هذه البلاد ملبياً دعوة الله عز وجل تقول: " لبيك اللهم لبيك " يتجلى الله على قلبك تجلياً تنسى الدنيا وما فيها، ولا شيء تتمناه وأنت هناك إلا ألا تكون هذه الزيارة الأخيرة، يا رب لا تجعل هذه الزيارة آخر عهدي بالبيت، لشدة السرور، لشدة السعادة التي تنتاب زوَّار بيت الله الحرام، يتمنون ألا يخرجوا من بيوتهم إلا لزيارة الحرمين الشريفين.
 معنى ذلك الله عز وجل جَمَّد كل عوامل السرور المادية، جمَّدها وأعطاك عاملاً آخر روحياً، أما لو كان بيت الله الحرام في مكان جميل، في منطقة خضراء، في نسيم عليل، في مناظر جميلة، على مدى العام، وذهب الحاج إلى هناك، واستمتع بهذه المناظر، وبهذا الطعام الطيب، وبهذه النسمات العليلة، تختلط الأمور، يا ترى كان سعيداً بوسائل السعادة المادية أم كان سعيداً بقربه من الله؟

الحج قرب من الله :

 الحقيقة الحج قرب من الله، هو الله معك في كل مكان، أما حينما تذهب إليه في بيته الحرام فتدفع الثمن باهظاً.
 إنسان مقيم بأمريكا، يقطع ثلاثين ساعة طيراناً ليصل إلى بيت الله الحرام، يدفع مبالغ طائلة ليطوف حول الكعبة ويقول: "لبيك اللهم لبيك". فالله عز وجل جعلك بهذه الفريضة تدفع الثمن باهظاً، والعطاء على قدر الثمن، وتقريب للأمثلة: لو أن طالباً والده أستاذ رياضيات، أعطاه درس رياضيات، لأن الدرس بلا ثمن، والأستاذ أبوه، القضية سهلة، لا يهتم، أما لو عمل طوال الصيف عملاً شاقاً، وجمع مبلغاً من المال، ثم دفع للأستاذ كل درس ألف ليرة، فتجده كتلة اهتمام، كتلة انتباه.
 الحج مدفوع ثمنه باهظ، طبعاً هناك ثمن مادي، وهناك ثمن معنوي، الإنسان قد يجمع لسنواتٍ طويلة جداً نفقات الحج، قد يدفع ثمناً آخر؛ ازدحام، حر، من أجل أن يلبي دعوة الله عز وجل، فلذلك الوقوف بعرفة مكان حار، شخص جاء من الهند، من باكستان، من الصين، من أمريكا، من أوروبا، من بلاد الشام ليجلس بين ملايين مملينة، والحر لا يحتمل، ويناجي ربه دافع الثمن، لابد من أن يأتي عطاءٌ يقابل هذا الثمن، كأن الله أراد أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، هناك قرب ثمنه قليل، أراد الله أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، فلذلك هذه عبادة العمر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 96]

 الإنسان حسي، الإنسان له جسم، له دم، له لحم، له أعصاب، لأنه حسي، لحكمةٍ بالغةٍ جعل الله له بيتاً في مكة، قال: تعال إليّ، تعال حتى أريحك من هموم الدنيا، تعال كي تذوق طعم القرب مني، تعال كي تشعر بسر وجودك وغاية وجودك.

الحج صلح مع الله وتسوية حسابات :

 شكلياً، ويعود الحاج كما ذهب، أما أنا أقول لكم: والله الذي لا إله إلا هو كما ورد: "من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له"، ما معنى المغفرة؟ عمر بكامله، تشعر أنك عدت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، تشعر كأنك ولدت من جديد، تشعر كأنه ليس هناك شيئاً تحاسب عليه، انتهى كل شيء.

((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة]

 فالحج صلح مع الله، وتسوية حسابات، وطي صفحات الماضي كلها، هذا الحج المبرور، ليس له جزاءٌ إلا الجنة، فلذلك ادعُ الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام.

الحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية :

 الملاحظة التي تؤلمني أحياناً قبل أن نبدأ الحديث عن آيات الحج، هو أن الحج كأنه للمتقدمين في العمر، تجد إنسان بالثمانين، بالخامسة و السبعين، بالسبعين، بالستين، فالحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية، هناك سعي، وطواف، وسفر، وحر، فالإنسان عندما يؤخر الحج إلى وقت يصبح عاجزاً عن أداء مناسك الحج، لا يعد حكيماً، أما ما كنت أغبط أحداً في الحج إلا الشباب؛ يطوفون بصحةٍ عالية، يسعون، يمشون إلى عرفات مشياً على أقدامهم، هناك صعوبات الانتقال، والازدحام، وحجز الأماكن، شاب يذهب إلى عرفات مشياً، هناك طريق مكيف إلى هناك، ويعود مشياً، فأتمنى أن الإنسان إذا أراد أن يحج وهو فريضة أن يبكِّر لا أن يؤخر، كلما بكر قطف ثمار الحج يانعة، وأن الحج فريضة.

شرح لبعض مفردات الآية :

﴿أَوَّلَ بَيْتٍ﴾

 أي أول بيت للعبادة، فالبيت الحرام أول المساجد على وجه الأرض.

﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾

 أي جُعل متعبداً لهم: و

﴿ بِبَكَّةَ﴾

 اسم لمكة، وقيل: سميت هكذا لأنها تَبُكّ أعناق الجبابرة. جعل الله هذه البلدة آمنةً. وأما:

﴿ مُبَارَكًا ﴾

 هناك بركة حسية، وبركة معنوية، ولا تعرف البركة الحسية إلا إذا ذهبت إلى هناك، كل شيءٍ في العالم يجلب إلى مكة وإلى المدينة، ترى أشياء تحير العقول، الله عز وجل وصف هذا في القرآن الكريم:

﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة القصص: 57 ]

 والبركة المعنوية أن الناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها يتوجهون لهذه البقعة المقدسة، وأنا أقول لكم هذه الحقيقة: إنك إن كنت في بيت الله الحرام لا يمكن أن تشعر أنك في السعودية أبداً، لا تشعر أنك في بلد، هذا بيت الله، ضمن بيت الله الحرام، وضمن المسجد النبوي لا تشعر إلا أنك مع الله ورسوله فقط، إن خرجت تشعر أنك في بلد إسلامي، و له رموز، أما ضمن الحرمين فلا تشعر إلا أنك مع الله ومع رسوله، هذه البركة المعنوية.

﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾

 أي هدايةً لهم و:

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 هذه آية محيِّرة، هذه ليست أمراً تكوينياً ولكنها أمرٌ تكليفي، وفرقٌ كبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي، لو قلنا: إنها أمر تكويني، فقد حدث في هذا البيت قتل في عام ألف وأربعمئة للهجرة، وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني فلا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
 فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوب: ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية فهذا أمر تكويني، لا أمر تكليفي.

الفرق الكبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 هل هو أمر تكويني أم تكليفي؟ هو أمر تكليفي، أي اجعلوه آمناً، يأمرنا الله عز وجل أن نجعله آمناً، يأمرنا أن نشدد في توفير الأمن للحجاج، لذلك الحاج أحياناً يجد في هذه الديار، يقظة عالية المستوى، لا يتألم أبداً بالعكس يرتاح، هذه اليقظة العالية جداً لصالح من؟ لصالح الحجاج، يجب أن تطوف وأنت مطمئن، وأن تسعى وأنت مطمئن، وأن تجلس في البيت وأنت مطمئن.

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 أي يجب أن يكون آمناً، فرق كبير بين أمرٍ تكويني وأمر تكليفي.
 هناك رأي لبعض العلماء: أنه من دخله دخولاً صحيحاً كان آمناً يوم القيامة من عذاب الله، وهذا المعنى أيضاً مقبول، والقرآن حمَّال أوجه. وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني فلا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
 فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوباً عليها: ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية فهذا أمر تكويني لا أمر تكليفي.

أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد والراحلة:

 أما كلمة:

﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾

 السبيل هو إمكان الوصول إلى هذا البيت، فلابد من أن يكون معك مال، ولابد من راحلة، ولابد من أمن الطريق، ولابد من موافقة السلطان، فقد تجد الإنسان أحياناً يضجر يقول: لم يسمحوا لي. إذا لم يسمحوا لك فلست مستطيعاً وانتهى الأمر، أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد، وأن تملك الراحلة، وأن يكون الطريق آمناً، وأن يسمح لك السلطان، فإذا السلطان لم يسمح لك، فأنت لست مستطيعاً، إن لم تملك الزاد والراحلة، والعلماء قالوا: الزاد والراحلة وأجرة المبيت في مكة والمدينة، الله ما أراد أن ينام الحجاج في الطرقات، ما أراد أن يشوه الإسلام، الإنسان الحاج إنسان متميز، إنسان يؤدي عبادة عالية، أما أن ترى مئات الألوف ينامون في الطرقات فوق بعضهم، والعورات مكشوفة، فهذا ليس من فقه الحج في شيء.
 لست مستطيعاً إطلاقاً إن لم تملك الزاد، والراحلة، والطعام، والشراب، والإقامة في مكة والمدينة في بيوت.
 لذلك أنا يعجبني أن بعض البلاد الإسلامية لا تسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام إلا بعد أن يتوافر له حد أدنى من المال يمكنه من أن يجلس في أماكن جيدة، وأن يركب مركبات جيدة، وأن يأكل طعاماً جيداً، وأن يؤدي المناسك وهو مرتاح، وهذا شيء يرفع الرأس، وهذا إنسان مسلم، هذا سفير المسلمين، ثم إنه فوق ذلك لا يسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام في بعض هذه البلاد، في أقصى جنوب آسيا، إلا إذا أدى امتحاناً نظرياً وعملياً، أما وهو في مكة فيسألك: أين قبر رسول الله؟ حاج بمكة- أعوذ بالله - فهل القبر بمكة موجود؟
 أو يرتكب بعض المحظورات بسذاجةٍ وبجهلٍ كبير، وهذا شيء غير معقول.
 أو إنسان يقف في الكعبة يوم عرفات، والله الحج مريح، لا يوجد فيه أحد، نعمة.
 أو نسيان عرفات، يطوف حول الكعبة في يوم عرفة، ويقول لك: لا يوجد ازدحام، والناس كلها؟ الآن كانوا يطوفون. هذا جهل كبير.
 إنسان حج في بلد إسلامي، ويحتل مركزاً مرموقاً، يسأل: كيف كان الحج؟ فيجيب والله الحج جيد، والحمد لله الأمور كلها ميسرة، ولكن كنت أتمنى أن يكون الحج على مدار العام أيسر للازدحام. هذا لم يفهم ، هو في جهل كبير حتى عند بعض المثقفين هناك جهل كبير.
 فلذلك أنا أتمنى ألا يحج بيت الله الحرام إلا من كان يملك إقامةً وأداءً للمناسك بكرامةٍ عالية، وإلا من يتقن مناسك الحج، وحِكَم الحج، ويؤدي امتحاناً نظرياً وعملياً حتى يكون هناك سفيراً للمسلمين.

لطائف هذه الآية :

1 ـ الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج وجعله قبلةً لأهل التوحيد :

 هناك لطائف في هذه الآية؛ اللطيفة الأولى: هي أن الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج، جعله قبلةً لأهل التوحيد، أي أينما ذهبت في العالم يجب أن تتجه إلى الكعبة، هذا عملية توحيد، دين التوحيد ودين الوحدة، أينما ذهبت؛ إلى كندا، إلى أقصى الشرق، إلى اليابان، لابد من أن تبحث عن جهة الكعبة.
 والكعبة كما قال بعض العلماء: تكون في المتوسط الهندسي للقارات الخمسة، لو رسمت القارات الخمسة على مستوى، وأخذت نقاطها المتباعدة أقصى النقاط، ومددت محاوراً، الشيء المذهل أن مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي، الوسط الهندسي معناه تقاطع المحاور، لو جئت بمربع ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط، مكان تقاطع المحورين هو الوسط الهندسي، لو جئت بمستطيل ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط محورية، مكان التقاطع هو الوسط الهندسي، فمكة المكرمة في الوسط الهندسي الرياضي للقارات الخمسة، هذه لطيفةٌ أولى.

2 ـ هذا البيت بني بتوجيهٍ من الله والمنفِّذ هو إبراهيم والمبلِّغ هو جبريل :

 وهذا البيت بني ولكن بتوجيهٍ من الله عز وجل، الآمر هو الله، والمنفِّذ هو الخليل سيدنا إبراهيم، والمبلِّغ هو جبريل، والمساعد هو سيدنا إسماعيل، هل هناك بناء أشرف من هذا البناء؟ الآمر بالبناء هو الله، والمنفذ أبو الأنبياء، والمبلغ جبريل، والمساعد مساعد المهندس سيدنا إسماعيل، والأمن الذي في هذا البيت استجابةٌ لدعوة إبراهيم.

