موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 018 :الضرورات تبيح المحظورات (7) : السفر - المرض - النقص الطبيعي .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-11-02
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تعريف السفر :

السفر أن تخرج من بلدتك وتقصد بلدة أخرى
أيها الأخوة الكرام: لازلنا في موضوع الضرورات، ولا زلنا في أن هذا الموضوع تداول بين أيدي الناس إلى درجة أن الناس فهموا الضرورات على عكس ما أرادها الله و رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه القاعدة الأصولية - الضرورات تبيح المحظورات- قاعدة دقيقة جداً مقيدة بشروط كثيرة.
وتحدثنا في دروس سابقة عن عموم البلوى، وعن الحالات التي تكون فيها الضرورات مبيحةً إلى المحظورات، واليوم ننتقل إلى السفر وإلى المرض وإلى النقص الطبيعي، وهذه أسباب توجب تخفيف التكاليف.
السفر أيها الأخوة قطع مسافة بمعناه المطلق أو بمعناه الشرعي، أن تخرج من بلدتك لتقصد بلدة أخرى، السفر نوعان: سفر قصير، وسفر طويل، السفر الطويل مسيرة ثلاثة أيام فأكثر، لسير الإبل ومشي الأقدام وتقدر بعشرين ساعة، أو بستة وثمانين كيلومتراً عند الإمام أبي حنيفة، وتقدر بستة وتسعين كيلو متراً عند الإمام الشافعي، أي ليس هناك سفر يبيح لك تخفيف التكاليف إلا إذا كان زيادة عن ستة وثمانين كيلو متراً عند أبي حنيفة، وعن ستة وتسعين كيلو متراً عند الشافعية.

تخفيف التكاليف في السفر :

يجوز قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين
أيها الأخوة الكرام: في السفر تكاليف كثيرة تخفف أو تسقط، من هذه التكاليف أولاً قصر الصلاة، يجوز أن تقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، تصلي سنة الفجر وفرضه وتصلي الظهر والعصر ركعتين ركعتين، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء ركعتين، والوتر عند من عدّه واجباً لا ينقص، وعند من عده سنة يلغى.
لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم
وهناك شيء آخر في تخفيف تكاليف السفر أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، وهناك مفاسد كثيرة تتأتى من سفر المرأة وحدها، وقصص كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى سببها أن المرأة إذا كانت في سفر مطموع بها، والسفر كما قال العلماء أخية.
ولذلك الرأي الراجح أنه لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ولهذا الحكم تفاصيل كثيرة، نأتي على ذكرها إن شاء الله.
شيء آخر: للمسافر أن يفطر في رمضان، وهذا الإفطار تخفيف للتكاليف، لكن قد يقول قائل: هذا السفر ليس شاقاً، الحقيقة أن السفر وحده علة للإفطار، فلو جعلنا المشقة علةً، البعد عن المشقة حكمة الإفطار في السفر، والحكمة شيء والعلة شيء آخر، العلة مضبوطة، أما الحكمة فليست مضبوطة، فلو جعلنا المشقة في السفر علة الإفطار لوجدنا أنفسنا أمام متاهات، كل إنسان له جسم معين، وله قدرات على التحمل معينة، فيدَخل الناس في متاهات لا تنتهي، المفروض أن السفر وحده علة، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 184]

أرقى أنواع السفر الجهاد في سبيل الله :

المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يفعل شيئا
شيء آخر هو أن السفر كما تعلمون له حالات كثيرة أرقى حالات السفر أن تجاهد في سبيل الله، وكلمة جهاد يفهمها الناس فهماً متفاوتاً تفاوتاً كبيراً جداً، والحقيقة كما ورد في السنة الصحيحة، وكما ورد في صحيح البخاري، أفضل أنواع السفر أن تجاهد نفسك وهواك، هذا شيء ورد في الصحاح لأن المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، المهزوم أمام نفسه هذا إنسان ساقط لا يستطيع أن يفعل شيئاً، قبل أن تفكر بالطرف الآخر عليك أن تضمن أنك جاهدت نفسك وهواك.

((أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " أَنْ تُجَاهِدَ نَفْسَكَ وَهَوَاكَ فِي ذَاتِ اللَّهِ ))

[الأربعين على مذهب المتحققين من الصوفية لأبي نعيم رَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ عَنِ أبي ذر]

رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس والهوى .

