العقيدة - الإيمان باليوم الآخر - الدرس (8-9) : الشرائط الصغرى ليوم القيامة -2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-09-03
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من أشراط الساعة:

1- تغير الزمان:

 أيها الأخوة المؤمنون , نتابع فيما يلي موضوع علامات الساعة الصغرى إن شاء الله عزَّ وجل. عدي بن حاتم كان ملكاً من ملوك الجزيرة ، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقال له:

(( من الرجل ؟))

 فقال: عدي بن حاتم , والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا الأدب فقال:

(( أنزلوا الناس منازلهم))

( من الجامع الصغير: عن " السيدة عائشة " )

 فأخذه إلى البيت تكريماً له، قال عديّ: وفي الطريق استوقفته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، فقال عدي في نفسه: واللهِ ما هذا بأمر ملك، ثم وصل إلى البيت، وقبل أنْ يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إليه وسادةً من أدمٍ محشوةٍ ليفاً و
قال: " اجلس عليها ".
فقال عدي: بل أنت.
قال النبي: " بل أنت " اللهمَّ صلِ عليه.
قال عدي: فجلست عليها وجلس هو على الأرض , وقال النبي: " إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسيًّا ؟ ـ وهو دين بين النصرانية واليهودية ـ
قال عدي: بلى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألم تأخذ قومك بالمرباع " ؟ أي أنك تأخذ ربع دخولهم .
قال عدي: بلى.
قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((فإن هذا لا يحل لك في دينك "، ثم قال: " يا عدي بن حاتم، لعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ـ المسلمون فقراء ـ وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد مَن يأخذه، ولعله يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى المُلْك والسلطان في غيرهم ـ القوة الكبرى بأيدي الكفارـ وايم الله ليوشكن بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف ـ يستتب الأمر للمسلمين ـ ولعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ـ أعداءٌ لا يعدّون ولا يحصون ـ وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتَّحةً للمسلمين ))

 عاش عدي بن حاتم حتى رأى هذا بعينه.

( أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم في الصحيح )

 الآن في رواية أخرى للبخاري عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ

قالَ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى قُلْتُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ قَالَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ قَالَ عَدِيٌّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ - أي المرأة - تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ - أيْ أن الأمنَ سيستتِبُّ، ولن يكون هناك قطَّاع طرق - وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ))

( أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم في الصحيح)

 أي أعظم دولة في زماننا، وللتقريب فلو قلنا دولة مثل دولة اليمن الآن: إن هذه الدولة الضعيفة الصغيرة سوف تهزم أمريكا وتحتل البيت الأبيض , كم المسافة بين دولةٍ ضعيفة ودولةٍ عملاقةٍ قوية ؟! فالفرس وقتها كانوا يشكلون هذا العملاق الكبير ,

((وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ))

 هذه الثالثة لم يدركها عدي بن حاتم، إلا أن المسلمين في عهد عمر بن عبد العزيز أدركوها، كان الرجل يخرج ومعه زكاة ماله، فيطوف البلاد طولاً وعرضاً فلا يجد مَن يأخذ منه شيئاً , الناس اغتنوا بالنظام الإسلامي.

2- موت كسرى وقيصر:

 في صحيح البخاري أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((قَدْ مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح )

 هذا مما تنبّأ به النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة الصغرى.

3- فتح القسطنطينية:

 من أشراط الساعة الصغرى، عِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَسُئِلَ:

((أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ - اسطنبول - أَوْ رُومِيَّةُ - هي روما - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ ـ))

(أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص)

 فتح القسطنطينية حدث تاريخيٌّ هزَّ دول أوروبا، وهي من أجمل مدن العالم، ومن أمنعِ مدن العالم وأكثرها تحصينًا، وهي مدينةٌ منيعةٌ فتحها محمد الفاتح، وقد أثنى النبي عليه الصلاة والسلام على مَن سيفتحها في حديثٍ صحيح، وهذا الحديث تراه مكتوبًا في تركيا في المئات , بل ألوف الأماكن، علة لوحات ظاهرة يقرؤها كل الناس .

