موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 039: فرز المؤمنين في الزمن الصعب .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-09-23
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإيمان شيء خطير جداً :

أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في موضوع ساخنٍ جداً يحير المسلمين، ما الذي يثبت قلب المسلم؟ قال تعالى:

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

[ سورة إبراهيم: 27 ]

ما القول الثابت؟ القرآن الكريم، أضرب مثلاً: لو أن أمةً فيها عدل تام، أقام عليك إنسان قوي جداً دعوى، والقانون معك، وهناك اجتهاد لمحكمة النقض لصالحك، والقاضي نزيه، والاجتهاد واضح وثابت ويجب أن يأخذ به، لماذا تنام مطمئناً؟ لأن هذه الفقرة في القانون لصالحك، والقاضي ينبغي أن يأخذ بها، أنت مطمئن لكلمات، لحبر على ورق، والخصم قوي جداً، له حجم كبير، وأنت لاشيء، لكن هذه الكلمات من اجتهاد محكمة النقض لصالحك، والمحامي يعرفها، والقاضي نزيه، والبلد فيه عدل، سبب الطمأنينة أن هذا الكلام لصالحك، إذاً معنى قوله تعالى:

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

[سورة إبراهيم: 27]

هذه الآية تملأ قلب المؤمن راحة
أي مؤمن مستقيم على أمر الله، متوجهٌ إلى الله، يخاف أن يعصي الله، يقرأ القرآن:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل: 97 ]

هذه الآية وحدها تملأ قلبه راحة، وتملأ قلبه سكينة، وتملأ قلبه ثقةً بالله عز وجل، لذلك الإيمان شيء خطير جداً، أنت إذا كنت مؤمناً حقاً فبقلبك من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، الخوف يرافق الشرك، أنت خائف بقدر ما أنت مشرك، وأنت مطمئن بقدر ما أنت مؤمن، أنا لا أجرؤ، ولا يجرؤ غيري على وجه الأرض أن يقول في الدين كلاماً من عنده، من أنا؟ من أنت؟ حتى تقول في الدين كلاماً من عندك في الدين مرجعان الكتاب والسنة
في الدين هناك مرجعان كبيران الكتاب والسنة، لذلك هذا الأمن الذي يتمتع به المؤمن مهما اشتدت الأمور، مهما كبرت، مهما بدا لغير المؤمن أن النصر محققٌ للكافر، سيبقى متمتعاً به، ما قولك ببطل ملاكمة في العالم أمام طفل صغير عمره أربع سنوات قام فصرعه أيعد هذا وسام شرف له؟ أي ممكن أقوى دولة في العالم أن تهيئ أسلحة إلى أضعف دولة في العالم، وأفقر دولة في العالم، ومصابة جفاف مدة ثلاث سنوات، ليس هذا نصراً أبداً، إن لم يكن الطرف الآخر نداً لك لا معنى لهذا النصر، هذا نصر الجبناء أساساً، يبدو أن الله عز وجل سيحقق هذه الآية:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

هذا فرعون العصر، نحن نسميه فرعون العصر، إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، مقولة كافر، إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، حدد موقفك، إذاً لو أن الله أراد منا أن نحدد موقفنا، حدد موقفك، أنت محسوب مسلم لم يستغنوا عنك، محسوب مؤمن ولست بمؤمن، مع أهل الدنيا.

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾

[ سورة البقرة: 14 ]

أي مسلم عنده عواطف، عنده خلفية إسلامية، عاطفة إسلامية، ثقافة إسلامية، اهتمامات إسلامية، أرضية إسلامية، نزعة إسلامية لكن ما هو مسلم، لأن الإسلام منهج، سبحان الله، كيف مسخ الإسلام إلى خمس عبادات شعائرية، الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام عفة، الإسلام إنجاز وعد، الإسلام وفاء بالعهد، الإسلام استقامة، الإسلام إنصاف، والله الذي لا إله إلا هو لو قست المسلمين بمقياس الإسلام لما كانوا مسلمين، لا والله، لكن المساجد ممتلئة، العبرة بالمستقيم، الله عز وجل قال:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف: 105 ]