أنواع الجهاد :

مجاهدة النفس والهوى جهاد
يمكن أن نقف وقفة متأنيةً عند هذا الحديث، الإنسان حينما يحمل نفسه على طاعة الله، هو يجاهد نفسه وهواه، حينما يحمل نفسه على الكسب الحلال، حينما يركل بقدمه الدخل الكبير إذا كان فيه شبهة ويأخذ القليل إذا كان حلالاً ليرضي الله عز وجل، هو يجاهد نفسه وهواه، حينما يضبط جوارحه وهواه وفق منهج الله هذا يجاهد نفسه وهواه، حينما يضبط لسانه يجاهد نفسه وهواه، حينما يتقن عبادة ربه و كيف يصل بنفسه إلى الله هذا يجاهد نفسه وهواه.
يسبق الجهاد القتالي جهاد الهوى والجهاد الدعوي
يجب أن تعلموا أن كلمة الجهاد إذا وردت تعني أشياء ثلاثة، تعني جهاد النفس والهوى، وتعني الجهاد الدعوي، وتعني الجهاد القتالي، أما هناك أشخاص كلما ذكرت كلمة الجهاد فهذه الكلمة لا تنصرف عندهم إلا إلى القتال، مع أنها جزء من الجهاد وجزء متأخر، جزء لا بد من أن تسبقه الأجزاء الأولى والثانية.
معقول إنسان قام جنباً لعلاقة فيها معصية ليصلي قيام الليل مباشرةً؟ هذا مثل حاد، قام جنباً من معصية فاحشةً ليصلي قيام الليل هذا شيء مستحيل، لا بد من توبة، لا بد من طهارة، لا بد من استقامة، فأن تقول: أنا سوف أهتم بالطرف الآخر، هل أنت منتصر على نفسك ؟ هل استطعت أن تحمل نفسك على طاعة الله حتى تقول أنا سوف ألتفت إلى الطرف الآخر؟ لذلك وهذا شيء مؤكد في الصحاح أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك. إنك إن انتصرت على نفسك أنت مؤهل الآن أن تفكر في الطرف الآخر كيف سأهديه إلى الله؟ كيف سآخذ بيده؟

حاجة المسلمين إلى رجل يعطي الحقيقة مع البرهان عليها :

أيها الأخوة الكرام: أنا أقول لكم شاع في هذه الأيام شيء اسمه إسلام صالونات، أي المذاهب الوضعية كلها سقطت في الوحل، لم يبق إلا الدين، لم تبق حقيقة صامدة متألقة أمام الفكر البشري إلا حقيقة الدين، فصار التكلم في الدين شيء يرفع من شأنك المثل الأعلى هو فكر يتحرك
أن تكون إسلامياً أو أن يكون لك فكر إسلامي، أو عاطفة إسلامية، أو لك مناقشات إسلامية، أو أن تخوض في موضوعات تمس المسلمين، هذا يرفع مقامك بين الناس، وهذا يجعلك تتصدر المجالس، هذا الإسلام المنفصل عن الالتزام لا يقدم ولا يؤخر، أنا أعجبتني هذه التسمية إسلام صالونات، الإنسان يجلس ويتكلم في الإسلام وكأنه قطب الرحى، وكأنه محور العالم، ما الذي ينبغي أن يكون بديل هذا الإسلام إسلام الصالونات؟ إسلام جهاد النفس والهوى، والحقيقة الإنسان لا ينشد إلا إذا كان هناك مسلم أمامه، أنا كنت أقول: إن مهمة القدوة خطيرة جداً في حياة المسلمين، لأن الإسلام بلا قدوة أفكار، والأفكار ما أكثرها، وما أكثر تنوعها، وما أكثر تألقها، أما الذي ينتقل بنا من عالم الفكر إلى عالم الواقع فهو المثل الأعلى، وقالوا دائماً: المثل الأعلى فكر يتحرك.
كنت أقول لكم: إن النبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، والكون قرآن صامت، و القرآن كون ناطق، الذي يشدنا إلى الدين أن ترى رجلاً مسلماً في حديثه، في حركاته، في سكناته، في علاقاته، في تجارته، في بيعه، في شرائه، في وظيفته، الآن المسلمون في أشد الحاجة لا إلى فكر إسلامي، لا إلى ثقافة إسلامية، هم في أشد الحاجة إلى مسلم يعطيك الحقيقة مع البرهان عليها، البرهان عليها واقع المسلم.

للنبي مهمتان كبيرتان :

النبي الكريم ذاق كل ألوان العذاب فكان نورا يقتدى به
كنت أقول لكم سابقاً: النبي عليه الصلاة والسلام له مهمتان كبيرتان، الأولى مهمة التبليغ لكن المهمة الخطيرة جداً جداً هي مهمة القدوة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعله الله قدوةً لنا، وأسوةً حسنة، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 21]

النبي ذاق الفقر وصبر، وذاق الغنى فأعطى، وذاق القهر فاستسلم إلى الله عز وجل، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، وذاق النصر فتواضع، ذاق موت الولد ، وذاق مشكلة الزوجة أن يقال عنها زانية، وذاق الهجرة، وذاق تطليق بناته، فيما أذكر ما من حدث يصيب الإنسان إلا أصيب به النبي عليه الصلاة والسلام، فوقف الموقف الكامل ، إذاً نحن نحتاج إلى شخص مسلم.

