أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة يوسف - الدرس ( 21 - 58 ) : قصة سيدنا يوسف.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-19
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام... في سورة يوسف عليه السلام مواعظ بليغة، من هذه المواعظ:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾

 فهو يُدعا إلى متعة، في نظر أهل الأرض جميعاً، لكن لمعرفته بالله عزَّ وجل رأى أن السجن أحب إليه من مُتعةٍ بالحرام، فكلَّما ازداد إيمانك عَظمت عندك المَعصية، ولا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، أيْ بمقياس أهل الأرض الزنا لذَّة، أما عند هذا النبي الكريم وعند كل مؤمن..

﴿ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾

 وكل إنسان سالك طريق الإيمان يضحي في الدنيا كلها، بل يضحي بحريَّته من أجل ألا يعصي ربه، وهذه حقيقةٌ أولى.
الحقيقة الثانية، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)﴾

( سورة النساء )

 ويقول في آيةٍ أخرى:

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)﴾

 فمعنى ذلك أن أكبر خطر يؤْخَذ منه الإنسان هو المرأة، هناك مأخذان خطيران يأخذان الإنسان إلى طريق الهاوية ؛ المال والنساء، ومَنْ كان محصَّناً من هاتين النقطتين، ومن هاذين الخطرين نجا من الهلاك في الدنيا والآخرة.

(( ما تركت على أمتي بعدي فتنةً أضر على الرجال مِن النساء ))

( من الدر المنثور: عن " أسامة " )

 مأخذان ؛ إما المال أو المرأة، فيقول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)﴾

 الآن سيدنا يوسف يقول:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾

 هذا هو الافتقار إلى الله عزَّ وجل..

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾

 فإذا غضَّ الإنسان بصره واستقام هذا فضلٌ من الله كبير، أيْ أنَّ الله قواك على طاعته، وقوى لك مقاومتك، وإلا لو ضعفت المقاومة ينهار الإنسان، وقد تجد عقلاء وكُبَراء وقعوا في غرام امرأةٍ تافهةٍ، وهي أقل من زوجاتهم بكثير..

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

 أما كلمة (وأكن من الجاهلين) الإنسان إذا أحبَّ امرأةً في الحرام فهو في حضيض الجهل، الجهل ليس له قمة بل له حضيض، فهو في حضيض الجهل..

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾

 هذا أول افتقار إلى الله، وليس اعتداداً بالنفس، فإنسان يقول لك: أنا إرادتي قوية، أنا استقامتي تامَّة، هذا كلام فيه تألِّي على الله عزَّ وجل، اطلب من الله أن يعينك على طاعته، اطلب من الله أن يزيِّن لك الإيمان، وأن يحبِّبه في نفسك، وأن يكرِّه إليك الكفر والفسوق والعصيان.
 بالمناسبة: نبيٌ كريم يدخل السجن فما الحكمة من ذلك ؟ فإلى آخر الأيام، وإلى نهاية الدوران لعل مؤمناً دخل السجن ظلماً، فله في هذا النبي أسوةً حسنة. الله جعل أنبياءه الكرام قدوة، نبيٌ كريم كان أبوه كافراً، ونبيٌ كريم كان ابنه كافراً، ونبيٌ كريم كانت زوجته كافرة، ونبيٌ كريم لم يُنجب أولاداً، ونبيٌ كريم كان عَقيماً، الحالات المألوفة في البشر كلها موجودة في هؤلاء المُثُل العُليا، ونبيٌ كريم دخل السجن، فدخول نبيٌ كريم السجن هذا يطيِّب قلب أي مؤمن مظلومٍ دخل السجن إلى يوم القيامة.
والإنسان إذا مال إلى امرأةٍ ليست تَحِلُّ له فهو جاهل، وهو في حضيض الجهل كما يقول الله عزَّ وجل..