الله عز وجل وليّ المؤمنين :

و عن ثَوْبَانَ قال: قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:

((يُوشِكُ الأُمَمُ أنْ تُدَاعِيَ عَليْكُم كَمَا تُدَاعِيَ الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُيرٌ، وَلَكِنّكُم غُنَاءُ كَغُنَاءِ السّيْلِ))

[ أبو داود عن ثوبان]

كنت مرة في مؤتمر إسلامي في أبو ظبي، وهناك ندوة حول الجنس بقيت ثلاث ساعات، ورد أسئلة يندى لها الجبين، وكأن اهتمام العالم الإسلامي لا يزيد عن الجنس إطلاقاً، وكان من الممكن أن تلخص كل هذه الندوة بكلمتين، حرم الله شيئين في العلاقة الزوجية والباقي مباح، أما إذا المباح وردت عنه أسئلة يخجل الإنسان إذا كان وحده أن يتصورها فماذا بقي؟؟
أعيدت هذه الندوة على المحطات الفضائية ثلاث مرات ، حتى أن مجلة شاردة في مصر تناهض الدين سخرت من هؤلاء المسلمين، أنا قلت لكم سابقاً: والله لولا أن أخاً كريماً داعياً كبيراً خطيب مسجد محترماً جداً، قال لي ذلك من فمه إلى أذني لما صدقته، قال لي: كنت ببلد مسلم شرقي أوربا- هو من هناك- فاعتليت المنبر، أمامي عشرة آلاف مصلي، ألقيت خطبة رائعة جداً في أضخم مسجد حتى بكى الناس من شدة التأثر، من شدة تأثرهم أخرجوا بطحات عرق وشربوها في المسجد، وهم يبكون من هذا الخطيب، هذا نموذج من المسلمين، معاهد تستقبل طلاباً من بلاد إسلامية معها الفودكا في محافظها، أنا متأكد أن الله جل جلاله لا يمكن ومن سابع المستحيلات أن يتخلى عن المؤمنين، لكن أين المؤمنين؟ يبدو أن الله سبحانه وتعالى سيفرز المؤمنين الآن فرزاً، استمعوا إلى قوله تعالى: لابد من الامتحان كي تميز الطالب المجتهد من غيره

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

أنت انظر إلى الطلاب في المرحلة الثانوية كلهم يرتدون ثياباً تشير إلى أنهم طلاب، لكن من هو المجتهد منهم؟ من المقصر؟ من الذي يغيب أياماً وأياماً؟ من الذي يرتاد الملاهي والسينمات؟ من الذي يداوم؟ من الذي يدرس؟ لا بد من امتحان، ممكن توهم الناس أنك طالب جيد تسعة أشهر، لكن في يوم ما هناك امتحان، صفر أو ناجح، تأكدوا لا يمكن أن يدع الله الناس هكذا، كلنا مسلمون، كلنا مؤمنون، كلنا نحب الله عز وجل، يأتي الامتحان، الامتحان قد يكون شدة شديدة، الآن والله هناك شدة شديدة، والأخبار مخيفة، وحش حاقد وقوي، لا يرى شيئاً أمامه، يتصرف بعنجهية وحمق كبيرين، فنحن من لنا إلا الله؟؟

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

من كان مع الله كان الله معه :

أخواننا الكرام: ماذا نفعل؟ الله عز وجل قال:

﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ﴾

[ سورة النجم: 59 ـ 60 ]

والله ينبغي أن ينتهي هذا الدرس، وأن تبدأ متاعبنا، كيف أصلح ما في بيتي؟ كيف أضبط زوجتي؟ كيف أضبط بناتي؟ كيف أحرر دخلي؟ كيف أتصل بالله؟ كيف أخشع في الصلاة؟ كيف أكون مستجاب الدعوة؟ كيف أكون من الفالحين؟ هذا شغل المؤمنين الشاغل وإلا هناك شدة شديدة، مع أنه ما من شدة إلا وراءها شدّ إلى الله، وما من محنة إلا وراءها منحة، المحنة وراءها منحة، والشدة وراءها شدة إلى الله، وأنا والله لست متشائماً لا والله، إني متفائل، لكن:

﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾

[ سورة الأنفال: 42 ]

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذلك لعمري في المقام شـنيـــع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن المحب لمن يـحب يــــطيع
***

لابد أن يكون شغلك الشاغل كمؤمن كيف ترضي الله
أحد التابعين كان يقرأ القرآن فإذا بقوله تعالى، الله عز وجل يصف قرآنه الكريم بأن فيه ذكرنا:

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾

[ سورة الأنبياء: 10 ]

أي أنت كنموذج، هذا النموذج مذكور في القرآن، قرأ الآيات التي تتحدث عن الكافرين قال: لست هنالك، أنا لست كافراً والحمد لله، قرأ الآيات التي تتحدث عن المؤمنين، قال: والله لا تنطبق عليّ، أنت إذا قرأت قرآناً وهناك بالقرآن أوصاف المؤمنين، أليس هناك سؤال وجيه هل هذه الأوصاف تنطبق عليّ أم لا تنطبق؟ هذا سؤال مهم جداً، أنا الآن أضعكم أمام آيات عديدة، أقسم بالله العظيم أنني أقرؤها وأتلوها مئات المرات، لكن ما كنت أتوقع أن تكون هذه الأحداث الخطيرة التي يمر بها المسلمون هي الشفاء، تقرأ هذه الآيات وكأنها تتنزل الآن، وكأنها تنزلت في هذه الأحداث، وكأنها تتنزل أول مرة، قال: من هم المؤمنون؟ قال:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 173 ]

الإيمان بالله الذي بيده ملكوت كل شيء :

يسعى الغرب لتخويفنا من سلاحه الذي أعده للمسلمين
والله العدو يمارس علينا حرباً إعلامية تنهد لها الجبال، أي نحن مكشوفون بالأقمار الصناعية، أي حركة، أي سكنة، هناك حاملات طائرات، مئتان و خمسون طائرة عملاقة، أسلحة جرثومية، أسلحة غازية، قنابل خارقة حارقة، الآن يوجد قنابل إذا كان هناك ألف شخص بملجأ كيف نميتهم والملجأ سماكته متراً؟ إسمنت مسلح، هناك قنابل أول شيء تخرق هذه المسافة، متى تنفجر بعد خرقها ليموت كل هؤلاء، هذه القنابل خارقة حارقة، وهناك قنابل غازية، و قنابل عنقودية، و قنابل ذكية، و أشعة ليزر تركبها القنبلة تأتي في المدخنة بالضبط، هناك تفوق بالسلاح لا يصدق، وهذا كله الآن معدّ للمسلمين، كله معد لهؤلاء المسلمين الذين قالوا ربنا الله.

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة البروج: 8 ـ 9 ]

إذاً يوجد تخويف يفوق حدّ التصور، سألوا إنساناً معمراً بروسيا ما سر هذا العمر المديد؟ قال لهم: لأنني لا أسمع الأخبار أبداً، معه حق والله الأخبار مخيفة.

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾

[ سورة آل عمران: 173 ]

في هذه الأيام أنت بأمس الحاجة إلى الإيمان، الأمر بيد الله.

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الزخرف: 84 ]

﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة يس: 83 ]

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الفرقان: 2 ]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[ سورة هود: 123 ]

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾

[ سورة السجدة: 4 ]

﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 26 ]

﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾

[ سورة الأنعام: 18 ]

متابعتك للإعلام الغربي توقعك في مصيدتهم
والله الذي لا إله إلا هو كنت مرة في سفر فدخلت إلى مسجد، فإذا لوحة كبيرة جداً في صدر المسجد، فوق المحراب، بأكبر خطّ، بخطّ خطاط مستواه عال جداً، والله لما قرأتها اقشعر جلدي.