أفضل الجهاد مجاهدة النفس و الهوى :

الآن يوجد فكرة دقيقة وهي أن القدوة إذا كانت من عصر بعيد جيدة ولها أثر كبير، ولكن قد يقول واحد من الناس: هذا الإنسان الذي نقتدي به كصحابي جليل أو عالم كبير هذا لم يعش حياتنا هذه، ولم يعش ظروفنا، ولم يعش الضغوط التي نتحملها، ولم يعش الإغراءات، ولم يعش العقبات، أقول لكم أيها الأخوة: أن ترى إنساناً مسلماً يعيش معك في الظروف نفسها، في المعطيات نفسها، في الضغوط نفسها، في الإغراءات نفسها، مع العقبات نفسها، هذا شيء يقدم أكبر دليل، فإذا أردت أن يدخل الناس في دين الله أفواجا فكن مسلماً، مسلماً صادقاً.
ماذا قال أصحاب النبي عن رسول الله ؟ قالوا:

(( ... حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

جهاد النفس أعلى أنواع الجهاد
أصول الأخلاق أن تكون صادقاً، وأن تكون أميناً، أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك .
والحديث الآخر الذي يرويه معظم الناس :" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى" .
هذا الجهاد جهاد النفس والهوى يعد أعلى أنواع الجهاد، هو الجهاد الذي لا بد منه، هو فرض عين على كل مسلم، لذلك تراجع المسلمون بسبب أنهم لم يجاهدوا أنفسهم وأهواءهم، تراجع المسلمين وبقي الإسلام في الكتب، في المحاضرات، فيما بين ثنيات المكتبات، أما الإسلام إذا طبق في الحياة، لانتصرت الحياة، هذه واحدة.
من يمنعك أن تقيم الإسلام في عملك
نحن ذكرنا الجهاد، هناك جهاد النفس والهوى، وهناك جهاد دعوي، جهاد النفس والهوى أيها الأخوة هذا الذي نعول عليه، لا بد منه، الممر الذي لا بد منه أن تجاهد نفسك وهواك، من يمنعك أن تغض بصرك عن محارم الله؟ من يمنعك أن تضبط لسانك؟ من يمنعك أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً؟ من يمنعك أن تقيم الإسلام في بيتك؟ من يمنعك أن تقيمه في عملك؟ من يمنعك أن تكون صادقاً؟ من يمنعك أن تكون أميناً؟ من يمنعك أن تكون عفيفاً؟ شيء متاح لنا جميعاً، ربنا هو هو رب الصحابة الذي أكرمهم وأعطاهم يكرمنا ويعطينا، الذي حفظهم ونصرهم يحفظنا وينصرنا.
أهم شيء جهاد النفس والهوى، هذا هو المعول عليه، كنت أذكر في بعض الخطب: "اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا"، فأول فقرة في الجهاد فقرة جهاد النفس والهوى، الإنسان مجموعة أهواء، مجموعة ميول، مجموعة رغبات، يوجد منهج، حينما يُؤثر طاعة الله على رغباته ونفسه وأهوائه فهو عند الله عظيم، ولنا عودة إلى هذا الموضوع.

الجهاد الدعوي :

الجهاد الثاني أيها الأخوة هو الجهاد الدعوي، وأنا آتيكم بالأدلة من الكتاب والسنة، يكفينا قوله تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 52]

من يمنعك أن تقرأ القرآن وتفهمه
أجمع علماء التفسير على أن الهاء في كلمة به تعود على القرآن الكريم، خالق الكون سمى هذا جهاداً كبيراً، حتى الجهاد القتالي هدفه نشر الدين، هدفه نشر الحق بين الناس، فإذا أتيح لك أن تنشره هذا هو المطلوب، من يمنعك أن تقرأ القرآن وأن تفهم القرآن وأن تفهم دقائق القرآن وأن تفهم حلال القرآن وحرامه؟ وما ينبغي وما لا ينبغي؟ من يمنعك أن تعرف حدود الله في كتاب الله؟ من يمنعك أن تكون مطبقاً للقرآن الكريم؟ هذا هو الجهاد الدعوي.
قلت لكم سابقاً: الجهاد الدعوي فرض عين، أنت لماذا تصلي؟ لأن الله فرض عليك الصلاة، لماذا تصوم رمضان؟ لأنه فرض عليك الصيام، وكما أن الله فرض عليك الصلاة والصيام فرض عليك أن تدعو إلى الله على بصيرة، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 108]

فإن لم تدعُ على بصيرة فلست متبعاً لرسول الله، أيها الأخوة حديث خطير جداً.

(( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

إذا ما فكرت أبداً أن تهدي إنساناً، ما فكرت أبداً أن تغض بصرك، ما فكرت أبداً أن تضبط لسانك، ما فكرت أبداً أن تضبط دخلك وإنفاقك، ما فكرت أبداً أن تقيم الإسلام في بيتك، ما فكرت أن تدعو إلى الله، أن تدعو أحداً.