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 126 ]

 فهذه الثروات الباطنية في هذه البلاد ليست لأصحابها إنما هي لخدمة الحجاج، وتشعر أن هناك توفير للحاجات يفوق حدّ الخيال، كل شيء تتمناه تجده أمامك، هذا الشيء بسبب أن هناك وفرة، ومخزوناً، وثروات باطنية، يقولون: هذه البلاد فيها أكبر احتياطي نفط في العالم.

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة البقرة: 126 ]

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾

[ سورة العنكبوت: 67 ]

3 ـ الذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام :

 بالآية لطيفة رائعة جداً وهي قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 هذه هو سياق الآية، ومن لم يحج قال:

﴿ وَمَنْ كَفَرَ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 فالذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام:

(( مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ))

[الترمذي عن علي]

 أن يموت غير مسلم، أن يموت كافراً، لذلك العلماء قالوا: من الكفر أن تكون مستطيعاً أن تحج ولا تحج بيت الله الحرام، من الكفر والدليل:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

الحج قفزة نوعية :

 وقد يقول أحدكم: لماذا يقول الله عز وجل:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 الحقيقة الذي يفهم أحياناً من هذه الآية أن بالحج نقلة، لو أن إنساناً شارداً، فقد أقسم لي رجل قال لي: أنا ملحد، له زوجة لا تنجب، فتصورت أنها إذا حجَّت بيت الله الحرام لعل الله يرزقها ولداً، فأصرَّت عليه أن يحج معها ليكون محرماً لها - لأنه زوجها - فقال لي: أنا أؤدي المناسك ولا أصلي، وقد أديتها وأنا جنب أحياناً، لكن في النهاية وأنا هناك تبت إلى الله وعدت مؤمناً.
 قصدي من هذا الكلام أنه من المستحيل أن تصل إلى هناك دون أن تتأثر، هناك تجلّ خاص، أحياناً الإنسان يصلي في بلده وكأنه يسبح بعكس اتجاه النهر، أما هناك فتصلي وكأنك تسبح باتجاه النهر.
 رجل آخر حدثني: له زوجة معها مرض عضال، وتمنت عليه أن يحج معها، فأول طواف، وثان طواف ولا شيء، وهو قد حجز بفندق خمس نجوم، والحجز غير موجود هو معتاد على السفر المريح والتنظيمات قال لي: ضجرت ضجراً شديداً وقررت أن أعود إلى الشام دون أن أتابع الحج. توسلت له بكل ما تملك، فبقي.
 قال لي: ثاني يوم أو ثالث يوم بدأ الطواف، وثاني طواف انعقد الاتصال بالله عز وجل، بكى بكاءً شديداً، وعاد إلى الشام إنسان آخر مئة بالمئة.
 أنا أضرب هذه الأمثلة الحادة، لا يوجد إنسان يذهب إلى هناك إلا ويذوق من الله طعم القرب، وكم من إنسان منكر ذهب إلى هناك فآمن بالله، إذا ذهب إنسان منكر يؤمن، إذا ذهب مؤمن يرتقي، إذا ذهب مرتق يزداد رقياً، هناك قفزة نوعية بالحج، دائماً هناك صعود.

الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية :

 مرة ثانية أقول لكم: مستحيل أن تقصد بيت الله الحرام بنيةٍ مخلصة وألا تذوق من طعم القرب الذي تذوب النفوس له.
 والله بعرفات يتجلى الله على عباده تجلياً ينسيهم كل متاعب الدنيا، والجو حار، وهذه المفارقة العجيبة، فالإنسان يسر بهذا الجو اللطيف، يسر بعدم الازدحام، يسر بالمناظر الخلابة، أما أن تسر إلى أعلى درجة تعرفها في حياتك، وأنت في مكان لا تتوافر فيه أي شرط من شروط السرور؟!! معنى هذا هناك سرور روحي، الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية، هناك سرور روحي محض، ومن ذاق عرف، والذي حج بإخلاص يعرف هذه الحقيقة.
 قال العلامة أبو السعود: وضعت

﴿ومن كفر﴾

 قال:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 وضعت كلمة

﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴾

 موضع من لم يحج.

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 أي ومن لم يحج، وضعت كلمة:

﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴾

 في موضع ومن لم يحج تأكيداً لوجوبه، وتشديداً على تاركه، لذلك من مات ولم يحج كما قال عليه الصلاة والسلام:

((فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا))

[الدارمي عن أبي أمامة]

 يموت غير مسلم لأنه كفر، عندنا كفر شمولي، و عندنا كفر جزئي، الكفر الجزئي أن تنكر أمراً إلهياً، أو ألا تعبأ بأمر إلهي، أو ألا تستجيب لأمر إلهي.

أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر :

 قال علماء البلاغة: في هذه الآية عندنا بالتركيب اللغوي صيغة إنشاء وصيغة خبر، أحياناً يأتي الخبر ليدل على الإنشاء فمثلاً قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 هذا خبر، لكن الله جل جلاله يقول: يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن. فقال: أبلغ صيغة في الأمر أن يأتي على شكل خبر، لأن الأمر يقتضي عدم التنفيذ، مثلاً لو قلت لابنك: اذهب إلى السوق واشتر طعاماً وإياك أن تتأخر. لما نهاه عن التأخر قفز إلى ذهنه أنه يمكن أن يتأخر، صار التأخر محتملاً، إياك أن تأخذ من المال شيئاً لنفسك، نبهه، أما حينما يأتي الابن البار فيذهب إلى السوق وينفذ أمر والده، ما أعطاه احتمال تصور العكس، فأحياناً يأتي الأمر على شكل خبر.

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، الله عز وجل نهى عن الزنا، كيف نهى عن الزنا؟ بالخبر، قال:

﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾

[ سورة القرقان: 68]

 أي أن شأن المؤمن أنه لا يزني، لا يوجد ولا تزني. لا أريد أن أزني. أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر.

﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾

[ سورة القرقان: 68]

 مثلاً:

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

[سورة النور: 26]

 أيضاً هذا أمر جاء على صيغة الخبر، أي يا أيها الأولياء احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات، لا تزوج ابنتك لإنسان غني لكنه جاهل، وابنتك ديِّنة، وصالحة، وتحفظ كتاب الله، احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات هذا أمر جاء على صيغة خبر.

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 أمر جاء على صيغة الخبر.

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة: 233]

 أمر جاء على صيغة الخبر، وأيضاً جاءت هذه الآية:

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 أمر جاء على صيغة الخبر أو النهي.

التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي فيدل على الثبات :

 التركيب الاسمي دائماً يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع، دخل، دخل فلان إلى المسجد، هذه دخل مرة واحدة، والفعل انتهى، وانتهى الدخول، التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي فيدل على الثبات والاستمرار، فالآية جاءت أمراً ونهياً على صيغة الخبر، وجاءت بالتركيب الاسمي، ثم جاءت على مستوى التعميم.

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 97]

 

هذا تعميم، أي إنسان إذا ذهب إلى بيت الله الحرام لابد من أن يقطف الثمار، الإبهام ثم التبيين.

حكم حج الفقير والعبد :

 العلماء قالوا في حكم حج الفقير والعبد، لا يجب على الفقير الحج لعدم الاستطاعة، ليس مكلفاً أن يتدين، أو الغني ليس مكلفاً أن يرشي لكي يحج، عبادة تبدأ بمعصية، معقول؟! ليس مكلفاً، سُمح لك الحمد لله، ما سُمح لك لست مستطيعاً، الفقير ليس مكلفاً أن يتسوَّل ليحج، ولا أن يستجدي، ولا أن يبذل ماء وجهه، لأن هذا الحج فرضٌ على المستطيع، ولكن لو أن فقيراً حج إلى بيت الله الحرام، هذا الحج الذي حجه الفقير يسقط عنه الفرض، وكأنه حجه غنياً، هذا هو الحكم الفقهي بالإجماع.

وجود المحرم شروط من شروط حج المرأة :