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح: 10 ]

مرة قرأت آية:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 79 ]

أنتم خططوا، واتخذوا قرارات، بعضها علني، وبعضها سري.

﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 79 ]

أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة والنقمة، فهذا الذي يبدو لك قوياً، أنا أسميه فرعون العصر، فرعون العصر بيد الله، وأعوانه بيد الله، وهيئات أركانه بيد الله، وحاملات الطائرات بيد الله، والطائرات بيد الله، لكن نقول لهم: أنسيتم يوم ألقيتم على نكزاكي وهيروشيما قنبلتين ذريتين فمات خلال ثلاث ثواني ثلاثمئة ألف إنسان؟ كم ذهب لكم بهذه الأحداث ؟ ستمئة ألف كما يقولون، ثلاثمئة ألف ماتوا فوراً.

من لم يخف الله أخافه الله من كل شيء :

أيها الأخوة الكرام: أذكركم بهذه الآية:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

[ سورة آل عمران: 173 ]

بربك لو أن جندياً غراً التحق بلواء وكان قائد اللواء أباه، وفي هذا اللواء رتب من لواء ونازل، فجاء عريف بسبعة هدده، فصار يبكي أليس هذا الجندي فاقد العقل؟ كل هذه الرتب مهما علت بيد والده، كيف يبكي من تهديد مساعد في الجيش؟ معنى ذلك أن هذا الإنسان جاهل جهلاً مطبقاً، أنت إذا كنت مع الله لا ينبغي أن تخاف من غير الله، بعض الأدعية أدعو بها دائماً يوم الجمعة:" اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك" والله أيها الأخوة والله الذي لا إله إلا هو لو أنك لم تخف إلا من الله لا يمكن أن يخيفك الله من أحد، أما إذا لم تخف من الله فيما بينك وبينه أخافك الله من أحقر الناس، تجد شخصاً محترماً له مكانة بالسوق كبيرة، يأتي موظف فيقول لك هذا الشخص: و الله ارتعدت مفاصلي، لأن هناك حبساً مدة شهرين بعدرا، إذا كنت تغش الزبائن، وتعصي الله فيما بينك وبينه، وتملأ عينيك من الحرام، وتكذب في البيع والشراء، وتؤذي المسلمين في بيعهم، إذا دخل هذا الموظف عليك ينبغي أن تخاف، لكن من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.
من خاف لله خافه كل شيء
دققوا: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

[ سورة آل عمران: 173 ]

الآن إذا إنسان وكل محامياً من الدرجة الأولى يمشي بالعرض أنا محاميّ فلان، فكيف إذا كان الله هو الذي سيدافع عنك؟ من أين هذا الكلام؟ من القرآن:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[سورة الحج: 38 ]

وأحياناً جلت حكمته، وعلا قدره، ينجيك بسبب صغيرٍ جداً، رسول الله، أقرب إنسان إليه الصديق كانا في غار ثور، المطاردون وصلوا إلى غار ثور، ما الذي منعهم من الدخول؟ العنكبوت، العنكبوت أنقذ الدعوة الإسلامية كلها، في الخندق:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 10 ـ 12 ]

أحياناً يقول لك: هذا كله كان سحبة بسحبة، أين النصر؟ أحياناً الإنسان يمتحن، يريه الله أن الكافر قوي يفعل ما يريد، الحقيقة هذا شيء يحير، تجدهم غارقين بالجنس، غارقين بالربا، غارقين بالانحراف، باللواط، بالسحاق، مدينة بأكملها أجمل مدن أمريكا كلها لواط، إنسان فاسق، خمس و سبعون بالمئة منهم شاذون جنسياً، نساء مع نساء، ورجال مع رجال، لذلك أيها الأخوة:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 173 -174]

نحن في أمس الحاجة إلى الإيمان.