أعلى شيء في الإسلام مجاهدة النفس والهوى ثم الجهاد الدعوي :

أيها الأخوة: كما تعلمون.

(( ذروة سنام الإسلام الجهاد ))

[الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

أي أعلى شيء في الإسلام أن تجاهد نفسك وهواك، إذا جاهدت نفسك وهواك تنتقل إلى الجهاد الدعوي الذي هو فرض عين، في حدود ما تعلم ومع من تعرف.
سماها الله كلمة طيبة لأن النفس تطيب بها
أيها الأخوة أقول لكم لا من هواء بل من أرضية صلبة: كم من أخ كريم في أي مكان بأخلاقه الرضية، واستقامته، وعفته، وصدقه، وأمانته، ومنطقه السديد، التف الناس حوله في العمل؟ في الحي؟ الأقرباء، الأصدقاء، الآن إذا تكلم كلمةً طيبة، ذكرت في الخطبة أن الكلمة الطيبة كلمة الحب، والكلمة الطيبة كلمة العلم، والكلمة الطيبة كلمة النصيحة، والكلمة الطيبة كلمة التوجيه، سماها الله طيبة والمطلق على إطلاقه لأن النفس تطيب بها.
والأنبياء جاؤوا بالكلمة، والكلمة لها فعل خطير، المخترعون والعلماء والتكنولوجيون جاؤوا بالمخترعات والأجهزة الإلكترونية والأجهزة المدهشة، لكن الإنسان هو الإنسان، بينما الأنبياء الكرام جاؤوا بالكلمة الطيبة، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

أنا أردت من هذا الدرس الذي دخلت فيه في موضوع المرض، وموضوع السفر، وموضوع النقص الطبيعي، أردت أن أصل إلى أن كل واحد منكم مفروض عليه أن يكون داعية إلى الله، ذكرت في صلاة الفجر أكبر قطر إسلامي يساوي سكانه الأمة العربية بأكملها فُتح عن طريق التجار، عن طريق المعاملة، لا عن طريق السيف والسنان، فكل واحد يجب أن يكون أمة، أنا أحثكم وأحث نفسي على أن يخرج الإنسان من ذاته إلى هداية الخلق، إنها أعلى صنعة صنعة الأنبياء، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت : 33]

لا يمكن أن يوجد مؤمن منسحب ويائس فالمؤمن فاعل ومتفائل
جهاد النفس والهوى متاح لنا جميعاً، تستطيع أن تفعله بكل حرية دون أن تجد أي عقبة، والجهاد الدعوي تعلم القرآن وعلمه وانتهى الأمر تستطيع أن تعلم، وأقول لكم من باب التحذير أن كل إنسان لم يحدث نفسه لا بجهاد النفس والهوى ولا بجهاد الدعوة يموت على شعبة من النفاق، وأنا لا أصدق أبداً أن حقيقة الإيمان تستقر في نفس الإنسان، ولا تعبر عن ذاتها بدعوة إلى الله، مستحيل، مؤمن صامت لا يوجد، مؤمن منسحب من المجتمع لا يوجد، مؤمن يائس، لا، بل إن الدعوة إلى الله تكفل الله لها بالنصر، لأن هذا الدين دينه، قال تعالى:

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾

[ سورة غافر : 51]

هذا كلام الله، زوال الكون أهون عند الله من ألا ينفذ هذا الكلام، فنحن فضلاً عن الثقافة الدينية، أنا ذكرت قبل أسبوع أن الإنسان لا يتفوق في الدين بحجم ثقافته الدينية، ولا بحجم عواطفه الجياشة، ولا بحجم المظاهر الدينية التي يحيط نفسه بها، ولكن يتفوق بالدين عندما يلتزم أمر الله ونهيه، ذكرت هذا الموضوع بشكل مختصر في مسجد آخر، وبعض الأخوة تمنوا عليّ أن أوسعه في يوم الأحد، جهاد النفس والهوى، الجهاد الدعوي ونرجو الله سبحانه وتعالى في المستقبل أن يتيح لنا أن نجاهد اليهود الذين يتحدون هذه الأمة، هذا الجهاد القتالي إن شاء الله يسمح الله لنا به في وقت لاحق، أما الآن فمهمتنا جهاد النفس والهوى لنستحق أن ينصرنا الله على أعدائنا.
مهمتنا أن نوسع دائرة المعرفة
جهاد الدعوة، أنت قد تستغرب هذه المدينة الطيبة الطاهرة فيها ستة ملايين، من يرتاد المساجد يوم الجمعة ؟ خمسمئة ألف فقط، أمامك مهمة كبيرة جداً، هناك أناس كثيرون شاردون عن الله، هناك أناس كثيرون لا يصلون، هناك أناس كثيرون لا يعرفون الله أبداً، فنحن مهمتنا أن نوسع دائرة المعرفة ولكن نحتاج إلى حكمة بالغة، الذي يدعو إلى الله يحتاج إلى فهم عميق، إلى نفس تتسامح مع الآخرين، إلى أخلاق تشد الناس إليها، ذكرت لكم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عنه:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد لنت لهم، لينك لين رحمة وليس لين ضعف، أحياناً الإنسان البعيد عن الدين يلتبس عليه الأمر يرى الرحمة ضعفاً، الرحمة غير الضعف، إن أردت أن يلتف الناس حولك فكن رحيماً، رحمة عن طريق الاتصال بالله عز وجل.