 أما موضوع المَحْرَم للمرأة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 لذلك المرأة يضاف إلى استطاعتها شرطٌ جديد وهو وجود المحرم، والله الآن والذي يؤلم جداً أن هناك من يعقد زواجاً صورياً، من أجل أن تحج بيت الله الحرام، أقدس عقد في الوجود عقد الزواج يتخذ ذريعة لأن تذهب امرأةٌ إلى الحج، وكأنها أفقه من الفقهاء، الله ما كلفك بالحج، هناك من يعقد زواجاً صورياً، ولهذا الزواج متاعب كثيرة جداً.
 إنسان عقد عقداً على امرأة كي تحج معه بيت الله الحرام لأنه صار زوجاً لها، وجد أنها غنية، فلم يطلقها بعد الحج، قال: لعلها تموت وأرثها. تنشأ مشكلات، وكم من زواجٍ صوري انتهى إلى الدخول في المدينة، صار هناك دخولاً، ولا يوجد تناسب أبداً، هذا شيء من أخطاء المسلمين الفاحشة، أنه لكي نتوصل إلى حج بيت الله الحرام نجري زواجاً صورياً، أو نعصي الإله، أو نفعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل، هذا كله ممنوع.
 فالمرأة إن لم يكن معها محرم فليست مستطيعة الحج، هذا طبعاً باتفاق العلماء، هناك اجتهاد للشافعية: إذا كان هناك جمعاً غفيراً مأموناً فقط لحج الفريضة.
 الآن هناك من يحججن بيت الله الحرام حجة نفلٍ من دون محرم، فإذا فتوى للإمام الشافعي أو للسادة الشافعية لأداء حجة الفريضة فقط، مع وجود جمعٍ غفير من النساء اللواتي يؤمن السفر معهن. وهذه حالة محدودة جداً، أما امرأة تسافر للحج من دون محرم، والحج ليس فرضاً بل نفلاً، فهذا شيء مخالف لما قاله العلماء جميعاً.

قواعد الشرع ضمان لسلامة الإنسان وليست قيداً لحريته :

 الآن استنباط آخر قال: إذا كان الإسلام لم يسمح للمرأة أن تسافر لأداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم، والحج أحد أركان الإسلام كما نعلم، وهو فريضة، فكيف يسمح الناس لبناتهم بالسفر إلى بلادٍ بعيد، أو إلى بلادٍ أجنبية، بحجة الدراسة وطلب العلم، وليس معهن محرم؟
 والله إنسان لولا أنه قال لي هو بنفسه أنا لا أصدق، قال لي: والله أنا كنت أعمل في المملكة، وزوجتي أرسلتها مع سائق إلى الشام، سيارة تكسي مع سائق، هو وهي وحدهما في الطريق، معقول هذا الكلام؟! كم هناك من جهل، فقواعد الشرع ضمان لسلامتك وليست قيداً لحريتك، فإذا كانت المرأة ممنوعة أن تذهب إلى أداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم فلأن يكون هذا محرماً عليها في السفر العادي من باب أولى لأداء فريضة ممنوع أن تذهب.
 طبعاً الحج مرة واحدة، الفريضة، أما النفل فأكثر من مرة، إلا أنه إذا كان الإنسان عليه واجبات وقصر فيها، لولي أمر المسلمين أن يمنع حجة نفلٍ أدت إلى ترك واجب، فإذا ابن في سن الزواج، ويخشى عليه أن تزل قدمه، والأب يحج كل سنة، نقول له: حج حجة الفرض وزوج ابنك، هذا أولى، أولى ألف مرة.
 حتى إن الإمام ابن المبارك كان في طريقه إلى الحج، فوقع نظره على فتاةٍ صغيرة تنقب في القمامة، حتى رأت طائراً ميتاً، حملته وركضت إلى بيتها، تبعها فإذا أسرةٌ فقيرة لا تملك ما تأكل إلا هذا الطائر الميت، فدفع لها بنفقة الحج وعاد إلى بلده، ورأى هذا الإمام العظيم أن إسعاف هذه الأسرة أولى من أداء حجه.
 الآن كم إنسان يحج كل سنة مرة؟ كل سنة يحج، وعليه واجبات كثيرة جداً مقصر فيها، وكم إنسان يرتكب معصية لكي يحج؟ وكم إنسان يعمل عقد زواج صوري لكي يحج؟ وكم إنسان يرشي لكي يحج؟ هذا كله لا يجوز، هذه أرقى عبادة لا تؤدى إلا خالصة لوجه الله تعالى.

من حجّ أكثر من مرة كل حجة تكون أرقى وأعمق وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها :

 أما تكرار الحج كما قلت في مطلع الدرس:

((إن عبدا أصححت له جسمه ووسعت عليه في رزقه لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم))

[ كنز العمال عن أبي هريرة]

 فممكن إذا كان الإنسان ميسوراً، والإنسان أدى ما عليه من واجبات، زوّج أولاده، لا يوجد مشكلة وميسور، أن يحج كل خمسة أعوام، هذا ممكن، أما الآن نستنبط أيضاً أن كل حجة تحجها أرقى من التي سبقتها، إذا حج الإنسان مرتين أو ثلاث، كل حجة تكون أرقى، وأعمق، وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها، فالميسور والمستطيع إذا حج أكثر من مرة لا يوجد مانع.

والحمد لله رب العالمين