مهمة الشيطان إلقاء الخوف في قلوب المؤمنين :

الحقيقة هو من أين يبدأ الضعف؟ من الداخل، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((نُصِرْتُ بِالرّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))

[ النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

هزيمتنا تبدأ عندما ننهزم من داخلنا
أمته حينما تركت منهجه هزمت بالرعب مسيرة عام، النصر يبدأ من الداخل، أنا أقول لكم دائماً أيها الأخوة: ليس من الخطأ ألا ننتصر، من الخطر الشديد أن نهزم من داخلنا، لذلك كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يفرز المؤمنين.

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

كما قلت في بداية هذا الدرس أن فرعون العصر يقول: إن لم تكن معنا فأنت ضدنا، الإله العظيم لو أنه أراد أن يمتحن المؤمنين، أنت مع من؟ الله عز وجل قال:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص: 50 ]

هناك طريقان لا ثالث لهما، أنت إن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر حتماً، دليل قطعي واضح.

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص: 50 ]

لذلك الآية الكريمة:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 173 -175]

ماذا يفعل الشيطان؟ ليتك تقرأ الآيات المتعلقة بالشيطان مهمته الأولى أن يلقي في قلبك الخوف.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾

[ سورة آل عمران: 175]

قال أحد كبار العلماء: معنى الآية الدقيق يخوف المؤمنين من أولياء طواغيت الكفر.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾

[ سورة آل عمران: 175]

من ظنّ أن الله لن ينصر رسله والمؤمنين فقد ظنّ بالله غير الحق :

الآن الله عز وجل يقول لنا:

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 175]

كنت أقول سابقاً في قوله تعالى:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 55 ـ 56 ]

إن خفت من الدواب فأنت مشرك، وإن خفت ممن يأخذ بناصية الدواب فأنت مؤمن موحد، أنت في حديقة حيوان، وحوش مخيفة كلها مربوطة بأزمة بيد جهة قوية عادلة، رحيمة، سميعة، بصيرة، أنت إن خفت من الوحش فأنت مشرك، وإن خفت ممن يملك زمام الوحش فأنت مؤمن، أنا علاقتي مع الله عز وجل، نحن في أمس الحاجة إلى هذه المعاني، نحن في أمس الحاجة إلى أن نعود إلى ديننا، أنا درس الجمعة الأول والثاني حول ماذا؟ حول الذين:

﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾

[ سورة الفتح: 6 ]

﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾

[ سورة فصلت: 23 ]

أحياناً الإنسان يظن بالله ظن السوء فيهلك، من ظنّ أن الله لن ينصر رسله والمؤمنين، فقد ظن بالله غير الحق، من ظن أن هذا الذي وقع ليس بقضاء من الله وقدر، فقد ظن بالله ظن السوء، ظن بالله غير الحق، ظن الجاهلية من ظن أن هذا الذي وقع بقضاء من الله وقدر ولكن من دون حكمة، الآن كم إنسان يقول: لو لم يكن هذا الحدث ما كنا في هذا الخطر؟ لا، لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾

[ سورة آل عمران: 175]

أي يخوف المؤمنين من أوليائه، الله عز وجل يأمرنا، وأمر الله يقتضي الوجوب، في كل آية في كتاب الله.

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 175]

أنا لي كلمة أرددها كثيراً، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ لكن صدقوا أيها الأخوة أننا في هذه الحياة الدنيا كمسرح على خشبة، خشبة مسرح وهناك مقاعد للمشاهدين، إن كنت مستقيماً على أمر الله فلك مقعد مع المشاهدين، ترى عجباً، وإن لم تكن مستقيماً لا بد من أن تجر إلى خشبة المسرح، وأن تؤدب، وأن تغدو قصتك قصة ممتعة، نسأل الله السلامة.

الاتصال بين العبد و ربه اتصال مباشر :

في درس سابق ذكرت أيضاً أنه ليس بين الله وبين عباده وسيط.