الدعوة إلى الله أحد أركان النجاة :

أخواننا الكرام: لازلت في هذا الموضوع الخطير، الجهاد الدعوي يجب أن تحدث نفسك أن تهدي إنساناً، تعلّم وعلّم، الملاحظ أن الإنسان إذا حضر مجلس علم ولا ينوي إطلاقاً أن ينقل هذا الدرس للآخرين قد يستمتع بالدرس فقط، لكن هذا الإنسان لا يستطيع أن يحفظ هذه المعلومات إلا إذا أراد نقلها للآخرين، الإنسان إذا أمسك بكتاب ليقرأه وليس مكلفاً أن يقدم به امتحاناً يستمتع به ولكن لا يحفظ منه شيئاً، قد يبقى فيه انطباع يتحدث عنه بكلمات قليلة، يقرأ كتاباً من مئتي صفحة يتحدث عنها بكلمات قليلة، لأنه حينما قرأ هذا الكتاب لم يفكر أن يؤدي فيه امتحاناً، أما حينما تمسك بالكتاب المقرر فتقف عند كل كلمة، وعند كل شاردة، وعند كل فكرة، وعند كل تعليق، وعند كل شاهد، تضع الخط وتلخص لماذا ؟ لأنك مكلف أن تؤدي فيه امتحاناً.
أنت تملك العلم عندما تحضر مجالسه
الإنسان إذا فكر أن يدعو إلى الله، وجلس مجلس علم يستوعب، يركز، يدقق، يتابع، يراجع، يذاكر، فإذا هذه المعلومات الذي سمعها بالدرس ملكها، وفرق كبير بين أن يستمع الإنسان وبين أن يعي، كل منا يسمع، بل إن الصوت يصل إلى أذان كل الناس، قد يصل صوتاً ولا يصل معنىً، قد يصل معنىً والمعنى لا يعقل، فالذي أرجوه من الله تعالى أن الإنسان ترك بيته، وترك زوجته وأولاده، ولبس ثيابه، وجاء إلى مجلس العلم، فإذا صار مجلس العلم عادة من عاداته، إذا توجهت إلى المسجد ولم تحدث نفسك بنقل هذه الحقائق للناس، تموت على ثلمة من النفاق.
تعلّم وعلّم، تلقى وألق، تعلم القرآن وعلمه هذا هو الجهاد الدعوي، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، بل إنها أحد أركان النجاة، والدليل قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 108]

فالمتبع لرسول الله يدعو إلى الله على بصيرة، مع الدليل والتعليل، وأحد أركان النجاة من الخسارة التواصي بالحق، كبار العلماء هؤلاء تبحروا وتعمقوا وأدركوا، هؤلاء دعوتهم فرض عين، قال تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

هذه من للتبعيض، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت : 33]

ممكن أخ لا يتقن إلقاء العلم، لا يتقن إقناع الناس، لا يتقن نشر الحق، الإنسان إذا أصرّ على شيء وصل إليه، هذا الأخ عنده شريطين أو ثلاثة يوزعهم، يناقش الناس فيهم بعد حين جذب الناس.
الآن يوجد دعوة أساسها الشريط، ممكن أن توزع شريطاً معيناً، تعطي إنساناً موضوعاً علمياً تأثرت به، آية تفاعلت معها، خطبة شدت نفسك إليها، تقول: اسمع هذا وناقشني به، هذا الذي أردته في هذا الدرس أن أركز على جهاد الدعوة، الجهاد الدعوي أن تنقل هذه الحقيقة إلى الناس.
هذا الذي يقول: الحمد لله اهتديت ولا علاقة لي بالناس، هذا ما عرف شيئاً، قلت قبل قليل: الانسحاب من المجتمع هذا انهزام، ألا تبالي بالناس، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

أنواع السفر :

