السيرة - هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس ( 31 - 48 ) : هديه في إطعام الطعام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

المصيبة للمؤمن مصيبة قرب :

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة: يا بنَ آدمَ, مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب! كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟))

 أدق ما في هذا الحديث أن الإنسان إذا سُلب بعض صحته عوضه الله عنها -عن هذه الصحة التي سلبها منه- قرباً منه.

((أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده))

 معنى ذلك أن المصيبة للمؤمن مصيبة قرب, إذا الله عز وجل ساق للمؤمن بعض المصائب, العلة أن يكون قريباً من الله عز وجل, ولا يوجد معصية تصيب المؤمن إلا تكفير, أو تقريب تكفير.

إطعام الطعام من أعظم الأعمال في الإسلام :

((....أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده؟ يا بنَ آدمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني، قال: يا رب ، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ، أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي؟ -معنى ذلك: إطعام الطعام أيضاً من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها-, يا بنَ آدم، استَسقيْتُكَ فلم تَسْقني، قال: يا رب، وكيف أسقِيكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟ قال: اسْتَسقَاك عبدي فلان، فلم تَسْقِه، أما إنَّك لو سَقَيْتَهُ وجدتَ ذلك عندي))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 هذا الحديث رواه الإمام مسلم, وفي باب إطعام الطعام؛ فإذا أطعمت طعاماً تبتغي به وجه الله عز وجل فهذا العمل من أعظم الأعمال في الإسلام, لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- سئل:

((رَجُل سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال : تُطعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 الحقيقة:

(( إنما الأعمال بالنيات ))

[ البخاري عن عمر ]

 أحياناً الإنسان يسمع شيئاً لم يكن يعلمه من قبل.
 مثلاً منطقة في مدينة, طلب بناء مسجد في هذه المنطقة, هذا البناء يقتضي تنظيم المنطقة, والتنظيم يقتضي أن ترتفع أسعارها إلى الضعفين, أو الثلاثة.
 ممكن إنسان يقصد رفع أسعار منطقة له فيها أراض شاسعة, أو محاضر كثيرة, عن طريق التبرع بمحضر لبناء مسجد, الظاهر أن هذا الشيء رائع جداً, أما الهدف من بناء هذا المسجد في هذه المنطقة تنظيمها, ورفع الأسعار, هذا العمل عند الناس عظيم, أما عند الله فلا قيمة له, لأن الهدف الربح فقط.

(( إنما الأعمال بالنيات ))

أعظم الأعمال عند الله حينما تُطعم الطعام وتبتغي به وجه الله :

 والولائم كذلك؛ ممكن أن تطعم الطعام, ولا ترقى به عند الله, و ممكن أن تطعم الطعام, وتبلغ بهذا أعلى عليين, أحياناً الهدف تأليف القلوب, الهدف الجمع, الهدف أن تسمع الناس كلمة الحق.
 أحد أخواننا الكرام سافر لبلد في الخليج, هو على شوق شديد لمجالس العلم, ويحب أن يكون له عمل صالح, هناك لا يوجد عمل, له عمل بفندق, قال لي: خطر في بالي أن أدعو الموظفين الذين من حولي إلى عشاء, كل أسبوع مرة, وأسمعهم شريطاً, فكان هذا العمل من أطيب الأعمال, هم طبعاً لم يسمعوا الشريط, أما لو كان هناك عشاء, العشاء دفعهم إلى حضور هذه الجلسة, بعد العشاء أسمعهم شريطاً, هو لا يوجد عنده إمكانية لأن يشرح شرحاً دقيقاً, لكن إطعام الطعام كان هو الوسيلة, فهناك إنسان يطعم الناس ليفتخر, ليريهم بيته, ليريهم أثاث بيته, ليريهم دخله الكبير, ليأتيهم بطعام طيب.

(( إنما الأعمال بالنيات ))

 أما إطعام الطعام بالذات فقد يكون أحد أكبر الأسباب للقرب من الله عز وجل.
 إنسان مؤمن, جاء من بلد, ممكن أن تستقبله, تقدم له طعاماً, يشعر بأنس, يشعر بوحدة المؤمنين, يشعر أن المؤمن أخو المؤمن, تساهم بترسيخ قيم الدين عن طريق هذه الدعوة, فهذا العمل من أعظم الأعمال عند الله، حينما تُطعم الطعام, وتبتغي به وجه الله.