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾

[ سورة البقرة: 219 ]

أجيب دعوة الداع إذا دعان

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 220 ]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

اثنتا عشرة آية تبدأ بـ يسألونك، ويأتي بين السؤال والجواب قل، إلا في آية واحدة.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

إذا كان لك وقت تناجيه، وقت تطلب حمايته، تطلب أن يدافع عنك، تطلب أن يحميك، والله ما كان يخطر في بالي أن من بعض الأدعية:" اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل" أحياناً يلبسونك تهمة، وأنت بريء منها.

العبرة في إهلاك الأمم لا في الأسباب الظاهرة ولكن في الأسباب الباطنة :

لكن أريد أن أقول شيئاً والله هو أهم ما في هذا الدرس، أرجو أن تستمعوا إلي جيداً والشيء خطير: دائماً عندنا أسباب ظاهرة، وأسباب بعيدة، الزلزال له سبب ظاهر، اضطراب بالقشرة الأرضية، لكن من هو مسبب الأسباب؟.

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

[ سورة الكهف: 59 ]

في بلدة بالمغرب اسمها أغادير، أي بلد العراة، كلها نوادي عراة، وكلها منطقة سياحة، أنشئت من أجل أن تستجلب الأوربيين ليقضوا فيها متعهم الرخيصة، وينفقوا أموالهم الطائلة، هذه البلدة أصابها زلزال فاختفت في بضع ثوان، لو قلت: الزلزال سببه اضطراب القشرة الأرضية هذا كلام طيب، لكن أنت بقيت في السبب الظاهر، لو تعمقت.

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

[ سورة الكهف: 59 ]

النوازل الطبيعية عصا الله في الأرض
الآن الإنسان أحياناً يكذب بالآخرة، يظلم، يترف، يفسد، هناك عشرة أسباب في إهلاك الأمم من الكتاب والسنة، كل سبب له عدة آيات وعدة أحاديث، أسباب هلاك الأمم، لو أن أمة إسلامية استحقت الهلاك أو التأديب، هذا هو السبب الحقيقي، المباشر، قد تهلك بزلزال، وقد تهلك بفيضان، وقد تهلك بجفاف، وقد تهلك بحرب أهلية، وقد تهلك بعدوان خارجي، الظواهر متعددة، أما السبب الحقيقي فواحد.

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

﴿مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

الصواعق والصواريخ ،

﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾

الزلازل والألغام،

﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

هذه الحروب الأهلية، إذاً السبب الحقيقي هو أننا وقعنا فيما يوجب هلاكنا، المباشر ما نعرف، قد يكون عدواناً داخلياً، عدواناً خارجياً، قد يكون حرباً أهلية داخلية، قد يكون زلزالاً، قد يكون جفافاً، قد يكون فيضاناً، قد يكون صواعق، لكن العبرة لا في الأسباب الظاهرة ولكن في الأسباب الباطنة.

أعراض الإعراض عن الله :