إذاً أعلى أنواع السفر سفر الجهاد، ثانيها: سفر طلب العلم، ثالثها: سفر الفرار بالدين، رابعها: سفر كسب الرزق، خامسها: سفر السياحة وفق منهج الله، أما سادسها فالسفر لمعصية، والآن صار هناك مصطلح سمعته بأذني السياحة الجنسية، يسافر ليزني، لذلك تجد خطوط الطيران إلى شرق آسيا يوم الخميس والجمعة كلها محجوزة في بعض الدول الغنية، هذا سفر إلى المعصية.
هناك من نوى البقاء إلى آخر حياته في الغرب
الحكم الفقهي في السفر أن الإنسان إذا غلب على ظنه أنه لن يستطيع أن يقيم شعائر الله في السفر صار السفر محرماً، ومن أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله.
لهذا الذي يقيم هناك على نية البقاء إلى آخر حياته، هذا جهده لمن؟ ثقافته لمن؟ أولاده ما مصيرهم؟ شيء مؤلم جداً.
أيها الأخوة: العلماء اختلفوا اختلافاً غريباً في سفر المعصية، كأن يسافر الشخص لقطع الطريق، أو لأخذ المال، أو لقتل الأنفس، أو لقصد قتال المسلمين والتمرد عليهم، أو اللهو المحرم، هل يجوز له استعمال الرخص الشرعية من قصر الصلاة وفطر رمضان وأكل الميتة ونحوها؟ شيء مضحك إنسان ذهب ليقطع الطريق، ذهب ليقاتل المسلمين، هل يجوز أن يقصر في الصلاة؟ أية صلاة هذه؟؟

المرض و رخصه :

تخفف التكاليف الشرعية على المريض
أيها الأخوة ننتقل إلى المرض الذي هو ضرورة في تخفيف التكاليف، ولكن يا أيها الأخوة الأكارم ممنوع أن يقدر الإنسان بنفسه، وسع نفسه لأن الله عز وجل يقول:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 286]

فالوسع الذي تتحدث عنه الآية يقدره الله تعالى لا أنت، أنت تقول: لا أستطيع، الله عز وجل سمح لك بالسفر أن تقصر الصلاة، وسمح لك بالسفر أن تفعل كذا وكذا، أما أن تزيد أنت عليها شيئاً فهذا لا يجوز، من رخص المرض: التيمم بالتراب من أجل الصلاة عند وجود مشقة باستعمال الماء.
التيمم من رخص المرض
بالمناسبة أيها الأخوة المشقة في الإسلام لا يمكن أن تقصد بذاتها، لأن ديننا دين رحمة، دين رفع المشقة، ليس بالإسلام مشقةٌ تقصد بذاتها إطلاقاً، أما حينما تفرض علينا من أجل طاعة ربنا فمرحباً بها، فأي عمل فيه مشقة على النفس مفتعلة بإمكانك ألا تفعلها، ينبغي ألا تفعلها.
من تخفيف تكاليف المرض التيمم بالتراب من أجل الصلاة عند وجود مشقة في استعمال الماء، أو الخوف على النفس، أو العضو، أو زيادة المرض، أو بطء البرء، أو حدوث شيء قبيح في العضو، لك أن تدع الوضوء بالماء إلى التيمم، وفي المرض يجوز القعود في صلاة الفرض، وفي صلاة الجماعة، والإضطجاع والصلاة بالإيماء، هذه من رخص المريض.
ومن عذر المريض أنه يجوز التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة مع حصول الفضيلة والثواب المطلوب.
يجوز للمريض الفطر في رمضان
من رحمة الله بنا أن المؤمن المستقيم يكتب له وهو مسافر وكأنه مقيم، يكتب له وهو مريض كأنه صحيح، حينما تخفف عنه التكاليف يبقى ثوابه مقيماً صحيحاً، يوجد رأي أن المريض يصح له الجمع بين الصلاتين تقديماً وتأخيراً عند جماعة من الشافعية، يجوز أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً للمريض، وجواز الفطر في رمضان، ومشروعية أن يوصي بحجة بدل، مشروعية أن يرمي عنه أحد الجمار إذا كان هناك ازدحام شديد، مشروعية إباحة المحظورات في الإحرام، كأن يرتدي الثياب المخيطة، مشروعية التداوي بالنجاسات، لو أنه كان على وشك الموت لغصة في حلقه له أن يشرب الخمر، لو كان على مشارف مرض شديد وخاف أن يموت جوعاً له أن يأكل لحم الخنزير، ويباح أيضاً للطبيب النظر إلى المريض ذكراً كان أو أنثى وإلى عورته.

أحكام هامة في المرض :