إطعام الطعام بالذات عمل فيه مزالق كثيرة :

 أحياناً أخوان لنا كثر في رمضان يدعون طلاب العلم الأجانب؛ طالب قادم من الصين, من تركيا, من أفريقيا, دعي إلى طعام نفيس في رمضان, شعر بأنس, يشعر أن له مكانة في هذه البلدة الطيبة, فإطعام الطعام عمل عظيم, بشرط أن تكون وراءه نية عظيمة, لذلك النبي الكريم نهى أن تُلبى دعوة المتباريين.
 عملنا عزيمة, الثاني حاول أن يشطح, الثالث أتى بأنواع أكثر, الرابع أكثر من كميات الطعام, دعوة المتباريين لا تُلبى, وأحياناً تُطعم الأغنياء المترفين.
 وقد ورد:

((شَرُّ الطعامِ طعامُ الوليمة، يُدعى له الأغنياءُ، ويُترك المساكين))

[مسلم عن أبي هريرة]

 فإطعام الطعام بالذات من أعظم الأعمال, لكن هذا العمل بالذات فيه مزالق كثيرة؛ ممكن أن يكون عملاً بلا فائدة, ممكن أن يكون عملاً معه إثم, الهدف العلو, الاستكبار, التفوق, خطف الأضواء, خطف الأنظار, هذا ما لا يرضي الله عز وجل, وهذا الباب معقود عن إطعام الطعام.
 فلما سُئل سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام:

((أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: تُطعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

من توسل بإطعام الطعام إلى نشر الحق و تأليف القلوب فقد فاز فوزاً عظيماً :

 الحديث الثاني: قال عليه الصلاة والسلام:

((بينما رجلٌ يَمشي بطريق اشْتَدَّ عليه الحر، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ، يأكل الثَّرَى من العطش، فقال الرجلُ : لقد بلغ هذا الكلبَ من العطشِ مثلُ الذي بلغَ مِني، فنزل البئر، فملأَ خُفَّهُ ماء, -لا يوجد إمكانية, لا يوجد عنده غير خف- ملأ خفه ماء, ثم أمسكه بفيه – يريد أن يصعد, لا بد من أن يصعد-, ثم أمْسَكه بِفيهِ، حتى رَقِيَ، فسقى الكلبَ، فشكرَ اللهُ له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله ، إِن لنَا في البَهَائِمِ أجرا؟ فقال: في كُلِّ كَبدٍ رَطبَةٍ أجرٌ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]

 حدثني أخ عنده مزرعة في خان الشيح, قال لي: يوجد حولنا سبع عشرة مزرعة تقريباً, هؤلاء الرعيان في الصيف, في الحر الشديد, يدخلون الغنم للمزارع ليشربوا, قال لي: أينما دخلوا يخرجونهم, الله عز وجل أكرمه, كان يسمح لهم, بعد ذلك طور الأمر, عمل لهم مجراية عند الموتور طويلة جداً, لها سدتان, الغنمات يقفون بتسلسل يشربون, هذا غنم, ليس أشخاصاً.
 قال لي: جاءت سنة شحيحة, سبع عشرة مزرعة, الأبيار جفت إلا عندي, أبداً, قال لي: والله سبع عشرة مزرعة, الأبيار كلها نشفت, ويشترون الماء, ويتغلبون, والشجر يبس, إلا عندي لم يتغير.
 فإطعام البهائم, إطعام البشر, إطعام الفقراء، شيء عظيم.
 يروون طرفة أن أحد المفتين في الشام سابقاً -الشيخ عطا الكسم-, كان إذا دعا كبراء البلد يعمل لهم كشكة, أكلات رخيصة جداً؛ مجدرة, كشكة, وعندما يعزم الفقراء يطبخ اللحم, فكان أولاده يتضايقون فيقول لهم: يا بني! هذه الأكلات الأغنياء لا يأكلونها, ويحبونها كثيراً, أما اللحم ف منه.
 والله مرة كنت بعزيمة, رجل فقير يأكل أكلاً بشكل يصعب وصفه من جوعه, كل أربعة أقراص يأكلهم مع بعضهم من جوعه.
 أحياناً الإنسان من شهر لم يأكل اللحم, من شهرين, لذلك إطعام الطعام أحد أكبر الأعمال إلى الله عز وجل, الإطعام بنية عالية؛ إطعام طلبة العلم, إطعام الفقراء, إطعام المؤمنين ولو كانوا أغنياء, لكن أحياناً الطعام يجمع.
أثناء كنا في أمريكا, لفت نظري أنه ممكن أن تدعو الناس لدرس وراءه مثلاً ضيافة, الضيافة هذه تكون دافعاً أحياناً عند الضعاف, أو غير الضعاف.
 فلذلك إذا توسل الإنسان بإطعام الطعام إلى نشر الحق, إلى دعوة إلى الله, إلى تأليف القلوب، فهذا أعظم عمل.
 تصور إنساناً عنده أخت مثلاً, فعزمها هي وزوجها وأولادها, تشعر الأخت بنشوة لا توصف, أن أخاها عزمها, أي إطعام الطعام فيه إكرام, فيه مبالغة, الأخت أحياناً تُدعى إلى الطعام أمام أولادها, أمام زوجها, تعتز بأخيها.