أيها الأخوة: أقول لكم هذه الحقيقة و هي خطيرة جداً، هناك في القرآن والسنة أسباب لهلاك الأمم والشعوب، هذه الأسباب هي الأسباب الحقيقية لما يصيب الناس، أما الأسباب المباشرة فتتنوع تنوعاً عجيباً، قد نهلك بالجفاف، كما في بعض البلاد، وقد نهلك بالفيضانات، وقد نهلك بالزلازل، وقد نهلك بمشكلات داخلية، كما يجري في بعض البلاد، وقد نهلك بعدوان خارجي، هذه كلها أسباب ظاهرة، ما السبب الحقيقي؟ الحقيقي أننا وقعنا فيما يوجب هلاكنا، لذلك من هو الطبيب الناجح؟ إذا جئت بطبيب وابنك حرارته مرتفعة فأعطاه خافض حرارة هل يكون طبيباً؟ أبداً، الحرارة عرض لمرض، فإن عالج هذا العرض ليس طبيباً، ينبغي أن يعالج المرض، لذلك أكثر ما نعانيه من المشكلات هي أعراض الإعراض عن الله، لعل الله سبحانه وتعالى بهذه الشدة نعود إليه، لكن ينبغي أن تعلموا أنكم إذا ظننتم أن هذا الذي حصل شر مطلق، فالشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ولكن هذا شراً نسبياً، ظاهره مزعج لكن ينتهي إلى خير المسلمين، ينبغي أن تتفاءل الشدة الواقعة في فلسطين لا تثني المؤمن عن التفاؤل بالنصر
كلكم يعلم أن الذي يجري في فلسطين، هذه الشدة التي لا تحتمل، هذا فرعون فلسطين أيضاً، والله أترفع عن ذكر اسمه شهد الله لأن ذكره يعكر المجلس، أنا سميته ثوراً هائجاً مصاباً بجنون البقر، شدته وحدت الفلسطينيين، أليس كذلك؟ لم يكونوا موحدين أبداً، كانوا شطرين، شطر يعمل لصالحه وشطر آخر، هي ظاهرة شدة باهظة، هدم البيوت، وقتل النساء والأطفال، لكن أصبح هؤلاء كتلة واحدة، هذه الميزة الكبيرة تحتاج إلى سبب، ذكرت لكم مرات عديدة، أني رأيت ألماسة في استنبول تقدر بمئة و خمسين مليون دولار والألماس أساسه فحم، أحضر فحمة بحجمها كم تبيعها بسوق الفحم؟ خذ كيلو من الفحم ثم اختر أكبر فحمة كم تبيع هذه الفحمة؟ الألماس فحم لكن ما الفرق بين الألماس والفحم؟ هو الضغط، فكلما انضغطت أيها المؤمن تصبح ألماساً، لا تخف، الدنيا لا قيمة لها، الدنيا عرض زائل، يأكل منها البغي والفاجر، الله يعطي الدنيا لمن لا يحب، ويعطيها لمن يحب، إذا ليست مقياساً، ألم يعطِ الملك لفرعون؟ هل يحبه؟ لا والله، لكنه أعطى الملك لسليمان، هو نبي كريم، ألم يعطِ المال لقارون؟ هو لا يحبه، أعطى المال لسيدنا عثمان يحبه، ما دام الشيء يعطى لمن يحب و لمن لا يحب فليس مقياساً، أبداً.

الأمانة و العدل و الصدق أسباب نصر المؤمنين :

لذلك أيها الأخوة: البطولة قال لك ألا يتحقق فينا أسباب هلاك الأمم، ألا نظلم، أن نعود إلى الله، أن نتواضع، أن نتحرى الحلال، أن نضبط بيوتنا، نضبط أعمالنا، نضبط جوارحنا، أكاد أقول لكم: الإسلام مئة ألف بند، مسخ الإسلام إلى خمس عبادات شعائرية، يفعل كل شيء، رحلة عمل ذهب بها بعض الناس إلى بلد مسلم، كلهم من أبناء هذه البلدة، الذي فعلوه لا يصدق في هذه البلاد البعيدة الجميلة، لا يصدق، من شرب خمر، ومن زنى، وكلهم يرتادون بعض المساجد، أتريد أن ينزل نصر الله على هؤلاء؟ لا والله، والله لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن لما خرج الإسلام من مكة، كيف وصل إلى أطراف الدنيا؟ بالعدل، بالأمانة، بالصدق، بالعفة.
كنت مرة في تركيا التقيت مع جريدة زمان لإجراء حديث صحفي قلت لهم: أنتم وصلتم إلى فيينا، قال: صح، قلت له: في فيينا لوحة زيتية مشهورة تصور الجنود المسلمين العثمانيين وهم يشترون العنب من فتيات فيينا يغضون أبصارهم، ويعطونهم ثمن العنب، قلت لهم مازحاً: حينما غضضتم بصركم عن الفتيات الأجنبيات وصلتم إلى فيينا، أم حينما بحلقتم عدتم إلى ما كنتم عليه، فالقصة قصة طاعة لله.

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

والحمد لله رب العالمين