أخواننا الكرام: يوجد أحكام هامة جداً في المرض، قال: إذا لم يكن الشخص المريض مديناً، افترضوا عليه حجراً جزئياً على تبرعاته كالهبة والوقف والوصية والصدقات، فلا ينفذ منها إلا ما كان في حدود الثلث، إنسان مريض ليس مديناً لا يجوز أن ينفق من ماله في مرضه أكثر من الثلث، هذا يفرض عليه حجر جزئي أما أن يعطي ماله كله ويدع الورثة فقراء، فهذا لا يجوز، لذلك المريض الذي ليس عليه دين يقام عليه حجر جزئي بحيث لا يستطيع أن ينفق ماله كله في مرضه، ينبغي أن ينفق ثلث ماله كما قال عليه الصلاة والسلام لسيدنا سعد ابن أبي وقاص: " الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس من بعدك".
شيء آخر: المريض لا تنفذ تبرعاته لأحد من الورثة إلا بإجازة باقي الورثة، أراد أن يهب المريض وهو في مرض لابنه بيتاً يؤثر به على بقية أخوته لا يجوز إلا أن يجيز بقية الورثة هذه الهبة، وإن كان صحيحاً يوجد حكم آخر، أما إذا كان مريضاً ووهب شيئاً من ماله لأحد أولاده لابد من موافقة بقية الورثة، صار عندنا حجر كلي وحجر جزئي.
أما إذا كان المريض مديناً ودينه مستغرقاً كل ماله فالفقهاء قرروا أنه يعتبر محجوراً عليه حجراً كلياً، إنسان يوجد عليه دين بقدر أمواله كلها هذا وهو مريض يحجر عليه حجراً كلياً ليكون المال مقابل الدين، إذا لم يكن دينه مستغرقاً جميع ماله قال: يحجر على أمواله حجراً جزئياً، هذه حالة المرض، العبرة من الحجر أن نصون الحقوق، إما حقوق ورثته أو حقوق المدينين. فصار المريض بإمكانه أن يقصر من الصلاة، وأن يجمع بين الصلاتين، وأن يصلي قاعداً، وأن يتخلف عن صلاة الجمعة والجماعات، وأن يتيمم بالتراب، وأن يوكل في رمي الجمار، وأن يتداوى بالنجاسات، وأن ينظر الطبيب إلى عورته، هذا كله مباح للمريض ومن تخفيف التكاليف الشرعية وانطلاقاً من المقولة الأصولية: الضرورات تبيح المحظورات.

التخفيفات على النقص الطبيعي :

الآن عندنا نقص طبيعي، الطفل ناقص طبيعياً والمرأة كذلك، والنبي الكريم أوصانا - بالمرأة واليتيم- بالضعيفين.
الصبي غير مكلف بالصلاة لكن نعوده عليها
من التخفيفات على النقص الطبيعي عدم تكليف الصبي والمجنون من التكاليف الدينية كالصلاة والصيام وسائر العبادات، العلماء أحدثوا شيئاً لطيفاً في الفقه، يوجد تكليف تأديبي أنا أكلفه أن يصوم ليعتاد الصيام، أكلفه أن يصلي ليعتاد الصلاة، فالصبي غير مكلف أن يصوم ولكن ليس معقولاً أن تدعه إلى أن يبلغ فتأمره بالصيام، لا بد من أن تؤدبه على أدب الإسلام، وعلى أدب طاعة الله عز وجل، إلا أن العلماء قالوا: مال الصبي يجب أن تؤدى زكاته، وعلماء آخرون قالوا: لا تؤدى زكاته، وعلماء آخرون وقفوا موقفاً معتدلاً فقالوا: مال الصبي المستثمر تؤدى زكاته، أما غير المستثمر فمعفى من الزكاة، إلا أن الصبي والمجنون ضامن على كل تلف لمال الآخرين، لو حصل أنه أتلف مال الآخرين هو ضامن من ماله يمكن للمرأة أن تحضر إلى المسجد
والمرأة أيضاً عندها نقص طبيعي، نقص هو متعلق بمهمتها في الحياة، قال: المرأة لا تكلف بحضور الجمعة والجماعات، سبحان الله بعض المسلمين يفهمون هذا الحكم على غير ما أراده الفقهاء، يفهمون أن المرأة محرم عليها أن تحضر خطبة الجمعة، لا ليست مكلفةً، عدم التكليف شيء وأن يحرم عليها أن تصلي الجمعة شيء آخر، امرأة جاءت مع زوجها من الريف إلى دمشق يوجد في الجامع - والحمد لله - قسم للسيدات مفتوح وقت خطبة الجمعة، بإمكانها أن تستمع إلى الخطبة، امرأة ليست مكلفة بشيء، مات زوجها وأولادها تزوجوا جميعاً، وأحبت أن تستمع إلى خطبة الجمعة فإن صلاة الجمعة تجزئها عن صلاة الفرض، هذا هو الحكم الشرعي. أحياناً امرأة راغبة في العلم، ليس وراءها أحد، غير مكلفة، مقيمة بجانب الجامع، فنحن وهذا حكم شرعي في خطبة الجمعة مصلى النساء مفتوح للأخوات المؤمنات.
والمرأة معفاة من الجهاد، معفاة من دفع الجزية، مباح لها لبس الحرير والديباج، والتحلي بالذهب، مباح لها عدم قضاء الصلاة المفروضة في أثناء الحيض أو النفاس دفعاً للحرج، المرأة في أيام الحيض لا تصلي وليست مكلفةً أن تقضي هذه الصلوات، أما الصوم فتفطر ويجب أن تقضي ما فاتها من رمضان.

الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة فرض عين على كلّ مسلم :

أيها الأخوة: هذا النقص الطبيعي، والمرض، والسفر، يوجد تكاليف تخفف في أثناء هذه الحالات الثلاث لكن الموضوع الرئيس الذي أردت أن أقف عنه مطولاً، موضوع جهاد النفس والهوى وموضوع الجهاد الدعوي، وهذا فرض عين على كل مسلم، أن يجاهد نفسه وهواه، وأن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في حدود ما يعلم ومع من يعرف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

فضل المؤمن الداعي إلى الله على الخامل كفضل الماس على الفحم
وكنت فيما مضى عرضت على الأخوة الكرام خطة مقترحة هي: إنك مؤمن لابد لك من لقاءات في أثناء الأسبوع، زرت أختك، عندك وليمة، حضرت عقد قران، سافرت في نزهة، اللقاءات الاجتماعية ضرورية في حياة المؤمن، ماذا تتحدث في هذه اللقاءات؟ اجعل من خطبة الجمعة أو درس الجمعة محوراً لهذا الحديث، فأنت حينما تجلس لتستمع إلى موضوع الدرس، التفسير، الحديث، السنة، الخطبة، إذا أردت أن تستمع من أجل أن تستوعب فركز، أما إن أردت أن تستمع دون أن تقدم شيئاً فلا تركز، فأنت ركز على ما تستمع إليه، وحاول أن تحفظه، أو أن تسجله، أو أن تجعله مدار الحديث، نكون قد سلكنا طريق الجهاد الدعوي، قال تعالى:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة النحل : 120]

أنا كنت أقول للأخوة: يوجد ماسة ثمنها مئة وخمسون مليون ليرة موجودة في استنبول، والألماس أساسه فحم، و هناك فحمة بحجم الماسة ثمنها قرشاً لا تقدم ولا تؤخر، فهناك إنسان كالقنبلة يؤذي، و إنسان كالفحمة لا خير ولا شر، و هناك إنسان غال جداً، فأنت بقدر ما تدعو إلى الله عز وجل، بقدر ما تكون في قلوب الآخرين، يكون لك عند الله مكان أعلى، فإن إبراهيم كان أمة، ترى أخاً حوله أربعين شخصاً، كلهم استفادوا منه، من أخلاقه، من دعوته.
العمر قصير والمهمة خطيرة، والآخرة لا بد من الوصول إليها، وأكبر شيء يمكن أن يعينك في هذا اليوم العصيب أن يكون لك دعوة إلى الله عز وجل.
أنا مرة حضرت جنازة المتوفى رحمة الله تعالى جلست معه جلسات طويلة، رجل صناعي وله أذواق عالية جداً، وله بيت فخم جداً، وله مركبات عديدة، وسفريات طويلة، ونشاطات راقية، توفي رحمه الله، فالشيخ الذي أراد أن يؤبنه في الجامع قال: ترحموا على أخيكم كان مؤذناً، أنا لفت نظري هذا الكلام المختصر، لكن لو كنت مكان هذا الإمام ماذا تقول؟ هل تتحدث عنه؟ عن بيته؟ عن مركبته؟ عن أذواقه؟ عن سفرياته؟ هذا كله لا يقال عند الموت، لا يقال إلا عن أعماله الصالحة التي فعلها، فالإنسان أحياناً حجمه صغير جداً ليس له عمل صالح، متمركز حول ذاته، أما الإنسان إذا خرج من ذاته إلى خدمة الخلق فيصير إنساناً آخر، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين.
إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين
وأقول لكم هذه الكلمة: الإنسان إذا خرج من ذاته إلى خدمة الآخرين الله جلّ جلاله يتولى حوائجه، أما إذا تمركز حول ذاته تأتيه المتاعب من كل مكان، فإما أن تشغل بخدمة الخلق، وإما أن تشغل بحل مشكلاتك.
فالحقيقة محور هذا الدرس الأساسي ألا يكون همك ذاتك، بيتك، أولادك، دخلك، عملك فقط، إذا حصلت دخلاً كبيراً فعلى الدنيا السلام، عندك الطعام والشراب والمأوى وعلى الدنيا السلام؟ لا، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
لابد من دعوة، الإنسان حضر مجالس علم عشر سنوات لا يستطيع أن يتكلم ساعة مما سمع؟ ألا يوجد عنده آيات فهمها؟ حديث فهمه؟ قصص؟ أحكام فقهية استوعبها؟ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لجهاد النفس والهوى، وأن يوفقنا أيضاً للجهاد الدعوي، ولا أحد يمنعك أن تغض بصرك، أن تضبط لسانك، أن تحرر دخلك، أن تقيم الإسلام في بيتك، ولا أحد يمنعك من أن تحضر مجلس علم فتتعلم لتعلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[البخاري عن عثمان بن عفان ]

خيركم على الإطلاق.

والحمد لله رب العالمين