4- قتال الترك:

 موجات المغول التي غزت الشرق الأوسط (هولاكو) (تيمورلانك) هذه الموجات التي اكتسحت الشرق الأوسط ودمَّرت، وقتَّلت، وفظَّعت، تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ـ أي الدروع المطرقة ـ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ))

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة)

5- ضياع الشباب:

 قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا , فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ , وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ , وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ ـ أي شباب ـ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ))

(متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن علي)

 الشاب هو أروع ما في الحياة، لكنه في أمس الحاجة إلى حكمة الشيخ، لو اجتمع اندفاع الشاب مع حكمة الشيخ لكان شيئاً لا يصدَّق، والمقصود بالشيخ الكبير في السن، القائم في طاعة الله، وفي معرفة الله عزَّ وجل، الشيخ عنده حكمةٌ لا تقدَّر بثمن، استخلص من الحياة عِبَرًا وحقائق هي خلاصة عمره المَديد، فضلاً عمّا تلقَّى من وحي السماء، ومن حقائق في القرآن والسنة، فالشاب مندفع، يمكن أن أمثل الشاب بمحرِّك قوي والشيخ الحكيم بالمِقْوَد، فمحركٌ من دون مقود مصيره إلى الهلاك، ومقود من دون محرك لا حركة ولا انتقال، فلابدَّ من تكامل حكمة الشيوخ مع اندفاع الشباب.
النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه البخاري ومسلم يصف قوماً سيخرجون في أواخر الزمان " أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ "، أي شبابٌ استغنوا عن حكمة الشيوخ، يقومون باندفاع أهوج واندفاع خاطئ.
((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ " عقولهم محدودة، ضيِّقوا الأُفق ، لا حكمة عندهم، لا تجربة عندهم "يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ " أي يعتمدون على ظاهر حديث رسول الله " يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ))

6- تضييع الأمانة:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ , فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ:

((أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ ؟ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ))

( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح )

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ بَدَا جَفَا وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا))

(أخرجه أحمد في المسند عن أبي هريرة)

 يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، أول صفة من صفات طالب العلم الأدب , أديبٌ في جلسته، في سؤاله، في نظرته، في حركته، بعد أن تابع النبي خطبته قال: " أين السائل عن الساعة ؟ ".
قال: ها أنذا يا رسول الله.
قال: " إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة ".
 من علامات الساعة الصغرى تضييع الأمانة، تفقد الأمانة عند الناس، والقصص التي توضِّح هذه الظاهرة لا تعد ولا تحصى، لا يمضي أسبوع إلا وأستمع إلى قصتين أو ثلاث قصص عن إنسان عمِل عملاً وقد خان أمانته، فلا أمانة عنده ولا حسابات لديه بل فوضى في مصروفه , ومع ذلك تراه يرتاد بيوت الله عزَّ وجل، وهذا مثَلٌ على ضياع الأمانة، " إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة " , كل وظيفة أمانة، كل حرفة أمانة، فالمُعَلِّم طلاَّبه أمانة عنده، والطبيب المريض أمانة عنده، والمحامِي الموكل أمانة عنده، وكل صاحب صنعة، حتى أصحاب الصناعات الغذائية، هؤلاء المسلمون سيأكلون هذا الطعام يجب أن يكون هناك أمانة هل تطعمهم شيئاً سيِّئاً ؟.
قال: وكيف إضاعتها ؟
 فقال عليه الصلاة والسلام: " إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ " , قد تجد عملاً مَن يقوم به ليس أهلاً له، فهناك حرف كثيرةٌ وأصحاب هذه بالحرف لا يتقنونها، ويأخذون مبالغ طائلة، فـ.. إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ.

7- نزع مهابة أهل الإسلام في قلوب الأعداء ويتضمن مايلي:

 ورد في الأحاديث الصحيحة عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))

( أخرجهما أبو داود وأحمد عن ثوبان)

((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا" , و قد قال عليه الصلاة والسلام: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ " , فقال قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ أي هذا التداعي، هذا التكالب مِن أمم الأرض، كلهم ينتظرون أن ينهبوا ثروات المسلمين , الآن نحن نبلغ مليار ومائتي مليون إنسان ـ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ـ على سطح السيل قش، فهل يستطيع أن يؤثِّر في مجرى السيل ؟ سيلٌ عارم ينطلق في وادٍ شديد الانحدار وعلى وجه السيل بعض الأعشاب، هل هذه الأعشاب اليابسة الخفيفة القليلة تستطيع أن تغيِّر من مجرى السيل ؟ قال عليه الصلاة والسلام: وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ))

1- قذف الوهن في قلوب المسلمين:

 أمته حينما تخلَّت عن سنَّته ومنهجه، هُزمت بالرعب مسيرة عام

,((وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))

(أخرجهما أبو داود وأحمد عن ثوبان )

 قد يعجب الإنسان من ضعف المسلمين في آخر الزمان، ومن تمزُّقهم، والعداوات والبغضاء فيما بينهم، وفي الحديث عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا , فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا))

(أخرجه مسلم عن سعد ين أبي وقاص في الصحيح)

 فهناك أمم تهلك بزلزال، وأمم تهلك بصواعق و أعاصير وأوبئة، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام سأل ربه ألا تهلك أمته بسَنةٍ عامة، أي لا تهلك بهلاكٍ عام، لكن ضعفهم وتخاذلهم من أشراط الساعة , وقد نُزِعَت هيبتهم من صدور عدوهم، و أصابهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت.

2- حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً:

 في بعض الروايات عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا))

(أخرجه مسلم عن ثوبان)

 من أشد المصائب أن يكون بأس الأمة فيما بينها حتى يهلك بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، في بعض البلاد الإسلامية نشبت حروب أهليَّة أكلت الأخضر واليابس، فهذه الحروب الأهلية في الصومال تسمعون بها، وبلاد كثيرة أحرق بعضهم على بعضٍ الأخضر واليابس، أي أنهم تأخروا مئة عام، أنفقوا ألوف المليارات خسائر نتيجة هذه الحرب الأهلية، هذا من علامات قيام الساعة حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

تسليم الخاصة ويتضمن ما يلي: 8-

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ وَتَفْشُو التِّجَارَةُ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ وَتُقْطَعُ الْأَرْحَامُ))

(أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في مسنده)

 أي أنك لا تسلِّم إلا على مَن تعرف، تجد جارين في بناء واحد لا يتزاورون، وإذا مشى أحدُهما مع الآخر أو التقى به فلا سلام بينهما، مرة أردت أن أزور صديقًا لي أعطاني عنوانه , وفي البناء نفسه طرقت أحد الأبواب وسألت: أهذا بيت فلان ؟ فقالوا: لا نعرفه، وهو في الطابق الأعلى منهم ، المرءُ لا يعرف مَن يسكن فوقه ولا مَن يسكن تحته، فلا سلام على مسلم في الطريق، ولا إذا دخلت إلى مصعد، أو عند مدخل البناء، أو في لقاء عامٍّ، وهذا من أشراط الساعة أيضاً.

1- فشو التجارة :

 من أشراط الساعة فشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة , عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ , فُشُوَّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ))

(أخرجه أحمد عن ابن مسعود في المسند)

 سألت: مَن هذه ؟ فقال: واللهِ هذه ابنتنا، قلت: أقرب الناس إلى أبيها تجلس على الصندوق، ألا يستطيع أن يوظِّف شابًا لديه ؟‍! وفي بعض المحلات زوجته،

((حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ))

وأظن الأمر ناتجًا عن بخلٍ وشحٍّ، حتى لا يستفيد أحدٌ إنْ عمل عنده .

2- قطع الأرحام:

من أشراط الساعة

((َقَطْعَ الْأَرْحَامِ))

هناك أسر فيها قطيعة بين الأولاد و الأعمام والأخوال، لا زيارات في الأعياد ولا اتصال بينهما ولا كلام , هذا منتشر بكثرة فقطيعة الرحم من أشراط الساعة.

3- شهادة الزور:

 شَهَادَةُ الزُّورِ , حدَّثنــي أخ فقال لي: عندي مشكلة تموينيــة، فذهبت إلى المحكمة، ولزمني شاهد، فوجد شهودًا في الخارج يعرضون أنفسهم، اتفق معه على خمسة آلاف، دخل الشاهد فوجد مصحفًا وحلف يمينًا فقال له: أريد عشرة آلاف لأنه حلَف يمينًا، كل شيء بسعره، حلف يمينًا كاذبةً فقال له: أريد عشرة آلاف.

((فُشُوَّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ، وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ))


(أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في المسند )

هكذا ينبغي أن يكون المسلم:

 أخ من أخواننا من تربية هذا المسجد، أسس له والده عملاً في بلد عربي، قال لي: بينما كنتُ راكبًا سيارتي وأسير في الطريق، يبدو أنني غفلت فصدمت سيارة أمامي، في هذه السيارة التي أمامي رجل يناهز التسعينات من شدة الصدمة مات على الفور، معه هاتف خلوي فاتصل بالمعمل وأخبرهم بالذي جرى معه، فقالوا له: تعال إلى المخفر , فقال له الضابط: وقِّع وكل شيء قد انتهى، قرأ التقرير فوجد أن ما جاء فيه على عكس ما حدث، فقال له: هذا لا يجوز أنا المتسبب، قال له: خلَّصناك، وكُتِبَ تقرير يبرِّئ هذا الإنسان، قال له: هذا لا يصح يجب أن أدفع الديَّة، فاستغرب الضابط وقال له: أول مرة أرى إنسانًا أخلِّصه فيرفض هذا قال له: لأن هذا خلاف الحق , دفع الدية وعيَّن أولاد المتوفى في المعمل، وعلى هذا يجب أن يكون المسلم.

4- كتمان الحق وظهور القلم:

((كِتْمَانُ شَهَاَدِة الْحَقِّ))

 فكم مِن ضبوط تُكتب خلاف الواقع ؟ هذه مشكلة كبيرة جداً، وهذه من أشراط الساعة "كِتْمَانُ شَهَاَدِة الْحَق".

((بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ وَفُشُوَّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ وَشَهَادَةَ الزُّورِ وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْقَلَمِ))

 فظهور القلم يعني انتشار الكتابة حتى تقل الأمية في الناس.

( أخرجه أحمد عن ابن مسعود في المسند)

9- الفن الساقط الذي أفسد أخلاق الأمة وقيمها:

 تجد امرأةً ساقطة تستيقظ في الساعة السابعة وتشرب القهوة , وبعد قليل تستمع إليها في برنامج إذاعي ( فمالنا وقصة حياتها ؟! ) فكثير مِن الفنانين والفنانات الذين سقطوا من منهج الله عزَّ وجل صاروا قدوة لكل الشباب، أخبارهم في المجلات، وفي اللقاءات، والمقابلات , هذا
الفن الذي يفسد أخلاق الأمة و يحطم قيمها , هذا الفن الساقط الرخيص هو انحراف خطير، لكنّه مغطًّى بكلمة (فن)، وقد قالوا: الجنون فنون وهذا من أشراط الساعة.

10- ظهور نساء كاسيات عاريات في الأمة:

 من أشراطها أيضاً كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا))

( أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح )

 لو جمعنا أدباء الأمة على أن يصفوا أزياء النساء المعاصرة بكلمتين خفيفتين بليغتين جامعتين مانعتين لما أمكنهم أن يفعلوا ذلك، " كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ "، أي ترتدي المرأة ثياباً ضيقةً تصف حجم العضو كما هو، وكأن هذه المرأة تمشي في الطريق عاريةً لا ترتدي ثياباً , " نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ ", الثوب الضيِّق يظهر حجم كلِّ عضو في المرأة، خطوط جسمها، والثوب الرقيق يظهر ما تحته، وهذا الذي تفعله نساء اليوم , " نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ " مائلاتٌ إلى الزنا، مائلاتٌ إلى عرض مفاتنهن، مائلاتٌ إلى لفت نظر الشباب، مائلاتٌ إلى التحرُّش بالشباب " رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة " البُخت هي الجمال المائلة، هذا الذي يفعلن في شعورهن، كل زينتها للطريق و كل جمالها للعابرين في السبيل.
إذاً يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا))

(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح )

 وفي روايةٍ: " فالعنوهن لأنهن ملعونات " , اللعن هنا هو البُعد عنهن، ابتعد عن أي مكانٍ و عمل فيه نساءٌ كاسياتٌ عاريات، وعن علاقةٍ اجتماعيةٍ فيها نساءٌ كاسياتٌ عاريات لأن النبي يقول:" فالعنوهن " أي ابتعدوا عنهن وليس الله يلعنها ، المعنى أدق من ذلك،

(( فالعنوهن لأنهن ملعونات ))

سائل يسأل:

 جاءني سؤال على نحوٍ سريع يقول: هل واجبنا أن نلعنهنّ، أم ندعو لهن ؟ العنهم وادعُ لهن لا يتناقضان، إذا ابتعدت عن هذه الأماكن , وعن هذه الطُرُقات، وعن هذه المجالس فقد لعنتهن، أما إذا دعوت لهن بالهداية هذا أطيب، اللهمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون , امرأة متفلتة فإذا اهتدت كان خيرًا لها ولغيرها، هناك آلاف النساء كنَّ متفلِّتاتٍ يكشفن عن كل مفاتنهن، فلما عرفن الله عزَّ وجل أصبحن نساء مؤمنات، طاهرات، عفيفات , لأن الله عزَّ وجل قال:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾

( سورة النساء الآية: 76)

 وقال:

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

( سورة يوسف الآية: 28 )

 فالشيطان بما أوتي من قوةٍ، وجَلَبَةٍ، وأساليب ماكرة ضعيف، وهذه المرأة مع الرجل عندها كيدها عظيم

((لا يدخلن الجنة ))

 هؤلاء النساء الكاسيات العاريات، المائلات المميلات

((لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))

 مسيرة مئة عام، أي من هنا أرض الحجاز تمشي شهرين، فانظرْ إلى ريحٍ تستغرق مسيرة مائة عام إلى الجنة.

أسباب فساد الإنسان المال والنساء:

 أقول لكم بصراحةٍ بالغة: هناك مأخذان خطيران يوقعان بالإنسان في الانحلال والهلاك، مأخذ المرأة ومأخذ المال، فينتهي دين الإنسان من غواية امرأة، أو ينتهي دين الإنسان من كسب مالٍ حرام، فحصِّنْ نفسك إذًا من امرأةٍ فاسقةٍ فاجرةٍ ومن مالٍ حرام، فمن غرائب الصدف أنّني سمعت مرةً في الأخبار عنْ فضيحتين: فضيحةٍ ماليةٍ ألصقت برئيس الكيان الصهيوني واستقال على أثرها، وفضيحةً أخلاقيةً ألصقت بوزير الدفاع في خبر واحد، معنى ذلك أنّ الإنسان مأخذه المرأة والمال، المؤمن القوي يحصِّن نفسه من هذين المأخذين، فما مِن إنسان يفضَح في العالم إلا بسرقةٍ أو بعلاقةٍ شائنة إلا ويقع في وادٍ سحيق.

ينبغي على المؤمن أن يكون بعيداً عن موضع الشبهات والتهم حتى لا يكون حديث الناس:

 هناك ملاحظة أحب أن أضعها بين أيديكم نستخلصها من حديث صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا))

( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن صفية بنت حيي )

 أنت قد تكون طاهرًا ومَلَكًا، لا ينبغي أن تضع نفسك في موضع التُهْمَة ثم تلوم الناس إذا اتهموك، يعني لا ينبغي أن تخلو بامرأةٍ ولو كنتَ تعلِّمها القرآن، لأن الخلوة بامرأةٍ مظنَّة الفساد والفاحشة، لا ينبغي أن تمدَّ يدك إلى صندوق ليس لك ولو تريد أن تصرف مبلغًا من المال، فأنت في محل صديقك و فتحت الدرج وألقيت فيه خمسمئة ليرة وأخذت خمس قطع من ذوات المئة، قد يكون انتبه للذي أخذته وليس للذي وضعته، أنت وضعت نفسك موضع التُهْمة، فقد تكون أميناً وعفيفاً وتُلْصَق بك تهمة الخيانة المالية وتهمة الفساد الأخلاقي، لذلك لا تخلُوَنَّ بامرأةٍ ولو قلت: أعلّمها القرآن، ولا أنْ تأتي باب السلطان ولو قلت: آمره وأنهاه.

الاستشهاد بأمثلة للتوضيح:

 فمثلاً سكن إنسان في بيت جديد، واضطر لسفرٍ طويلٍ ولا تقيم زوجتُه إلا في بيته، فأوصى أخاها أن يتفقدها من حينٍ إلى آخر، والجيران لا يعرفون إلا أن جارهم سافر، ورأوا شابًا يدخل إلى بيت الجارة من حين لآخر، قد يتوهَّمون أنه منحرف أخلاقياً والزوجة منحرفة فإذا هو أخوها، يجب أن تبيِّن، فالبيان يطرد الشيطان في كل حالاتك، بيِّن حساباتك، اكتب وثائق، اعمل عقودًا و أشهد شهودًا، لا تجعل القضية غائبة عن الوضوح، هذا فيما لو كنت بريئاً مالياً وأخلاقياً، فلابدَّ أن تبيِّن إذا كنت أميناً وعفيفاً، والأولى ألا يضع الإنسانُ نفسه موضع التهمة، ثم يلوم الناس إذا اتهموه.

 

والحمد لله رب العالمين