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)﴾

 أيها الأخوة... لو أن طبيب أطفال جاءه طفل حرارته مرتفعة، الطبيب المتفوِّق لا يُعطي خافض حرارة، بل يبحث عن أصل هذا المَرض، ارتفاع الحرارة عَرَض وليس مرضاً، الدعاة الصادقون، المؤمنون العاملون يفرِّقون بين الأعراض والأسباب، في عندنا عَرَض وفي عندنا سبب، فأنت حينما تُعالج العَرَض لا تكون طبيباً حكيماً، أما حينما تعالج السَبَب، فارتفاع الحرارة أحد أعراض التهاب حاد في الجِسم، فالطبيب الذي يعطي خفض للحرارة ليس طبيباً، أما الطبيب الذي يُعالج الالتهاب الذي من أعراضه هذه الحرارة هو الطبيب.
 فأحياناً تجد مشكلة لا تعالجها معالجة جُزْئِيَّة، هذه المشكلة هي عَرَض لمرض، مشكلة ثانية عَرَض لنفس المرض، مشكلة ثالثة عَرَض لنفس المرض، فالبطولة أن تعالج المَرَض، لذلك قد نعاني من ألف مشكلة كلها أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله عزَّ وجل؛ ضعف الأمانة، الأنانية، الكِبر، الابتزاز، كل ما يعاني منه المجتمع بسبب الإعراض عن الله، فأنت حينما تعالج هذه الأعراض معالجة جزئية لا تُفْلِح، ينبغي أن تعالج هذه الأعراض معالجة جذرية، ابحث عن أصل المرض.
 الإنسان حينما يُعرض عن الله يصبح أناني، يبتزُّ أموال الناس، يستعلي عليهم، يستَكْبِر، يُسْرِف، أما حينما يتصل بالله عزَّ وجل صار إنسان آخر ؛ صار يعطي، صار وقَّاف عند كتاب الله، صار مُنِْصف، فالبطولة أن تعالج سبب المرض لا أن تعالج أعراض المرض.

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

 الإنسان إذا رأى رؤيا، وكانت واضحةً جداً، كلما كانت واضحةً فهي من الله عزَّ وجل، فإن كان فيها مصير مؤْلِم فهي تحذير من الله، وهذه بشارة، فلو رأيت رؤيا مزعجة هذه دليل لفت نظر، إنذار مُبَكِّر، فإن استجاب الإنسان، وعاد إلى ما كان عليه، ولم يتورَّط في معصيةٍ، ولا في فسقٍ، أو فجورٍ، فالله عزَّ وجل يكشف عنه هذه الرؤيا التي رآها، فهي إنذار أو لَفْت نظر، أما الذي لا يعبأ بهذه الرؤيا تقع، إن عبأت بها، وخفت، وتراجعت، وتُبت، لا تقع، لأنها أدت وظيفتها، الرؤيا المُخيفة إنذار من الله عزَّ وجل.
 فإذا الإنسان رأى في المنام شيء مزعج، ولم يكن مستقيماً، بل كان منحرفاً، أو كان يهُم بمعصيةٍ، أو أراد أن يكيد لإنسان بريء، حينما يرى رؤيا مخيفة فهذه من الله عزَّ وجل تحذير وتنبيه، فإن رجع عن غيِّه الرؤيا لا تقع، أدت مهمتها، أيْ أنَّ الله عزَّ وجل لفت نظرك وأنت قد استجبت، وانتهى الأمر.
سيدنا يوسف عالج أصل المرض، وهو الشرك، فقال:

﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)﴾

 فأصل كل مَرَض الشرك، إن رأيت أن الله وحده بيده كل شيء، وأن الله وحده هو المُعطي هو المانع، هو الرافع هو الخافض، هو المعز هو المذل، وأن كل ما سوى الله مخلوقاتٌ ضعيفةٌ لا تملك لك نفعاً ولا ضراً، توجَّهت همَّتك إلى الله. ومثل بسيط:
لك معاملة تحتاج إلى توقيع، إلى موافقة، دخلت لدائرة تتألف من خمس طوابق فيها ألف موظَّف، أخبروك أن في هذه الدائرة إنسان واحد مخوَّل أن يوافق لك، هو المدير العام، هل يمكن أن تبذل ماء وجهك لغيره ؟ أبداً، إنسان واحد مخوَّل أن يوقِّع لك بالموافقة، تَطْرُق باب هذا الإنسان فقط، وتُهْمِل كل هؤلاء الموظَّفين.
 فكلَّما ازداد يقينك أن الله وحده هو الفعَّال، هو المتصرِّف، بيده الأمر، هو المعطي، هو المانع، هو المعز، هو المذل، هو الشافي، هو الرازق، ولا أحد سواه، توجهت همَّتك إليه، هذا التوحيد، فكلما توهَّمت أن في الأرض إنساناً بإمكانه أن ينفعك توجَّهت إليه، بإمكانه أن يضرُّك خِفت منه، هذا الشرك، فسيدنا يوسف لم يعطِ خافض الحرارة بل أعطى مزيل الالتهاب، لأن الحرارة المرتفعة عَرَض للمرض، فالبطولة لا أن تعالج العَرَض بل أن تعالج المَرَض، وهذه للدعاة مهمة جداً.
 فهذا الإنسان لمَ يعصِ الله ؟ لأنه يرى أن هذا الذي يعصي الله من أجله قوي وبإمكانه أن يعطيك، فحينما تعتقد أن الرزق بقدر الدعاية ولو كانت محرمة مثلاً، ممكن تربح عن طريق دعاية محرَّمة، فيها امرأة شبه عارية، وأنت مسلم تصلي بالمسجد، قد تتوهم أن هذه الدعاية مع هذه المرأة شبه العارية، هي سبب الرِزق، فيعصي الله ويتَّبع أساليب دُرِسَت في بلاد الغرب، وينسى دينه، فحينما تتوهم أن شيئاً غير الله هو الذي يرزقك سوى الله ؛ هو الذي يعطيك، هو الذي يمنعك، هو الذي يوقع الأذى بك هذا الشرك، فأنت حينما تعالج ينبغي أن تعالج أصل المرض لا تعالج العَرَض، العَرَض معالجته تأتي عفوية، وتأتي تحصيل حاصل