الترحيب مع إطعام الطعام أبلغ من الإسراف في تقديم الطعام :

 لكن بالمناسبة لست مكلفاً أنت تتكلف:

((يا عائشة لا تكلفي للضيف فتمليه))

[كنز العمال عن عياض بن أبي قرصافة عن أبيه]

 كن طبيعياً, أحياناً الضيف لا يريد طعاماً نفيساً, يريد ترحيباً, الترحيب مع إطعام الطعام أبلغ من الإسراف في تقديم الطعام.
 أنت أكثر من الترحيب, وأكثر من الاهتمام, وتكلم بالحق, أبلغ ما أن تأتي بأصناف نادرة جداً في إطعام الطعام.
 إذاً هذا الذي سقى هذا الكلب غفر الله له, حسناً: بالبهائم؟
 قال:

((....في كُلِّ كَبدٍ رَطبَةٍ أجرٌ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]

 طائر, كلب, هرة, إذا أطعمتها ترقى عند الله عز وجل.

من حرم الناس الطعام و الشراب حرمه الله الجنة :

 وقال عليه الصلاة والسلام:

((ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إِليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؛ رَجُل على فَضْل ماء بِفَلاة يمنعه من ابن السبيل))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]

 هناك رواية فيها زيادة: يقول الله له يوم القيامة:

((اليومَ أمْنَعُكَ فَضْلِي كما مَنَعْتَ فضلَ ما لم تعمل يَدَاك))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]

 الآن: ما قولك أن بلداً مثل أستراليا تعدم عشرين مليون رأس غنم وتد فنهم في التراب للحفاظ على سعر اللحم المرتفع؟ ما قولك؟
 في بعض الولايات الأميركية محصول البرتقال كله يُتلف من أجل بقاء السعر مرتفعاً, فالفقراء الزنوج كانوا يتسللون محل إتلاف البرتقال ليأخذوه, هذا التسلل أزعجهم, في العام القادم سمموا البرتقال لكي لا يأكله زنجي, ملايين الأطنان تلقى في البحار أيضاً, أحياناً تلقى في البحار كميات من الزبدة, والحليب, كميات فلكية للحفاظ على الأسعار المرتفعة, والشعوب تموت من الجوع, الكافر وحش, المؤمن يوجد في قلبه رحمة.
 قال له:

((اليومَ أمْنَعُكَ فَضْلِي، كما مَنَعْتَ فضلَ ما لم تعمل يَدَاك))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]

 معنى هذا أن إطعام الطعام, والسقيا, موضوع السبيل, سقيا الناس الماء, هذا أيضاً من الأعمال الصالحة.

من ارتفعت معرفته بالله سمت نواياه :

 بقي أن هذه النية العالية من أين آتي بها؟ هذه من لوازم معرفة الله عز وجل, كلما ارتفعت معرفتك بالله تسمو نواياك, حتى لو دعوت الناس للطعام, النية عالية, فيه جمع المؤمنين, نية ترسيخ قواعد الإيمان, نية جبر الخاطر أحياناً.
 مرة حدثني أخ له زوجة, والدها متزوج امرأة ثانية على والدتها, والدتها مطلقة, فقال لي: بالعيد طلبت مني أن أزور والدها بمكان في بلودان, عنده والدها بيت فخم, عند أبيها أخواتها من الزوجة الجديدة, فالأب انزعج كثيراً, لم يرحب بها, لم يكرمها, والخطة أن يعزم بناته الأخريات من الزوجة الجديدة على الغداء, هذه البنت أعطاها عيدية رمزية, وقال لها: بنيتي الآن ليس وقتك, أي لا تمكثي طويلاً وصرفها.
 تقول هذه البنت: أكثر من عشر سنوات كلما تتذكر الحادثة تبكي من قهرها من والدها, الدنيا عيد, تعزم أخواتي, واللحم المشوي, وهذا الترتيب, وأنا ابنتك أيضاً, ادعوني معهن, وأمام زوجها صغرت.
 أحياناً الإنسان يعمل عملاً بمستوى جريمة وهو لا يشعر, أحياناً يحطم الإنسان تحطيماً.
 فالإنسان يجب أن ينتبه, كسر الخاطر صعب جداً جداً, والله كبير, فدائماً الإنسان عليه أن ينتبه, إطعام الطعام أحد الأعمال الصالحة, لكن يحتاج إلى نية عالية, أحياناً جبر خاطر, أحياناً تأليف قلوب, أحياناً تسميع الحق, أحياناً إطعام الفقراء, أحياناً الترحيب بطلاب العلم, أحياناً هناك جفوة بين أقربائه, عمل عزيمة جمع الأقرباء, أخواته هناك مشكلة بينهم فجمعهم.
 أنا أردت من هذا الدرس: لا تستهين بإطعام الطعام, إطعام الطعام عمل عظيم, لكن يحتاج إلى نوايا طيبة, يحتاج إلى معرفة بالله, ليكون إطعام الطعام وسيلة إلى جمع الناس.

والحمد لله رب العالمين