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾

 لكن إنسان له سبع سنوات بالسجن، وجاء أمر الإفراج عنه، لمَ يرفض ؟ رفض غير طبيعي، إنسان محكوم بالسجن سبع سنوات ثم جاء أمر بالعفو عنه، يمكن لو عرضت العفو على مليون سجين، فلا يتردد سجين منهم ثانية واحدة في أن يخرج، قال:

﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾

 ماذا يستنبط من هذا ؟ أن الإنسان سمعته أغلى من حرِّيته، فالإنسان المؤمن هو قدوة، فإذا اتُهِم تهمة ظالمة وهو بريءٌ منها، لو أنه استعاد حريته بقيت هذه التهمة مُلْصَقةً به، قال: لا أنا لا أخرج..

﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾

 الآن هل من الممكن الإنسان يُظْلَم ظلم ظاهري ؟ صارت مع نبي، دخل السجن لأنه تحرَّش بامرأة العزيز كما أُعْلِن، الحقيقة ليست كذلك، هي راودته عن نفسه.
 ما معنى اسم (الحق) الله هو الحق، اسم الحق أي هو الذي يُحِقُّ الحَق، قالت:

﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾

 إذا أنت على الحق لا تخف، الله عزَّ وجل يؤخر أحياناً إعلان الحقيقة، لكن لابدَّ من أن يظهرها بعد حين، ولحكمةٍ بالغة بالغة إن كنت على حق فلا تخش، وإن اتهمك الناس اتهاماً باطلاً، ولو كنت مظلوماً إذا كنت على حق لا تخشَ أحداً، بعد حين الله جلَّ جلاله يظهر الحق.
فسيدنا يوسف يعلمنا أن الإنسان سمعته رأسماله، أغلى شيء على الإنسان سمعته، والنبي يعلمنا، كان مع زوجته صفية فمرَّ صحابيان قال:

(( يا فلان هذه زوجتي صفية. فقال: يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لم أكن أظن فيك، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ))

( من تخاريج أحاديث الإحياء: عن " أنس " )

 فأنت وضِّح، بيِّن، أغلى شيء تملكه سمعتك، لأنه بسمعتك تنصح الناس، بسمعتك تؤثر في الناس، فإذا خُدِشَت هذه السمعة انتهيت، انتهت مصداقيتك، فسيدنا يوسف ما قَبِلَ أن تستعيد حريته دون أن تظهر براءته، والله عزَّ وجل هو الحق وهو الذي يُحِقُّ الحق.
حينما قال:

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

 معنى ذلك أن الإنسان إذا بإمكانه أن يقوم بعمل ينفع به الناس، وواثق من خبراته، وما أُعطي توجيهات ليس قانعاً بها، فإذا أُطلقت يده في أمر العامة، وبإمكانه أن ينفعهم، ينبغي ألا يتردَّد. هذه نأخذها بالتفصيل إن شاء الله في وقتٍ آخر.
آخر شيء:

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾

 هناك نفسٌ مطمئنة..

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)﴾

( سورة الفجر )

 وهناك نفسٌ لوَّامة..

﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾

( سورة القيامة )

 وهناك نفسٌ أمارةٌ بالسوء. ثلاث نفوس: نفسٌ أمارة بالسوء، ونفسٌ لوامة، ونفسٌ مطمئنة، فالله أثنى على المطمئنة واللوَّامة وذمَّ بالأمارة.

والحمد لله رب العالمين